الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الله عز وجل دائم البقاء لا سبيل إلى فنائه:
أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم الحي، الله جلّ جلاله حيّ وحياته صفة من صفاته زائدة على وجوده وبقائه، فهو دائم البقاء الذي لا سبيل إلى فنائه، والحي سبحانه وتعالى هو المُتّصف بالحياة كوصف لذاته، الحي اسم ذات، هذا الاسم لا يتعلق بمشيئته، فإن تعلّق بمشيئته فهو اسم لأفعاله، اسم فعل، إما اسم ذات أو اسم فعل، ولمّا كان كل ما سوى الله من دون استثناء حياته قائمة على إمداد الله، لذلك الحياة الحقيقية هي الحياة الذاتية لله عز وجل، ولا جهة سوى الله تُوصف بالحياة الذاتية، الله حياته ذاتية، أما حياتنا مستمدة من إمداد الله عز وجل.
أيها الإخوة؛ حياة الله الذاتية، الله هو الحي هي الحياة الحقيقية، وكل حيٍّ سواه حياته مجازية أي مستمدة من إمداده، إذا انقطع الإمداد لحظة الإنسان مات، كما قلت لكم في درس سابق: هذه البلورة تتألق لأن التيار واصل إليها في أي ثانية ينقطع التيار تنطفئ هذه البلورة.
أيها الإخوة؛ كل ما سوى الله فان أو قابل للفناء، إما أن الله قد أفناه، أو سوف يموت، كل مخلوق يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.
والليل مهما طال فلابد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلابد من نزول القبر
[ صالح بن محمد بن عبد الله ]
و:
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبــور جنــازة فاعـلم بأنـك بعدهـا محمـول
لأن كل مخلوق حياته مستمدة من إمداد الله، فكلمة حي تعني في الوقت نفسه أنها اسم ذات واسم فعل، اسم لذات الله واسم لأفعاله لأنه يُمِدّ بالحياة.
العاقل من ربط هدفه بالحي الذي لا يموت لا بحيّ يموت:
أيها الإخوة؛ لذلك الموحد يدعوك إلى أن تعتمد على الله وحده، لأن وحده الحي الذي لا يموت، إذا اعتمدت على حيّ يموت هناك مشكلة كبيرة، اعتمد على حيّ لا يموت، اربط مصيرك بحيّ لا يموت، اربط هدفك بحيّ لا يموت، اجعل جهدك لحيّ لا يموت، أما إذا جعلت جهدك لحيّ يموت فإذا مات ضاع جهدك، إن اعتززت بحيّ يموت فإذا مات ضاعت عزتك، إن توكلت على حيّ يموت فإذا مات ضاع أملك، والآية الكريمة:
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)﴾
بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا:
النقطة الثانية أن الله سبحانه وتعالى إذا قلنا: الله حي فهذه صفة باقية إلى أبد الآبدين، حيّ على الدوام، حيّ من أزل الأزل إلى أبد الأبد، أما أنا وأنت حياتنا مستمدة من إمداد الله لنا، ففي أية لحظة توقف الإمداد كان الموت، أي شيء واقعي، ألف سبب يجعلنا في ثانية واحدة خبراً، كنت رجلاً طبيباً، عميداً، وزيراً، ثانية واحدة أصبحت خبراً على الجدران، نعوة، الله عز وجل قال:
﴿ فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)﴾
أي الإنسان يمر في مدينته أعتقد أنه يقرأ عشرات النعوات يومياً، أنا سألت بعض الموظفين قال: يوجد باليوم الواحد في دمشق مئة وخمسون وفاة يومياً، يوجد ثلاثون أربعون نعوة، أما عدد الوفيات قريب من مئة وخمسين وفاة يومياً، فأنت كل يوم تقرأ عشرات النعوات على أبواب المساجد، لكن تأكد في يوم واحد سيقرأ الناس نعوتك، ولا يوجد واحد مستثنى، وتدخل إلى المسجد كل يوم تصلي لكن في مرة واحدة تدخل في نعش ليصلى عليك.
ذكاؤك، بطولتك، تفوقك، حكمتك أن تُعِدّ لهذه الساعة، كل يوم تخرج هكذا قائماً وترجع، اليوم تأخر جاء الساعة الواحدة، لكن في مرة واحدة يخرج أفقياً لكن لا يرجع، الساعة الواحدة لا أقول: لماذا ما جاء فلان، لأنهم دفنوه، انتهى، هنا بطولتك أن تعيش المستقبل، وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا.
على كل إنسان أن يكون مستعداً للقاء الله عز وجل:
أيها الإخوة؛ يوجد سكتة دماغية، عافانا الله منها، يوجد سكتة قلبية، يوجد خثرة بالدماغ، يوجد تشمع كبد، يوجد فشل كلوي، هذه أمراض وبيلة، لكن يجب أن تعتقد هناك بوابة خروج، بالمطارات يوجد الـ Gate يعطيك بطاقة الصعود للطائرة يقول لك: البوابة الثالثة عشرة، أنا أعتقد كل واحد منا شاء أم أبى له بوابة خروج، هذا بوابة خروجه من القلب، هذا من الرئتين، هذا بحادث سير، هذا بورم خبيث لا سمح الله، فكل واحد منا له بوابة خروج، لو أنك قلت: يا رب سلم، لكن الموت حق، الأنبياء ماتوا، والأنبياء ماتوا ببوابة أيضاً.
فأنا أرى أنك حينما تؤمن أن الحياة مؤقتة، والإنسان بضعة أيام، وكلما انقضى يوم انقضى بضع منه، تكون مستعداً للقاء الله عز وجل استعداداً حقيقياً، أي أنت جاهز، مهيئ أمورك، تفضل؟ جاهز، هذا المؤمن، أما غير المؤمن والعياذ بالله حينما يشعر أنه على وشك الموت يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصُعِقوا.
من أحبّ الله رضي بقضائه وقدره:
أيها الإخوة؛ بوابة الخروج هذا مرض الموت يتفاقم، لكل داء دواء، أي مرض مهما بدا لك عضالاً له شفاء إلا مرض الموت هذا ينتهي بالموت، أنا أسميه بوابة الخروج، الإمام الرازي يروي أنه مات لبعضهم ابن بكى عليه حتى فقد بصره، أنا أعتبر هذه المحبة محبة مرضية، الابن غالٍ، لكن إنسان ما يرى أن هذا الموت بقضاء من الله وقدر؟! فقال بعضهم: الذنب ذنبك لأنك أحببت حياً يموت، فلو أحببت حياً لا يموت لما وقعت في هذا الحزن.
كان الصحابة-وشيء قد تستغربونه-يتزينون عند موت أحد أولادهم ليُعَبّروا لربهم عن رضاهم بقضاء الله وقدره، هذه بطولة، هذا قرار إلهي، موت الولد قرار الله عز وجل، فإذا كنت تحبه ترضى عنه، إن القلب ليحزن، هذا وضع طبيعي، وإن العين لتدمع، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون:
(( عن أنس بن مالك : دَخَلْنَا مع رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى أَبِي سَيْفٍ القَيْنِ، وكانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عليه السَّلَامُ، فأخَذَ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عليه بَعْدَ ذلكَ وإبْرَاهِيمُ يَجُودُ بنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ تَذْرِفَانِ، فَقالَ له عبدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْه: وأَنْتَ يا رَسولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: يا ابْنَ عَوْفٍ إنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بأُخْرَى، فَقالَ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ، والقَلْبَ يَحْزَنُ، ولَا نَقُولُ إلَّا ما يَرْضَى رَبُّنَا، وإنَّا بفِرَاقِكَ يا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ. ))
هذا الوضع المثالي، أما إنسان عقِب وفاة ابنه يترك الصلاة؟! هكذا، قال له: لو أحببت حياً لا يموت لما كان هذا حالك، أحببت حياً يموت.
المؤمن متواضع يُحبّ الناس جميعاً:
إخواننا الكرام؛ أنا لا أعتقد أن هناك إنساناً على وجه الأرض من آدم إلى يوم القيامة أحبّ إنساناً كما أحبّ الصديق رسول الله، ومع ذلك حينما انتقل النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى قال: من كان يعبد محمداً-من دون أي لقب-فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت.
الآن النبي الكريم قال: ما طلعت شمس على رجل أفضل من أبي بكر، ما ساءني قط، ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر، أعطاني ماله، زوّجني ابنته، فاحفظوا له ذلك، ومع ذلك قال:
(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنَّهُ أَخِي وَصَاحِبِي، وَقَدْ اتَّخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلًا. ))
[ متفق عليه، واللفظ لمسلم ]
اقبلوا هذه الملاحظة؛ المؤمن متواضع، المؤمن يحب الناس جميعاً، المؤمن يخدم الناس جميعاً، المؤمن مرح، المؤمن إيجابي، المؤمن متعاون، لكن قلبه متعلق بالله، أحياناً الإنسان يُعلق أمله بابنه، يسافر ويأخذ الجنسية ويستقر ويتزوج أجنبية وينسى أن يخبر أباه بالسنة مرة، وضع كل أمله بابنه، أحياناً إنسان يضع كل أمله بزوجته، تكيل له الصاع أصوعة، أنا أرى أنك إذا تعلقت بغير الله الله عز وجل يغار، لذلك يُلهم هذا الذي تعلقت به ونسيت الله أن يكون معك لئيماً، من اعتمد على ماله ضلّ، من اعتمد على أي جهة سوى الله ضلّ، وذلّ.
من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله:
أيها الإخوة؛ الآن أَمَلُك أين؟ ترى شخصاً اعتماده على ماله دون أن يشعر، شخص اعتماده على مكانته، اعتماده على منصب، اعتماده على مَيّزة، هذا الاعتماد أحد أنواع الشرك، اعتمد على الله، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون مستجاب الدعوة فأطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، السيدة عائشة هي السيدة الأولى، الزوجة المصون، الطاهرة، العفيفة، التي اتُّهمت بأثمن ما تملكه امرأة، بعفتها اتُّهمت، ثم جاءت براءة الله عز وجل، وكان أبوها عندها، لما الوحي نزل ببراءتها كان أبوها عندها، فلما جاء الوحي يُبَرِّئ هذه السيدة المصون قال لها أبوها: قومي إلى رسول الله فاشكريه؟ وفي حضرة النبي قالت: والله لا أقوم إلا لله، ابتسم النبي، قال: عرفت الحق لأهله.
كم واحد منا يصاب ابنه بمرض يقلق قلقاً شديداً، يصلي، يدفع صدقة، ثم يُجري الله الشفاءعلى يد طبيب ينسى الله ويتحدث عن الطبيب ليلاً نهاراً، الذي شفى الله عز وجل، يكون الإنسان بورطة الله ينجيه منها، ينسى المُنجي هو الله ويتذكر من سمح الله له أن تكون النجاة على يديه، هذا شرك، قالت له: والله لا أقوم إلا لله، فابتسم النبي عليه الصلاة والسلام وقال: عرفت الحق لأهله، أي الإنسان كلما وحّد الله أحبه، لأنه لما يوحده يتوجه له وحده، ولما يشرك شركاً خفياً.
بالمناسبة قيل: أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، بالعالم الإسلامي ليس وارداً أن نستمع من إنسان إلى شرك جلي، يقول: فلان إله، هذا كلام غير مطروق إطلاقاً، لكن:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106)﴾
شرك خفي، أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، أما إني لست أقول: إنكم تعبدون صنماً ولا حجراً، ولكن شهوة خفية وأعمال لغير الله، بل إن الشرك-كما قلت كثيراً-أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تُحِبّ على جور، أي شخص غير ملتزم، له أعمال لا ترضي الله، لكنك تحبه، هذه محبة مصلحة، لك مصلحة معه، تتعامى عن أخطائه الكبيرة، تتعامى عن أنه لا يصلي، تتعامى عن أنه لا يعبأ بمنهج الله عز وجل، لكن مصلحتك معه، فأنت حينما منحته ودك ومحبتك وهو مقيم على معصية هذا نوع من الشرك، أو أن تُبْغِض على عدل، إنسان نصحك بأدب ما تحملته، أنت لك مكانة كبيرة، كيف يتجرأ وينصحك؟ هناك شرك، لذلك الشرك الخفي مخيف، أخوف ما أخاف على أمتي الشرك الخفي، والآية: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ .
الحبّ في الله عين التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك:
أحياناً الإنسان دون أن يشعر يعتمد على ماله، قال لي شخص: الدراهم مراهم، يُحَلّ بالمال أي قضية، قالها، والله الذي لا إله إلا هو خفت عليه، الله وضعه بمشكلة بقي بالمنفردة ثلاثة وستين يوماً، ومعه أموال طائلة، يقول لي: وكل دقيقة أنا بالمنفردة أقول: الدراهم مراهم؟ الله عز وجل وضعه بمشكلة المال لا يحلّها، فإياك أن تعتز بغير الله، إياك أن تتكئ على غير الله، إياك أن تتوكل على غير الله، الله عز وجل يغار، يغار أن تتجه إلى غيره، فإذا اتجهت إلى غيره جعل هذا الغير يتنكر لك.
لذلك هذا الموضوع ينقلنا إلى ما يسمى بالحبّ في الله والحبّ مع الله، الحبّ في الله عين التوحيد، تُحِبّ الله وتُحبّ رسول الله وتُحبّ أصحاب رسول الله جميعاً وتُحبّ التابعين وتابعي التابعين، تُحبّ كل عالم مؤمن، عالم رباني مستقيم، تُحبّ بيت الله، تُحبّ كتاب الله، تُحبّ العمل الصالح، كل هذه الأنواع من الحب هي حبّ في الله وهي عين التوحيد.
أما هناك حبّ مع الله، الحبّ مع الله عين الشرك، تُحبّ إنساناً غير مستقيم لكن مصلحتك معه كبيرة، يأتي مندوب شركة، وأنت وكيلها، ودخلك فلكي، لكن طلب خمراً، مضطرين يا أخي، يأتي في الحسابات: ثمن خمر، جاء المندوب ضّيفه خمراً، لأنه هو أحبه مع الله، يوجد دخل كبير من ورائه، ووكيله، يعطيه تسهيلات وأسعار وائتمانية تسعين يوماً، يحبه، طلب خمراً جاء له بالخمر، هذا حبّ مع الله، فرق كبير بين الحبّ في الله والحبّ مع الله، الحبّ في الله عين التوحيد والحبّ مع الله عين الشرك.
أيها الإخوة؛ الآن إن أردت أن تتخلّق بكمال مشتق من هذا الاسم الله حيّ، لا تكن ميتاً، الله ماذا قال؟
﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21)﴾
ضغطه اثنتا عشرة ثمان، نبضه ست وسبعون، عمل فحوصات كله طبيعي، لكنه عند الله ميت، ما دام هدفه الدنيا، هدفه المال، هدفه السمعة، ما فكر بعمل صالح، ما فكر بقربى من الله، ما فكر بطلب علم، ميت:
﴿ أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (122)﴾
كان ميتاً، قبل الإيمان الإنسان ميت.
ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الأحياء
مات خُزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، لذلك الحياة حياة القلب، والموت موت القلب، تجد شخصاً ما فكر بحياته يصلي، ولا يصوم، ولا يتوجه إلى الله، ولا يعمل عملاً صالحاً، همه شهوته، إلهه شهوته، هذا ميت، الله عز وجل قال: ﴿أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ .
قبل أن نعرف الله نحن أموات:
﴿ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22)﴾
قبر الشهوة، مقبور بشهوته: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ فأنت يجب أن تكون حياً، حياة القلب، حياة المعرفة، حياة الإيمان، حياة الاستقامة، حياة العمل الصالح، حياة صحبة الصالحين، يجب أن تكون حياً.
وهناك معنى آخر دقيق، يجب ألا تكون مع الآخر كالميت، يقول لك: المريد كالميت بين يدي مُغَسله، هذا المعنى غير صحيح، لماذا؟
(( عن علي بن أبي طالب: بعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَغَضِبَ، فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا، فَجَمَعُوا، فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا، فَأَوْقَدُوهَا، فَقَالَ: ادْخُلُوهَا، فَهَمُّوا، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا، وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ، فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ. ))
على كل إنسان أن يكون حياً في معرفة الله وطاعته والقرب منه:
العقل لا يُعطَّل أبداً، ((لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)) أنا أُطيع هذا الإنسان وفق منهج الله، قال لي: صلِّ، والله أمرني بالصلاة، قال لي: اصدق، الله أمرني بالصدق، قالت له الأم: طلق زوجتك ما أحببتها، زوجته محجبة مستقيمة، قال لي شخص: أليس سيدنا عمر طلب من ابنه أن يطلق زوجته؟ أبي قال لي: طلق زوجتك ماذا أفعل؟ قلت له: إذا أبوك عمر طلقها، لكن أباك ليس عمراً، هذه حالة خاصة، سيدنا عمر إذا قال لابنه: طلق زوجتك يكون هناك سبب ديني كبير، أما ليس كل أب قال لابنه: طلق زوجتك يطلقها، أنت عبدت أباك من دون الله، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فلا تكن كالميت بين يدي المُغسِّل، العقل لا يُعطَّل، هناك دليل أقوى، الله عز وجل وصف الصحابيات فقال:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (12)﴾
المعصية مقيدة بالمعروف، لا يوجد معصية مطلقة، ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ ، ((لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ)) .
إذاً التخلّق بهذا الاسم العظيم أي أن تكون حياً بمعرفة الله، حياً بطاعتك له، حياً بقربك منه، وأن تكون حياً ولست ميتاً بين يدي القوي أو أي إنسان آخر، لك عقل، تراجع أمورك، لا تقبل أن تكون خطأً لإنسان، أخي هو قال لي، وإذا قال لك؟ لا ترض، ((لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا)) هذه القصة وردت في البخاري ومسلم، هذا منهج، هكذا خضوع أعمى لا يوجد.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق