الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
مِن أسماء الله الحسنى الباطن:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى وهو الباطن، هذا الاسم ورد في قوله تعالى:
﴿ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (3)﴾
وقد ورد أيضاً في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنت الأولُ فليس قبلكَ شيءٌ، وأنت الآخِرُ فليس بعدكَ شيءٌ، وأنت الظاهرُ فليس فوقَك شيءٌ، وأنت الباطنُ فليس دونكَ شيءٌ. ))
الباطن اسم فاعل، والبطن في كل شيء جوفه، والباطن خلاف الظاهر، والله تعالى يقول:
﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)﴾
وقد أكّد علماء النفس أن هذا الطفل حينما يولد ليس عنده أية مهارة، ولا أي قدرة، ﴿لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ إلا منعكساً واحداً لولاه لما عاش إنسان على سطح الأرض، إنه منعكس المص، آلية معقدة جداً تُخلَق مع الجنين، فإذا وصلت إصبع الممرضة إلى شفتيه مصها، لولا هذا المنعكس لما عاش إنسان على وجه الأرض، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ .
عدم الإحاطة بالله لأنه لا يعرف الله إلا الله:
أيها الإخوة؛ والشيء الباطن المحتجب عن الأنظار.
﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)﴾
وبطْن كل شيء ما احتجب عن النظر، لكن الله عز وجل هو الباطن، ما معنى أن الله باطن؟ قال: الله عز وجل مُحتجِب عن الأبصار، والدليل قوله تعالى:
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)﴾
لا يُرى في الدنيا، وأي ادّعاء أنه رأى الله فهو كاذب، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لكنه يُرى في الآخرة، قال تعالى:
﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾
أيها الإخوة؛ الله عز وجل يُرى في الآخرة، ولكن لا يُدرك أي لا يحاط به لا في الدنيا، ولا في الآخرة، لأنه لا يعرف الله إلا الله، إذاً يُرى في الآخرة بدليل قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ وقد ورد في بعض الآثار: أن الإنسان إذا نظر إلى وجه الله الكريم يغيب خمسين ألف عام من نشوة النظرة.
أسعد إنسان على وجه الأرض من وصل إلى رضوان الله تعالى:
لذلك هناك جنة، وهناك نظر إلى وجه الله الكريم، في قوله تعالى:
﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) ﴾
الحسنى هي الجنة.
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6)﴾
﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9)﴾
البشر على فئتين، فئة تصدق بالحسنى أي أنها مخلوقة للجنة، وفئة تكذب بالحسنى تؤمن بالدنيا فقط، الدنيا ولا شيء بعد الدنيا، فالجنة هي الحُسنى، ما الذي فوق الجنة؟ النظر إلى وجه الله الكريم، وما الذي فوق ذلك؟ قال:
﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)﴾
أن تكون في الجنة هذه حسنى، وأن يُسمح لك أن تنظر إلى وجه الله الكريم هذه الزيادة، أما الأكبر ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ لذلك أسعد إنسان على وجه الأرض من وصل إلى رضوان الله، أن تمشي في رضوان الله، أن يكون دخلك في رضوان الله، أن يكون إنفاقك في رضوان الله، أو يكون وصلك للآخرين في رضوان الله، أن تكون قطيعتك لمن حولك في رضوان الله، أن تعطي لله، أن تمنع لله، أن ترضى لله، أن تغضب لله، أن تصِل لله، أن تقطع لله، هذا من كمال الإيمان.
خصائص الجسم في الدنيا لا تسمح برؤية الله:
إذاً الباطن المحتجب عن الأبصار ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ لا يُرى في الدنيا، وأي ادّعاء برؤيته فهو ادّعاء كاذب، الحقيقة أن خصائص الجسم في الدنيا لا تسمح برؤية الله.
﴿ وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)﴾
إذاً مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يرى الإنسان ربه في الدنيا، لأن أجهزته، خصائصه، حواسه لا تحتمل أن ترى الله، لكن طبيعة الإنسان في الجنة تختلف عن طبيعته في الدنيا، في الجنة يمكن أن ترى الله ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ*إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ لكن في كلا الحالين أن تحيط بالله مستحيل، لا يعرف الله إلا الله، أي أنت ممكن أن تصل بمركبتك إلى الساحل، ممكن، أما أن تخوض بهذه المركبة البحر مستحيل! فقال بعض العلماء: عين العلم به عين الجهل به، وعين الجهل به عين العلم به، أي لو شخص سأل رجلاً إن هذا البحر المتوسط كم لتراً؟ فإذا قال: لا أدري فهو عالم، إذا قال: ثلاثة وثمانون ملياراً وسبعمئة واثنان وستون يكون كاذباً، أي رقم يُذكر إجابة عن هذا السؤال فهو كذب، أما أي قول لا أدري فهو العلم، لذلك قال سيدنا الصديق: العجز عن إدراك الإدراك إدراك، أي قمة العلم في الحديث عن ذات الله أن تقول: لا أعلم، أنت في أعلى درجات العلم إذا قلت: لا أعلم.
﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)﴾
اختلاف نظام الدنيا عن نظام الآخرة:
أيها الإخوة؛ الله عز وجل باطن، احتجب بذاته عن أبصار الناظرين، أي عفواً يوجد ساعة رقمية، ويوجد ساعة بيانية، الساعة البيانية طبيعتها تختلف اختلافاً كلياً عن الساعة الرقمية، البيانية مسننات، ونوابض، وعقارب، بنية أخرى، أما الساعة الرقمية إلكترونية، على سائل إل سي، ويوجد لها نظام خاص.
فأنت في الدنيا لك نظام، وفي الآخرة نظام آخر، أي أنت في الدنيا ترى من خلال العينين، وتُنقل لك الأصوات من خلال الأذنين، وتتحرك عن طريق الرجلين، وتقوم بعمل من خلال اليدين، هكذا في الدنيا، أي أنت في الدنيا لا تستطيع أن ترى ابنك الذي في أمريكا إلا إذا سافرت إليه، رؤية حقيقية مباشرة، إلا إذا سافرت إليه، تحتاج إلى ركوب طائرة لسبع عشرة ساعة أحياناً، لكن في الآخرة:
﴿ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (51)﴾
﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (55)﴾
النفس في الآخرة هي كلها أعين، كلها آذان، شعاع، أي شيء خطر في بالك تجده أمامك، ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾ ، ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ أنت في الدنيا لا تستطيع أن ترى ابنك بنظرة وهو في أمريكا، أما في الآخرة أي شيء يخطر في بالك تجده أمامك، نظام آخر.
الدنيا دار ابتلاء أساسها الكدح والآخرة دار تشريف أساسها الإكرام:
لذلك من الخطأ الكبير أن تتوهم الآخرة كالدنيا، أو أن تتوهم خصائص الإنسان في الآخرة كخصائصه في الدنيا، في الدنيا:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (6)﴾
من أجل أن تأكل طبقاً من الطعام تحتاج إلى عمل ساعة، من أجل أن تركب مركبة تحتاج إلى دراسة طويلة، إلى تجارة عريضة، من أجل أن تتزوج تحتاج إلى دخل، أي الدنيا مبنية على الكدح، ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ﴾ أما الآخرة مبنية على:
﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35)﴾
﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23)﴾
نظام الآخرة نظام إكرام، نظام الدنيا نظام عمل، الدنيا دار عمل، ليست دار أمل، الدنيا دار تكليف، ليست دار تشريف، الدنيا دار ابتلاء، ليست دار جزاء، طبيعة الدنيا شيء وطبيعة الآخرة شيء آخر، طبيعة الدنيا أساسها الكدح، طبيعة الآخرة أساسها الإكرام،
﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ (( عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قالَ اللَّهُ تَبارَكَ وتَعالَى: أعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأَتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ علَى قَلْبِ بَشَرٍ. قالَ أبو هُرَيْرَةَ: اقْرَؤُوا إنْ شِئْتُمْ: {فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ} [السجدة: 17]. قال أبو مُعاويةَ، عن الأعمَشِ، عن أبي صالِحٍ: قرَأ أبو هُريرةَ: (قُرَّاتِ أعْيُنٍ). ))
اختلاف خصائص الإنسان في الدنيا عن خصائصه في الآخرة:
أضيق دائرة دائرة المرئيات، يقول لك: أنا سافرت إلى بريطانيا، وإلى الهند، وإلى مصر، هذه مرئياته، لكن يسمع بالأخبار مئات المدن، هونولولو مثلاً يسمع بها، فالمسموعات أوسع بكثير، أما الخواطر لا نهاية لها، دقق في الحديث: ((أعْدَدْتُ لعباديَ الصالحين ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ)) هذا الإله العظيم الذي خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض ألا يُخطب وده؟ ألا تُرجى جنته؟ ألا تُخشى ناره؟
لذلك أيها الإخوة؛ الله عز وجل شاءت حكمته أن نكون على خصائص في الدنيا لا تسمح لنا أن نرى الله، فهو باطن، وشاءت حكمته أيضاً أن يهبنا خصائص أخرى في الآخرة تتيح لنا أن نرى الله، أي إنسان دخل إلى بستان جميل، جميل جداً، لكن صاحب هذا البستان له وجه يأخذ بالألباب، فالنظر إلى وجه صاحب هذا البستان يفوق النظر إلى البستان، أما إذا قال لك صاحب هذا البستان: أهلاً وسهلاً ومرحباً، أنت ضيفنا العزيز، هذا التكريم والترحيب يفوق النظر إلى وجهه، فصار هناك حسنى وهي الجنة، وهناك زيادة وهي النظر إلى وجه الله الكريم، وهناك ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ .
من صدّق الله استحق جنة عرضها السماوات والأرض:
أيها الإخوة؛ الله عز وجل باطن لأنه احتجب بذاته عن أبصار الناظرين لحكمة أرادها من الخلائق أجمعين، من أجل الابتلاء، فكرة دقيقة جداً أرجو الله أن يُمَكّنني أن أشرحها لكم، لو فرضنا امرأة تمشي بأبهى زينة، وهناك إنسان يحمل مسدس، يقول لإنسان آخر: إن نظرت إليها أقتلك، هل ينظر إليها؟ مستحيل! أما امرأة تمشي بأبهى زينة وهناك ناظر مؤمن بالله، معه نص فقط، أي كلمات، قال تعالى:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30)﴾
الشهوة محسوسة، ملموسة، أمام عينك، المرأة الجميلة، البيت الجميل، المركبة الفارهة، الطعام الطيب، المال الوفير محسوس، تدركه بحواسك الخمس، أما الآخرة خبر.
﴿ وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4)﴾
لماذا يستحق المؤمن الجنة؟ لأنه صدّق الله، أما أحاسيسه كلها في الدنيا، الدنيا خضرة نضرة، الدنيا محسوسة، أما الآخرة خبر، يفتح القرآن يقرأ قوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ صدّق الله، لأنه صدّق الله بالغيب لم يرَ الجنة، ولم يرَ النار، صدّق فاستحق الجنة، الدليل قوله تعالى:
﴿ الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)﴾
أما لو وجد لكل معصية عقاب فوري لا أحد يعصي، لكن عدم المعصية ليست سمواً، ولا عبادة، ولا محبة، ولا شوقاً، ولا إقبالاً، بحكم الخوف.
لذلك الأقوياء يطاعون، للخوف منهم الأقوياء يطاعون، لكن الله أراد أن تكون طاعته عن محبة، أرادك أن تحبه، لذلك قال:
﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)﴾
أرادك أن تأتيه طائعاً، أرادك أن تأتيه بمحض اختيارك، أراد أن تأتيه محباً، أراد أن تكون العلاقة بينك وبينه علاقة محبة، هذه العلاقة ثمينة جداً، أما علاقة القهر لا قيمة لها، لو شخص معك حاجة ثمينة شهر عليك مسدساً وقال: أعطني إياها، تعطيه إياها، هل تشعر أنك عملت عملاً صالحاً؟ أبداً، تُحس أنك مقهور، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطَل الثواب، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو أجبرهم على أفعالهم أُلغيت الجنة والنار، والثواب والعقاب، أُلغي كل شيء، أُلغي التكليف، أُلغيت الأمانة.
بطولة الإنسان أن يأتي ربه مختاراً لا قسراً:
كل بطولة الإنسان أن جاء ربه مختاراً، بمحض اختياره جاء إلى هذا المسجد، بمحض اختياره صلى، بمحض اختياره غضّ بصره، بمحض اختياره ضبط لسانه، بمحض اختياره ترك الحرام، أكل الحلال، كل قيمة عملك لأنك مخير، وكل قيمة عملك لأنك جئت الله مختاراً، لم تأته قسراً، الله عز وجل يقول:
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)﴾
أي يا عبادي لو أنني أريد أن أُلغي اختياركم، لو أنني أريد أن أُلغي تكليفكم، لو أنني أريد أن أُلغي حملكم للأمانة، لو أنني أريد أن تكون طاعتكم قسراً لفعلت هذا، ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ولكن هذا الهدى الذي يأتي قسراً لا قيمة له، أي بربكم لو رئيس جامعة أجرى امتحاناً لطلاب الجامعة، وزّع أوراقاً مطبوع عليها طبعاً الإجابة الكاملة، مطبوع عليها أيضاً العلامة التامة، مئة بالمئة، قيل للطالب: اكتب اسمك واخرج، كتب اسمه، النتائج ثلاثة وثمانون طالباً ممتاز، هذا النجاح له قيمة؟ له قيمة عند الطلاب؟ عند الأولياء؟ عند رئاسة الجامعة؟ سقط الامتحان.
منح الله سبحانه وتعالى رضاه لمن أحبه طوعاً لا كرهاً:
قيمتك عند الله أنك جئته مختاراً، باختيارك آمنت به، باختيارك أطعته، باختيارك أحببته، لذلك الله عز وجل قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (54)﴾
[ سورة المائدة
]
لخّص علاقته بعباده بهاتين الكلمتين ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ من هنا الذي كفر به يطعمه ويسقيه، الكفار يأكلون، ويشربون، يسكنون البيوت الفخمة، يركبون المركبات الفارهة، معهم أموال طائلة، غارقون في ملذاتهم، لكن الله سبحانه وتعالى منح رضاه لمن أحبه طوعاً لا كرهاً، ما أرادك أن تأتيه كارهاً أبداً، ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ إذاً لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، لو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، لو تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً، ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.
احتجاب الله عز وجل عن رؤية عباده لامتحانهم:
أيها الإخوة؛ أي الله عز وجل باطن لا يُرى، لكن كل ما في الكون يدل عليه، باطن لا يُرى، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ واحتجب عن رؤية عباده ليمتحنهم، سأوضح؛ أنت صاحب محل تجاري، تفتح المحل بيدك صباحاً، وتجلس وراء الطاولة وأمام مكان للأموال، وعندك موظف، يا ترى هذا الموظف أمين أم خائن؟ ما أتيح له أن يُمتَحن، أنت وراء الطاولة، دخلت أول داخل، وخرجت آخر خارج، والمفتاح بيدك، والمال معك، يا ترى أمين أم خائن؟ كلام ليس له معنى، لكن متى يمكن أن تمتحنه؟ إذا خرجت من المحل إلى محل وتراقبه من هذا المحل، هو الآن وحده، والمال بين يديه، أنت تراه هو لا يراك، راقبته ساعات طويلة لم يأخذ قرشاً من مكان المال، أما لو أنه خان وفتح مكان المال وأخذ مبلغاً، متى أُتيح له أن يُمتحن؟ إذا تغافلت عنه، متى أُتيح له أن يُمتحن؟ إذا غبت عنه، متى أُتيح له أن يُمتحن؟ إذا توهم أنك لا تراه، لذلك قال تعالى:
﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)﴾
هو لا يغفل، لكن عباده يظنونه يغفل، ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ أي كلمة احتجب عنا ليمتحننا، لولا أنه احتجب لما امتُحنّا، لو أن الله أرادنا أن نطيعه قسراً، أي إنسان يتكلم كلمة كذب يفقد نطقه، أي إنسان ينظر إلى امرأة لا تحِل له يفقد بصره، الكل يطيعونه، طاعة قهر، طاعة قهر لا قيمة لها إطلاقاً، والأقوياء يُطاعون، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء أخذوا ولم يُعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يُمدحون في حضرتهم فقط، أما الأنبياء يمدحون في غيبتهم.
الجنة ثمن من صدّق وآمن بالغيب:
لماذا احتجب عن الأبصار؟ ليمتحننا، لماذا احتجب عن الأبصار؟ ليكون للجنة ثمن ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ على الشبكية الله لا يُرى، يمكن أن تأكل المال الحرام، يمكن أن تكذب، يمكن أن تأخذ ما ليس لك، هذا واقع معظم الناس، ما دام قوياً يأخذ ما ليس له، الأخ الأكبر يأخذ كل الثروة، له أخوة صغار، وأخوات بنات، ما دام قوياً يأخذ كل شيء، هو هذه بطولة أن تُصدِّق بالغيب، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أن تُصدِّق أن الله سيحاسب وسيعاقب، ثمن إيمانك بالغيب، أي الدنيا محسوسة، ملموسة، تراها بعينيك، ترى مركبة فارهة، ترى بيتاً جميلاً، ترى امرأة جميلة، ترى مالاً وفيراً، ترى طعاماً طيباً، ترى بعينيك، والآخرة خبر في القرآن، على الشبكية لا يوجد غير الدنيا، الآن مشكلة الإنسان يرى الأشياء الجميلة، يضحي من أجلها بكل شيء، ثم يكتشف أنه كان على خطأ كبير.
العقل أداة أولى في معرفة الله عز وجل:
أيها الإخوة الكرام؛ أي الشيء إذا ظهرت عينه وآثاره تراه بعينيك، أما إذا غابت عينه وبقيت آثاره تراه بعقلك، الله عز وجل احتجب عنا، لكن الكون كله يشير إليه، إذاً العقل أداة أولى في معرفة الله عز وجل.
وفي كل شيء له آية تدل على أنه واحد
[ لبيد بن ربيعة العامري ]
أما إذا غابت ذات الشيء وآثاره لا سبيل إلى معرفته إلا بالخبر الصادق، صار عندنا طريق المعرفة الحواس، وطريق المعرفة العقلية العقل، وطريق الشيء إذا غابت عينه وآثاره الخبر الصادق.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق