وضع داكن
28-01-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 053 أ - اسم الله الحي 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى الحي:


أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الحي.
 

على كل إنسان أن يتّكل على الحي الذي لا يموت:


في السابق شرحنا اسم الحيي، الحيي اسم والحي اسم آخر، الحيي من الحياء والحي من الحياة، هذا الاسم ورد في قوله تعالى:

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (58)﴾

[ سورة الفرقان ]

وقال الله جلّ جلاله:

﴿ هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65)﴾

[ سورة غافر ]

ولم يقترن هذا الاسم باسم آخر إلا اسم القيوم في آية الكرسي:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾

[ سورة البقرة ]

أي تعليق سريع سمعت عن إنسان له مشكلة كبيرة جداً في بلده، وتقتضي سجناً لأمد طويل، ووَسّط إنساناً ليدخل بلده من دون أن يُساءل، وأخذ منه مبلغاً فلكياً، وقبل أن يدخل توفي هذا الإنسان فدخل إلى السجن، توكل على حيٍّ يموت فلم ينتفع بكل ما دفع، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ حينما تضع أملك بحيٍّ يموت فإذا مات هذا الحي الذي توكلت عليه تبددت الآمال، وأُحبط الإنسان.
 

انقطاع إمداد الله عن الإنسان يؤدي إلى موته:


(( عند مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل أحد أصحابه: عن أبي بن كعب يا أبا المُنْذِرِ، أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ: اللَّهُ ورَسولُهُ أعْلَمُ، قالَ: يا أبا المُنْذِرِ أتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِن كِتابِ اللهِ معكَ أعْظَمُ؟ قالَ: قُلتُ : {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} [البقرة: 255]. قالَ: فَضَرَبَ في صَدْرِي، وقالَ: واللَّهِ لِيَهْنِكَ العِلْمُ أبا المُنْذِرِ. ))

[ صحيح مسلم ]

﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي حيّ بذاته، ومصدر لقيام كل حيّ، حيّ محيي، حياتنا قائمة به، أي هذا المصباح إذا قال: أنا متألق، نقول له: أنت متألق بإمداد الكهرباء لك، فإذا قُطعت عنك انطفأت، وفي أية لحظة ينقطع علينا إمداد الله عز وجل يموت الإنسان،

(( وعند أبي داود من حديث أسماء بنت يزيد رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ، وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. ))

[ أبو داود: صحيح  ]

 

اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت في أشدّ الحاجة إليه في ظرف معين:


ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

(( عن بريدة بن الحصيب الأسلمي: سمعَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ رجلًا يدعو وَهوَ يقولُ: اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ بأنِّي أشهدُ أنَّكَ أنتَ اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا أنتَ الأحدُ الصَّمدُ، الَّذي لم يلِدْ ولم يولَدْ ولم يَكُن لَهُ كفوًا أحدٌ، قالَ: فقالَ: والَّذي نَفسي بيدِهِ لقد سألَ اللَّهَ باسمِهِ الأعظمِ الَّذي إذا دُعِيَ بِهِ أجابَ، وإذا سُئِلَ بِهِ أعطى. ))

[ صحيح الترمذي ]

((....وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ وَفَاتِحَةِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)).
أيها الإخوة؛ اسم الله الأعظم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: هذين الاسمين، وقد يكون اسم الله الأعظم هو الاسم الذي أنت في أشدّ الحاجة إليه في ظرف معين، فالفقير اسم الله الأعظم له المُغني، والمظلوم اسم الله الأعظم له العدل، والضعيف اسم الله الأعظم له القوي، وفي أية حالة أنت تتعامل مع أحد أسماء الله الحسنى، تقول تارة: يا مغنٍ، يا غني، وتارة يا قوي، وتارة يا حليم، وتارة يا رحيم، وتارة يا غفّار، وتارة يا توّاب، بكل حال من أحوالك هناك اسم يمكن أن يكون اسم الله الأعظم.
 

الحوار أسلوب ديني استخدمه الرسول الكريم مع أصحابه:


لكن لفت نظري أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أبا المنذر، أبو المنذر تأدباً سكت أول مرة والثانية ثم أجاب، ماذا نسمي هذا؟ هذا الحوار، من أدق أساليب التربية، ومن أفعل أساليب التربية أن تستخدم الحوار، الحوار يُقَرِّب، والإملاء يُبعِّد، أنت كأب، كمعلم، كمربٍّ، كموجه، كداعية، لا تستخدم أسلوب الإملاء، استخدم أسلوب الحوار، ومن ألطف ما في اللغة أن الفرق بين الحوار والجوار نقطة واحدة، الحوار والجوار، إذاً كل جوار يقتضي الحوار، الإنسان الحضاري يحاور، والإنسان المتوحش يقمع، لو أنك رأيت ابنك على حالة لا ترضي حاورته: يا بني هذا العمل يؤذي مستقبلك، هذا العمل يؤذي صحتك، هذا العمل يؤذي سمعتك، هذا العمل يضعك في موقف حرج، أنا أتمنى لك السعادة، السلامة، هذا كلام مقنع.
لذلك الأب العاقل يحاور أولاده لا يضربهم باستمرار، يحاورهم، أنت إذا حاورته قربته منك، وإنك إن قمعته أبعدته عنك، لذلك النبي الكريم عليه أتمّ الصلاة والتسليم كان يستخدم مع أصحابه أسلوب الحوار، يا معاذ أردفه خلفه،

(( عن معاذ رضي الله عنه: يَا مُعَاذُ، هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ؟ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ، وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَلَّا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا. ))

[  متفق عليه  ]

عجيب إله عظيم ينشئ لعبد صغير حقاً عليه؟ ((وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟)) سأله ثانيةً قال: ((اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ)) ثم أجابه ((وَحَقَّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَ مَنْ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)) هل هناك من حديث يملأ قلبك طمأنينة كهذا الحديث؟ أنشأ الله لك حقاً عليه، هذا بالحوار، الحوار أسلوب حضاري، الحوار أسلوب أخلاقي، الحوار أسلوب ديني، حاور ولا تقمع، حاور ولا تملي، كنا مرة في جلسة في جمعية مكافحة التدخين، فهناك أحد الإخوة الأعضاء انتقد بعض الإعلانات: التدخين يضر بصحتك، هذا إملاء، قبل أن تدخن هل فكرت في صحتك؟ حوار، سؤال: قبل أن تدخن هل فكرت في صحتك؟ فكرت في أن هذه الدخينة تشبه رصاصة قاتلة؟ الرصاصة موت سريع، والدخينة موت بطيء.
 

الحيّ صفة مشبهة فعلها حيّ:


أيها الإخوة؛ الحيّ في اللغة صفة مشبهة، يوجد عندنا فعل ماض، مضارع، أمر، اسم فاعل، اسم مفعول، اسم آلة، اسم مكان، اسم زمان، اسم تفضيل، صفة مشبهة على وجه الثبوت، فلان طويل صفة مشبهة، فلان داخل، الآن دخل اسم فاعل، اسم الفاعل على وجه الحدوث، أما الصفة المشبهة على وجه الثبوت، فالحي في اللغة صفة مشبهة، وفعلها حيّ، والآية الكريمة:

﴿ إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)﴾

[ سورة الأنفال ]

 

الله عز وجل متكفل أن يضع كل إنسان بحجمه الطبيعي:


لو أن طالباً سألناه: أنت ضعيف؟ أنت كسول؟ من دون امتحان، بظنّ المدرس، يقول: لا، أنا الأول، فإذا أُجري الامتحان ونال الصفر وقلنا له: أنت مُقَصِّر؟ يقول: نعم، لابد من أن يستحق الإنسان الهلاك عن بينة، ويستحق الحياة عن بينة، فالله عز وجل جعل الحياة الدنيا تجسيداً لما ننطوي عليه، يوجد بداخل الإنسان حاجة أو رغبة هذه في الدنيا لابد من أن تظهر، والله عز وجل حكيم، كأنه يقول لك: تكلم عن نفسك ما شئت، أنا متكفل أن أضعك في حجمك الطبيعي، يأتيه مبلغ ليُغير قناعته يرفضه أشدّ الرفض، المبلغ ألف، لو جاءه مليون يُغَيّر، إذاً أنت لما رفضت الألف الله يعلم أنك على رقم أكبر تتضعضع، فجاء من عرض عليك مبلغاً أكبر، بلوى عامة، أنا عندي أولاد، فالله عز وجل يُحجِّم الإنسان، إياك أن تدّعي ما ليس لك، الله عز وجل يضعك في ظرف صعب جداً تنكشف على حقيقتك، لأن الله سبحانه وتعالى لا تخفى عليه خافية، تكلم ما شئت، تحدث عن نفسك، وعن عظمتك، وعن أخلاقك، وعن ورعك، وعن زهدك، وعن أمانتك، وعن، وعن، وعن، والله عز وجل متكفل أن يضعك في حجمك الحقيقي.

﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ (179)﴾

[ سورة آل عمران ]

 

لابد لكل إنسان من أن يُمتحن:


﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

[ سورة المؤمنون ]

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)﴾

[ سورة آل عمران ]

لابدّ من أن نمتحن، الإمام الشافعي سُئل: أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ فقال: لن تُمَكَّن قبل أن تُبتلى.
إياك أن تظن أنه يمكن أن تعيش في بحبوحة، وفي صحة جيدة، وأسرة ناجحة، وأولاد أبرار، ودخل وفير، هكذا طوال الحياة من دون امتحان؟ مستحيل، لابد من أن تُمتحن.
 

معاني الحي:


أيها الإخوة؛ ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ الآن الحي من كل شيء نقيض الموت، والجمع أحياء، والحي يُطلَق أيضاً على كل متكلم ناطق، أحياناً يُصاب المريض بسبات، يأتي الطبيب يفتح عينه يمسك بمصباح متألق، فإذا بقيت الحدقة ثابتة ولم تتقلص هذا مؤشر موت، يأتي بمرآة يضعها أمام أنفه، فإذا جاءها بخار الماء مؤشر حياة، فإذا لم تتأثر مؤشر موت، يضع يده على شريانه فإذا لم يشعر بأي حركة هذا مؤشر موت، يوجد النبض ويوجد التنفس ويوجد حدقة العين، فإذا تأكد أن حدقة العين لم تتأثر بالضوء، وأن النبض لم يتحرك، وأن المرآة لم يأتها بخار الماء الناتج من الزفير، يقول: عظّم الله أجركم، انتهى، وهذه لحظة لابدّ منها، فالحي نقيض الميت، والجمع أحياء، والحي يُطلق على كل متكلم ناطق، والحي من النبات ما كان أخضراً طرياً يهتز، والحي هو الواحد من أحياء العرب، والحي هو البطن من بطون العرب، أي القبائل، والله هو الحي أي دائم الوجود، الباقي حياً بذاته، الإنسان متى يموت؟ هذا المصباح لو شُبِّه الإنسان بمصباح متى ينطفئ؟ إذا انقطع عنه الإمداد، أو ينطفئ إذا حطمته، حينما تُحَطّمه عندئذ لا يصلح لتلقي الإمداد، فالقتل تحطيم المصباح، والموت الطبيعي انقطاع الإمداد، بانقطاع الإمداد يموت الإنسان، وبضربه بآلة حادة يموت أيضاً، بالقتل عطّلت قدرته على استقبال الإمداد، وبالموت الطبيعي انقطع عنه الإمداد، لكن بكل حال عند علماء العقيدة المقتول يموت في أجله.
 

الله عز وجل وجوده ذاتي أما الإنسان فوجوده متعلق بإمداد الله له:


الله سبحانه وتعالى هو الحي أي الدائم في وجوده، الباقي حياً بذاته، ما معنى:

﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2)﴾

[ سورة الإخلاص ]

وجوده ذاتي، أما نحن فوجودنا متعلق بإمداد الله لنا، الباقي حياً بذاته على الدوام أزلاً وأبداً: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ وهذا الوصف ليس لسواه، أي طاغوت يُعبَد من دون الله إن كان حياً فحياته تُغَالبها الغفلة والسنة، وإن قاومها وأراد البقاء عدداً من الساعات فإن النوم يراوده ويأتيه فضلاً عن كون الموت يوافيه ويرديه، سبحان من قهر عباده بالموت.
 

الحي القيوم ينفرد بكمال الحياة ودوامها:


لا ينفرد بكمال الحياة ودوامها إلا الحي القيوم، الله سبحانه وتعالى هو الحي الباقي من أزل الأزل إلى أبد الأبد، هنيئاً لمن كان مع الحي القيوم، مع الحي الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، والأزل هو عمق الوجود ودوامه في الماضي، والأبد هو دوام الوجود وبقاؤه في المستقبل، من أزل الأزل إلى أبد الأبد، وقيل: الحي ليس لحياته زوال والذي لا يموت.

﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (88)﴾

[ سورة القصص ]

 

الإنسان ليس فعّالاً لما يريد لكن الله عز وجل فعّال لما يريد:


الحي هو الفعّال، إنسان يكون بأوج حياته، بأوج نشاطه، فعّال، يتخذ قراراً، يرضى عن زيد، يغضب على عبيد، يعطي، يمنع، يصل، يقطع، فعّال، له وجود قوي، فالحي هو الفعّال، والله عز وجل قال عن ذاته العلية:

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16)﴾

[ سورة البروج ]

البشر هناك مليون مليون مليون شيء نتمناه ولا نملكه، فالإنسان ليس فعّالاً لما يريد، لكن الله جلّ جلاله ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾

﴿ مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)﴾

[ سورة البقرة ]

و:

﴿ هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29)﴾

[ سورة البقرة ]

 

علم الله وقدرته تطول كل إنسان:


لذلك الله عز وجل قال:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)﴾

[ سورة الطلاق ]

أي اختار لك من أسمائه اسمين القدير والعليم، وأنا متأكد أنك إن أدركت أبعاد هذين الاسمين تستقيم على أمر الله، معنى قدير عليم أي أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك، أي أحياناً يكون مدير عام يمر من دون أن يعلم مئة مخالفة ولا يشعر، جالس في مكتبه، يُزوَّر توقيع، يُشار إلى إنسان داوم وهو لم يداوم، أي ممكن، أما الله عز وجل على كل شيء قدير وبكل شيء عليم، فإذا أيقنت أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، تماماً كما لو وقفت أمام إشارة حمراء، شرطي واقف وشرطي آخر على دراجة نارية ويوجد ضابط بالسيارة، فإذا تابعت السير هناك من يتبعك، وإذا تواطأت مع الشرطي هناك من يراقبك، هذا علمه يطولك وقدرته تطولك، تُصادر المركبة، تُسحب الإجازة، تدفع غرامة، فأي إنسان فيه ذرة عقل إذا كان واقفاً على إشارة حمراء وهو يعلم علم اليقين أن واضع قانون السير علمه يطوله وقدرته تطوله يستحيل أن يعصيه، أما حينما يتوهم أن الساعة الثالثة في الليل لا يوجد شرطي يعصيه بهذا الوقت، لأن علمه لا يطوله، أو إذا كان أقوى من واضع القانون، لا يعبأ.
إذاً الله عز وجل هو الفعّال ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ و: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي أن قدرته متعلقة بكل ممكن، وعلمه متعلق بالواجب والممكن والمستحيل، قدرته تعلقت بكل ممكن، وعلمه تعلق بكل واجب، وممكن، ومستحيل.
 

من يعبد الله حقّ العبادة منحه الله حقاً عليه ألا يعذبه:


أيها الإخوة؛ الإنسان يُقال: حيّ يرزق، بثانية يقول لك: سكته دماغية، صار خبراً، كان شخصاً صار خبراً، سكتة قلبية، اضطراب بنظم القلب، نبض اشتدادي انتهى باسترخاء القلب، احتشاء العضلة القلبية، عافانا الله جميعاً من هذه الأمراض، ورم خبيث، تشمع كبد، فشل كلوي، خثرة بالدماغ، أنا حينما ألتقي مع إنسان بيده قرار أقول له هكذا: الله يوجد عنده ورم خبيث، عنده فشل كلوي، تشمع كبد، خثرة بالدماغ، وكل هؤلاء البشر عباده ويحبهم، فإذا كنت بطلاً هيئ لله عز وجل جواباً عن كل شيء تفعله، إله عظيم بثانية أنت في قبضته، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول:

(( عن عبد الله بن عمر: إنّ مِن دُعَاءِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بكَ مِن زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيعِ سَخَطِكَ. ))

[ صحيح مسلم ]

الخثرة بالدماغ تأتي بثانية واحدة، شُلّ، والعياذ بالله هناك أمراض تجعل حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، فلذلك كما قلت قبل قليل: أنت حينما تعبده منحك الله حقاً عليه ألا يعذبك في الدنيا، حينما تعبده حقّ العبادة منحك الله حقاً عليه ألا يعذبك.
 

بطولة الإنسان أن يكون مع الحي الذي لا يموت:


أيها الإخوة؛ لحكمة بالغة إنسان يكون بأعلى درجات نشاطه، أعلى درجات تألقه، أعلى درجات قوته، ومع ذلك يموت بسبب لا يُعقل، بثانية، وأحياناً إنسان يبقى في الفراش ثلاثين عاماً، أقرب الناس إليه يتمنى موته، يُسمِعونه: الله يخفف عنك، يُسمِعونه يبقى عبئاً على من حوله، لذلك موت الفجاءة للمؤمن رحمة، أي لا أحد تألم منه، يقول لك: انخطف خطفاً، وأحياناً الإنسان مهما كان له مكانة كبيرة إذا فقد حركته أصبح طريح الفراش، أقرب الناس إليه زوجته الله يخفف عنك، أول أسبوع الخدمة خمس نجوم، كل أسبوع تنقص نجمة، آخر شيء لا يوجد خدمة أبداً، يذهبون، يدعونه وحده في البيت، فاسألوا الله العافية، وكان عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عن معاذ بن جبل: ما من دَعْوَةٍ أحبُّ إلى اللهِ أن يَدْعُوَ بِها عبدٌ من أنْ يقولَ : اللهمَّ إنِّي أسألُكَ المُعَافَاةَ أوْ (العافيةَ) في الدنيا والآخرةِ. ))

[ أخرجه الطبراني: خلاصة حكم المحدث: إسناده ورجاله رجال الصحيح ]

اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة، والبطولة أن تكون مع الحيّ القيوم، مع الحيّ الذي لا يموت، مع الحيّ الذي حياته باقية أزلاً بل من أزل الأزل إلى أبد الأبد، لذلك الإنسان بطولته في أن يكون مع الله، أما إذا كان مع إنسان بقاؤه منوط بهذا الإنسان، بل مكانته منوطة بهذا الإنسان.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور