وضع داكن
11-03-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 066 أ - اسم الله الصمد 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى الصمد:


أيها الإخوة الأكارم؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الصمد.
 

ورود اسم الصمد في القرآن الكريم في سورة الإخلاص فقط ووروده في السنة الشريفة:


اسم الله الصمد ورد مع اسمه الأحد في سورة الإخلاص فقط، قال تعالى:

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)﴾

[ سورة الإخلاص ]

وقد ورد هذا الاسم أيضاً في السنة النبوية الصحيحة في عدة مواضع،

(( منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه من حديث طويل يقول النبي صلى الله عليه وسلم: يقولُ اللهُ تعالى كذَّبني ابنُ آدمَ ولم يكُنْ له أن يُكَذِّبَني، وآذاني ابنُ آدمَ ولم يكُنْ له أن يؤذِيَني، أما تكذيبُه إيَّاي فقولُه: لن يُعيدَني كما بدَأني، وليس أولُ الخلقِ أهوَنَ عليَّ مِن آخرِه، وأما أذاه إيَّاي فقولُه: إنَّ لي ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ الذي لم يلِدْ ولم يولَدْ ولم يكُنْ له كفوًا أحدٌ. ))

[ صحيح البخاري ]

وعند البخاري أيضاً

(( من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: أَيَعْجِزُ أحدُكُم أَن يقرأ ثُلث القرآن في ليلة؟ فشقَّ ذلك عليهم، وقالوا: أَيُّنا يُطيق ذلك يا رسولَ الله؟ فقال: الله أحد، الله الصمد ثلثُ القرآن. ))

[ صحيح البخاري ]

وفي صحيح مسلم

(( من حديث أبي هريرة: خرج إِلينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أقرأُ عليكم ثلث القرآن؟ فقرأ: قُلْ هُوَ الله أَحَد، الله الصمَدُ حتى ختمها. ))

[ صحيح مسلم ]

(( وروى أبو داود من حديث أُبيّ بن كعب رضي الله عنه: قال: كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوتر -أي يقرأ في صلاة الوتر-ـ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، و: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، و: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. ))

[ أبو داود ]

في هذه الأحاديث الصحيحة، وفي تلك السورة الوحيدة ورد اسم الصمد.
 

الصمد في اللغة:


أيها الإخوة؛ الصمد في اللغة صفة مشبهة لمن اتّصف بالصمدية، الفعل صمد يصمد صمداً، هذا الفعل يأتي على عدة معانٍ، منها السيد المُطاع، الصمد السيد المُطاع الذي لا يُقضى دونه أمر، بالتعبير المعاصر: بكل تجمع يوجد رجل قوي لا يُقضى دونه أمر، هذا هو الصمد بالمعنى اللغوي، ومنها الصمد الذي يُطعِم ولا يُطعَم، ومنها الصمد هو السيد الذي ينتهي إليه السؤدد في كل شيء، كل أنواع العظمة تنتهي إليه، فله الصمدية المطلقة.
وقيل: الصمد هو الدائم الباقي بعد فناء خلقه، وقيل: الصمد هو الذي يُصمَد إليه الأمر، أي يَرجع إليه الأمر، فلا يُقضى دونه، وليس فوقه أحد.
وقيل: الصمد الذي صمد إليه كل شيء، أي الذي خلق الأشياء كلها، ولا يستغني عنه شيء، كل هذه المعاني لكلمة الصمد تتمحور حول وحدانية الله جلّ جلاله.
 

الأقوال المتعددة في الصمد:


الإمام البخاري في باب قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ يقول: العرب تُسمِّي أشرافها الصمد، هو السيد الذي انتهى إليه المجد.
وقال أحد العلماء: الاسم الصمد فيه أقوال متعددة، قد يُظن أنها مختلفة وليست كذلك، بل كلها صواب، أما المشهور من هذه الأقوال المتعددة قولان، أحدهما أن الصمد هو الذي لا جوف له، أي أصم، أحياناً تنقر على طبل يُصدر صوتاً، أما لو نقرت على صخر لا يوجد صوت أبداً، لأن الصخر لا جوف له، لا يوجد فراغ بالداخل، أصم، ممتلئ.
الصمد هو الذي لا جوف له، والثاني الصمد هو الذي يُصمَد إليه في الحوائج أي يُقصد إليه في تلبية الحوائج.
وابن الجوزي يقول: الصمد أربعة أقوال، أحدها أنه السيد الذي يُصمَد إليه في الحوائج، والثاني أنه لا جوف له، والثالث أنه الدائم، والرابع الباقي بعد فناء خلقه، وأصح الوجوه الأول، لأن الاشتقاق يشهد له بذلك.
أيها الإخوة؛ أصل الصمد القصد، تقصد أنت عندما تكون في ضائقة تقصد من؟ القوي، تقصد من؟ الغني، تقصد من؟ من بيده كل شيء، تقصد من؟ القادر، معنى القوي، معنى الغني، معنى القادر، معنى الواحد لا ند له، لا شريك له، هذه المعاني كلها يمكن أن تعبر عن معنى الصمد، أي المؤمن مع الواحد الأحد، الفرد الصمد، المؤمن مع القوي، المؤمن مع الغني، المؤمن مع القدير، إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان الله عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟
 

سرّ عظمة المؤمن الإقبال على الله عز وجل:


إخواننا الكرام؛ الفقهاء لهم عبارة نحتاجها الآن، لا تجوز الزكاة لطفل، أو لابن الغني، طفل صغير، لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، لكن لأنه ابن غني لا تجوز الزكاة عليه، لماذا؟ قال: لأن الطفل طفل الغني غني بغنى أبيه، يُعَدّ غنياً لأن أباه غني.
طبق هذا المثل على المؤمن، المؤمن قوي بقوة الله، المؤمن غني بغنى الله، المؤمن قادر بقدرة الله، أنت حينما تلتجئ إلى الله، وتتجه نحوه، وتتوكل عليه، وتُقبل عليه، تكون قوياً، وغنياً، وعالماً، وحكيماً، هذا سرّ عظمة المؤمن.
أيها الإخوة؛ كلمة مؤمن كلمة كبيرة جداً، أي بمصطلحات البشر أنت حينما تقول: دكتور، أي يقرأ ويكتب أولاً، يحمل شهادة ثانوية، يحمل لسانس، يحمل دبلوم، يحمل ماجستير، يحمل دكتوراه، أي له مؤلفات، ترك آثاراً علمية، التحق بالجامعات، له أساتذة، لمجرد أن تقول كلمة دكتور، كل هذه المعاني يمكن أن تنسحب عليه، الآن لو قلت: كلمة مؤمن، المؤمن مرتبة أخلاقية، المؤمن مرتبة علمية، المؤمن مرتبة جمالية، يتميز المؤمن أنه عرف الحقيقة العظمى، عرف الله، يتميز المؤمن أنه أخلاقي، يتميز المؤمن بأن له أذواقاً جمالية رائعة جداً، فكلمة مؤمن مرتبة كبيرة جداً.
 

خلاصة المعاني في الصمدية:


أيها الإخوة؛ لازلنا في اسم الصمد، خلاصة المعاني في الصمدية أن الصمد هو السيد الذي له الكمال المطلق.
مرة ثانية أبين لكم الإنسان كماله نسبي، أي قاضٍ من بني البشر نَصِفه بأنه عادل إذا معظم أحكامه صحيحة، فهذا الحكم نسبي، أصدر ألف حكم هناك أربعة أحكام ليست صحيحة، لا لسوء ظن منه، ولا لسوء تصرف، لكن هناك معلومات لم يصل إليها، فلم يأتِ حكمه صحيحاً، نقول: هو قاضٍ عادل، أما إذا قلنا: الله عدل، نَصِف الله بالعدل، والعدل إذا نُسِب إلى الله فهو صفة مطلقة، أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يكون في الكون من آدم إلى يوم القيامة من يُظلَم.

﴿ الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17)﴾

[  سورة غافر  ]

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (49)﴾

[ سورة النساء ]

﴿ فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)﴾

[ سورة العنكبوت ]

﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (47)﴾

[ سورة الأنبياء ]

إذاً الصمد من له الكمال المطلق في كل شيء، وهو المستغني عن كل شيء، وكل من سواه مفتقر إليه، في كل شيء، ويُصمَد إليه؛ يُلجأ إليه، ويعتمد عليه، وهو الكامل في جميع صفاته وأفعاله، لا نقص فيه لوجه من الوجوه، وليس فوقه أحد في كماله، وهو الذي يصمد إليه الناس في حوائجهم، وسائر أمورهم، فالأمور أُصمِدت إليه، وقيامها وبقاؤها عليه، لا يقضي فيها غيره، وهو المقصود في الرغائب، والمستغاث به عند المصائب، وهو الذي يُطعِم ولا يُطعَم، و:

﴿ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)﴾

[ سورة الإخلاص ]

هذا الإله العظيم ألا يُخطب وده؟ ألا تُرجى جنته؟ ألا تُخشى ناره؟ هذا الإله العظيم يُعصى؟! لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر على من اجترأت.
أيها الإخوة؛ هذه المعاني التي يمكن أن نستنبطها من اسم الصمد.
 

علامة محبة الله عز وجل للعبد جعل حوائج الناس إليه:


الآن حقيقة دقيقة جداً تتعلق بنا نحن المؤمنين، الحقيقة أن الله عز وجل إذا أحبّ عبداً جعل حوائج الناس إليه، لا تضجر إذا أقبل الناس عليك، لا تضجر إذا طُرِق بابك كثيراً، لا تضجر إذا تحلّق الناس حولك، إذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس إليه، علامة محبة من الله، عبادي الخير بيدي والشر بيدي،

(( عن أنس بن مالك: إن من الناسِ مفاتيحُ للخيرِ، مغاليقُ للشرِ، وإن من الناسِ مفاتيحُ للشرّ، مغاليقُ للخيرِ، فطوبى لمن جعلَ اللهُ مفاتيحَ الخيرِ على يديهِ، وويلٌ لمن جعلَ الله مفاتيحَ الشرِّ على يديهِ.))

[ أخرجه ابن ماجة: خلاصة حكم المحدث: حسن بمجموع طرقه ]

إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، ما دورك في الحياة؟ ما وظيفتك؟ هل تُلقي الحقائق على الناس أم تُلقي عليهم الضلالات؟ هل تُلقي في قلوبهم الأمن أم تُلقي في قلوبهم الخوف؟ هل تأخذ منهم ما لك عندهم أم تأخذ منهم ما ليس لك عندهم؟
أيها الإخوة؛ ينبغي لكل واحد أن يُحاسب نفسه حساباً عسيراً في الدنيا، حتى يكون حسابه يسيراً يوم القيامة، من حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً، ومن كان يُحاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً.

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93)﴾

[ سورة الحجر ]

   

الإنسان الأحمق من توهم أنه لا يوجد حساب وعذاب بعد الموت:


هناك سؤال:

﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (39)﴾

[ سورة القيامة ]

أي أن يتوهم الإنسان أنه لا حساب، ولا عذاب، هذا غباء ما بعده غباء، وهذه سذاجة ما بعدها سذاجة، ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ قال تعالى:

﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115)﴾

[ سورة المؤمنون ]

 

أنواع الإيمان:

 

1 ـ الإيمان الحسي:

أيها الإخوة؛ أجمع العلماء على أن الإيمان أنواع منوعة، هناك إيمان حسي، أنا أرى أن الضوء متألق، هذا إيماني حسي، أرى تألق الضوء بعيني، أنا أستمع إلى الصوت بأذني، أنا ألمس هذه الطاولة بيدي، هذا إيمان حسي، هذه دائرة. 

2 ـ الإيمان العقلي:

لكن هناك إيمان عقلي، أنا أوقن أن في هذا المسجد كهرباء، مع أني لا أراها لكن أرى آثارها، أرى آثارها كتكبير الصوت، أرى آثارها كتألق المصابيح، أرى آثارها كعمل المكيف، هذه آثار الكهرباء، فالإيمان بوجود كهرباء في المسجد إيمان عقلي وليس إيماناً حسياً، هناك إيمان حسي، أداته الحواس الخمس، وهناك إيمان عقلي، أداته العقل، الإيمان الحسي شيء ظهرت عينه وآثاره، فالإيمان به بالحواس الخمس، أما الإيمان العقلي شيء غابت عينه، وبقيت آثاره، تألق المصباح، وعمل المكيف، وتكبير الصوت، لكن هذه الخزانة مهما تكن ذكياً، مهما تكن ألمعياً، مهما تكن عبقرياً، هل تستطيع أن تخبرني ما بداخل هذه الخزانة؟ أبداً، إلا أن يأتي إنسان صادق يقول لك: فيها أجهزة الصوت. 

3 ـ الإيمان الإخباري:

الإيمان الثالث إيمان إخباري، هناك إيمان حسي أدواته الحواس الخمس، وهناك إيمان عقلي أدواته العقل، وهناك إيمان إخباري، الإيمان الحسي لشيء ظهرت عينه وآثاره معاً، فالحواس الخمس أو استطالات الحواس الخمس كالميكروسكوب، والتليسكوب، أما الإيمان العقلي لشيء غابت عينه، وبقيت آثاره، كالإيمان بالله عز وجل، الكون ينطق بوجوده، ووحدانيته، وكماله، كل شيء في الكون آية تدل عليه، فالإيمان بالله إيمان عقلي.
لكن الإيمان بالآخرة، الإيمان بالملائكة، الإيمان بالجن، المَلك غابت عينه وآثاره، والجن غابت عينه وآثاره، فالشيء الذي غابت عينه وآثاره هذا عالم الغيب، الإيمان به بدليل إخباري، أي الله عز وجل أخبرنا أنه بعد الموت جنة أو نار، الله عز وجل أخبرنا أن هناك ملائكة يسبحون الله، الله أخبرنا أن هناك الجن، مخلوقات، هذا إيمان إخباري.
 

الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي حسب رأي ابن قيم الجوزية:


إلا أن أحد العلماء الكبار وهو ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن الإيمان-دققوا-أن الإيمان باليوم الآخر إيمان عقلي، لأن العقل لا يقبل أن هذا الكون العظيم، هذه القدرة الهائلة، هذه الحكمة الحكيمة، هذا الخلق الرائع، هذا التنوع في المخلوقات، هذه الدقة في الصنع، يُقابلها ظلم، هناك غني وهناك فقير، هناك قوي وهناك ضعيف، هناك صحيح وهناك مريض، هناك وسيم وهناك دميم، ابن القيم رحمه الله تعالى يرى وينفرد أن الإيمان باليوم الآخر هو إيمان عقلي أيضاً، فضلاً عن أن الإيمان باليوم الآخر إيمان إخباري هو إيمان عقلي لأن العقل السليم لا يقبل أبداً أن تنتهي الحياة، وهناك مظلوم، وهناك غني شحيح، وهناك فقير مُعدم، وهناك دول طاغية، وهناك دول تعاني ما تعاني من سيطرة هذه الدول، لا تُفهم الحياة على حقيقتها إلا باليوم الآخر.
 

العاقل من لا يوازن بين شيئين إلا إذا أضاف مصيره في الآخرة مع وضعه في الدنيا:


وأنا أنصح الإخوة الكرام؛ لا توازن بين شيئين، لا توازن بين شخصين، لا توازن بين عملين، لا توازن بين مجموعتين، لا توازن بين نشاطين، إلا إذا أضفت مصيره في الآخرة مع وضعه في الدنيا، ثم وازن، لا توازن بين مجتمعين، ولا بين مؤسستين، ولا بين تجارتين.
الآن أربح أنواع التجارات تجارة المخدرات، أي المخدرات من مكان زراعتها إلى مكان بيعها هناك ألف ضعف، كل التجارات في الأرض الربح بالمئة عشرة، بالمئة خمسة عشر، بالمئة عشرون، أما المخدرات أرباحها ألف ضعف، بين مكان زراعتها ومكان استهلاكها يوجد ألف ضعف.
فلذلك الإيمان باليوم الآخر عند ابن القيم إيمان عقلي، لأن الله سبحانه وتعالى كماله مطلق، ويستحيل أن يدع عباده بلا حساب، ولا محاسبة، ولا مسؤولية، والمؤمن لمجرد أن يعتقد أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، يستقيم على أمر الله، الإيمان من أجل أن تستقيم، الإيمان من أجل أن تأتي الله يوم القيامة طاهراً، نقياً، مستقيماً.
 

معرفة أسماء الله الحسنى معرفة مصيرية تحدد حركة الإنسان في الحياة:


هناك دروس مصيرية، صدق أيها الأخ الكريم أن معرفة أسماء الله الحسنى معرفة مصيرية، أي تُحَدد لك حركتك في الحياة، إله عظيم يُحاسب على كل سلوك، على كل حركة، وعلى كل سكنة، جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: يا رسول الله، عظني ولا تُطِل؟ لا تُطِل عليّ، فتلا عليه النبي قوله تعالى:

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾

[ سورة الزلزلة ]

قال: كُفيت، المصحف ستمئة صفحة، وهناك ملايين الكتب، وملايين المحاضرات، والمؤتمرات، والندوات، والنشرات، تلا عليه آية واحدة، قال: كُفيت، فقال عليه الصلاة والسلام: فَقُه الرجل، أي صار فقيهاً، فَقُه غير فَقِه، فَقِه باللغة أي عرف الحكم، أما فَقُه أصبح فقيهاً، من آية واحدة.
ونحن أيها الإخوة؛ حينما نؤمن أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، لا يمكن أن نعصيه، أنت كإنسان مع وزارة المالية، وأنت مستورد، إذا أغفلت صفقة استوردتها، ولم تُخبِر بها المالية، والمالية عندها وثائق لكل مستورداتك، فإذا فعلت هذا معها أهدرت حساباتك، وكلفتك ضريبة أضعافاً مضاعفة، لماذا لا يمكن أن تُغفل صفقة استوردتها أمام إنسان لكن يملك المعلومات الدقيقة عنك؟ أنت مع إنسان عادي يعلم، يطولك علمه، وتطولك قدرته لا يمكن أن تعصيه، مع إنسان، أي إنسان أقوى منك يطولك علمه وتطولك قدرته لا تعصيه، فإذا أيقنت أن الله يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب تستقيم على أمره.
لذلك معرفة أسماء الله الحسنى من أجل أن تستقيم على أمره، ومن أجل أن تأتيه يوم القيامة طاهراً نقياً تستحق الجنة.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور