الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
نفس الإنسان التي بين جنبيه هي الأمانة التي قَبِل أن يحملها:
أيها الإخوة الأكارم، لازلنا مع اسم التواب، ولكي نفهم حقيقة هذا الاسم العظيم الذي هو من أقرب الأسماء إلى كل مؤمن، لأن المؤمن مذنب تواب، ولأن
(( عن أنس بن مالك: كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ. ))
أيها الإخوة؛ الله جلّ جلاله عَرَض علينا حمل الأمانة، قال تعالى:
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72)﴾
لما قَبِل الإنسان حمل الأمانة سخر الله له:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)﴾
طبعاً هذه الأمانة هي النفس التي بين جنبيك.
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾
أي إنسان عرّف نفسه بربه، وحملها على طاعته، وحملها على التقرب إليه فقد أفلح، ولم ترد هذه الكلمة في القرآن إلا في هذا الموضع.
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15)﴾
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ أي النجاح كل النجاح، والفوز كل الفوز، والعقل كل العقل، والتفوق كل التفوق في أن تزكي نفسك، وتؤهلها لجنة عرضها السماوات والأرض، لأن هذا الإنسان خُلِق للجنة.
الله عز وجل حينما قبِلْنا حمل الأمانة أعطانا مقومات التكليف، أعطانا كوناً ينطق بكمال الله ووحدانيته، أعطانا عقلاً، أداة لمعرفة الله عز وجل، أعطانا فطرة نكشف بها أخطاءنا، أعطانا شهوة نتحرك بها، أعطانا اختياراً يُثمن أعمالنا، أعطانا وقتاً هو وعاء عملنا، أعطانا كل شيء، أعطانا كل مقومات التكليف، وأمرنا أن نعبده، وجعل العبادة علة وجودنا، فقال تعالى:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
الإنسان إما أن يكون فوق الملائكة المقربين أو دون أحقر الحيوانات:
لكن هذا الإنسان كما قال الإمام علي رضي الله عنه: الملك رُكِّب من عقل بلا شهوة، والحيوان رُكِّب من شهوة بلا عقل، أما الإنسان هذا المخلوق الأول، الذي قَبِل حمل الأمانة، والذي سخر له ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ﴾ هذا الإنسان رُكِّب من عقل وشهوة، رُكِّب من عقل يشده إلى الله، ورُكِّب من شهوة تشده إلى الأرض، هناك دوافع عليا، ودوافع سفلى، هناك نفخة من روح الله وهناك قبضة من تراب الأرض، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، الدليل القرآني:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7)﴾
أي خير ما برأ الله.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)﴾
في نهاية الآية: ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ فالإنسان بين أن يكون فوق الملائكة المقربين، وبين أن يكون دون أحقر الحيوانات، هذا في الأصل، عُرِضَت علينا الأمانة، قبلنا حملها، أُعطينا مقومات التكليف، كوناً ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، عقلاً أداة لمعرفته، فطرة مقياساً للخطأ والصواب، شهوة تدفعنا وتحركنا، اختياراً يُثمِّن عملنا، وقتاً هو وعاء عملنا، الإنسان حينما يغفل عن الله، ويستجيب لشهوته يضِل، ويزل، ويخطئ، ويُحجب، ويبتعد، الله عز وجل رب العالمين.
الله عز وجل يسوق للإنسان من الشدائد ما يحمله بها على التوبة:
الآن بدأنا باسم التواب، رب العالمين يربينا، يسوق لنا من الشدائد ما يحمِلنا على طاعته، تأتي الشدة، ثم يُلقي الله في روع هذا الإنسان أن هذه الشدة من أجل هذا الذنب فتب إليّ يا عبدي.
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27)﴾
يسوق الله لنا من الشدائد ما يحمِلنا بها على التوبة، وهذا معنى قول الله عز وجل:
﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)﴾
أي ساق لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة.
من علامات رحمة الله بعباده المتابعة والتهديد والوعيد والإنذار والتشدد:
أيها الإخوة؛ فإذا تاب العبد إلى الله، بمعنى أنه أقلع عن الذنب، وندم، وعقد العزم ألا يعود إليه، يتوب الله عليه فيقبل توبته، الآن بعض الأمثلة.
المثل الأول: لو أن إنساناً أرسل ابنه إلى أمريكا ليدرس، حوّل له مبلغاً يكفيه كل سنوات الدراسة دفعة واحدة، أعطاه حقه، أعطاه مصروفه الكامل، وهيأ له جامعة راقية، وتركه، هذا الابن وهذا الشاب فتنته الدنيا هناك، مشى في طريق غير صحيح، تعلّق بالفتيات، نسِي الدراسة، نسِي الجامعة، مضت الأعوام كلها، وعاد إلى بلده صفر اليدين، عامله أبوه بأعلى درجات العدل، أعطاه مصروفه الكامل، هيأ له أرقى جامعة، لكن تركه، هذه حالة.
هناك أب آخر يتابعه كل أسبوع، باتصال هاتفي، برسالة، يسافر إليه، يتفقد دراسته، يتفقد أحواله، يعطيه مصروفه لشهر واحد فقط، ثم يقول له: أرسل لي رسالة حينما ينتهي هذا المبلغ، بهذه المتابعة الشهرية، وهذه الزيارة المفاجئة، وهذا التفقد، وهذا الحرص، انضبط الابن، وتابع دراسته، وجاء بأعلى شهادة.
الحالة الأولى عدل، أما الحالة الثانية رحمة، الحالة الثانية تربية، الحالة الثانية متابعة، فلأن الله جلّ جلاله هو رب العالمين يتابعنا، يؤدبنا، يسوق لنا بعض الشدائد، أحياناً يُخيفنا، أحياناً يُمرضنا، أحياناً يُفقرنا، أحياناً يبتلينا بكآبة، بضيق، بقلق، لأنه رب العالمين، لأنه خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض، لأنه يتابعنا، المتابعة رحمة، هذا مثل.
مثل آخر: أنشأنا ثانوية ضخمة، موقع، بناء، قاعات تدريس، مخابر، قاعات محاضرات، وجبات غذائية جيدة جداً، مكتبة عامرة، قاعات كمبيوتر مثلاً، وهناك نظام داخلي، إذا الطالب غاب أسبوعين يُفصل بحسب النظام الداخلي فصلاً كاملاً، هذه معاملة، فهناك طلاب توانوا عن الدوام فُصِلوا، فُصل معظم الطلاب، هذه المعاملة في أعلى درجات العدل، كل شيء بأتم وضع، والنظام واضح، لكن هناك إدارة أخرى تتابع دوام الطلاب أسبوعياً، فإذا بدأت الأيام تزداد في الغياب، أُرسِل رسالة إلى ولي الأمر، استُدعي الأب، أُبلغ عن غياب ابنه، رُسمت خطة بالاتفاق مع الأب كي يعود الابن إلى الدوام، الإدارة الثانية إدارة رحيمة، لأنها تُتابع دوام الطلاب، ليست العبرة أن نطبق النظام الداخلي، ونفصل معظم الطلاب، العبرة أن ننبههم، أن نتابعهم، أن نحاسبهم، أن نجري اتفاقاً مع أوليائهم حتى تتعاون الإدارة مع الأولياء كي ينضبط هؤلاء الطلاب، الإدارة الثانية إدارة رحيمة، من علائم رحمتها المتابعة، والتهديد، والوعيد، والإنذار، والتشدد، هكذا.
مثل ثالث: مؤسسة تجارية أعلنت عن وظيفة، ومن شروط هذه الوظيفة أن هناك فترة تجربة، ستة أشهر، فهناك إدارة لهذه الشركة تُسَجّل على هذا الموظف أخطاءه فقط، تأخر، لم يقم بهذا العمل، هناك كذب، تُجَمّع هذه الأخطاء فإذا تراكمت صُرِف هذا الموظف من الوظيفة بحسب إعلان قبوله، يوجد فترة تدريب وتجربة ستة أشهر، أما لو هذا الموظف ابن صاحب المؤسسة، كلما أخطأ حاسبه على كل خطيئة، على كل زلل، على كل تقصير، على كل تأخر، المتابعة تقتضي الرحمة، الله عز وجل يتابعنا، الله عز وجل يربينا، الله عز وجل يسوق لنا من الشدائد ما يحملنا بها على التوبة.
من شعر أن الله يحاسبه ويسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة فليشكر الله تعالى:
لذلك اسم التواب يلتقي مع اسم الرحيم، اسم التواب يلتقي مع اسم الغفور، اسم التواب يلتقي مع اسم الحكيم، اسم التواب يقتضي المتابعة، فإذا شعرت أيها المؤمن أن الله يتابعك، ويحاسبك، ويؤدبك، ويسوق لك من الشدائد ما يحملك بها على التوبة فاشكر الله عز وجل، لأن الله أدخلك في العناية المشددة، وأكبر عقاب يُعاقب به الإنسان أن يُخرجه من العناية المشددة، قال تعالى:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
إنسان حدثني عن قصته، قال لي: في بعض السنوات التي راجت فيها التجارة كثيراً، وربحت أرباحاً طائلة، وضعت في جيبي خمسمئة ألف-والقصة قديمة جداً-وأردت أن أسافر إلى بلد بعيد من دون زوجتي، كي أستمتع بالحياة كما يحلو لي، هكذا قال لي، وصل إلى هذه البلاد البعيدة، شاب في مقتبل حياته، معه أموال كثيرة، أراد أن يستمتع، شعر بآلام في ظهره، فحص نفسه فإذا التقرير ورم خبيث في العمود الفقري، قطع رحلته وعاد إلى بلده من جامع إلى جامع، ومن شيخ إلى شيخ، يرجو العودة إلى الله والتوبة والصلح معه، ثم تبين أن هذا التقرير ليس صحيحاً، لكن الله ردّه إليه.
مرة إنسان أراد أن يسألني هذا السؤال الطريف، قال لي: ما ملخص دعوتك في كل هذا العمر المديد؟ قلت له: والله كلمتان؛ إما أن تأتيه راكضاً، أو أن يأتي بك ركضاً، إما أن تأتيه باختيارك، وإما بطريقة أو بأخرى يأتي بك إلى ذاته العلية، فالله تواب، بهذه الآلام، وهذا التحليل غير الصحيح عاد إلى بلده، وتاب إلى الله واصطلح معه، أي أعرف إنساناً شرد عن الله، شباب، وسامة، ومال، جاءته فتاة كاد يختل توازنه من محبتها، جميلة جداً، أصيبت بمرض في دمها خبيث، بذل كل ما يستطيع، لم يدع طبيباً إلا وعالجها عنده، ثم باع بيته، وسافر إلى بريطانيا ليعالجها، لم يستفد شيئاً، قال لزوجته: ما قولك أن نتوب إلى الله أنا وأنت؟ تتحجبين وأنا أصلي، ونصطلح مع الله، وسبحان الله! بهذه الطريقة بدأ الشفاء يتسرب إلى هذه الفتاة الصغيرة، أي أنا حينما سمعت هذه القصة والله تأثرت تأثراً بالغاً، مرض مخيف جاء كالضيف، ردّ الأب والأم إلى الله عز وجل ثم تراجع، والبنت تزوجت، والآن معافاة معافاة تامة.
الله عز وجل تواب يسوق للإنسان الشدائد ليتوب عليه:
هكذا الشدائد، يسوق الله لنا الشدائد كي نتوب إليه، ولو دخلت إلى مسجد ورأيت فيه جمعاً غفيراً، اعتقد اعتقاداً جازماً أن معظم هؤلاء الذين اصطلحوا مع الله، اصطلحوا معه بعد معالجة لطيفة، بعد تربية حكيمة، بعد شدة، بعد قلق، بعد شبح مصيبة، فالله عز وجل تواب.
أيها الإخوة؛ هناك إنسان سمعت قصته، طبعاً ملحد، إذا شخص انضم إلى هؤلاء، إلى من يرفع شعار لا إله، وعنده بقية رواسب إيمانية، مهمة هذا الإنسان أن يستأصل كل هذه الرواسب الإيمانية، هذه مهمته، وعنده فتاة صغيرة آية في الجمال، وتعلق بها تعلقاً شديداً، ارتفعت حرارتها إلى الأربعين، من طبيب لطبيب لطبيب لطبيب، ما ترك وسيلة للمعالجة إلا وسلكها، والحرارة ثابتة، وقال الأطباء: هذا مرض نادر جداً، جداً نادر، ففي ساعات اليأس، ساعات المحنة، ساعات الإحباط، خاطب ربه مع أنه كان ملحداً، قال له: يا رب إما أن تشفيها، وإما أن تميتها، أو أن تميتني قبلها، ما عاد يحتمل مرض ابنته، وقام وصلى، أول مرة يصلي بحياته، فإذا بالحرارة تنخفض وتعود إلى طبيعتها.
والله أيها الإخوة؛ هناك قصص عن توبة التائبين، وعن عودة المذنبين، وعن الصلح مع رب العالمين بالغة التأثير، قصص كثيرة جداً.
الحكمة من المصيبة تُكشف للإنسان يوم القيامة فيذوب محبة لله لأنه رحمه:
أيها الإخوة؛ الله عز وجل يسوق لنا الشدائد كي نتوب إليه، وكي نصطلح معه، وإذا رجع العبد العاصي إلى الله نادى مناد في السماوات والأرض، أن هنؤوا فلاناً فقد اصطلح مع الله، الآية الكريمة، لكن دقيقة جداً:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾
سميت المصيبة رسولاً، سميت المصيبة رسالة، ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ .
أيها الإخوة؛ لذلك يوم القيامة حينما يكشف الله لهذا الإنسان عن كل الشدة التي ساقها له، وعن كل المتاعب التي صرفها إليه، وعن كل العقبات التي وضعت أمامه إذا أراد المعصية، وعن كل المشكلات التي ألمّت به حينما ابتعد عن الله عز وجل، لابدّ من أن يذوب شوقاً إلى الله عز وجل لأنه رحِمه في الدنيا، الله عز وجل في بعض الآثار القدسية يقول: وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبّ أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عمِلها سُقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت، حتى يلقاني كيوم ولدته أمه.
من طلب العلم وعرف الحلال والحرام تاب إلى الله عز وجل:
أذكر مرة أن العز بن عبد السلام أصدر فتوى أثارت حفيظة أمراء مصر من المماليك فقرروا قتله، واتفقوا جميعاً، وجاؤوا إلى بيته، والسيوف بأيديهم، وطرقوا الباب، وفتح ابنه عبد اللطيف الباب، أدرك الخطر فانطلق إلى والده وقال: انجُ بنفسك يا أبتِ أنت مقتول، فبكى أبوه العز بن عبد السلام وقال له: يا بني! أبوك أحقر من أن يُقتل في سبيل الله، أنا أتمناها، لكن يا ترى أنا أستحقها أن أموت في سبيل الله؟ ونزل إليهم، من شدة هيبته وقعت السيوف من أيديهم، واعتذروا إليه، وباعهم-القصة طويلة-يا ترى أنستطيع أن نكون من هذا النوع؟ أن يُشدد الله علينا في الدنيا حتى نأتيه على شفير القبر وقد طهُرنا من كل ذنب؟
أيها الإخوة؛ التوبة علم، وحال، وعمل، الإنسان متى يعالج نفسه من ضغط الدم المرتفع؟ بحالة واحدة، إذا علم أن ضغطه مرتفع، إذا اشترى جهاز ضغط، وقاس ضغطه، رآه عشرين، اثنتي عشرة، يعالج نفسه، إذاً لن تتوب إلا إذا طلبت العلم، وعرفت الحلال والحرام، وعرفت ما ينبغي، وما لا ينبغي، وما يجوز، وما لا يجوز، حينما تطلب العلم تُقيّم عملك.
إذاً التوبة علم، الذي يطلب العلم يتوب، لأنه اكتشف أن هناك خطأ في دخله، في إنفاقه، في سلوك بناته، في خروج بناته، في بيته، في علاقاته المالية، في هذه الصفقة، إذا إنسان ما طلب العلم يتوهم نفسه أنه مستقيم، تماماً كإنسان ضعيف باللغة، قرأ النص أمامنا مئة غلطة يوجد بالصفحة، هو متوهم أن قراءته جيدة، أما لو درس اللغة العربية لاكتشف أن أخطاءه لا تُعد ولا تُحصى.
إذاً التوبة علم، لابدّ من أن تطلب العلم لتعرف الحلال والحرام، والخير والشر، والجميل والقبح، فالحسن ما حسنه الشرع، والقبيح ما قبحه الشرع، فإذا طلبت العلم واكتشفت الخطأ لابدّ من أن تندم، وأن تنفعل، فالندم توبة، لأنه سبقه علم، وسيأتي بعد هذا الندم السلوك، فالتوبة علم، وحال، وعمل، العلم درست تفاصيل الشريعة فعرفت الخطأ من الصواب، والحلال من الحرام، والخير من الشر، وما ينبغي، وما لا ينبغي، ثم تأثرت من أخطاء كثيرة أنت واقع بها.
الآن المرحلة الثالثة هي العمل، أن تُقلع عن هذا الذنب فوراً، وأن تصحح ما مضى، وأن تعقد العزم على ألا تعود إليه مستقبلاً، فالتوبة علم، وحال، وعمل، وما لم تطلب العلم، وما لم تحاسب نفسك كل يوم، وما لم تزن أعمالك بميزان الشريعة، دخلك، إنفاقك، سفرك، علاقاتك، أفراحك، أتراحك، ما لم تزن هذه النشاطات بميزان الشريعة أنى لك أن تتوب؟! فالتوبة علم، وحال هو الندم، وعمل هو الإقلاع عن الذنب فوراً، وعقد العزم على ألا تعود إليه، وإصلاح ما مضى.
أيها الإخوة الكرام؛ قال تعالى:
﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)﴾
وما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا.
الملف مدقق