وضع داكن
03-04-2026
Logo
الخطبة : 1092 - تربية الأولاد في ضوء الكتاب و السنة .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى :

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدهِ الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سمعت أُذُنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغُرّ الميامين، أُمناء دعوته وقادة ألويته وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.

أشقى الناس من لم يكن أولاده كما يتمنى:


أيُّها الإخوة الكرام: في حياة الإنسان أشياءٌ مرتبطةٌ به ارتباطاً عضوياً، من هذه الموضوعات أولاده، مهما جمَّعت ثروةً، ومهما اعتليت مرتبةً، ومهما كنت متفوقاً، إن لم يكن أولادك كما تتمنى فأنت أشقى الناس، هناك ملمحٌ في القرآن الكريم في قوله تعالى:

﴿ فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ (117)﴾

[ سورة طه ]

(فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا) مُثنَّى، بحسب السياق اللغوي فتشقيا، لكن القرآن فيه إيجازٌ وبلاغة، فشقاء الزوج شقاءٌ حُكميٌ لزوجته، وشقاء الأولاد شقاءٌ حُكميٌ لأبيهما وأُمِّهما، فلذلك هناك أُناسٌ شردوا عن الله، أرادوا الدنيا وخسروا أولادهم، يدخل عليهم من الألم ما لا يوصف، لأنهم خسروا أثمن شيءٍ يملكونه، لأنَّ ابنك امتدادٌ لك. 

ارتباط استمرار وجود الإنسان بتربية أولاده:


أيُّها الإخوة: ما منّا واحد إلا وقد جُبِلَ على حُبّ وجوده، وعلى حُبّ سلامة وجوده، وعلى حُبّ كمال وجوده، وعلى حُبّ استمرار وجوده، سلامة وجودك في طاعة الله، وكمال وجودك في العمل الصالح، لكن استمرار وجودك في تربية أولادك، إذا صحَّ أن أقول: لم يبقَ للمسلمين في أيديهم من ورقةٍ رابحةٍ إلا أولادهم، فإذا كانت شاشات الصغار فيها ثمانية وخمسين بالمئة من مشاهد الجنس في شاشات الكبار، وسبعة وثلاثين بالمئة سحرٌ وشعوذة، والباقي أعمال عنف، ماذا تنتظر من هذا الجيل الذي تعقِد عليه الأُمة كل آمالها؟ هذه الأُمة ببعثة النبي عليه الصلاة والسلام كانوا رعاةً للغنم، فصاروا قادةً للأُمَم، والآن تداعى علينا الأُمَم كما تتداعى الأكلةُ إلى قصعتها، في كل دولةٍ إسلامية هناك ثلاثين دولة حليفة محتلة.
أيُّها الإخوة: قضية المسلمين اليوم قضية نكون أو لا نكون، قضية بقاءٍ أو فناء، لأنَّ الطرف الآخر يريد إفقارنا، وإضلالنا، وإفسادنا، وإذلالنا، وإبادتنا، فلذلك الورقة الوحيدة الرابحة في أيدينا أبناؤنا، لا نسعَد إلا بأولادٍ صالحين، صحَّت عقيدتهم، وصحَّ سلوكهم، وكانوا في المجتمع عناصر بنَّاءة، وإيجابية، ومتوازنة، ومنضبطة، ومعتدلة، وهذه مهمة الآباء والأُمهات، ومهمة المدارس والجامعات، ومهمة الإعلام، ولابُدَّ من إصلاح البيت، وإصلاح المدرسة، وإصلاح الإعلام، يُبَث في اليوم والليلة سبعمئة ساعة، هناك ثمانمئة محطة فضائية، أربعمئةٍ منها إباحية، هناك ثلاثة وعشرين مليون موقع إباحي في الانترنت، يعني موقف المسلمين قديماً كحديقة حيوانٍ تقليدية، الوحوش في الأقفاص، لكن موقف المسلمين حديثاً كحديقة حيوانٍ إفريقية، الوحوش طُلقاء والزوار إن لم يُحصَّنوا بسيارةٍ مُصفَّحة يؤكلون.

الورقة الوحيدة الرابحة في أيدي المسلمين اليوم هي أولادهم فعليهم المحافظة عليها:


لذلك هذا تمهيدٌ إلى أنَّ الورقة الرابحة الوحيدة التي بقيَت في أيدينا هي أولادنا، والسعادة التي يتمتَّع بها الأب الذي أكرمه الله بتربية أولاده لا توصف، لا توصف أن ترى ابنك مؤمناً، أن ترى ابنك صادقاً، أن ترى ابنك أميناً، أن ترى ابنك ذا سُمعةٍ طيبة، أن ترى ابنك عنده أولادٌ صالحون، عنده زوجةٌ صالحة، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74)﴾

[ سورة الفرقان ]

والله أيُّها الأخ الكريم: قبل خمسين عاماً، كان من الممكن بتوجيهٍ خفيف أن يكون ابنك كما تتمنَّى، أمّا الآن مع كثرة الصوارف عن الحق، ومع كثرة العقبات التي تقف بينك وبين الحق، تحتاج إلى عشرة أضعاف من الجهد، كي تكون عقيدة ابنك سليمة، شخصٌ التحقَ بمدرسةٍ أجنبية، قال له قريبه: ماذا تعرف عن عُمر؟ قال: عُمر الشريف؟ لمّا قال له عُمر ما قفز إلى ذهنه إلا مُخرِج، أمّا سيدنا عُمر!
إنسانٌ تربّى بمدرسةٍ بعيدةٍ عن الدين، زار مصر فسأل أحد موظفيه، قال أين قبر محمد؟ يتوهم أنَّ قبر محمدٍ في القاهرة.
فحينما ندع أولادنا لمدارسٍ مناهجها لا تُرضي الله لكنها غالية جداً، فإذا وضعت ابنك في مدرسةٍ منهجها لا يُرضي الله، يتخرَّج منها إنسانٌ مُستغرِب، مُتنكِّرٌ لأُمته، ولدينه، ولعقيدته، أنت حينما ترى ابنك ليس كما تتمنَّى ما الذي يحصل لك؟
كنت مرةً في أمريكا، في ولايةٍ اسمها ديترويت، في هذه الولاية خمسة آلاف طبيبٍ مسلمٍ من سورية بالذات، عُقِدَ مؤتمر للأطباء في دمشق لمئةٍ من هؤلاء الأطباء، وأحد الأطباء زوَّج ابنته في دمشق، ودعاني إلى إلقاء كلمةٍ في عقد القران، مرةً كنت في مؤتمر في أمريكا فقام أحد الدُعاة وقال كلمة مؤثِّرة جداً قال: إن لم تضمن أن يكون ابن ابن ابنك مسلماً لا يجوز أن تبقى في تلك البلاد.
والله بعد انتهاء كلمتي في المؤتمر، تقدَّم منّي طبيبٌ مقيمٌ هناك، ودمعته على خدّه، قال لي: تقول ابن ابن ابني؟! قلت نعم، قال: أنا ابني ليس مسلماً، لا حاجة لابن ابن ابني، ابني ليس مسلماً!

أكثر أخطاء الأبناء من جهل الآباء أو من انشغالهم:


فيا أيُّها الإخوة: ما من شيءٍ ثمينٍ من دون حدود يملكه الآباء اليوم إلا أولادهم، أولادنا يعني المستقبل، أولادنا يعني تقدُّمنا، أولادنا يعني تماسكنا، أولادنا يعني أن ندافع عن مقدساتنا، أولادنا يعني أن نستعيد قيادة الأمم إن شاء الله، فأولادنا هم حجر الأساس لحياتنا، لكن كما انتهجت لنفسي هذا المنهج، أنا أؤمن أنَّ الحقيقة المُرَّة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، الحقيقة المُرَّة المؤلمة، اسمعوا هذه الحقيقة ولا أشكُّ بها إطلاقاً: أكثر أخطاء الأبناء من جهل الآباء أو من انشغالهم، والأب البطل هو الذي لا يقفز على المشكلة بل يواجهها، فكلما كان الأب على فهمٍ صحيح، وعلى إدراكٍ عميق، وعلى تمسُّكٍ بالمبادئ والقيَم، انعكست هذه القناعات وهذا الانضباط على أولاده استقامةً وصلاحاً، فأول شي، معظم أخطاء الأبناء من جهل الآباء أو من انشغالهم، وقد التقيت كثيراً بأُناسٍ يرعون الأيتام، وكلمتي دائماً أنَّ اليتيم الحقيقي من وجد أباً مشغولاً أو أُمَّاً أيضاً مشغولةً عنه، هذا هو اليُتم الحقيقي.

الطفل فُطِر فطرةً سليمة فعلى الأهل أن يُحسنوا تربيته و توجيهه:


أيُّها الإخوة: النقطة الثانية: نحن عندنا كلمة نُردِّدها كثيراً اسمُها المُراهقة، المُراهِق في التعبير الدقيق هو السفيه، من قال لك إنَّ في مجتمع المسلمين الحقيقي الذي أراده الله مراهقون؟ ابنٌ ينشأ في أسرةٍ مُنضبطة، الأمور مضبوطة، المبادئ واضحة، الأهداف واضحة، البيت متوازن، الأب يُربّي أولاده تربيةً صحيحة، المدرسة تُعطيهم العقيدة الصحيحة، المُراهقة موجودة في مجتمعٍ مُتفلِّتٍ، لأنَّ الإنسان بأدق تعريفات المُراهقة عند البلوغ، عند البلوغ هناك شهوةٌ استيقظت، لكن هذه الشهوات في الإسلام مُنضبطة، الشهوة في الإسلام ترقى بها إلى ربِّ الأرض والسماوات، بل ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان، إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها.
 مَثَلٌ أُردِّدهُ مئات المرات، الشهوة صفيحة بنزين، توضع في مركبتك في المستودع المُحكَم، تسري في الأنابيب المُحكَمة، البنزين ينفجر في المكان المناسب، وفي الوقت المناسب، يولِّد حركةً نافعة تُقلُّك أنت وأهلك إلى مكانٍ جميل، وهذه الصفيحة نفسها صُبَّها على المركبة واعطها شرارة، تُحرِق المركبة ومَن فيها، الشهوة قوةٌ دافعة أو قوةٌ مُدمِّرة، الشهوة حيادية، يمكن أن تتزوج امرأةً، وتُنجِب أولاداً صالحين، يَملؤون البيت فرحةً، يَملؤون المجتمع عطاءً وانضباطاً، وترقى بهذا الزواج إلى أعلى عليين، وهذه الشهوة لو سَلَكت قناةً قذرةً، كانت هلاكاً لصاحبها وللمجتمع، وهذا الذي يحصل، فالمجتمع الغربي مُتفلِّت، غير منضبط، لا يوجد شيءٌ مُحرَّم.
 قال لي مرةً مندوب لدولةٍ في مؤتمرٍ في أمريكا قال: عندنا في أمريكا لا يوجد شيءٌ مُقدَّس، لا يوجد شيء إلا خاضع للبحث والدراسة والنقد والإلغاء، لا يوجد بالمجتمع المُتفلِّت خطوطٌ حمراء أبداً، نحن عندنا خطوط حمراء، الإيمان بالله، الإيمان برسول الله، الإيمان بهذا المنهج، الإيمان بأفعال الصحابة الذين اصطفاهم الله لصُحبة رسوله، عندنا منهج.
أيُّها الإخوة الكرام: أول حقيقةٍ، أتمنى على كل أبٍ منكم أن يعترف بها، أنَّ أخطاء أولاده ربما ترجع في الأعمّ الأغلب إلى أخطائه هو، فبدل أن تُعنِّف تلافى الخطأ، لأنَّ الطفل فُطِر فِطرةً سليمة، إن علَّمته على الصدق كان صادقاً، إن علَّمته على الأمانة كان أميناً، إن وجَّهته كان كما تتمنّى.

أوامر الشرع ليست قيداً لحرية الإنسان ولكنها ضمان لسلامته:


أيُّها الإخوة: هناك شيءٌ آخر هو أنَّ الإنسان أعقد آلةٍ في الكون، تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز، ولهذه الآلة بالغة التعقيد صانعٌ حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، النقطة الدقيقة جداً، أنه في اللحظة التي تتوهم فيها أن أوامر الشرع قيودٌ لحريتك، فأنت لا تفقه من الدين شيئاً، وفي اللحظة التي توقِن بها، أنَّ أوامر الشرع ليست قيداً لحريتك، ولكنها ضمانٌ لسلامتك، تغدو فقيهاً، أي بدافعٍ من محبتك لذاتك، بدافعٍ من حِرصك على سلامتك، بدافعٍ من حِرصك على كمالك، على بقائك، على سعادتك، أطِع ربَّك، لأنَّ منهج الله عزَّ وجل منهجٌ موضوعي.
والله الذي لا إله إلا هو، كلما رأيتُ شيئاً إيجابياً في مجتمع الغرب، يُعزى إلى أنهم بذكائهم طبَّقوا شيئاً من إسلامنا فقط، أيُّ شيءٍ تراه في المجتمع الغربي إيجابياً، هو في الحقيقة بسبب تطبيقهم لجزءٍ من منهج المسلمين، هُم لا يعبدون الله لكن ذكاءهم قادهم إلى ذلك.
إذاً نحن لسنا مُستعدين أن نأخذ من الغرب أمراضه، نحن في غنىً عن أن نأخُذ مشكلات الآخرين، مجتمع مُتفلِّت، هذا المجتمع المُتفلِّت المعصية في كل مكان، الشيء الخطير أيُّها الإخوة، أننا على دربهم سائرون، أننا نتبع أثرهم خطوةً خطوة.

((  لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَن قَبْلَكُمْ شِبْرًا بشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بذِرَاعٍ، حتَّى لو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ، اليَهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قالَ: فَمَنْ؟ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

 أنا لفت نظري في الصين كلمة طعام حلال، وثياب حلال، ماذا يقابل الطعام الحلال؟ الطعام الحرام لحم الخنزير، وماذا يقابل الثياب الحلال؟ الثياب المُحرَّمة، الفاضحة، الضيقة، التي تُثير الشهوات، وتصرف الشباب عن مستقبلهم.

احترام شخصية الصغير ترفع قيمته وتُفجِّر طاقاته وتُعطيه الثقة بنفسه:


أيُّها الإخوة الكرام: شابٌ في السابعة عشر من عمره، هذا ما إمكاناته؟ في الإسلام بسن المُراهقة، هذا قائد جيش، قائد جيشٍ من جنوده أبو بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعلي، أسامة بن زيد ركِبَ الناقة وهو قائد الجيش، وسار في ركابه أبو بكر خليفة المسلمين، قال: "يا خليفة رسول الله لتركبنّ أو لأنزلنّ، قال: والله لا ركبت ولا نزلت وما عليّ أن تَغبرَّ قدماي ساعةً في سبيل الله" .

(( أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أُتِيَ بشَرَابٍ فَشَرِبَ منه، وعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وعَنْ يَسَارِهِ الأشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أتَأْذَنُ لي أنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الغُلَامُ: واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، لا أُوثِرُ بنَصِيبِي مِنْكَ أحَدًا، قَالَ: فَتَلَّهُ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في يَدِهِ. ))

[ صحيح البخاري ]

هكذا ربّى النبي الصغار.
 بالمناسبة إخوانا الكرام: احترام شخصية الصغير هذه ترفع قيمته، تُفجِّر طاقاته، تُعطيه الثقة بنفسه، فالأب المؤمن يُحبُّ أولاده، ويحترمهم، ويأخذ رأيهم أحياناً (أتَأْذَنُ لي أنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ الغُلَامُ: واللَّهِ يا رَسولَ اللَّهِ، لا أُوثِرُ بنَصِيبِي مِنْكَ أحَدًا) .

قانون الالتفاف والانفضاض:


أيُّها الإخوة: مرةً ذكرت هذا بشكلٍ مُفصَّل، عندنا شيءٌ في القرآن الكريم اسمه قانون الالتفاف والانفضاض، هل منّا واحدٌ لا يتمنّى أن يلتَّف حوله أولاده؟ وإذا عنده محلٌ تجاري موظفوه يلتَّفون حوله، يُحبونه، يُخلصون له، في غيبته حُرَّاسٌ له، في حضرته خدمٌ له، هذا القانون موضحٌ في آيةٍ كريمة، قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾

[ سورة آل عمران  ]

أي بسبب رحمةٍ استقرَّت في قلبك يا محمد كنت ليِّناً لهم، من خلال اتصالك بنا كنت ليِّناً لهم فالتَّفوا حولك، ولو لم تكن مُتصلاً بنا لامتلأ القلب قسوةً، ولانعكست هذه القسوة غِلظةً وفظاظةً، فانفضّوا من حولك.
أُقسم لكم بالله ولا أبالغ، في الأسبوع تأتيني اتصالاتٌ هاتفية عديدة جداً، مفادها أبٌ قاسٍ، لا يلتَّفِت إلى أولاده إطلاقاً، دائماً يشتمهم ويُعنِّفهم، دائماً يوبخهم، دائماً يُضعف شخصيتهم، بيت جحيم، متى تكون بيوتنا جنَّة؟ متى تكون البيوت نعيماً؟ النعيم لا يحتاج إلى أموال يحتاج إلى مودة، أحياناً يكون الطعام متواضعاً جداً، لكن يوجد حُبّ بين أفراد الأسرة. 
استمرار وجودك بتربية أولادك:
أيُّها الإخوة: النبي عليه الصلاة والسلام في سلوكه اليومي أعطانا دروساً، هذا ابنك، والله مرةً توفي عالِمٌ كبيرٌ في الشام، وأُقيم له العزاء في الجامع الأموي، في اليوم الثالث قام ابنه وألقى خُطبةً أبكتني، فقلت في نفسي: إذاً لم يمُت والده.
استمرار وجودك بتربية أولادك، هذا القانون الالتفاف والانفضاض: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ) هذا القانون يحتاجه الأب، يحتاجه المُعلِّم، يحتاجه صاحب المحل التجاري، يحتاجه مدير الجامعة، يحتاجه مدير المستشفى، يحتاجه أي إنسان يحتل منصباً قيادياً، ألا تُحب أن يلتَّف من حولك نحوك؟ 

أولادنا فلذة أكبادنا علينا أن نكرمهم و نعطيهم العطف و الحنان:


نقطةٌ ثانية أيُّها الإخوة: مرةً رأيت حاضنة فيها ثُقبان، سألت الطبيب لِمَ هذان الثُقبان؟ قال هذا الطفل الصغير يحتاج إلى لمساتٍ من أمه، هو في حاضنة الآن، فهذان الثُقبان من أجل أن تُدخِل الأم أصابعها للمس ابنها، الطفل أحياناً بحاجةٍ إلى حنانٍ غير الطعام والشراب، حدَّثنا أستاذ في الجامعة أنَّ الأم التي تُرضِع ابنها بقسوةٍ ينشأ قاسياً، والأم التي تُرضِع ابنها بحنانٍ ينشأ ذا رحمة، هذا الشيء من بديهيات التربية، الطفل أطعمته جيد، سقيته، اشتريت له ثياباً جيدة، كله جيد، هو بحاجةٍ إلى شيءٍ آخر، بحاجةٍ إلى حنانك، إلى أن تضُّمه، إلى أن تشمُّه، إلى أن تُلاعبه، إلى أن تبتسم في وجهه، هذه ينبغي ألّا يغفل عنها الآباء، الإنسان بحاجةٍ إلى غذاءٍ روحي، إلى غذاءٍ معنوي، إلى أن يرى أباه يُحبّه، إلى أن يرى أُمه تُحبُّه، أن يرى أُمه تضمه وتشُمُّه، إن أردت أن يلتَّف ابنك حولك، عليك بإكرامه أولاً، وعليك بأن تسقيه مع الحليب العطف والحنان.
أيُّها الإخوة: أنا سافرت إلى بلادٍ كثيرة لكن لفت نظري أن في ماليزيا، هذا الصحن الموضوع على الأسطحة غرامته تقترب من مليون ليرة، حرصاً على أولادهم، يعني هناك انضباط، سافرت إلى بلدٍ بعيد، هناك قناةٌ واحدة مسموحٌ أن يراها الصغار، والباقي كلها مُشفرة، هناك انضباط، هؤلاء الذين ما عرفوا الله أبداً خافوا على أولادهم، ترى مسلماً الصحن عنده مفتوحٌ على ثمانمئة محطَّة، وسهِرَ مع زوجته عند أقربائه، ويوجد في البيت شبابٌ وشابات، هناك مشكلة كبيرة يا إخوان، هناك شيءٌ لا أستطيع أن أقوله على المنبر، أولادنا فلذة أكبادنا، أولادنا مستقبلنا، أولادنا مستقبل أُمتنا، أولادنا أقرب شيءٍ إلينا، والله لا نسعد إلا إذا كان أولادنا كما نتمنّى.

العاقل من كان صديقاً لابنه:


أيُّها الإخوة: أيضاً شيءٌ آخر، يجب أن تكون صديقاً لابنك، "لاعب ولدك سبعاً، وأدِّبه سبعاً، وراقبه سبعاً، ثم اترك حبله على غاربه" .
هناك مرحلة لا يصلُح له إلا المُلاعبة والمُداعبة لأنه لا يُدرِك، وهناك أبٌ أحياناً يبكي ابنه فيضربه ضرباً مُبرِّحاً، عمره ثلاث سنوات، لاعب ولدك سبعاً، بعد السبعة كذب أدِّبه سبعاً، ثم كبر وأصبح له كيان، هذا الكيان لا يسمح لك أن تُهينه أمام الناس، وراقبه سبعاً، يحتاج إلى أن تعامله بحذرٍ شديد، لا هو راشدٌ فيُرضيك ولا هو طفلٌ فتعذره، يُسمّونه عند بعض النساء سن محيَّر، فبعد السبعة الثالثة راقبه، وبيِّن له بينك وبينه، وهناك حديثٌ رائعٌ جداً: 

(( علِّموا ولا تُعنِّفوا، فإنَّ المعلِّمَ خيرٌ من المعنِّفِ ))

[  أخرجه البيهقي ]

وضِّح، لماذا نحن نُصلّي يا بُني؟ يقول له: صلِّ، فقط صلِّ، ما صلّى أَضرِبه، ليست هذه هي التربية، عرِّفه بالله عزَّ وجل، بيِّن له أفعال الله عزَّ وجل، بيِّن له عظمة الله عزَّ وجل، هذا الإله خلقنا من عدم خلقنا للجنَّة، يريد أن نعبده حتى نستحق الجنَّة، فأنت بيِّن وإذا الأب جاهل هذه مشكلة، فاقد الشيء لا يعطيه، يجب أن يكون الأب عالِماً حتى يُعلِّم أولاده، يعني أنت إذا طلبت العِلم ليس لك وحدك، أنت تُمثِّل أُسرةً، سألك ابنُك سؤالاً محرجاً، معك جوابه بيَّنت له.

(( أدِّبوا أولادَكم على ثلاثِ خِصالٍ حُبِّ نبيِّكم وحبِّ أَهلِ بيتِه وقراءةِ القرآنِ فإنَّ حَملةَ القرآنِ في  ظِلِّ اللَّهِ يومَ لا ظِلَّ إلَّا ظلُّهُ معَ أنبيائِه وأصفيائِهِ. ))

[  أخرجه ابن حجر والسيوطي ]

اقرأ له آيةً، اشرحها له. 

ما من شيءٍ أكرم على الله من شابٍ تائب:


أيُّها الإخوة: نحن ما عندنا مراهقة بالإسلام عندنا فتوُّة، قال تعالى:

﴿ نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ ۚ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)﴾

[ سورة الكهف ]

ما من شيءٍ أكرم على الله من شابٍ تائب.

(( إنَّ اللهَ تعالى يُباهي بالشَّابِّ العابدِ الملائكةَ، يقولُ: انظُروا إلى عَبْدي، ترَك شَهْوتَه مِن أجلي ))

[ أخرجه الديلمي ]

(( ثلاثةٌ يُحِبُّهمُ اللهُ، وثلاثةٌ يُبغِضُهمُ اللهُ، أمَّا الثلاثةُ الذين يُحِبُّهمُ اللهُ: فرَجُلٌ أتى قومًا فسأَلَهم باللهِ، ولم يَسأَلْهم بقَرابةٍ بينَهم فمَنَعوه، فتخلَّفَ رَجُلٌ بأعْقابِهم، فأَعْطاهُ سِرًّا، لا يَعلَمُ بعَطيَّتِه إلَّا اللهُ، والذي أَعْطاه، وقومٌ ساروا ليلتَهم حتى إذا كان النومُ أحبَّ إليهم ممَّا يُعدَلُ به، نَزَلوا فوضَعوا رُؤوسَهم، فقامَ يَتملَّقُني ويَتْلو آياتي، ورَجُلٌ كان في سَريَّةٍ، فلَقوا العَدوَّ فهُزِموا، فأقبَلَ بصَدرِه حتى يُقتَلَ، أو يَفتَحَ اللهُ له، والثلاثةُ الذين يُبغِضُهمُ اللهُ: الشيخُ الزاني، والفَقيرُ المُختالُ، والغَنيُّ الظلومُ ))

[ أخرجه النسائي في السنن الكبرى وأحمد ]

أيُّها الإخوة الكرام: نحن في مُصطلح المسلمين عندنا فتوُّة، والله قوة الأُمة في قوة شبابها، طاقات، نشاط، حيوية، ذهن حاد، قديماً كان شبابنا في الجهاد، الآن معه همبرغر وبيبسي وذاهبٌ إلى الملعب، وهدفه الأكبر هذا اللاعب أو هذا المُمثِل، أو هذه الساقطة أو هذا الساقط، إلى أين؟! 

الشاب المؤمن المُندفِع يُدخِل على قلب أبويه من التفاؤل ما لا يوصف: 


أيُّها الإخوة الكرام: نحن عندنا فتوُّة وشعارنا: (إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) .
وقد تجد إنجازات الشباب تفوق حدّ الخيال، والله أحياناً أرى شاباً مؤمناً مندفعاً إلى خدمة أُمته، والله أتفاءل تفاؤلاً شديداً، يُدخِل هذا الشاب على قلبي من التفاؤل ما لا يوصف، تجد شاباً خرج عن الشيء الشائع، شاب مُنحرِف، لاهٍ، عابث، لا يعنيه شيء، ليس جاداً في أي موضوع، مُستهزئ، ساخر، رافض أي شيء، هذا النموذج الغربي، هناك شهواتٌ مُستعرة والأمور ليست مُيسَّرة، هذه الإنجازات الضخمة في الأرض للأقوياء والأغنياء فقط، والباقون محرومون، وهذا الحرمان يسبب حالة اختلال توازن، أمّا المؤمن هدفه واضح، وهو يمشي على الطريق الصحيح. 

من رفض منهج الدين العظيم احتقر نفسه:


فلذلك أيُّها الإخوة الآية الكريمة:

﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123)﴾

[ سورة طه ]

المراهقة بأدق تعريفها سَفَه، مثلاً: 

﴿ وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ۚ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130)﴾

[ سورة البقرة ]

أنت يمكن أن ترفُض آلاف الأشياء ترفُضها لاحتقارك لها، ترفُض وظيفةٌ مُتعِبة ودخلُها قليل، ترفُض سفراً الراتب فيه قليل جداً والجُهد كبير، ترفُض فتاةً ليست ملتزمة بالزواج منك، لك أن ترفُض آلاف الأشياء إلا أنك إذا رفضت هذا الدين العظيم، فإنك تحتقر نفسك، قد ترفُض شيئاً لأنك تحتقره، إلا أنك إذا رفضت الدين تحتقر نفسك، والدليل: (وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ) .
سيدنا خالد لمّا أسلم متأخراً، قال له النبي الكريم كلمة لها ملمحٌ خطير، قال له: "عجبت لك يا خالد! أرى لك فكراً" أنت ذكي ومن لوازم الأذكياء أن يكونوا مؤمنين، عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً، لذلك: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ) .

الدين العظيم ضمان لسلامتنا و ليس حدّاً لحريتنا:


هناك شيءٌ آخر: نحن لا يوجد عندنا بالإسلام حرمان أبداً، نحن عندنا أوامر هي ضمان لحريتنا، ضمان لسلامتنا وليست حدّاً لحريتنا، وكل إنسان يتوهم أن هناك حدّاً للحرية واهمٌ وجاهل، قال تعالى:

﴿ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)﴾

[ سورة القصص  ]

المعنى المعاكس: ومن يتَّبِع هواه وفق هدى الله عزَّ وجل لا شيء عليه.
 ما من شهوةٍ أودعها الله فينا، إلا ولها قناة نظيفة ترقى بها، قال لي عالِمٌ: أنا عندي ثمانية وثلاثون حفيداً، ثلاثة عشر من حُفَّاظ كتاب الله، وعشرة أطباء، تزوج امرأةً وكانت المُحصِّلة هذا الكم الكبير من الصالحين والمُثقفين.  

سلوك الإنسان انعكاس لتصوره:


أيُّها الإخوة: بقي شيءٌ دقيق وهو أن سلوك الإنسان انعكاس لتصوّره، كل واحد منا عنده تصوُّر، فأنت حينما تكون بطلاً تُقدِّم لابنك تصوراتٍ صحيحة فيستقيم سلوكه، تُقدِّم لابنك تصوراتٍ صحيحة، عقيدة صحيحة، سلوكه انعكاسٌ لعقيدته، أزمة أهل النار في النار ما هي؟ الجهل.

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10)﴾

[ سورة الملك  ]

فلذلك حينما تُعرِّف ابنك بسرّ وجوده، وبغاية وجوده، وأنك مخلوقٌ للجنَّة، وأن هذه الأوامر لصالحنا، أنا مرةً قرأت قصة في صحيفة تشرين، أنَّ سائق مركبة عامة أُشير له أن يقف من قِبَل امرأة، وقف لها وسألها إلى أين يا أُختي؟ قالت له: إلى أين تريد، ظنَّ نفسه قد كسب كسباً كبيراً، بعد أن قضى حاجته، أعطته ظرفاً بداخله رسالة: مرحباً بك في نادي الإيدز.
هذا الرجُل لو حضر درس علم، لفتح باب المركبة وركلها بقدمه، فكل معصيةٍ وراءها مصيبة كبيرة. 

من استقام على أمر الله فهو في ظلّ الله و حمايته:


فأنت حينما تستقيم على أمر الله أنت في ظل الله، في حماية الله. 

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ (32)﴾

[ سورة فصلت  ]

أيُّها الإخوة الكرام: يمكن أن أقول لكم بشكلٍ دقيق الحديث الشريف: (علِّموا ولا تُعنِّفوا، فإنَّ المُعلِّمَ خيرٌ من المُعنِّفِ) وحينما تسعد بأولادٍ صالحين فأنت من أسعد الناس.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المُستغفرين، استغفروا الله. 

* * *

الخــطــبـة الثانية :

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمد عبده ورسوله، صاحب الخُلُق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حُمَّى الاستهلاك مرضٌ خطيرٌ يُبنى على حساب بيوتنا واستقرارنا:


أيُّها الإخوة: مرةً إنسان وعدني الساعة السادسة صباحاً، سألته لِمَ هذا الوقت المُبكِّر؟ هذا وقت راحتك؟ قال لي أنا ربّاني أبي رحمه الله على صلاة قيام الليل كل يوم، فنحن نستيقظ قبل الفجر بساعة، نُصلّي، نذهب إلى المسجد، نعود نبدأ بأعمالنا، إنسان توفى والده من أربعين سنة، غرس فيه العمل مُبكِّراً وصلاة قيام الليل يومياً.
كنت في سفرٍ وقال لي شخصٌ ركب إلى جانبي في الطائرة، قال لي: أنا أبي كان يعطيني مبلغاً ضخماً، يقول لي: وزِّعه صدقات بحسب معرفتك، هناك أبٌ يُعلِّم ابنه أن يكون مُحسناً، يُعلِّم ابنه أن يكون مُلتزماً، فأنا أتمنّى على الأب أن يُفكِّر تفكيراً جاداً، لأنَّ هموم المعاش أنسَته أنه أب، وهذه مشكلةٌ كبيرة، لأن الوضع الآن، يسعى الإنسان إلى تحقيق الحد الأدنى من الدَخل، فهو مشغولٌ دائماً.
 مرةً رئيس فرنسا جيسكار ديستان كلَّف ثلاثين عالِم اجتماع يجلسون في منتجع ويعطونه جواباً عن سؤالٍ واحد: لماذا العنف في العالم؟ نحن بالخمسينات كل عشر سنوات يتم إعدام شخصٍ في المرجة، تزحف دمشق كلها لتشاهده، الآن عندنا في كل يومٍ مئة قتيل يومياً بالأخبار، هناك عنفٌ شديد بالعالم، هذا الرئيس الفرنسي سأل لماذا العنف في العالم؟ 
قد تُفاجؤون بالجواب، أجابوا: مجتمع الاستهلاك، يعرضون عليك آلةً حديثة، مكيف جديد، غسالة جديدة، سيارة جديدة، باستمرار، في الشاشة وفي الطرقات، فكل الإعلانات تجعلك في حاجةٍ إلى شيءٍ ما معك ثمنه، أنت أمام ثلاث حالات:
إمّا الإحساس بالحرمان الدائم، أو أن تُلغي وقت الفراغ، وإذا ألغيت وقت الفراغ ألغيت أُبوُّتك، ما عادَ أباً، يقول لك أذهب قبل أن يستيقظوا، وأعود بعد أن يناموا، لأنه عنده وظيفة، وعنده عمل بعد الظهر محاسبة أو على سيارة، يعمل عشرين ساعة ليُحضِر المصروف، فمجتمع الاستهلاك إمّا أن يُشعرك بالحرمان الدائم، أو أن يُلغي أُبوُّتك، أو أن يحملك على أن تأكل المال الحرام، ثلاثة خيارات، إمّا أن تسقط من عين الله وعين المبادئ والقيَم الراقية، أو أن تُلغي وقت فراغك، أو أن تحس بالحرمان.
دخلت امرأةٌ لسوقٍ تجاري كبير جداً، قالت: يا إلهي ما أكثر الحاجات التي لا يحتاجها الإنسان، مجتمع الاستهلاك رُسم لنا من الغرب، يريدوننا أسواقاً لبضائعهم، تجد حاجة بعرضٍ رائعٍ، وبغلافٍ رائع، من أجل أن تشتري، هذا حُمَّى الاستهلاك، هذا مرضٌ خطير، هذا على حساب بيوتنا، على حساب استقرار أُسرنا، على حساب السعادة الزوجية وسعادة البيت.

بطولة الإنسان أن يتحرك وفق قناعاته ووفق منهج الله تعالى حتى يسلم و يسعد:


فيا أيُّها الإخوة: البطولة لا أن تكون مع التيار، البطولة أن تقف وتتحرك وفق قناعاتك، لا تقبل أن تكون رقماً بخطة عدوك، أنا أقول لكم دائماً: إمّا أن تُخطِّط وإمّا أن يُخطَّط لك، لا تكن رقماً بسيطاً، العدو رسم خطة من أجل ترويج بضائعه، أنت تكون تحت هذا الضغط، تبيع دينك من أجل المال، هذا الذي يحصل!
امرأةٌ في عهد الصحابة طلبت من زوجها شيئاً لا يملِك ثمنه، ألحَّت عليه فقال لها: <<أيتها المرأة إن في الجنَّة من الحور العين، ما لو أطلَّت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أُضحّي بكِ من أجلهنّ أهون من أن أُضحّي بهنَّ من أجلك>> .
فالإنسان يجب أن يُخطِّط لنفسه، ويرسم لنفسه مبادئ، ويتحرك وفق منهج الله، حتى يسلم ويسعد.

الدعاء :


اللهم اهدِنا فيمن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولَّنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرف عنّا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك. 
اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضنا وارضَ عنّا.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين.

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

اللغات المتوافرة

إخفاء الصور