الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
انفراد المالك بالخلق والتدبير والملك والتقدير:
أيها الإخوة الكرام، لازلنا في اسم المالك، من معاني هذا الاسم العظيم أن الله سبحانه وتعالى مالك:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (29)﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (95)﴾
فالمُلك لله في المبتدأ عند إنشاء الخلق فلم يكن أحد سواه، والمُلك لله في المنتهى عند زوال الكون فلم يبقَ أحد سواه، هو الملك من فوق عرشه، لا خالق، ولا مدبر للكون إلا الله، هو الملك المتصرف بالأمر والنهي في مملكته، هو القائم بسياسة خلقه، ملكه هو الحق الدائم بدوام الحياة، ولما كان الله تعالى هو المنفرد بالخلق والتدبير فإنه ينفرد بالمُلك والتقدير، وينفرد أيضاً بأنه المالك المستحق للملك، ولا مالك إلا الله.
الآن ولما ذكر الله ملكيته للأشياء، وأنه هو الذي يمنحها لمن يشاء، ذكر من لوازم المُلك القدرة، فالقدرة من لوازم ملكيته، فالمالك قدير، قال تعالى:
﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾
أي شيء في الكون يُملَّك يا رب أنت مالكه، ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ مرة كنت في بلد عربي، وحدثني طبيب قال: له زوجة على وشك الولادة، وفيها وضع عسر جداً، فاستشار أعلى طبيب في هذا البلد، فقال له: القضية سهلة، فلما طلب منه أن يستشير غيره أرغى وأزبد، وقال: ليس في هذا البلد كله طبيب في مستوى علمي، ارتكب هذا الطبيب خطأ لا يرتكبه طالب طب، وهذا البلد العربي لأول مرة منذ الاستقلال تُسحب من طبيب شهادته، نُزعت عنه هذه الشهادة.
أي ولو أنك عالم وتملك لكن حينما تعزو هذا إليك ينزعه الله منك، والقصص كثيرة، أي قد يغدو الإنسان فقيراً بعد أن كان غنياً، قد يغدو ضعيفاً ملقى في غياهب السجن بعد أن كان قوياً.
من افتقر إلى الله عز وجل كان الله معه:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ أي شيء تتصور أنك ملكته يُنزع منك في أية لحظة، وأحياناً هناك مواعظ كبيرة جداً، إنسان يملك أموالاً طائلة يعمل محاسباً ليأكل فقط، فكما أن الله إذا أعطى أدهش، إذا أخذ أدهش، الفاتحة:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)﴾
ورد في بعض الآثار أن القرآن كله جُمِع في الفاتحة، وأن الفاتحة جُمعت في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ نعبدك ونستعين على عبادتك بك، فلذلك أنت حينما تقف في الصلاة وتقرأ الفاتحة وسورة تركع خضوعاً لهذا الأمر، إذا قرأت بعد الفاتحة:
﴿ وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53)﴾
هذا أمر، ما معنى الركوع؟ يا رب أنا خاضع لهذا الأمر، ما معنى السجود؟ يا رب أعنِّي على تنفيذ هذا الأمر، الركوع خضوع، والسجود طلب المعونة من الله، هذا العبد شأنه الافتقار إلى الله، إذا افتقر العبد إلى الله كان الله معه.
درسا بدر وحنين كل مسلم بحاجة إليهما:
مرة ثانية أقول لكم: أنت في حاجة ماسة إلى درسين، درس بدر ودرس حنين، درس بدر قال الصحابة: الله، فنصرهم، في حنين قالوا وهم قمم البشر، ومعهم سيد البشر:
(( عن عبد الله ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خيرُ الصحابةِ أربعةٌ وخيرُ السرايا أربعمائةٍ وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ ولا يُغْلَبُ اثنا عشرَ ألفًا من قِلَّةٍ. ))
[ إسناده صحيح أخرجه أبو داود ]
اعتدوا بكثرتهم فلم ينتصروا.
﴿ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25)﴾
فلذلك جُمِع القرآن كله في الفاتحة، وجُمعت الفاتحة في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وأنت حينما تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي لا حول عن معصيته إلا به، ولا قوة على طاعته إلا به.
أي شيء تتوهم أنك تملكه الله عز وجل طليق الإرادة ويمكن أن ينزعه منك:
من هو سيد أهل العفاف؟ سيدنا يوسف، ماذا قال؟ قال:
﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)﴾
من هو سيد الموحدين؟ سيدنا إبراهيم، قال تعالى بدعاء سيدنا إبراهيم:
﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)﴾
فأي شيء يُملَّك، أو أي شيء تتوهم أنك تملكه الله عز وجل طليق الإرادة، يمكن أن يُنزع منك.
النبي عليه الصلاة والسلام قال لسيدنا معاذ:
(( عن أنس بن مالك: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لمعاذٍ ألا أُعلِّمُك دعاءً تدعو به لو كان عليك مثلُ جبلِ أُحُدٍ دَيْنًا لأدَّاه اللهُ عنك؟ قُلْ يا معاذُ: اللَّهمَّ مالِكَ الملْكِ تُؤتي الملكَ من تشاءُ وتنزِعُ الملكَ ممَّن تشاءُ وتُعِزُّ من تشاءُ وتُذِلُّ من تشاءُ بيدِك الخيرُ إنَّك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، رحمنَ الدُّنيا والآخرةِ ورحيمَهما، تعطيهما من تشاءُ وتمنعُ منهما من تشاءُ ارحَمْني رحمةً تُغنيني بها عن رحمةِ من سواك.))
[ الترغيب والترهيب: أخرجه الطبراني إسناده جيد ]
بالمناسبة الحديث الشريف:
(( فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ. ))
فقط، ما الذي منه؟ الإرادة فقط ((أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا)) لا نقول: أتلفها الله ((أَتْلَفَهُ اللَّهُ)) ((مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللَّهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللَّهُ)) .
يا معاذ ((ألا أُعلِّمُك دعاءً تدعو به لو كان عليك مثلُ جبلِ أُحُدٍ دَيْنًا لأدَّاه اللهُ عنك؟ قُلْ يا معاذُ: اللَّهمَّ مالِكَ الملْكِ تُؤتي الملكَ من تشاءُ وتنزِعُ الملكَ ممَّن تشاءُ وتُعِزُّ من تشاءُ وتُذِلُّ من تشاءُ بيدِك الخيرُ إنَّك على كلِّ شيءٍ قديرٌ، رحمنَ الدُّنيا والآخرةِ ورحيمَهما، تعطيهما من تشاءُ وتمنعُ منهما من تشاءُ ارحَمْني رحمةً تُغنيني بها عن رحمةِ من سواك)) .
الله عز وجل بيده كل شيء وهو على كل شيء قدير:
الله عز وجل يقول:
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1)﴾
أي سمعك بيده، بصرك بيده، عقلك بيده، يكون إنسان سيد البيت، أب، أولاد، بنات، أصهار، كنائن، مكانة، تجارة، يختلّ عقله، يذهب أهله إلى أقرب الناس إليهم يتوسطون لإيداعه في مستشفى المجانين، عقلك بيده، سمعك بيده، بصرك بيده، حركتك بيده، زوجتك بيده، يقول بعض العارفين بالله: أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، أحياناً يسلس قياد الزوجة، أحياناً تعانده.
أيها الإخوة؛ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
النبي الكريم لا يملك لأحد نفعاً ولا ضراً:
النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يقول؟ قل يا محمد لأصحابك:
﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)﴾
فإذا كنت لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً فمن باب أولى أنني لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، دقق أيها الأخ؛ سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، الذي اصطفاه الله على كل الأنبياء والرسل، والذي أقسم بعمره الثمين، والذي ما خاطبه باسمه أبداً:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64)﴾
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (41)﴾
هذا قمة البشر، ومع ذلك قل:
﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)﴾
هذه واحدة، قل لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾ .
﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)﴾
أربع آيات.
أي إنسان من المسلمين إلى يوم الدين ادّعى أنه يعلم الغيب فهو كاذب، اركل كلامه بقدمك، وأي إنسان من المسلمين إلى يوم الدين ادّعى أنه يفعل ولا يفعل اركل كلامه بقدمك، لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ ، ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾ ، ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ .
إخواننا الكرام؛ التوحيد شيء مهم جداً، إنسان يدّعي أنه يتنبأ الغيب، إنسان يدّعي أنه يفعل ولا يفعل، هذا كله من أنواع الشرك الخفي، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( عن محمود بن لبيد الأنصاري: إنَّ أخْوَفَ ما أخافُ عليكم الشِّركُ الأصْغَرُ، قالوا: وما الشِّركُ الأصْغَرُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: الرِّياءُ؛ يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ لهم يومَ القِيامةِ إذا جُزِيَ الناسُ بأعمالِهم: اذْهَبوا إلى الذين كنتُم تُراؤون في الدُّنيا، فانظُروا هل تَجِدون عِندَهُم جزاءً؟! ))
((إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الخفي، أما إني لست أقول إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله)) .
علاقة المؤمن باسم المالك:
أيها الإخوة؛ علاقة المؤمن بهذا الاسم، علاقته بهذا الاسم اعتقاد وسلوك، فالمؤمن ينبغي أن يعتقد أنه عبد في ملك سيده، وكلما تواضع العبد لربه رفعه الله، هل هناك من إنسان رفع الله ذكره كرسول الله وكان في أعلى درجات العبودية لله؟ علاقة المؤمن بهذا الاسم أن يعتقد أنه عبد في مُلك سيده، مستخلف في أرضه، أمين على ملكه، قد ابتلاه الله فيما أعطاه، امتحنك فيما أعطاك، أعطاك قوة، أعطاك مالاً، أعطك ذكاءً، أعطاك طلاقة لسان، أعطاك علماً، أنت ممتحن فيما أعطاك، امتحنه واسترعاه.
أنا ونحن ولي وعندي أربع كلمات مهلكات:
الآن هذا الإنسان أيَرُد الملك إلى المالك أم ينسب للمخلوق أوصاف الخالق؟ ماذا قال قارون؟
﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)﴾
ماذا قال فرعون؟
﴿ وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)﴾
ماذا قال أهل وجماعة بلقيس؟
﴿ قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ (33)﴾
ماذا قال إبليس؟
﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)﴾
أربع كلمات مهلكات: أنا، ونحن، ولي، وعندي.
الموحد الصادق يتحرى في قوله وفعله توحيد الله في اسمه المالك:
أيرد المُلك إلى المالك أم ينسب للمخلوق أوصاف الخالق فيتكبر على العباد بنعم الله ويتعالى عليهم بما منحه الله وأعطاه؟ فالموحد الصادق يتحرى في قوله وفعله توحيد الله في اسمه المالك، لا يتوكل إلا عليه، ولا يلجأ إلا إليه، لعلمه أن أمور الرزق بيده، وأن المبتدا منه والمنتهى إليه.
﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (25) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (26)﴾
﴿ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)﴾
من عرف نفسه حقّ المعرفة فهو إلى المالك الأوحد أذل من كل ذليل:
أيها الإخوة؛ المؤمن الموحد لله بهذا الاسم المالك ينبغي أن يعرف نفسه، وينبغي أن يعرف حقيقتها، وحقيقة النعم وملكيتها.
قلت لكم: سألوا راعياً يرعى الإبل: لمن هذه الإبل؟ قال: أجاب أدق إجابة رائعة، قال: هي لله في يدي، لمن هذا البيت؟ لله في يدي أسكنه، لمن هذه المركبة؟ لله في يدي، لمن هذه التجارة؟ لله في يدي، الإنسان مهما عرف نفسه حقّ المعرفة فإنه إلى المالك الأوحد أذلّ من كل ذليل.
أعرف رجلاً ذهب إلى باريس وجاء بشهادة عليا، تسلّم منصب معاون وزير لوزارة مهمة جداً، وهو يحمل شهادة عليا، وله زوجة تروق له، ومنزل بأرقى أحياء دمشق، ومركبة فاخرة، فقد بصره، فقال لأحد أصدقائه وهو صديقي، قال له: والله أتمنى أن أجلس على الرصيف وأتكفف الناس، وأن يردّ الله لي بصري، لا تملك شيئاً، ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ .
كن مع الله تر الله معـك واترك الكل وحاذر طـمعـك
وإذا أعطاك من يمنـعه؟ ثم من يعطـي إذا ما منعك؟
التذلل إلى الله يرفع شأن الإنسان ويعلي قدره ويلهمه السداد في القول والعمل:
المؤمن إذا عرف نفسه حق المعرفة فهو إلى المالك الأوحد أذلّ من كل ذليل، التذلل إلى الله عز، يرفع شأنك، يُعلي قدرك، يلهمك السداد في القول والعمل، يُطلق لسانك، أما إذا لم تكن عبداً لله، كن عبد الله فعبد الله حر، إن لم تكن عبداً لله فأنت حتماً عبد لعبد لئيم، إن لم تكن عبداً لله تنبطح أمام القوي، تتذلل أمامه، أما إذا كنت عبداً لله فأنت في عزّ ومنعة.
أحد خلفاء بني أمية جاء للحج قال: ائتوا لي بعالم أنتفع بعلمه، فذهبوا إلى الإمام مالك، فقال: قولوا له: العلم يُؤتى ولا يأتي، بلغوه، فلما قالوا له ذلك قال: صدق، أنا آتيه، أبلغوه أنه سيأتيك، قال: قولوا له: إن أتاني لن أسمح له بتخطي الرقاب، قال: صدق، أجلسوه على كرسي، فقال الإمام مالك: من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه، قال: خذوا عني هذا الكرسي.
أنت حينما تكون مع الله تكون عزيزاً، والمؤمن إذا آمن باسم الله المالك يشكره على ما أعطاه وأولاه، ويصبر عند المنع، لذلك قال ابن عطاء الله السكندري: ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء، ورد في بعض الآثار القدسية: أنا ملك الملوك ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالسخطة والنقمة، فلا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك، وادعوا لهم بالصلاح فإن صلاحهم بصلاحكم.
1 ـ يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاجه كل موجود:
أيها الإخوة؛ لو دققنا فيما نقول أي وصف للملكية لغير الله فهو وصف مجازي، على سبيل المجاز، لأن الملك هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاجه كل موجود، الملك الحقيقي الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، ويحتاجه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء، لا في ذاته ولا في صفاته، فهو مالك في ذاته، وفي وجوده، وفي صفاته، مستغنٍ عن كل شيء، يحتاجه كل شيء، هذا الوصف الدقيق للملك لا ينطبق إلا على الله، لا يوجد مالك حقيقي، حتى القوي الله سمح له أن يكون قوياً، بلحظة يفقد قوته.
كان هناك كتلة شرقية مخيفة تملك قنابل ذرية لا يعلم عددها إلا الله، ومع ذلك تداعت من الداخل، لا قوي إلا الله.
الآن كل من يصف نفسه بأنه مالك، مالك هذه الدار، مالك هذه الدكان، مالك هذه التجارة، صاحب هذه الشركة، هذا من باب المجاز، اعرف حجمك الحقيقي، رحم الله عبداً عرف قدره فوقف عنده.
2 ـ من معاني اسم المالك أنه مُمَلِّك:
الآن هناك معنى جديد، من معاني اسم المالك أنه مالك مُمَلِّك، مالك ومُمَلِّك، ولا يسمى المالك مالكاً إلا إذا ملّك، فالجهة التي لا تستطيع أن تملكك ليست مالكة، من لوازم اسم المالك أنه مُمَلِّك، لذلك الدليل الآية الشهيرة: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ هذه النواحي المادية، المعنوية: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لذلك مرة قرأت دعاء: اللهم إني أعوذ بك أن أكون عِبرة لأحد من خلقك، أي اللهم إني أعوذ بك أن أكون قصة، أحياناً إنسان ينهار يصبح حديث البلد، كيف انهار؟ كيف أُذِلّ؟ كيف كان جبّاراً ثم أُعدم؟ كيف؟ ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ .
3 ـ المُلْك الحقيقي أن تملك نفسك وهواك:
هناك معنى ثالث: المُلْك الحقيقي أن تملك نفسك وهواك، والدليل، سيدنا يوسف ماذا قال في القرآن؟ قال:
﴿ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)﴾
بعض علماء التفسير وجّه الآية أن هناك أقوياء كثر، وليسوا على ما ينبغي، أما أنت حينما تملك نفسك وهواك، أنت ملك، ملك حينما تملك نفسك وهواك.
ومرة قال أحد زعماء بريطانيا الذي حقق نصراً في الحرب العالمية الثانية: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا.
وأنا أقول دائماً: إن لم تكن طرفاً-دقق-في مؤامرة قذرة هدفها إفقار المسلمين، أو إضلالهم، أو إفسادهم، أو إذلالهم، أو إبادتهم، فأنت ملك، إن لم تكن طرفاً.
تعلمون أنه يوجد رئيس دولة عظمى أغرته امرأة في قصره، فتورط معها وكُتبت فضائحه في الإنترنيت في ألفي صفحة، دقائق فضائحه.
الملك من ضبط نفسه وكان أخلاقياً:
الإنسان متى يكون ملكاً؟ إذا ضبط نفسه، وكان أخلاقياً، هذا ملك.
أحد الشيوخ قيل له: أوصنا؟ قال: كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة، قال: وكيف؟ قال: ازهد في الدنيا تكن ملكاً في الدنيا، استغنِ عن الرجل تكن نظيره، احتج إليه تكن أسيره، أحسن إليه تكن أميره، الإنسان في أول ليلة في قبره ينادى: أن عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبقَ لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت، الإمام الحسن البصري سُئل: بمَ نلت هذا المقام؟ دقق، قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي، لو جاء وقت هذا الذي يحمل العلم استغنى الناس عن علمه، هو احتاج إلى دنياهم، انتهى، سقط العلم، إذا احتاج العالم إلى دنيا الناس، وزهد الناس في علمه سقط العلم، أما الحسن البصري سئل: بمَ نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي.
أنا أتمنى على كل داعية أن يكون له عمل يرتزق منه حتى لا يتضعضع أمام الأثرياء والأغنياء، اعمل واكسب رزقك بعزة نفس، ولا تتذلل لأحد، حتى أنه ورد: من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
الملف مدقق