﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ (4) ﴾
البشر مؤمنٌ بنى حياته على العطاء أو كافرٌ بنى حياته على الأخذ:
كم مليار يوجد في الأرض؟ ثمانية مليارات (إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ) هناك مليون حركة، مليون اتجاه، لكن القرآن ضبطها بحلقتين:
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ (6)﴾
الحُسنى هي الجنَّة، صدَّق بالجنَّة، وأعطى، واتَّقى أن يعصي الله، الجواب:
﴿ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ (7)﴾
لكُلِّ مؤمنٍ، من أي مكانٍ ومن أي زمان، من أي قرن، هذه قوانين: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ) بنى حياته على العطاء، أمّا الكافر فبنى حياته على الأخذ، الأول اتَّقى أن يعصي الله، الثاني عصى الله، تحرَّك وفق شهوته.
(أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ) السبب (وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ) أي بالجنَّة، الجواب الإلهي: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ) بيته مُيسَّر، عمله مُيسَّر، عنده راحةٌ نفسية، له صِلةٌ مع الله عزَّ وجل، أُقسم لكم بالله ولا أُبالغ، أي مؤمنٍ منكم يتمتَّع بصفة أن ينفرِد بألف بندٍ دون أن يشعر، لا يكذب، لا يغشّ، لا يخون، المؤمن العادي ليس أن يُصلّي فقط، المؤمن العادي وفق منهج الله، اختيار زوجته، خروج بناته، اختيار حِرفته، علاقته مع الأقوياء، مع الصغار، كل حركاته وفق منهج الله (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ) أعطى أي بنى حياته على العطاء، الآخر على الأخذ، (أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ) اتَّقى أن يعصي الله، الرد الإلهي: (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ) بيته مُيسَّر، زواجه مُيسَّر، مستقبله مُيسَّر، صحته مُيسَّرة، المُطلَق لا يُقيِّد، قاعدةٌ في الفقه: "المُطلَق لا يُقيِّد" .
﴿ وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8)﴾
استغنى عن الله.
﴿ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ (10)﴾
البشر مليارات إمّا: (أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ) أو (بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ) فهذا شيءٌ عام.
فالبطولة، والنجاح، والفلاح، أن تتحرك وفق تعليمات الصانع، أنت عندما تشتري سيارةً جديدة، أولُ شيءٍ تطلب التعليمات، تخاف عليها، فأنت من أجل السيارة لا تستخدمها حتى تقرأ التعليمات، لكن أنت عند الله أكبر.
الحقيقة الدقيقة لا بُدَّ من طلب العِلم، هذا الجماد له حجم، وطول، وعرض، وارتفاع، والنبات زادَ عليه بالنمو، والحيوان بالحركة، والإنسان من الجماد، وزن وحجم وطول وعرض وارتفاع، من النبات نمو، من الكائنات المتحركة يمشي، أنت أُعطيتَ قُدرةً إدراكية، القوة الإدراكية ترى ما سيكون قبل أن يكون، كيف ذلك: شخصٌ يركب سيارةً، والطريق منحدر حاد، ويوجد بعد ذلك مُنعطَف تسعون درجةً، والمكبح توقف، يقول لك: انتهينا، لا يقول: سننتهي، بالقرآن أفعال المستقبل جاءت بالماضي كقوانين: (أَعْطَىٰ وَاتَّقَىٰ (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَىٰ) الحُسنى الجنَّة (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ) .
(وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ) استغنى عن الله (وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ) أي بالآخرة (فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ) .
﴿ وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ (11)﴾
أُناسٌ تركوا ملايين مُملّينة، أربعين مليون، خمسين مليون، أدخِل الموت بحسابك اليومي، اشتغل، وخُذ دكتوراه، وتزوج، واشترِ بيتاً، واعمل نُزهةً، لكن ليس عندك معصيةً، لم تبنِ مجدك على أنقاض الناس، لم تبنِ غِناك على فقرهم، وحياتك على موتهم، المؤمن مُبارَك، بارك الله بكم، زواجه ينفرد به، أولاده، بناته، أصهاره، كنائنه، أحفاده، كل هذه حركات، والبطولة، والذكاء، والنجاح، والتألُّق، والتفوُّق، أن تعرف الله قبل فوات الأوان، مَن هو أكفر كفَّار الأرض؟ الذي قال:
﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24)﴾
هو نفسه حينما أدركه الغَرَق قال:
﴿ وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)﴾
البطولة أن تعرف الله قبل فوات الأوان:
فأنت معك مليون خيار رفض، إلا مع الإيمان وقت، فالبطولة والنجاح والفلاح والتفوُّق أن تعرف الله قبل فوات الأوان.
أنت هل تستطيع أن تدخُل إلى طبيبٍ وليس لديك نقود؟ أو مهندس؟ أو محامي؟ لا يمكن، أمّا هُنا في المسجد الدخول مجَّاني، يكون الخطيب مُحضِّراً للخُطبة، وأنت تأخُذ علمه بعشرين دقيقة أو ثلاثين دقيقة، هذا يُحدِث تراكماً عندك، كل جمعة عندك درس، هذه الدروس تتراكم وتُغيِّر سلوكك دون أن تشعُر، تُلغي الشاشة المفتوحة في بيتك فتصبح الشاشة مضبوطة، تُلغي الاختلاط دون أن تشعر، مثلاً: نحن كمسلمين خُذ مليون بيت لا تجد فيه خمرٌ ولا سرقة، لكن نحن لسنا بهذه الأمور، إذا كان بيت فيه أكبر الأجهزة الكهربائية، من أغلى الأنواع، وقمت بفصل التيار الكهربائي وأبعدته ميلمتر واحد عنها، أصبحت هذه الأجهزة كلها بلا فائدة، الجرائم والزِنا والقهر، أليس من الظلم أن نخسر الآخرة والله بأشياءٍ بسيطة؟!
إخوانّا الكرام: كلمةٌ سأقولها: الشاشة إذا لم تُضبَط ليس هناك توبةٌ في البيت، كان هناك سابقاً سلطةٌ تشريعية وتنفيذية وقضائية، كان هناك تعتيمٌ إعلامي، تضليلٌ إعلامي، تلميعٌ إعلامي، لكن لا يوجد إعلام، عندنا مليون شاهد.
فالبطولة، والذكاء، والنجاح، والفلاح، النجاح أُحادي والفلاح شمولي، الفلاح يعني عرف الله قبل فوات الأوان، واختار زوجةً صالحة، وربّى بناته على الحِجاب، وأولاده على العِلم، واختار حِرفةً صالحة، إذا كانت الحِرفة فيها إشكالٌ فهذه مشكلةٌ كبيرة.
ثلاث دوائر هي الأخطر بحياتك:
سأقول كلمة دقيقة: ثلاث دوائر أخطرُ شيءٍ بحياتك، أنت دائرة وبيتك وعملك فقط، يوجد مليون دائرة، أنا آخذ أخبارك لكن أنا لا علاقة لي بك، لا أُحاسَب عليها، أنا أُحاسَب على دائرةٍ القرار فيها لي أنا، أنا دائرة بإمكاني أن أُصلّي أو لا أُصلّي، بإمكاني أن أكذب في البيع أو لا أكذب، بإمكانك أن تشتري القطعة من أدنى دولةٍ وتكتُب عليها صُنعَت في ألمانيا، الإسلام ليس صومٌ وصلاةٌ فقط، يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، بيتك، زوجتك، أولادك، بناتك، نزهتك، ليس مع الناس، والله لا أُبالغ، إذا لم تنفرد بألف بندٍ على الآخرين لست مؤمناً، أينما ذهبت لا يوجد عندك اختلاط، لا يوجد كشف عورات، الآن العالَم كله يسعى لتفكيك الأُمة، الإسلام يجمَع الأُمة:
(( سلمانُ منا أهلَ البيتِ ))
[ أخرجه الطبراني والحاكم ]
وهو فارسي.
(( نعمَ العبدُ صُهَيْبٌ لَو لَم يخفِ اللَّهَ لَم يعصِهِ ))
[ الزرقاني مختصر المقاصد ]
وهو رومي، وبلالٌ حبشي، والهاشمي القُرشي:
﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1)﴾
الإسلام موضوعي، النَسَب إذا كان جيد نُضيفه إلى إيجابيات عملك الصالح، لكنه لا يحل محل الاستقامة.
بارك الله بكم، هذه ومضة.
حفظ الله لكم إيمانكم، وأهلكم، وأولادكم، وصحتكم، ومالكم، آخر واحدة أهم واحدة، واستقرار هذه البلاد، هذه نعمةٌ كان احتمالها واحد بالمليون، وتحقَّقت.
لذلك:
﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ ۖ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾