الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
1 ـ القيوم هو الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء ولا يحتاج هو إلى شيء:
أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم القيوم، والقيوم هو الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء، ولا يحتاج هو إلى شيء، إذا أيقنت بهذه الحقيقة هل يُعقل أن تلتفت إلى مخلوق ضعيف في قبضة الله وتنسى من بيده كل شيء؟ أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً، منبع الكمال والجمال والنوال، بيده كل شيء وما سواه في قبضة ربهم، فأنت إذا أرضيت مخلوقاً وعصيت الخالق فقد وقعت في خسارة كبيرة:
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)﴾
2 ـ القيوم هو الباقي الذي لا يزول:
القيوم هو الباقي الذي لا يزول، هو المقيم للعدل، القائم بالقسط، القيوم هو القائم بنفسه الغني عن غيره، الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، هذا معنى قوله تعالى:
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾
آية الكرسي من أعظم آيات القرآن الكريم، القيوم هو القائم بتدبير خلقه، الله عز وجل قيوم بمعنى وجود أي مخلوق قائم به، واستمرار وجود أي مخلوق قائم به، في الوجود قائم به، وفي استمرار الوجود قائم به.
3 ـ القيوم هو القائم برزق العباد:
أيها الإخوة؛ يوجد معنى ثالث، القيوم هو القائم برزق العباد، يا ترى في اليوم كم دابة تُذبح ليأكلها الإنسان؟ بالملايين المملينة، كم غنمة؟ كم بقرة في اليوم؟ المحاصيل الزراعية، تصميم من؟ قدرة من؟ صنع من؟ فضل من؟ أي بكل ثانية يوجد رقم ستة عشر مليار طن من الماء تهبط من السماء.
الله عز وجل قائم بتدبير خلقه:
أيها الإخوة؛ وأنت نائم الأمطار تهطل، الرشيم يتحرك، المعادن تنحل في التربة، الجذر ينمو، القلنسوة في أول الجذر تحفر الصخر أحياناً، الماء تُذاب فيه المعادن، هذا الماء يصعد في عروق الشجر، ينعقد الزهر، تنمو الأوراق، ينعقد الثمر، تأكل أنت هذه الفاكهة، صنع من؟ أنت نائم يوجد بالدماغ مركز التنبيه النوبي للرئتين، أنت نائم تتنفس، هناك تنفس إرادي، الشهيق والزفير هذا تنفس إرادي، لكن يوجد تنفس لا إرادي نوبي، لو أن هذا التنفس اللاإرادي النوبي ليس موجوداً لا يوجد إنسان يستطيع أن ينام دقيقة، ينام يموت، من سمح لك أن تنام ساعات طويلة والرئتان تعملان؟ مركز التنبيه النوبي، لو تعطل هذا المركز لا يستطيع أن ينام صاحب المرض حتى اخترعوا دواء الآن يجب أن تأخذ حبة كل ساعة، يضع المنبه نام الساعة العاشرة استيقظ الحادية عشرة أخذ حبة، نام ساعة استيقظ الثانية عشرة أخذ حبة، استيقظ الساعة الواحدة، الساعة الثانية، الساعة الثالثة، الساعة الرابعة، حياة لا تطاق، فإذا لم يستيقظ على المنبه مات فوراً، من صمم هذا الإنسان بأن تتحرك رئتاه آلياً وهو نائم؟
من عظمة خلق الإنسان أن ملايين الأنشطة الذكية تتم آلياً:
أنت تأكل، لو أن الله أوكل الهضم إليك تحتاج خمس ساعات بعد الأكل، الآن البنكرياس، الآن الصفراء، الآن الأمعاء الدقيقة، الغليظة، من أراحك من هضم الطعام؟ وأنت نائم يتجمع اللعاب بفمك، تذهب رسالة من الفم إلى الدماغ كَثُر اللعاب، يأتي أمر من الدماغ إلى لسان المزمار يُغلَق، تُغلَق القصبة الهوائية يفتح المري، تدفع بلعابك إلى المعدة وأنت نائم، وأنت مستغرق في النوم، هذه تتم كل فترة، لسان المزمار يُغلق القصبة الهوائية يفتح المري، الإنسان يدفع لعابه إلى المري، غارق في النوم، وأنت نائم هناك مراكز الإحساس بالضغط، الهيكل العظمي وما فوقه من عضلات تضغط على ما تحته من عضلات، هذا الضغط يؤدي إلى أن تضيق لمعة الأوعية، فالإنسان يُحسّ بخدر أو بتنميل، تذهب رسالة من القسم الذي تحت الهيكل العظمي إلى الدماغ صار هناك ضغط قلّت التروية، يأتي الدماغ يعطي أمراً وأنت نائم فتقلب، قال تعالى:
﴿ وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)﴾
فالإنسان النائم يتقلب ثمان وثلاثين مرة تقريباً للأربعين مرة، وأنت غارق في النوم، هو قيوم السماوات والأرض، أي من عظمة خلق الإنسان أن ملايين الأنشطة الذكية جداً تتم آلياً، فرغك كُلْ ونم، وأنت نائم كل شيء يعمل، لو أن القلب بيدنا لا تستطيع أن تنام، القلب يعمل آلياً، يضخ الدم، يضخ بكل يوم ثمانية أمتار مكعبة من الدم، أي القلب مضخة يبدأ عملها وأنت في رحم أمك إلى أن يحين الحين، إلى أن تُكتَب النعوة، لا يكلّ ولا يملّ، تُعقَد مؤتمرات لأطباء القلب، يقول لك: اختصاصات القلب لا تُعدّ ولا تحصى، قسم عضلة القلب، قسم الدسامات، قسم نظم القلب، قسم كهرباء القلب، يا الله! يوجد تقدم علمي مذهل، كل حياتنا منوطة بهذه العضلة، فلذلك القيوم هو الذي يقوم بتدبير أمر خلقه.
من رفض منهج الله عز وجل احتقر نفسه:
إذا أنت أرضيت إنساناً وقيامه بيد الله وعصيت الخالق وهو القيوم، عصيت الذي إذا أراد الفناء لمخلوق فَنِي فوراً، أرضيت الضعيف الفاني أنت في ضياع، لذلك لا يليق بك أن تكون لغير الله، بل إنك إن كنت لغير الله تحتقر نفسك، وقد ترفض آلاف الأشياء لأنك تحتقرها، لا يُعجِبك هذا العمل دخله قليل وجهده كبير، لا تُعجِبك هذه السفرة التعويضات أقل من طموحك، لا تُعجِبك هذه الفتاة لم ترضَ عن أخلاقها رفضت الزواج منها، فأنت ترفض في اليوم آلاف الأشياء لأنك تحتقرها، إلا أنك إذا رفضت منهج الله عز وجل فأنت تحتقر نفسك.
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)﴾
العاقل من عدّ عمره عدّاً تنازلياً لا عدّاً تصاعدياً:
أيها الإخوة؛ وجود الإنسان ليس ذاتياً، دققوا في هذه الكلمة: من عدّ غداً من أجَله فقد أساء صحبة الموت، إذا أنت قلت في نفسك: غداً أدفع فاتورة الهاتف فقط، أنت لا تعرف ما هو الموت، الموت يأتي بغتةً، خلال ستة أشهر أو سنة أربع خمس حالات صلى الظهر إماماً في المسجد، وهو أخ صالح جداً، وكان بعد العصر تحت التراب، مرة شخص عنده روح دعابة ونشيط، يعتني بصحته عناية تفوق حدّ الخيال، وقال: أنا لن أموت الآن، مازال أمامي عمر طويل، هكذا قال، فسألوه: ما السبب؟ الحقيقة جاء بأسباب مقنعة، أنا وزني معتدل، وكل يوم أمشي، قال له: إما أن تمشي أو أن تمشي، وأكله خبز نخالة، وسلطات، الذي تكلم به كله صحيح، كل الذي تكلم به من أسباب طول العمر، هذا الكلام قاله يوم السبت، السبت الثاني كان تحت الأرض، من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، والإنسان أولى به أن يعيش حياته يوماً بيوم، فكان عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ يقول:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: إذا قام أحدُكم عن فراشِه، ثم رَجَع إليه، فلْيَنْفُضْه بصَنِفَةِ إزارِه. ثلاثَ مَرَّاتٍ، فإنه لا يَدْرِي ما خَلَفَه عليه بعدَه، وإذا اضْطَجَع فلْيَقُلْ: باسْمِكَ ربي وضعتُ جَنْبِي، وبك أَرْفَعُه، فإن أَمْسَكْتَ نفسي فارْحَمْها، وإن أَرْسَلْتَها فاحْفَظْها بما تَحْفَظُ به عبادَك الصالحينَ. فإذا استيقظ أحدُكم فلْيَقُلْ: الحمدُ للهِ الذي عافانِى في جَسَدِي، ورَدَّ عَلَيَّ رُوحِي، وأَذِنَ لي بذِكْرِه. ))
[ أخرجه الترمذي: خلاصة حكم المحدث: إسناده جيد ]
فمن عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت.
الله عز وجل هو القيوم القائم بنفسه لا بغيره:
الله عز وجل هو القيوم، القائم بنفسه لا بغيره، والقيوم الذي يقوم به كل موجود، كل موجود في الكون قائم بالله عز وجل، لأن الله عز وجل أمره كن فيكون، زل فيزول، إن رأيت الشمس ساطعة فاعلم أن سطوعها وطلوعها بإمداد الله، إن رأيتها باقية فاعلم أن بقاءها بإمداد الله، قيوم السماوات والأرض، المجرات، المذنبات، الكازارات، الشمس، القمر، النجوم، الأرض، الحيوانات، النباتات، المخلوقات، البشر، الأطيار، الأسماك كلها قائمة بالله عز وجل.
الآن يوجد معنى آخر، القيوم هو المربي، دقق في هذه الآية:
﴿ أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)﴾
هنا اقتربنا من منطقة حساسة، أي هذا دخله حرام، الله عز وجل لا يؤخره إلى يوم القيامة يعالجه في الدنيا، يُتلف له ماله لعله يصحو، تأتيه ضربة قاصمة، ماله حرام، هذا الإنسان بار بوالديه يهيئ له أولاداً أبراراً مكافأة له، هذا إنسان ذكر الله فيمن حوله فذكره الله في ملائكته، وذكره في ملأ خير منهم، أي لا يوجد عمل تفعله إلا الله عز وجل إما أن يكافئك عليه أو أن يؤدبك من أجله.
لا يوجد عمل تفعله إلا أن يكافئك الله عليه أو يؤدبك من أجله:
أحياناً يكون أب بأعلى مستوى، إذا ابنه تكلم كلمة غلط، بابا هذه لا تعيدها الله يرضى عليك، هناك أم أو هناك أب يربيان أولادهما تربية عالية جداً، أي يوجد متابعة، متابعة على الكلمة، لو مدّ يده اليسار ليصافح هو صغير، بابا لا باليمين المصافحة، ينبهه، يوجد تربية من قِبَل بعض الآباء والأمهات بأعلى مستوى، لو خلع ثيابه وألقاها هكذا، تنبهه أمه، الإنسان الجيد يضع ثيابه في مكان بعد أن يطويها مثلاً، فهذه المتابعة الدقيقة جداً من قِبل أب أو أم ترينا ما معنى أن الله رب العالمين، ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي للتقريب؛ طبيب مرّ على مريض بالمستشفى وجد ضغطه مرتفعاً، أوقفوا الملح، أعطوه خافضاً للضغط، طبيب مرّ على مريض آخر ضغطه منخفض، زيدوا له كمية الملح في الطعام كي يرتفع ضغطه، أي الطبيب كلما لاحظ ظاهرة في المريض يعطي توجيهاً لمعالجتها، هذا معنى قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ هذا مستقيم يكافئه، هذا أنفق من ماله الله يرسل له رزقاً استثنائياً ما كان في حسبانه، هذا دعا الله صادقاً فاستجاب له، هذا أوقع بين إنسانين فعاقبه الله عز وجل، هذا روّج فكرة غير صحيحة، هذا يؤدبه، يفضحه، هذا تتبّع عورات المسلمين يفضحه في عقر داره، هذا يوفقه.
الله عز وجل يتابع الإنسان في كل حركة وسكنة:
يجب أن تعلم علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى يتابعك على كل حركة وسكنة، هذه متابعة تربية، متابعة رحمة، متابعة حكمة، متابعة إله عظيم، فأنا أقول هذه الكلمة: إذا شعرت أن الله يتابعك فاسجد لله شاكراً، معنى ذلك أنه مطموع في شفائك من هذه الأمراض، تماماً كما لو أن إنساناً معه التهاب معدة حاد، هذا مرض قابل للشفاء، الطبيب يفرض عليه حمية صارمة جداً، أما لو شخص معه ورم خبيث منتشر في أمعائه، وسأل الطبيب: ماذا آكل؟ قال له: كُلْ ما شئت، لأنه لا يوجد أمل.
أي أخطر شيء أن تخرج عن العناية المشددة، وأعظم شيء أن تكون ضِمن العناية المشددة، إذا الله يتابعك باستمرار أي خطأ تابعك، نبهك، ساق لك بعض المصائب، يجب أن تذوب محبة لله لأنك ضمن العناية المشددة، لأنه مطموع من شفائك من هذه الأمراض، أما الذي شرد عن الله شرود البعير تنطبق عليه الآية الكريمة:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)﴾
من نعم الله الكبرى على الإنسان محاسبته في الدنيا قبل الآخرة:
أريد أن أؤكد لكم أن الله إذا تابعك وحاسبك في الدنيا حساباً عسيراً فهذا من نعم الله الكبرى، وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحبّ أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئة كان عمِلها سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبة في ماله أو ولده، حتى أبلُغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت-دققوا الآن-حتى يلقاني كيوم ولدته أمه.
إخواننا الكرام؛ إذا الواحد منا وصل إلى شفير القبر طاهراً هذا أكبر عطاء إلهي، عالجك في الدنيا، مرة خفت، مرة طمأنك، مرة ضيّق عليك دخلك، رزقك، مرة نشأت مشكلة مع زوجتك أنت أرضيتها في سخط الله فردت عليك بلؤم ما بعده لؤم مثلاً، أرضيتها بسخط الله عز وجل توقعت أن تكون راضية عنك فأدبك الله عن طريقها، لذلك بعضهم يقول: أنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجتي، فإذا كنت مع الله أطاعتك وعاملتك معاملة طيبة، وينبغي أن تقول المرأة: وأنا أعرف مقامي عند ربي من أخلاق زوجي، الله عز وجل يؤدبك عن طريق أقرب الناس لك، إذا أكرمك يُسَخِّر عدوك لخدمتك، وإذا أراد التأديب القاسي يتطاول عليك أقرب الناس إليك، هناك رجال يبكون من شدة القهر.
على كل مؤمن أن يستقبل الشدائد في الدنيا على أنها تربية حانية من الخالق:
أيها الإخوة؛ الذي أتمناه أن يستقبل المؤمن الشدائد في الدنيا على أنها أدوية من الله، على أنها تربية حانية رحيمة، لأنه:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عجب ربك من أقوام يساقون إلى الجنة بالسلاسل. ))
الناس في معظمهم على الرخاء والدعة والأمن والغنى تفتر همتهم فالله عز وجل يسوق لهم بعض الشدائد، أي مثلاً يوجد بلاد فيها نعيم فوق التصور، يقابل هذا النعيم بُعد عن الله عز وجل كثير، يوجد بلاد فيها شدائد، فيها ضغوط، تجد الناس ساقهم الله إلى بابه، المساجد ممتلئة، التوبة كثيرة، العمل الصالح كثير من شدة الضغوط، هو أساساً الألماس أصله فحم، فحم عادي، من شدة الضغط والحرارة صار ألماساً، فأنت خذ هذا مثلاً لك، إذا عليك ضغوط شديدة وهناك أزمات صعبة جداً، وأنت تمشي بشكل صحيح مستقيم، أرادك الله أن تكون في أعلى مقام، يقول عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق:
(( عن أنس بن مالك: لقد أُخِفتُ في اللَّهِ وما يُخافُ أحدٌ، ولقد أوذيتُ في اللَّهِ وما يُؤذى أحدٌ، ولقد أتت عليَّ ثلاثونَ من بينِ يومٍ وليلةٍ وما لي ولبلالٍ طعامٌ يأْكلُهُ ذو كبدٍ إلاَّ شيءٌ يواريهِ إبطُ بلالٍ. ))
وهو سيد الخلق وحبيب الحق، فمعنى ذلك كل محنة للمؤمن المستقيم وراءها منحة، وكل شدة وراءها شدّة إلى الله عز وجل، هذا التفاؤل.
كان عليه الصلاة والسلام إذا قام من الليل يتهجد ويقول:
(( عن عبد الله بن عباس: اللَّهمَّ لَكَ الحمدُ أنتَ ربُّ السَّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ، ولَكَ الحمدُ أنتَ قيُّومُ السَّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ، ولَكَ الحمدُ أنتَ نور السَّمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ، أنتَ الحقُّ، وقولُكَ الحقُّ، ووعدك حقٌّ، والجنَّةُ حقٌّ، والنَّارُ حقٌّ، والنَّبيُّونَ حقٌّ، ومحمَّدٌ حقٌّ، اللَّهمَّ لَكَ أسلمتُ، وبِكَ آمنتُ، وعليْكَ توَكَّلتُ، وإليْكَ أنَبتُ، وبِكَ خاصَمتُ، وإليْكَ حاكمتُ، فاغفِر لي ما قدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسررتُ وما أعلَنتُ، أنتَ إلَهي لاَ إلَهَ إلَّا أنتَ. ))
لا إله غيرك، هذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم في التهجد.
معرفة الله أكبر مهمة للإنسان في الدنيا:
أيها الإخوة؛ لا تنسوا أن أحد أكبر مهمات الإنسان في الدنيا أن يعرف الله، ومن أبرز ما في معرفته أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾
وإذا عرفت اسم القيوم استغنيت عن الخلق، وتوجهت إلى الحق.
من معاني يا حيّ يا قيوم برحمتك أستغيث:
أيها الإخوة؛ قال بعض العلماء: من معاني يا حيّ يا قيوم برحمتك أستغيث، الحياة متضمنة لجميع صفات الكمال، والقيومية متضمنة لجميع كمال الأفعال، فأنت إذا قلت: يا حيّ يا قيوم عبّرت عن تعظيمك لصفات الله التي كلها كمال، ولأفعال الله التي كلها كمال، يا حيّ يا قيوم هناك آثار تشير إلى أن الحي القيوم اسم الله الأعظم، وأنا ذكرت من قبل أن اسم الله الأعظم الله، اسم الله الأعظم الرحمن الرحيم، اسم الله الأعظم يا حيّ يا قيوم، وهذا لا يمنع أن يكون هناك معنى آخر لاسم الله الأعظم، المعنى الآخر أنك إن كنت فقيراً اسم الله الأعظم المُغني بالنسبة لك، وإذا كنت مظلوماً اسم الله الأعظم العدل، وإذا كنت جاهلاً اسم الله الأعظم العليم، وإذا كنت قاسي القلب اسم الله الأعظم الرحيم.
فيا أيها الإخوة؛ ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ .
(( عن أبي ذر الغفاري عَنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلَّا مَن هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إلَّا مَن أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ، يا عِبَادِي، كُلُّكُمْ عَارٍ إلَّا مَن كَسَوْتُهُ، فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ تُخْطِئُونَ باللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ، يا عِبَادِي، إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنكُمْ؛ ما زَادَ ذلكَ في مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لوْ أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، كَانُوا علَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ ما نَقَصَ ذلكَ مِن مُلْكِي شيئًا، يا عِبَادِي، لو أنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ، قَامُوا في صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي، فأعْطَيْتُ كُلَّ إنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ؛ ما نَقَصَ ذلكَ ممَّا عِندِي إلَّا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذَا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادِي، إنَّما هي أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ. وفي روايةٍ: إنِّي حَرَّمْتُ علَى نَفْسِي الظُّلْمَ وعلَى عِبَادِي، فلا تَظَالَمُوا. ))
ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام، الآن دققوا ((فمَن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ)) .
﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (30)﴾
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق