وضع داكن
11-03-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 066 ب - اسم الله الصمد 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  الله عز وجل صمد يُقصد في الرغائب ويُستغاث به عند الشدائد:


أيها الإخوة الأكارم؛ لا زلنا في اسم الله الصمد، الله صمد، فالصمد هو المقصود في الرغائب، والمُستغاث به عند الشدائد، الإنسان يتمنى صحة، يتمنى زوجة صالحة، يتمنى رزقاً وفيراً، يتمنى مكانة اجتماعية، يسأل الله الرزق الحلال، الزوجة الصالحة، الأولاد الأبرار، إذاً الله عز وجل يُقصَد في خير الدنيا والآخرة، والمُستغاث به عند المصائب، هناك أمراض عضالة، كان عليه الصلاة والسلام يقول: "اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء".
فالله عز وجل صمد أي يُقصد في الرغائب، ويُستغاث به عند الشدائد، الصمد هو الذي تقدست ذاته عن إدراك الأبصار والعيان، وتنزه جلاله عن أن يدخل تحت الشرح والبيان، مهما تكن عاقلاً، مهما تكن متألقاً، لن تستطيع أن تُحيط بذات الله العلية، لا يعرف الله إلا الله، تقدست ذاته عن إدراك الأبصار، لذلك قال سيدنا الصديق: العجز عن إدراك الإدراك إدراك، شخص سألك: البحر المتوسط كم لتراً؟ أي رقم تعطيه إياه فأنت جاهل، إذا قلت: لا أدري فأنت عالم، وتنزّه جلاله عن أن يدخل تحت الشرح والبيان، الصمد الذي يُصمَد إليه أي يُقصد في الحوائج، ويُقصد إليه أيضاً في الرغائب.

على المؤمن أن يقيم اتصالاً مع الله عز وجل:


لا أعتقد أنه يوجد حديث صحيح يشرح هذا الاسم كقول النبي صلى الله عليه وسلم:

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: إنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حتَّى إذا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأوَّلُ، نَزَلَ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فيَقولُ: هلْ مِن مُسْتَغْفِرٍ؟ هلْ مِن تائِبٍ؟ هلْ مِن سائِلٍ؟ هلْ مِن داعٍ؟ حتَّى يَنْفَجِرَ الفَجْرُ.))

[ صحيح مسلم ]

من هو أعجز الناس؟ من عجز عن أن يسأل الله، ذكرت لكم إن الله يحب:

(( عن أنس بن مالك: لِيسأَلْ أحَدُكم ربَّه حاجتَه كلَّها حتَّى شِسْعَ نَعْلِه إذا انقطَع .))

[ صحيح ابن حبان ]

إن الله يحب من عبده أن يسأله ملح طعامه، إن الله يحب الملحّين بالدعاء، والعبادة دعاء، والدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ، والصمد الذي ينتظرك أن تسأله.

لا تسألــن بُنَيّ آدم حاجـــــة         وسل الذي أبوابه لا تغــــلق

الله يغضب إن تركت سؤاله         وبُنَيّ آدم حين يُسأل يغضب

[ الشافعي ]

* * *

أي عوِّد نفسك أن تقيم اتصالاً مع الله، عوِّد نفسك أن تناجيه، عوِّد نفسك أن تتجه إليه، عوِّد نفسك أن تسأله، أن تدعوه، أعرب عن ثقتك به، توكل عليه، كن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك.
 

اختيار الله جلّ جلاله هذا الاسم بذاته ليقصده عباده في المهمات في دنياهم ودينهم:


أيها الإخوة؛ الإمام الغزالي رحمه الله تعالى قال: الله جلّ جلاله اختار هذا الاسم لذاته ليقصده عباده في المهمات في دنياهم، وفي دينهم.
 أيها الإخوة؛ أنا لا أرى أن هناك ما يسمى بدنيا وآخرة، أنت موجود في هذه الدنيا، أنت بحاجة إلى خيري الدنيا والآخرة، الدليل الدعاء النبوي الشريف:

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: اللَّهُمَّ ‌أَصْلِحْ ‌لِي ‌دِينِي ‌الَّذِي ‌هُوَ ‌عِصْمَةُ ‌أَمْرِي، ‌وأَصْلِحْ ‌لِي ‌دُنْيَايَ ‌الَّتِي ‌فِيها ‌معاشِي، ‌وَأَصلِحْ ‌لِي ‌آخِرتِي ‌الَّتِي ‌فِيها ‌مَعادِي، ‌واجْعلِ ‌الحياة زيادة ‌لِي ‌فِي ‌كُلِّ ‌خَيْرٍ، ‌واجعلِ ‌الموت ‌راحةً ‌لِي ‌مِنْ ‌كُلِّ ‌شرٍّ». ))

[ صحيح الجامع ]

انظر إلى التوازن، الواقعية، الوسطية، ((أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا)) أن تعرف الحقيقة، أن تعرف العقيدة الصحيحة، أن تفهم كتاب الله فهماً عميقاً، أن تفهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، أن تعرف الأحكام الفقهية، أن تتأسى بسيد البرية، أن تجعل الصحابة قدوة لك، ((أصلح لنا ديننا)) أن تحمل نفسك على طاعته، أن تحمل نفسك على عمل صالح تتقرب به إليه، ((أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا)) ولم ينسَ الدنيا ((وأصلح لنا دنيانا)) المال قِوام الحياة، اطلب من الله رزقاً حلالاً، رزقاً طيباً، رزقاً وفيراً، رزقاً من طريق مشروع، رزقاً من تجارة شرعية لا من مواد محرمة، لا تطلب رزقاً بُني على إيذاء الناس، إلقاء الرعب في قلوبهم، لا تطلب رزقاً تبني به مجدك على أنقاض الآخرين، اطلب رزقاً طيباً حلالاً، ((أصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا)) أي يروى أن إنساناً قال: يا رب امتحنِي؟ أنزل بي المصائب؟ أنا أحبك، أنا أصبر على حكمك، أرسل له أقل مرض فلم يتحمل، فصار يقول للناس: استغفروا لهذا الكذاب، أما النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان في الطائف ماذا قال؟ قال: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وهواني على الناس، أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني أم إلى قريب ملكّته أمري؟ إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
 قال الهيثمي في مجمع الزوائد: فيه ابن إسحاق وهو مدلس ثقة، وبقية رجاله ثقات وضعف الألباني وغيره هذا الحديث 
الآن دققوا: ((غير أن عافيتك أوسع لي)) .
 

كل إنسان بحاجة إلى خيري الدنيا والآخرة:


تأدب مع الله، ولكن ((عافيتك أوسع لي)) من أخبرك أنك تستطيع أن تتحمل؟ اسأل الله السلامة، لذلك الدنيا ضرورية؛ مال وفير، أو مال يغطي حاجاتك، زوجة صالحة تتحصن بها، أولاد أبرار يملؤون البيت بهجة، سمعة طيبة، ((أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا)) الآخرة هي الأبد، فيها:

(( عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ، ما لا عَيْنٌ رَأَتْ- الجنة-ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ أبو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. قال أبو مُعاويةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالِحٍ: قرَأ أبو هُريرةَ: (قُرَّاتِ أعْيُنٍ). ))

[ متفق عليه  ]

 

من خسر الآخرة خسر كل شيء:


الحقيقة أكبر خسارة، أو الخسارة الحقيقية الذي يخسر الآخرة، قال تعالى:

﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)﴾

[ سورة الزمر ]

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

[ سورة آل عمران ]

بطولتك أن تنقل اهتماماتك للآخرة، أي الحديث الذي ذكرته لكم من قبل: وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبّ أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عمِلها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه، أي إذا تفضّل الله علينا، وأوصلنا إلى شفير القبر طاهرين فهذا مكسب عظيم، ((أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر)) النبي عليه الصلاة والسلام رأى جنازة، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( عن أبي قتادة أنَّ رسولَ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلم مرَّ عليْهِ جنازةٌ فقالَ: مستريحٌ ومستراحٌ منْهُ، فقالوا: ما المستريحُ وما المستراحُ منْهُ؟ قالَ: العبدُ المؤمنُ يستريحُ من نصَبِ الدُّنيا وأذاها، والعبدُ الفاجرُ يستريحُ منْهُ العبادُ والبلادُ والشَّجرُ والدَّوابُّ. ))

[ متفق عليه ]

فالبطولة أن يكون المرء عند الموت مستريحاً لا مُستراحاً منه.
 

علاقة الإنسان باسم الصمد:


الآن كنت أقول دائماً: أيها المؤمن لابدّ لك من موقف مع كل اسم من أسماء الله الحسنى، لك موقف، أو يوجد تطبيق عملي يخصك، فما علاقتك باسم الصمد؟ لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

[ سورة الأعراف ]

أنت حينما تعرف أسماء الله الحسنى تُقبِل عليه، تدعوه، تتجه إليه، تُعلِّق عليه الآمال، والله عز وجل كما أقول دائماً ينتظر منا أن نتخلّق بكمال من كمالات الله، يكون هذا الكمال قربة إلى الله، أي الله عز وجل رحيم، يمكن أن تتقرب إليه بأن ترحم خلقه، الله عز وجل عدل، يمكن أن تتقرب إليه إذا كنت منصفاً، فلذلك من أدب المؤمن مع هذا الاسم ألا يقصد بحوائجه غير الله، أن يكون مُوحّداً، وألا يُعَوِّل إلا على الله، ثقته بالله، أمله بالله، اعتماده على الله، توكله على الله، لا يخاف إلا الله، من أدب المؤمن مع هذا الاسم ألا يقصد بحوائجه، برغائبه، إلا الله، وألا يعتمد إلا على الله، هذا من أدب المؤمن مع هذا الاسم.
 

أكبر أسباب العذاب الذي يصيب الإنسان أن يدعو مع الله إلهاً آخر:


لذلك هناك قول أنا أراه من أدق أدق الأقوال، قول جامع مانع: لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، لا تخف من أحد، لا تخف من الطغاة، خف من أن تذنب، عندئذٍ يسمح لهؤلاء الطغاة أن يصلوا إليك، فإذا أرضيته، واستقمت على أمره أبعدها عنك، وإذا قصرت في حق من حولك، ولم تؤدِ ما عليك سمح لها أن تصل إليك، هذا ملخص الملخص، الحقيقة هذه وردت في هذه الآية:

﴿ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

[ سورة هود ]

دققوا: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لا يخافن العبد إلا ذنبه، لا تخف من الأقوياء، خف أن تخطئ، أو أن تظلم فالأقوياء يصلون إليك، قال تعالى:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾

[ سورة النحل  ]

﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ* إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ فالمؤمن لا يخاف إلا ذنبه، وعندما يقع في مشكلة لا يرجو إلا ربه، لا يخاف إلا ذنبه، إذا وقع في مشكلة لا يرجو إلا ربه، هو المُعَوَّل عليه، لذلك قال تعالى:

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213)﴾

[ سورة الشعراء ]

أحد أكبر أسباب العذاب أن تدعو مع الله إلهاً آخر.
 

من تطبيقات الصمد أن يتخلّق الإنسان بهذا الاسم فيجعل نفسه مقصوداً من قبل الناس:


من تطبيقات هذا الاسم أن يتخلّق الإنسان بهذا الاسم-دقق الآن معنى آخر-فيجعل نفسه مقصوداً من قِبَل الناس، أي يفتح بابه لهم، يُصغي إليهم، يسعى لحلّ مشكلاتهم، يحمل همومهم، يُعين فقيرهم، يُنصف مظلومهم، أي هذا الإنسان خرج من ذاته لخدمة الخلق، هذا الإنسان حمل همّ الناس، فلذلك التطبيق الأكبر لهذا الاسم، الله عز وجل يُقصَد في الحوائج والرغائب، وأنت كمؤمن ينبغي أن تخدم الناس خدمة يجعلونك مقصوداً في حوائجهم، وفي رغائبهم ، وهذا هو الغنى الحقيقي، هذا هو النجاح، هذا هو الفلاح، أن يزداد عملك الصالح، الغنى والفقر بعد العرض على الله، بل إن الغنى الحقيقي هو غنى العمل الصالح.

﴿ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)﴾

[ سورة القصص ]

إذاً من تطبيقات هذا الاسم أن يتخلّق الإنسان بهذا الكمال فيجعل نفسه مقصوداً من قِبَل الناس للخير، مُعيناً لهم على حوائجهم، إذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، إذا أحبّ الله عبداً جعله مقصوداً، وقد يزداد الضغط عليه، وقد يُسأل ليلاً نهاراً، هذا فضل من الله عز وجل، سمح لك أن تُعطي، سمح لك أن تُنفق، سمح لك أن تكون مقصوداً، هذا فضل كبير، أنت تُعطي وغيرك يأخذ، جعلك قوياً ولم يجعلك ضعيفاً، جعلك صحيحاً، ولم يجعلك مريضاً، جعلك غنياً ولم يجعلك فقيراً، من هنا قيل كما ورد في الحديث الصحيح:

(( عن عبد الله بن عمر: أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ، وأَحَبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، تَكشِفُ عنه كُربةً، أو تقضِي عنه دَيْنًا، أو تَطرُدُ عنه جوعًا، ولأَنْ أمشيَ مع أخٍ في حاجةٍ؛ أَحَبُّ إليَّ من أن أعتكِفَ في هذا المسجدِ–أي جدَ المدينةِ-شهرًا، ومن كظم غيظَه ولو شاء أن يُمضِيَه أمضاه؛ ملأ اللهُ قلبَه يومَ القيامةِ رِضًا، ومن مشى مع أخيه في حاجةٍ حتى يَقضِيَها له؛ ثبَّتَ اللهُ قدمَيه يومَ تزولُ الأقدامُ. ))

[ أخرجه الطبراني: حسن لغيره ]

طبعاً هناك معنى مخالف، معنى عكسي، وأبغضهم إلى الله الذي يوقع الأذى بالعباد، يُلقي في قلوبهم الرعب، يبتز أموالهم، يغشهم، يحتال عليهم، ((أَحَبُّ الناسِ إلى اللهِ أنفعُهم للناسِ)) .
 

أعظم الأعمال الصالحة ما استمر بعد موت الإنسان:


هناك حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عن أنس بن مالك: إذا أراد الله بعبد خيراً استعمله، فقيل له: كيف يستعمله يا رسول الله؟ قال: يُوَفِّقُهُ لعمل صالح قبل الموت. ))

[ الترمذي: حسن صحيح ]

أي بعد أن تعرف الله الذكاء كل الذكاء، العقل كل العقل، النجاح كل النجاح،الفلاح كل الفلاح، التوفيق كل التوفيق، أن يكون لك عمل صالح كبير، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، بل إن أعظم الأعمال الصالحة ما استمرّ بعد موتك، أنشأت ميتماً، أنشأت ثانوية شرعية، ألّفت كتاباً نافعاً، تركت ولداً صالحاً، تركت صدقة جارية، طبعاً بالمقابل: وأسوأ عمل شرير، سيئ، مفسد أن يستمر من بعدك، أنشأ ملهى، ومات والملهى مستمر في إفساد الناس، أحياناً تقرأ آية كريمة لا شك أنها تهزّ مشاعرك، حينما قال الله عز وجل لسيدنا موسى:

﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾

[ سورة طه ]

أي كلام قاله بعض علماء القلوب، سأله أحد الطلاب: كم الزكاة سيدي؟ طبعاً الإجابة، قال له: عندكم أم عندنا؟ قال له: عجيب! ما عندنا وما عندكم؟ قال له: عندكم اثنان ونصف في المئة، أما عندنا العبد وماله لسيده.

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162)﴾

[ سورة الأنعام ]

هذه ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ أي وقتك، مالك، ذكاؤك، طلاقة لسانك، خبراتك كلها في خدمة الخلق، هذه حالة اسمها:

﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11)﴾

[ سورة الواقعة ]

هناك درجات عالية عند الله، هذا الذي خرج من ذاته كلياً، وجعل كل وقته، وكل ماله، وكل صحته، وكل قدراته، وكل خبراته، وكل طاقاته في سبيل الله، هذا إنسان تنطبق عليه الآية الكريمة: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ .
 

من كان الله هو المقصود في أهدافه فهو في سعادة لا يعرفها إلا من فقدها:


أيها الإخوة؛ انطلاقاً من هذا الاسم كما ورد في الحديث الشريف الصحيح:

(( عن أنس ابن مالك: الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله. ))

[ أخرجه أبو يعلى والبزار: ضعيف جداً ]

كما أن الصمد هو المقصود في الحوائج كلها، كذلك أنت أيها المؤمن بحبك للخير، بحبك لخدمة الخلق، ينبغي أن تكون مقصوداً في الشدائد كلها، لذلك أقول لكم هذه الكلمة قرأتها مرة في مجلة: إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، فأنت أسعدهم، اخرج من ذاتك لخدمة الخلق، عندئذٍ يتولى الله شؤونك كلها، هم في مساجدهم والله في حوائجهم، من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوقف ما أعطي السائلين، أنت مهتم بعبادي؟ مهتم بأحوالهم؟ بهدايتهم؟ مهتم بصحتهم؟ تعتني بفقيرهم؟ تعتني بمريضهم؟ تعتني بامرأة أرملة تُعِينها على أداء ما هي مكلفة به من أيتام؟ تهتم بالآخرين؟ فأنت الأمور كلها ميسرة لك، إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين، هل تحمل همّ المسلمين؟ هل يؤلمك ما يؤلمهم؟ هل يُسعدك ما يسعدهم؟ هل تحاول أن تُخفف عنهم؟ هل لك رسالة في الحياة؟ هل تعيش لأهداف صغيرة محدودة أم أنك تحمل رسالة تحب أن تؤديها؟ هل تختار هدفاً؟ لك هدف؟ سافرت شرقاً وغرباً لفت نظري أن الناس هناك وهناك ليس لهم أهداف إلا المتعة، الاستمتاع والرخاء، أن يأكل ويشرب، يشاهد فيلماً، أن يستمتع بالحياة فقط.
تأتي إلى بلاد المسلمين لا يوجد مسلم لا يوجد عنده همّ، همّ مقدس، أن يعين إخوانه، يهدي الآخرين، يقدم عملاً صالحاً، فلذلك ينبغي أن تكون لك رسالة، وينبغي أن يكون لك هدف، فإذا كان الله سبحانه وتعالى هو المقصود فأنت في سعادة لا يعرفها إلا من فقدها، إلهي أنت مقصودي ورضاك مطلوبي.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور