وضع داكن
15-07-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس 094 ب : اسم الله المؤخر 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من أصرّ على شيء من خير الدنيا أو الآخرة وكان صادقاً أعطاه الله سؤله:


أيها الإخوة الكرام؛ لا زلنا في اسم المُؤخِّر، والتقديم والتأخير أن يُقَدم الإنسان في المال، وأن يُؤَخّر إنسان آخر في المال، أن يُقَدم إنسان في الجاه، وأن يكون إنسان آخر في التعتيم، أن يُقَدم إنسان بالصحة، وأن يُؤَخر إنسان بالصحة، هذا التقديم والتأخير الذي تؤكده الآية الكريمة:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)﴾

[ سورة الإسراء ]

هناك تفسير اجتهادي هو أن الإنسان حينما يكون طموحاً في الدنيا أم في الآخرة لقوله تعالى:

﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)﴾

[ سورة الإسراء ]

المعنى أن كل إنسان إذا أصرّ على شيء من خير الدنيا أو الآخرة، إذا أصرّ على الدنيا أو على الآخرة وكان صادقاً في إصراره، من سنن الله عز وجل أن يعطيه سؤله، ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ يُستنبط أن الإنسان إذا أصرّ أن يكون أولاً في الدنيا، الله عز وجل يؤتيه سؤله، وأن الإنسان إذا أصرّ أن يكون أولاً في الآخرة يعطيه سؤله، فالإنسان يُعطى قدرات بقدر طلبه، توزع القدرات متعلق بالاختيار، إنسان ليس له أي هدف بالحياة إلا بيت صغير، وقدراته العامة تغدو محدودة، إنسان له طموح أن يترك أثراً كبيراً في الحياة يُعطى قدرات أكبر، فهذا التقديم والتأخير لحكمة بالغةٍ بالغةٍ بالغة.
 

التقديم والتأخير متعلق بطلب الإنسان وطموحه:


التقديم والتأخير متعلق بطلب الإنسان، التقديم والتأخير متعلق بطموح الإنسان، فكلما كان الطموح أكثر آتاه الله لهذا الإنسان من القدرات ما تعينه على تحقيق أهدافه، هذا تفسير اجتهادي للتفاوت في القدرات بين البشر.
أيها الإخوة؛ نستنبط أن التقديم متعلق بتطلعات الإنسان، ومتعلق بحكمة الرحمن، ومتعلق بعدالة الله، هناك عدالة، وهناك حكمة، وهناك تطلّع، وهناك طلب.
أيها الإخوة؛ يُستنبط أن الله إذا قدّم عليك إنساناً في باب الخير معنى ذلك أن صدقه في فعل الخير أكبر من صدقك، إذا قدّم الله عليك إنساناً في العلم معنى ذلك أن صدقه في تعلُّم العلم وتعليم العلم أكبر من صدقك، أي:

﴿ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (115)﴾

[ سورة الأنعام ]

كأن الله سبحانه وتعالى يقول: يا عبادي منكم الصدق ومني العدل، يتفاوتون عندي بالصدق.
 

الصدق والعدل كلمتان تحكمان العلاقة بين الله وبين عباده:


أحياناً الله عز وجل يجري على يد إنسان إنجازاً كبيراً جداً قد يفوق إمكاناته، لكن يتناسب مع صدقه، منكم الصدق ومني العدل، كلمتان تحكمان العلاقة بين الله وبين عباده، أنتم تتفاوتون في الصدق، وأنا أعاملكم بالعدل، فإذا وجدت إنساناً مُقدّماً عليك في المال، أو في الجاه، أو في العلم، أو في العمل الصالح، معنى ذلك صدقه في طلب المال أكبر من صدقك، وصدقه في أن يكون ذا مرتبة علية أكبر من صدقك، وصدقه في أن يكون معطاءً أكبر من صدقك، ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ هذا موضوع المُقدِّم والمُؤَخِّر فيما يتعلق بالحظوظ، بحظك من المال، بحظك من الجاه، بحظك من فعل الخير، بحظك من العلم.
 

من معاني المُؤخِّر:

 

1 ـ الذي قدّم الأبرار وأخّر الفُجّار:

لكن من معاني المُؤخِّر، المُؤخِّر هو الذي قدّم الأبرار، وأخّر الفُجّار، قد يكون الفاجر ذكياً لكن لأنه فاجر يؤخره الله، وقد يكون البار محدوداً لكن الله يُقدمه، المُؤخِّر هو الذي قدّم الأبرار، وأخّر الفُجّار، قدّم الأبرار وشغلهم به، وأخّر الفُجّار وشغلهم بالأغيار، أحياناً ينشغل الإنسان بربه، مَن شَغَلَهُ ذكري عن مسألتي أعطيتُهُ فوق مَا أُعْطِي السائلين. 

2 ـ الذي قرّب أنبياءه وأحبابه وأبعد أعداءه:

بعضهم قال: المُقدّم والمُؤخّر هو الذي يُقرب ويُبعِد، يُقرب أحبابه، ويُبعد أعداءه، لذلك أكبر عقاب يناله الإنسان من الله عز وجل الحجاب، يُحجَب عن الله، يُبعده الله، يُؤخره فهو مُؤخِّر، المنحرف غير المؤمن، غير المستقيم، الذي يعيش لذاته، الذي يؤذي خلقه، هذا يُحجَب ويُبعَد ويُؤخَّر لأن الله هو المُؤخِّر، وأكبر مكافأة ينالها أحبابه أن الله سبحانه وتعالى يتجلى عليهم، على قلوبهم ويُقَرِّبهم فهو المُقدِّم، يُقدم، ويُؤخر، بحكمة، بعدل، باستحقاق.
وقال بعضهم: المُقدّم والمُؤخّر يُقرِّب أنبياءه، وأولياءه، وأحبابه، يُقربهم ويهديهم، ويُؤخِّر أعداءه بإبعادهم وضرب الحجاب بينه وبينهم.

 3 ـ الذي أخّر قوماً تكبروا بغير الحق:

الله تعالى هو المُؤخِّر، أي أنه يُؤخِّر قوماً تكبروا بغير الحق، من يستطيع أن يتكبر بالحق؟ الله وحده، لأنه صمد، ذاتي الوجود، ليس وجوده متعلقاً بجهة أخرى، أما الذي يتكبر بغير الحق هو الإنسان الضعيف، الذي هو في قبضة الله، أي حجم الإنسان، مكانته، قدراته الكبيرة متعلقة بقطر شريانه التاجي، فإذا سدّ هذا الشريان كتبت النعوة، أكبر إنسان، أقوى إنسان، أضخم إنسان متعلق بسيولة دمه، فإذا تجمدت قطرة دم لا تزيد عن رأس دبوس في أحد أوعية الدماغ، في مكان أصيب بالشلل، في مكان أصيب بالعمى، في مكان أصيب بفقد الذاكرة.
 

الإنسان هو الذي يتكبر بغير حقٍّ:


الإنسان بحجمه الكبير، بقوته، وهيمنته، وجبروته متعلق بنمو خلاياه، فإذا نمت نمواً عشوائياً انتهت حياته، فالذي يتكبر بغير حقّ هو الإنسان، لذلك قال تعالى-انظر إلى اسم المؤخر-:

﴿ سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)﴾

[ سورة الأعراف ]

﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ﴾ الدالة على عظمتي ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ سبيل الرشد يحُدّ من شهواتهم، يحُدّ من حركتهم، يمنعهم أن يعتدوا على الآخرين، يمنعهم أن يأخذوا أموال الآخرين، يمنعهم أن يعتدوا على أعراضهم، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ﴾ العلمانية حضارة، لأن فيها تفلتاً، لك أن تفعل ما تشاء، لك أن تأكل أموال الناس بالحق وبغير الحق، لك أن تمارس كل الشهوات، ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ .
 

المتواضع يرى نفسه لا شيء أمام الذات الإلهية والمتكبر لا يرى الله إطلاقاً:


لذلك هؤلاء الذين تكبروا بغير الحق الله عز وجل يُؤخرهم.

﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147)﴾

[ سورة الأعراف ]

دقق: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ معنى حبط العمل باللغة حبط: انتفخ وتورم من علة ومرض، ذاته متضخمة، يرى نفسه فوق الآخرين، هذه الغطرسة، والكِبر، والاستعلاء، والبعد عن الله، لا يوجد إنسان يؤمن بالله إلا ويتواضع، يرى نفسه لا شيء أمام الذات الإلهية، أما المتكبر لا يرى الله إطلاقاً، يرى نفسه، لذلك هناك مصطلح جديد: تألُّه الإنسان، الإنسان المعاصر بإنجازات معينة، إنجازات تقنية، أو إنجازات علمية، ألّه نفسه، ورأى نفسه نداً للخالق، يقول لك مثلاً: استنسخنا نعجة، يوجد مئتان وخمس وثمانون حالة لم تنجح سابقاً، وهذه النعجة أصيبت بشيخوخة مبكرة غير معقولة، لأنهم أرادوا طريقاً للخلق غير الطريق الذي رسمه الله عز وجل.
 

الله المُؤخِّر يُؤخر بعض عباده تأخيراً جزائياً:


كل شيء الله عز وجل صممه-إن صحّ التعبير-هو الكمال المطلق، وأي عدول عن تصميم الخالق نحو الأسوأ، لكن الإنسان يتألَّه، عند مسلم أيها الإخوة؛

(( من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأى في أصحابه تأخُرا، فقال لهم: تقدَّمُوا فأتَمُّوا بي، وليأتَمَّ بكم مَنْ بَعْدَكم، ولا يزالُ قومُ يتأخرُونَ حتى يؤخِّرُهم الله. ))

[ صحيح مسلم ]

    الملمح دقيق جداً، متى أخّرك الله؟ هو مُؤخِّر، حينما تأخرت أنت، تأخير الله هو تجسيد لرغبتك في التأخر، ينام ولا يفكر أن يصلي الفجر في وقته، فعلاً بعد حين لا يستيقظ أبداً، يقول لك: لا أصحو، أنا لا أستيقظ، لما أراد ألا يصلي الفجر أخّره الله عز وجل، ((ولا يزالُ قومُ يتأخرُونَ حتى يؤخِّرُهم الله)) صار الله المؤخر تأخيراً جزائياً مبنياً على تأخر اختياري، الله مُؤخِّر يُؤخر بعض الناس بعض عباده تأخيراً جزائياً مبنياً على تأخر اختياري.

المؤمن يُقدِّم ما قدّمه الله ويُؤخِّر ما أخّره الله:


الآن إذا الله عز وجل قال:

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (34)﴾

[ سورة النساء ]

فإذا قدّم الله الرجال في قيادة الأسرة، وجعلهم قوامين على النساء، الآن أي إنسان يُقدِّم المرأة في القِوامة فقد قدّم ما أخّره الله، وأي إنسان يُؤخر الرجل في القِوامة فقد أخّر ما قدّمه الله، فالمؤمن يُقدم ما قدّمه الله، ويُؤخر ما أخّره الله.
آية ثانية:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (2)﴾

[ سورة الحجرات ]

طبعاً هذه الآية في حياة النبي لها معنى معين، لكن بعد انتقال النبي إلى الرفيق الأعلى هناك معنى آخر، أنت حينما ترفع صوتك فوق صوت السنة، وترى أن هذه السنة لا تصلح لهذه الأيام، هذه السنة تصلح لعصر الصحراء والجمل، لا تصلح لعصر الكومبيوتر والفضائيات، أنت حينما تتهم السنة بأنها لا تلبي حاجات العصر رفعت صوتك فوق صوت النبي، أيضاً إذا قدمت شيئاً لا يُرضي الله على سنة رسول الله أنت قدّمت ما أخّر الله، حينما تُؤخر سنة رسول الله عما تستحق من تقدُّم فقد فعلت ما لا يرضي الله.
 

على المؤمن أن يحذر من تقديم ما أخّره الله ولو اجتمع الخلق على تقديمه:


أيها الإخوة؛ ينبغي لمؤمن آمن بهذا الاسم المُؤخِّر أن يحذر من تقديم ما أخّره الله، دققوا الآن ولو اجتمع الخلق على تقديمه، قد يجتمع الخلق على تقديم شيء، على تقديم لعبة الكرة مثلاً، أما أن تصبح هذه اللعبة ديناً، الإنسان يحدد خصومه من خلال انتصار فريق على فريق، الرياضة مطلوبة، ومقبولة، وضرورية لكن لا أن تكون ديناً، فإذا قُدِّمت على أنها دين هناك مشكلة كبيرة.
أي الأزياء ليس معقولاً مصمم أزياء ليس مسلماً، يصمم أزياء فاضحة لنساء المسلمين، أنت جعلته مُشرِّعاً، إذا كان نمط الثياب هكذا أن تكون ضيقة، أو أن تكون مُظهرة لمفاتن المرأة، ونحن خاضعون لهذا المصمم، أنت قدّمت إنساناً لا وزن له عند الله، ورجحت مكانته على شرع الله القاضي بالتستر، فلذلك المؤمن الذي آمن بأن الله هو المُؤخِّر وهو المُقدِّم ليحذر أشدّ الحذر من تقديم ما أخّره الله، ولو اجتمع الخلق على تقديمه، أو أن يُؤخِّر ما قدمه الله، ولو اجتمع الخلق على تأخيره، فإن الدنيا ملك لله لا لهم، ودخول الجنة بإذن الله لا بإذن مصممي الأزياء، بإذن رب السماوات والأرض.
 

كل إنسان محاسب على عمله يوم القيامة:


أيها الإخوة؛ هذا الاسم دقيق جداً المُؤخِّر، بعض الناس يُقدِّم مصالحه على دينه، هذا قدّم ما حقه التأخير، وأخّر ما حقه التقديم، بعض الناس يُقْدِم على دخل مشبوه، يقدمه على النزاهة والاستقامة، أخّر النزاهة والاستقامة، وقدّم الدخل المشبوه، بعض الناس يُقدِّم ما ينفعه في الدنيا ولكن يُغضِب ربه، ويُؤخر ما ينفعه ويُغضب ربه، لذلك الله عز وجل قال:

﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)﴾

[ سورة القيامة ]

قدمت صفقة فيها بضاعة مشبوهة، فيها بضاعة محرمة، لكن أرباحها طائلة، قدمت صفقة على طاعة الله، يُقدم الغش على الاستقامة على أمر الله، إنسان أحياناً يُقدم شهوته على طاعة ربه، يقدم على كسب مال غير مشروع، يُقَدِّمه على طاعة ربه، كل إنسان يوم القيامة ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ جاءك خاطبان لابنتك، الأول غني، ووسيم، ومتألق، لكن دينه صفر، والثاني شاب مؤمن، مستقيم، طائع لله، لكن دخله قليل محدود، فالناس يقدمون هذا على ذاك، قدّم ما ينبغي أن يُؤخَّر، وأخّر ما ينبغي أن يُقدم، ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾ هذا فضلته وهذا أهملته، هذا أعطيته وهذا منعته، هذه الشهوة فعلتها بخلاف منهج الله، وهذه الطاعة تركتها بخلاف منهج الله، قال تعالى:

﴿ يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾

[ سورة القيامة ]

 

المؤمن الصادق يُقدِّم ما يرضي الله ويُؤخِّر ما يغضبه فهو أسعد إنسان في الدنيا:


أيها الإخوة؛ الإنسان يُقدِّم ويُؤخِّر، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24)﴾

[ سورة الحجرات ]

الذين يتقدمون للطاعات، وللأعمال الصالحات، ولخدمة البشر، هؤلاء يعلمهم الله، والذي يُؤخرون عطاءهم عمن يستحقه، يُؤخرون علمهم عمن يستحقه، أيضاً يعلمهم الله، ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ﴾

(( في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدعو بهذا الدعاء: اللَّهمَّ ربِّ اغْفِر لي خَطِيئَتي وجَهلي، وإسرَافي في أمري، وما أَنت أَعلم به مني، اللَّهمَّ اغْفِر لي جِدِّي وهَزْلي، وخَطَئي وعَمْدي، وكلُّ ذلك عندي، اللَّهمَّ اغْفِر لي ما قَدَّمتُ -وكان من حقه التأخير-وما أخَّرتُ -وكان من حقه التقديم-اللَّهمَّ اغْفِر لي ما قَدَّمتُ وما أخَّرتُ، وما أسْرَرتُ وما أَعلنتُ، وما أنْتَ أعْلَمُ به مني، أنتَ الْمُقَدِّمُ، وأنت المُؤخِّرُ، وَأَنتَ على كلِّ شيءٍ قَدِيرٌ. ))

[ صحيح البخاري ]

 

بطولة المؤمن أن تكون مقاييسه وفق مقاييس القرآن الكريم:


لذلك المؤمن الصادق يُقدِّم ما يرضي الله، يُؤخِّر ما يغضبه، يُقدِّم الصالحات ويُؤخِّر الشهوات، إذا فعل ذلك فهو أسعد إنسان في الدنيا، أن تُقدم ما قدّمه الله، وأن تُؤخر ما أخّره الله، أن تأتي مقاييسك وفق مقاييس القرآن، أي:

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185)﴾

[ سورة آل عمران ]

لا يوجد إنسان إلا ويوجد عنده مقاييس، بطولة المؤمن أن تكون مقاييسه وفق مقاييس القرآن الكريم، الله عز وجل قال:

﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9)﴾

[ سورة الزمر ]

الله عز وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11)﴾

[ سورة المجادلة ]

الله عز وجل يقول:

﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (132)﴾

[ سورة الأنعام ]

 

من قدّم ما حقه التأخير يؤدبه الله عز وجل إذا كان مؤمناً:


المؤمن يُقدِّم ما حقه التقديم، ويُؤخِّر ما حقه التأخير، والمؤمن يتخذ مقاييس متوافقة مع مقاييس القرآن، إنسان عليه زكاة مال-القصة وقعت في الشام-رجل أعرفه، زكاة ماله عشرة آلاف وأربعمئة وخمسون ليرة، زوجته ضغطت عليه من أجل طلاء البيت، وتجديده، يوجد عليه زكاة يجب أن يؤديها، والبيت بحاجة إلى طلاء من أجل تجديده، من شدة الضغط الذي تلقاه من زوجته قدّم طلاء البيت على دفع زكاة ماله، هذا الذي حصل، له مركبة، صار معه حادث، يقسم لي بالله: كلفة إصلاح المركبة وطلائها وثمن القطع عشرة آلاف وأربعمئة وخمسون ليرة بالضبط، الرقم متطابق مع زكاة ماله مئة بالمئة، هو قدّم طلاء البيت استجابة لضغط زوجته على أداء الزكاة وهي فرض فعاقبه الله عز وجل بحادث، دفع هذا المبلغ الذي يساوي الزكاة تماماً على إصلاح مركبته ديناً، فلذلك الإنسان إذا قدّم ما حقه التأخير الله عز وجل إذا كان مؤمناً يؤدبه، وإذا أخّر ما حقه التقديم إذا كان مؤمناً الله يؤدبه.
فالبطولة أن تُقدم ما قدمه الله، وأن تُؤخر ما أخّره الله، وأن ترعى حقّ الله وحقّ الناس، وأن تأتي مقاييسك متوافقة مع مقاييس القرآن الكريم، عندئذٍ تكون قد استفدت من اسم المُقدِّم والمُؤخِّر، الله مُقدِّم ومُؤخِّر.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور