وضع داكن
28-01-2026
Logo
الخطبة : 1071 - أسباب زيادة الرزق8 ، الشكر - شكر من أسدى لكم معروف .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخــطــبـة الأولــى : 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له وليّاً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ، أو سَمِعت أُذُنٌ بخبر.
 اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، أُمناء دعوته، وقادة ألويته، وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
  اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعِلم، ومن وحول الشهوات إلى جنَّات القُربات.

مقدمة: 


1 – مِن نعمِ الله الكبرى ثباتُ خصائص الأشياء: 


أيُّها الإخوة: لازلنا في سلسلة خُطبٍ تتمحور حول أسباب زيادة الرزق، ولأنَّ الله سبحانه وتعالى ثبَّت مليارات القوانين، ثبَّت خصائص المواد، ثبَّت دورة الأفلاك، ثبَّت كل شيء استقراراً للنظام، وتطميناً للإنسان، فلو بدَّل خصائص الحديد، وأنشأت بناءً من ثلاثين طابقاً، فإذا بدَّل خصائصه انهار البناء، فثبات خصائص المواد، وثبات خصائص البذور، وثبات خصائص الأفلاك نعمةٌ عُظمى، هذه النعمة مؤدّاها استقرار النظام، استنباط القوانين، التعامل مع الكون تعاملاً علمياً.

2 – الرزق والصحة متغيِّران لا ثبات لهما:

لكن لحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة، حرَّك شيئين، حرَّك الصحة، وحرَّك الرزق، ليكون الرزق والصحة سببين لتربية الإنسان.
وأُذكِّركم بالآيات الثلاث: 

﴿ وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)﴾

[ سورة الجن ]

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)﴾

[ سورة الأعراف ]

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)﴾

[ سورة المائدة ]

ويقاس عليهما القرآن (لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم ۚ) .
إذاً: في هذه الآيات الثلاث ربط الله الرزق الوفير بالاستقامة، وبالتقوى، وبإقامة منهج الله عزَّ وجل، ولأنَّ العالَم كله يشهد أزماتٍ اقتصاديةً طاحنة، لأسبابٍ لا مجال لذكرها الآن، ولأنَّ هذا الدين يَصلُح أن يكون دين الأُمة، ويَصلُح أن يكون دين الفرد، فإذا استقمت وحدك، وأقمت أمر الله وحدك، وطبَّقت سُنَّته وحدك، لك معاملةٌ خاصة، لذلك في خُطبٍ عديدة تقترب من عشر، كنت أُعالج في كل خُطبةٍ أحد أسباب زيادة الرزق.

مِن أسباب زيادة الرزق الشكرُ: 


الآن السبب محور هذه الخُطبة الشُكر، والآية الواضحة الصارخة: 

﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)﴾

[ سورة إبراهيم ]

1 – عَوِّدْ نفسك على شكر النعم المألوفة:

عَوِّد نفسك إذا استيقظت صباحاً تتمتع بحواسٍ تامة، وبقوةٍ، وبأجهزةٍ سليمة أن تقول: يا ربي لك الحمد، الحمد لله الذي أحياني بعد أن أماتني، النوم موت، تتمتع بالقوة، ترى، تسمع، تنطق، تتكلم، جلست إلى الطعام، عندك طعام، ومعك ثمن طعام، قد يكون طعام قوتٍ يكفيك، عندك زوجة أمامك تُلبّي حاجتك للرعاية، عندك أولاد، حاول أن تشكُر على النِعَم المألوفة، التي لو تبدَّلت واحدةٌ منها لكانت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق.
للتقريب: يكون عند الإنسان همومٌ لا تُعد ولا تُحصى، لكن صحته طيبة، أولاده بصحةٍ جيدة، زوجته كذلك، يسكن في بيت، لكن لا سمح الله ولا قدر ولا قدر، وعافاكم الله جميعاً من كل داء، لو ظهر ورمٌ في الجسم لنسيت كل هذه الهموم، أليس كذلك؟
مرةً مات مَلِك، قلت في خُطبةٍ وأنا أعني ما أقول: لو عُرِض على هذا المَلِك أن يرجع ضارب آلةٍ كاتبة في قصره، وأن يُعافى من مرضه، والله الذي لا إله إلا هو لا يتردَّد ثانيةً واحدة، أن ينقلب مِن مَلِكٍ إلى ضارب آلةٍ كاتبة، على أن يُعافى من مرضه الخبيث، لا يتردَّد.  

(( مَن أصبحَ منكُم معافى في جسَدِهِ، آمنًا في سِربِهِ، عندَهُ قوت يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا بحذافيرِها ))

[ أخرجه الترمذي وابن ماجه ]

(آمنًا في سِربِهِ) ليس مُلاَحقاً، هو حُر، له مأوى، معه مفتاح بيت (معافى في جسَدِهِ) سمعه، بصره، قوَّته، جهاز الهضم، جهاز القلب، جهاز الدوران، الكُليتان (مَن أصبحَ منكُم معافى في جسَدِهِ، آمنًا في سِربِهِ، عندَهُ قوت يومِهِ، فَكَأنَّما حيزت لَهُ الدُّنيا بحذافيرِها) .

2 – كثرة الشكوى مخالفة للشُكر وهي من طُرُق الشيطان:

إخواننا الكرام: نكون غارقين بنِعَمٍ لا تُعدُّ ولا تُحصى، ونشكو؟! نتعلَّم الشكوى، لذلك هذه الشكوى من أين تأتي؟
 استمعوا إلى هذه الآية الكريمة، يقول الله عزَّ وجل في معرض حديثه عن الشيطان:

﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)﴾

[ سورة الأعراف ]

يكون دخْله بالملايين، ثم يقول لك: لا يُعاش في هذا البلد، التجارة مُقيَّدة (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) الذي يتأفَّف، ويتشكَّى، وينسى نِعَم الله عليه، ينسى أنه في بلدٍ مسلمٍ مسموحٌ له أن يأتي إلى المسجد، ولا يُساءل، هذه نعمةٌ أنتم لا تعرفونها، أمّا في بلادٍ أُخرى مسلمة، والله لو دخلت المسجد مرةً واحدة لأصبحت مسؤولاً عن هذا الدخول، ولو أنَّ فتاةً ارتدت ثياباً نصف يدها عارٍ، لكن القبَّة مُرتفعة قليلاً، وثوبها إلى ركبتها هذه تُعد مُحجَّبةً، ويُسرَّح كل أقاربها من وظائفهم، نحن والحمد الله نساؤنا مُحجَّبات، والحجاب بأعلى درجة الآن، والمساجد مُمتلئة، هذه نِعَمٌ لا نعرفها نحن إلا إذا فقدناها، لذلك من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: " اللهُم عرِّفنا نِعمك بدوامها ولا تعرِّفنا عليها بزوالها" .
ألا تذكرون قبل خمسين عاماً، يوم كان هناك توازنٌ بين المُعسكرين، كيف أنَّ الدول الصغيرة تتمتَّع بحُرِّياتها، وتأتيها المُساعدات بالمليارات، فإذا شحَّت المساعدات من مُعسكرٍ، غازلت المُعسكر الآخر فبادر الثاني إلى إكرامها، الآن هناك العصا فقط من غير حبة جَزَر، الحمار أحياناً توضَع أمامه حبة جزر، والعصا مع صاحبه، أمّا الآن العصا فقط تُساق بها الشعوب، وتُقهَر بها الشعوب، وتؤخذ ثروات الشعوب، ويقتَل أبناء الأُمة. 

3 – عوِّدْ نفسك على رؤية الإيجابيات:

أيُّها الإخوة الكرام: عَوِّد نفسك أن ترى الإيجابيات، عَوِّد نفسك أن تشكُر الله، أنا لا أقول لك: انسَ همومك، الهموم هموم، والمُشكلات مُشكلات، لكن لا تغفل عن الإيجابيات.
مرة جاءني إنسانٌ يستأذنني في تطليق زوجته، أنا أردت أن أستفزَّه، قلت له: هل تخونك؟ قال لي: معاذ الله، هي طاهرةٌ شريفة، قلت له: هل هي قذرة؟ قال: أعوذ بالله، إنها نظيفةٌ جداً، قلت له: لا تعتني بك؟ قال: بل تعتني، فخجِل بنفسه ولم يُكمِل الحديث، فلا تنسَ أن زوجتك عفيفة، لا تنسَ أن زوجتك أمينة، تُحسِن إدارة البيت، مع أنَّ ثمة خلافيات لكن لا تتعامى عن كل ميزاتها.
هذا الذي دخل المسجد، وأحدث جلبةً وضجيجاً، وشوَّش على الصحابة صلاتهم، لمّا انتهى النبي من صلاته قال له النبي الكريم:

(( عن أبي بَكْرَةَ أنهُ جاء ورسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ راكعٌ دونَ الصَّفِّ ثم مشى إلى الصَّفِّ فلمَّا قضى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ صلاتَهُ قال: أيُّكم الذي ركعَ دونَ الصَّفِّ ثم مشى إلى الصَّفِّ؟ قال أبو بَكْرَةَ أنا، فقال النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: زادَكَ اللهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ. ))

[ أخرجه البخاري وأبو داوود ]

نوَّه إلى حرصه (زادَكَ اللهُ حِرْصًا ولا تَعُدْ) .
أنا أقول لكم: الإنسان الناجح بحياته لا يتعامى عن الإيجابيات في حياته، أمّا الإنسان الذي يشكو لي سوء ظنِّه بزوجته، يخشى أن تخونه، أراه كالمِرجل، الذي عنده زوجةً صالحة، يُسافر مدةً طويلة ولا يخطُر في باله خاطرٌ سيئ، أليست هذه نعمةٌ كبيرة؟ الإيجابيات التي لا تنتبه إليها هذه نِعَمٌ كبيرةٌ جداً.

4 – إذا أردت الزيادة في كل شيء فاشكر ما أنت فيه:

الآن إذا أردت الزيادة في كل شيء، فاشكُر ما أنت فيه (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) إن أردت الزيادة في مكانتك فاشكُر أنَّ الله رفع ذِكرك، تزداد مكانتك، إن أردت الزيادة في رزقك فاذكُر أنَّ لك نِعماً سلبيةً، وهي أنك مُعافى، أقلُّ تحليلٍ يكلِّفك الآلاف، المرنان بعشرات الألوف، والآن هناك أجهزةٌ حديثة بخمسةٍ وعشرين ألفاً، أقلّ حركةٍ صحيَّة تحتاج إلى ألوفٍ مؤلَّفة، فإذا عافاك الله من كل هذه الأمراض، معنى ذلك أنَّ معك رزقاً سلبيّاً، وفرَّ الله عليك أُلوفاً مؤلَّفة.
أحد الإخوة الكرام قال لي: الإنسان إذا جاءه طفلٌ معافى فمع هذا الطفل مليون ليرة، قلت له: لم أفهم عليك اشرح لي ذلك، قال لي: هناك طفلٌ شريانه مكان الوريد، الطبيب الجرَّاح طلب أربعمئة ألف في لبنان، والمستشفى ثلاثمئة ألف، ونقله بعد الولادة بساعاتٍ إلى لبنان بخمسين ألفاً، قال لي: سبعمائة وخمسون ألفاً دُفِعت خلال ساعتين، فالذي عنده ولد سليم مُعافى، فهذه نعمةٌ كبيرةٌ جداً، وقد يأتي الطفل منغولياً فتصبح حياة الأُسرة جحيماً لا يُطاق، ابحث عن الإيجابيات، طريقٌ كله حُفَر ما إيجابياته؟ هذا الطريق لا تنام فيه إطلاقاً، أمّا الطُرق الواسعة والسريعة فاحتمال النوم فيها قائم، وبعد النوم هناك حادثٌ مُروِّع، وهذه من باب الطُرفة طبعاً.
ابحث عن الإيجابيات في واقعك تَسعَد وتُسعِد، تَرضى وتُرضي، لا تنسَ نِعَم الله.

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ۗ وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ  مُّنِيرٍ(20)﴾

[ سورة لقمان ]


ما هو الشُكر؟ 


ما هو الشُكر؟ ما دام الشُكر طريق الزيادة، في صحتك إذا شكرت الله عزَّ وجل على ما أنت عليه من أجهزةٍ سليمة ازدادت صحتك، إن شَكرتَ ربَّك أنَّ لك دخلاً تعيش به زاد دخلُك، إن شَكرتَ ربَّك على زوجةٍ إجمالاً صالحة تزداد صلاحاً، إن شَكرتَ ربَّك على أولادٍ أمامك يحترمونك يزدادون احتراماً لك (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) اجعل هذه الآية شعاراً لك، ولكن ما الشُكر؟ 

1 – تصَوُّرُ النعمةِ وعزوُها إلى الله:

أيُّها الإخوة: لمُجرَّد أن تتصوَّر أنَّ هذه النِعمة من الله فهذا أحد أنواع الشُكر، الله عزَّ وجل وفَّقني ونلت شهادةً عُليا، وفَّقني وتعيَّنت بعملٍ له دخلٌ معقول يُغطّي نفقاتي، الله عزَّ وجل أكرمني بمأوى قد يكون بمساحة خمسين متراً، لكنه مأوى معك مفتاح بيت، الله عزَّ وجل أكرمني بأولادٍ صالحين، عَوِّد نفسك أن تقول: الله أكرمني، الله وفَّقني، الله مكنِّي، إيَّاك أن تَعزو ما أنت فيه إلى قدراتك فتكون من أتباع قارون:

﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي ۚ أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا ۚ وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (78)﴾

[ سورة القصص ]

﴿ فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ(81)﴾

[ سورة القصص ]

الابن مريض وحرارته أربعون، أخذته إلى الطبيب، الله عزَّ وجل سَمَح لهذا الطبيب أن يصف له دواءً مناسباً، وهذا الدواء أزال الداء، إيِّاك أن تعزو شفاء ابنك إلى طبيبٍ، الطبيب عبد، لأنَّ الشفاء بيد الله عزَّ وجل، فإذا أراد الشفاء لإنسانٍ ألهم الطبيب صحة التشخيص والدواء المناسب.

إِنَّ الطَّبِيبَ لَهُ علمٌ يُدِلُّ بِهِ            ما دَامَ فِي أَجَلِ الإنسان تأخيرُ

[ هارون الرشيد ]

متى ينفع عِلم الطبيب؟ إن كان للناس في الآجال تأخير.

حتى إذا ما انقَضَتْ أَيَّامُ مُهلته       حار الطبيب وخانته العقاقيرُ

[ هارون الرشيد ]

كم من إنسانٍ شكا تعطُّلَ إحدى كليتيه؟ فلا بُدَّ من استئصالها، ماذا فعل الطبيب الأول في الطب؟ استأصل السليمة!
أيُّها الإخوة: حينما تنجح العملية الجراحية، أنا أقول: والله إذا أراد الله لك الشفاء تكون يد الطبيب بيد الله فتنجح العملية، فعوِّد نفسك أن تعزو الفضل إلى الله، هذا ليس تواضعاً، هذه حقيقةٌ وواقع.
أيُّها الإخوة: أول مستوى من مستويات الشُكر أن تُعزى النعمة إلى الله، إلى أن يكون هذا من  جِبلتك، الله وفَّقني، الله أكرمني، الله سَمح لي أن أدعو له، من أنت؟ لولا أنَّ الله أطلق لسانك، لولا أنَّ الله أمدَّك بذاكرة، لولا أنَّ الله ألقى محبتك في قلوب الخلق، لا أحد يستمع إليك، لذلك من كلام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: 

(( أنَّ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ لَمَّا فَتَحَ حُنَيْنًا قَسَمَ الغَنَائِمَ، فأعْطَى المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهُمْ، فَبَلَغَهُ أنَّ الأنْصَارَ يُحِبُّونَ أَنْ يُصِيبُوا ما أَصَابَ النَّاسُ، فَقَامَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فَخَطَبَهُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عليه، ثُمَّ قالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا، فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بي؟ وَعَالَةً، فأغْنَاكُمُ اللَّهُ بي؟ وَمُتَفَرِّقِينَ، فَجَمعكُمُ اللَّهُ بي؟ ويقولونَ: اللَّهُ وَرَسولُهُ أَمَنُّ، فَقالَ: أَلَا تُجِيبُونِي؟ فَقالوا: اللَّهُ وَرَسولُهُ أَمَنُّ، فَقالَ: أَما إنَّكُمْ لو شِئْتُمْ أَنْ تَقُولوا كَذَا وَكَذَا، وَكانَ مِنَ الأمْرِ كَذَا وَكَذَا لأَشْيَاءَ عَدَّدَهَا، زَعَمَ عَمْرٌو أَنْ لا يَحْفَظُهَا، فَقالَ: أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بالشَّاءِ وَالإِبِلِ، وَتَذْهَبُونَ برَسولِ اللهِ إلى رِحَالِكُمْ؟ الأنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، وَلَوْلَا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنَ الأنْصَارِ، ولو سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وَادِيَ الأنْصَارِ وَشِعْبَهُمْ، إنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً ، فَاصْبِرُوا حتَّى تَلْقَوْنِي علَى الحَوْضِ. ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأحمد ]

ما قال: فهديتكم، بل قال: ( فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بي) إذاً: المستوى الأول أن تُعزى النعمة إلى الله وهذه حقيقة، وكاستنباطٍ بعيد، إذا قال الله عزَّ وجل:

﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ(69)﴾

[ سورة يس ]

النبي صلى الله عليه وسلم ليس بشاعرٍ، لو خاطبنا شاعراً كبيراً: مَن الذي أعطاك هذه المَلَكة؟ الله عزَّ وجل.
استنباطٌ آخرٌ دقيق:

﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8)﴾

[ سورة النحل ]

إلى من يُعزى خلق الطائرة كفكرةٍ؟ إلى الله عزَّ وجل، هو ألهم، حتى العلماء الكبار المكتشفون يقولون لك: الاكتشاف ومضة، قفزةٌ في المجهول، تألُّق، حتى قال بعض العلماء: "العبقرية تسعةٌ وتسعون منها عرَق، يعني جهد، وواحد بالمئة إلهام"
فالله عزَّ وجل على الحقيقة يُعزى إليه كل شيء، كل ما أنت فيه من صحةٍ، من زواجٍ، من أولادٍ، من ذكاءٍ أحياناً، هناك إنسانٌ الله عزَّ وجل آتاه فهماً دقيقاً جداً، إذا عزوت كل شيءٍ إلى الله عزَّ وجل فأنت شاكر، هذا أول مستوى، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: 

(( ما أَنعَمَ اللهُ على عبدٍ مِن نِعمةٍ فقالَ: الحمدُ للهِ، إلَّا وقد أَدَّى شُكرَها، فإنْ قالَها الثَّانيةَ، جدَّدَ اللهُ له ثَوابَها، فإنْ قالَها الثَّالثةَ، غَفَرَ اللهُ له ذُنوبَه ))

[ الحاكم في المستدرك على الصحيحين ]

دخلت إلى بيتك قُل:

(( كانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ إذا رجَعَ من النهارِ إلى بيتِهِ يقولُ : الحمدُ للهِ الذي كَفَانِي وآوَانِي، والحمدُ للهِ الذي أطعمَنِي وسقَانِي، والحمدُ للهِ الذي مَنَّ عليَّ فأفْضَلَ، أسْأَلُكَ أن تُجِيرَنِي من النَّارِ ))

[ شعيب الأرناؤوط  تخريج زاد المعاد ]

نظرت إلى المرآة ورجَّلت شعرك، قُل: يا ربّي لك الحمد.

(( اللهمَّ كما حسَّنتَ خَلقي فحسِّنْ خُلُقي ))

[ أخرجه ابن حبان والطبراني في الدعاء  ]

وجهٌ مقبول، لا شيء به مُنفِّر، والله نحن غارقون بنِعَمٍ لا تُعد ولا تُحصى.
سأل مَلِكٌ وزيره: مَن المَلِك؟ قال: أنت، قال: لا، المَلِك رجُلٌ لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيتٌ يؤويه، وزوجةٌ تُرضيه، ورزقٌ يكفيه، هذا يكون مَلِكاً، والآن المَلِك هذا الذي له بيتٌ صغير يسكن فيه، مُدفّأ في الشتاء، عنده مروحة في الصيف، وله زوجةٌ يُحبُّها وتُحبُّه، ومعه وظيفة تُغطّي مصروفه من دون زيادة، هذا والله مَلِك، قال له: له بيتٌ يؤويه، ورزقٌ يكفيه، وامرأةٌ تُرضيه.
يقول عليه الصلاة والسلام: (ما أَنعَمَ اللهُ على عبدٍ مِن نِعمةٍ فقالَ: الحمدُ للهِ، إلَّا وقد أَدَّى شُكرَها، فإنْ قالَها الثَّانيةَ، جدَّدَ اللهُ له ثَوابَها، فإنْ قالَها الثَّالثةَ، غَفَرَ اللهُ له ذُنوبَه) .
الله عزَّ وجل أكرمني بهذه الشهادة، إنسانٌ معه شهادةٌ عُليا في الطب، والعيادة ممتلئة بالمرضى، هذا المستوى الأول.

2 – أن يمتلئ قلبُك محبةً لله:

المستوى الثاني: أن يمتلئ قلبُك محبّةً لله، من أعماقك تقول: <<الله أكبر، سُبحان ربّي العظيم، سُبحان ربّي العظيم، سُبحان ربّي العظيم، "اسمعوا الآن: سمِع الله لمَن حمده" ، يا ربّي لك الحمد والشُكر والنِعمة والرضا، حمداً كثيراً طيباً، يا ربّي غمرتني بفضلك، غمرتني برحمتك، غمرتني بحلمك، غمرتني بتوبتك، "سَمِع الله لمَن حمده" ، يا ربّي غمرتني بعطائك، غمرتني بسترك، غمرتني بحلمك، غمرتني برحمتك، غمرتني بُحبِّك، "سمِع الله لمَن حمده">> .

3 – أن تشكر جوارحُك:

أمّا المستوى الثالث: يا الله هذا أرقى مستوى، أول مستوى أن تعزو النِعمة إلى الله، المستوى الثاني أن يمتلئ قلبك حُبّاً لله على هذه النِعَم، المستوى الثالث أن تشكُر جوارحك، معنى قوله تعالى:

﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِن مَّحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ ۚ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ۚ وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(13)﴾

[ سورة سبأ ]

إطعام الهِرة شكرٌ لله، إطعام المسكين.
أحد إخواننا الأطباء زارته مُعلِّمة عندها إشكالٌ بأسنانها في المُقدِّمة، الكلفة ستون ألفاً، وهي لا تملِك المبلغ فقالت له: شكراً، قال لي: انكسر قلبي من أجلها، هي مُعلِّمة، وهي خارجة قال لها: يا أختي، هل تقبلي منّي أن أُقدِّمها لك هدية؟ قالت له: جزاك الله خيراً، قال لي: بقيت ستة أشهُر أُعالجها حتى قوَّمت لها أسنانها، قال: أنا أعيش ستة أشهُر في جنَّة، لأنَّ هذا العمل لله.
يقول لي طبيبٌ آخر: أذهب إلى مستشفى عام، في العالَم كله المشافي العامة فيها إهمال، قال لي: أُعامل المرضى وكأنهم بأرقى مستشفى، التحليل، الإيكو، المِرنان، قال لي: أنا أعيش في جنَّةٍ، لأنَّ هذا الفقير لا أحد يهتم به إطلاقاً، أنا أهتم به، أهتم بأدق التطورات لمرضه.
مرةً قال لي أخٌ: أنه جاء من منطقة الزبداني الساعة الثانية عشرة ليلاً في الصيف، وجدت امرأةً تقف في الطريق تُمسِك طفلاً وهي تبكي، وإلى جانبها زوجها، توقفت وسألتهم: خيراً إن شاء الله؟ قال: حرارة الطفل إحدى وأربعون درجة، هُم من لبنان في أثناء أحداث الحرب الأهلية، ولا يعرفون أحداً في الشام، قال لي: أخذتهم من مستشفى إلى مستشفى إلى صيدليةٍ مناوبة، حتى انخفضت الحرارة ورجع الوضع طبيعياً، وأوصلتهم الساعة الرابعة صباحاً إلى البيت، قال لي: بقيت معهم أربع ساعات، أقسم لي بالله قائلاً: طيلة أسبوعين وأنا أعيش في جنَّةٍ، ألا تريدون أن تعيشوا في الجنَّة؟ اخدِم الناس، ارحم الضُعفاء، المريض عالجه، الفقير أطعمه، اليتيم اعتنِ به، شغِّله عندك، بعض الأشخاص كل أعماله داخلية، لا، اجعل عطاءك للكل. 

مُلخَّص المُلخَّص:


﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾

[ سورة الكهف ]

بربِّكم في أي جيشٍ في العالَم، هل يستطيع مُجنَّدٌ غُرّ التحق البارحة بقطعةٍ عسكرية، هل يستطيع الدخول إلى غرفة اللواء قائد أركان الحرب في الفرقة بلا إذن؟ أمامه مئة رُتبة، إلا في حالةٍ واحدة يستطيع هذا المُجنَّد الدخول إلى هذا اللواء الكبير بلا إذن، إذا رأى ابنه يسبح وكاد يغرق، فألقى بنفسه في الماء وأنقذه، يقول له: أهلاً وسهلاً، تفضَّل اجلس، هاتوا لنا الشاي، أليس كذلك؟
 (فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) تُحب أن تُصلّي وتبكي في الصلاة؟ تُحب أن تشعُر أنَّ الله يُحبُّك؟ تُحب أن تشعُر أنَّ لك ميزةً خاصة؟ أنت غالٍ على الله؟ اخدم له عباده، لا تقُل له: أنت مِن أين، هذا عبدٌ لله عزَّ وجل، كُن إنسانياً واخدمه كائناً من كان.

(( غُفِرَ لِامْرَأَةٍ مُومِسَةٍ، مَرَّتْ بكَلْبٍ علَى رَأْسِ رَكِيٍّ يَلْهَثُ، قالَ: كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ، فَنَزَعَتْ خُفَّهَا، فأوْثَقَتْهُ بخِمَارِهَا، فَنَزَعَتْ له مِنَ المَاءِ، فَغُفِرَ لَهَا بذلكَ ))

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

باب النجاة مفتوح بين أيديكم جميعاً.

4 – انظُر إلى مَن هو أسفل منك ولا تنظُر إلى مَن هو فوقك:

الآن إخواننا: انظُر إلى من هو أسفل منك، ولا تنظُر إلى مَن هو فوقك، فذلك أجدر ألّا تزدري نعمة الله عليك.
أحياناً تُشاهد إنساناً مُعاقاً، وأنت لست مُعاق، تُشاهد ابناً عنده مرض التوحُّد، وأنت ابنك عادي، يجب أن تعرف سلبيات مَن حولك، لكن بأدب، لا تقُل: يا ربّي لك الحمد أمامهم، هذا سوء أدب، بينك وبين نفسك، شاهدت إنساناً فَقَد حاسةً من حواسه، يا ربّي لك الحمد تفضَّلت علي، رأيت إنساناً بلا عمل، يا ربّي أنا عندي عمل، يا ربّي لك الحمد، إنسان ما عنده ولد، يكاد يموت على إنجاب ولد، أنت عندك عدة أولاد، ما عندك هذه المشكلة، إنسان عنده زوجة وليس مرتاحاً لها، أنت مرتاح لزوجتك، هذه نِعمةٌ كبيرة، فحاول دائماً أن تنظُر إلى مَن هو أدنى منك، بالمُقابل مَن دخل على الأغنياء خرج مِن عندهم وهو على الله ساخط، يقول لك: هذه السجادة ثمنها ثلاثة ملايين، أنت ما عندك سجادة بهذا الثمن، عندك سجادة ثمنها ألفان.

الدنيا فيها تفاضُل  والآخرة أكبر درجات: 


مرةً دخلت إلى بيت رجُلٍ، وأنا لم أدخُل بعد قال لي: هذا الطقم إيطالي، "الله يهنئك" هذا البلاط أحضرناه بشحنٍ جوي من إيطاليا، ضاقت نفسي منه، قلت له: ما قولك بطبيب قلبٍ جرّاح؟ قال لي: نعم، قلت: ومُمرض بمستشفى مهمته تنظيف المرضى؟ قلت له: حالة حادة جداً، ما قولك بأستاذٍ جامعي رئيس قسم، ومُعلِّم ابتدائي في قريةٍ يحمل طعامه معه؟ ما قولك برئيس غرفة تجارة وبائع صحون في سوق الحميدية؟ ما قولك برئيس أركان ومُجنَّد على الخط الأول في الشتاء؟ ذكرت له حالات نادرة جداً، قلت له اسمع القرآن الكريم:

﴿ انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)﴾

[ سورة الإسراء ]

مراتب الدنيا لا تعني شيئاً، وقد تعني العكس، لكن مراتب الآخرة مراتب أبدية.

﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ(55)﴾

[ سورة القمر ]

لذلك حاول أن تنظُر إلى من هو أدنى منك، فذلك أحرى ألّا تحتقر نعمة الله عليك.
تُحبون نصيحة من القلب إلى القلب: في أمر الدنيا عِش مع مَن هُم أدنى منك، وفي أمر الآخرة عِش مع مَن هُم فوقك، بأمر الآخرة هذا حافظ لكتاب الله، هذا مستقيم تماماً، هذا له أعمالٌ كالجبال، في أمر الآخرة صاحب مَن هو أرقى منك إيماناً ليُقدِّم لك حوافز، وفي أمر الدنيا صاحب مَن هو أدنى منك لترى نفسك في نعمةٍ كبيرة.
لو وسَّعنا الأمر، تُسافر إلى بلدٍ غربي فتجد نظافة، ونظام، وحضارة، وخدمات، ومطارات، وطُرق مُعبَّدة، ومترو أنفاق، والأمور ميُسَّرة بشكلٍ يفوق حدَّ الخيال، يجب أن تُسافر نحو الشرق، وقد سافرت إلى بلدٍ في إفريقيا، أنا كنت أقول بيننا وبين أكبر دولةٍ متطورة حضارياً خمسون ضعفاً، لكن بيننا وبين الدولة الإفريقية ألف ضعف، هناك بلاد ما عندها شيء إطلاقاً، أمّا نحن يوجد صيدلية، يوجد دواء، يوجد مطعم، يوجد بيوت، يوجد كهرباء، يوجد ماء، فدائماً حتى على مستوى الدول انظُر لمَن هو أدنى منك، فذلك أحرى ألّا تحتقر نعمة الله عليك.
تقول: الأسعار مرتفعة صحيح، لكن في الخارج هناك دماءٌ تسيل، أليس كذلك؟ كل يوم يوجد خبر لثلاثين قتيلاً وسبعين جريحاً، أربعين قتيلاً، ثمانين قتيلاً، مئة وعشرة، ومئتي جريح كل يوم، إذا كنت في بلدٍ آمن فهذه نِعمةٌ لا يعرفها إلا مَن فقدها، فحاول أن تشكُر ما أنت فيه.

الأدلة النبوَّية على زيادة الرزق بالشُكر: 


أيُّها الإخوة: الدليل على أنَّ الشُكر سبب الرزق الوفير: 

الدليل الأول:

يقول عليه الصلاة والسلام: 

(( من أُعطي أربعًا أُعطِي أربعًا، وتفسيرُ ذلك في كتابِ اللهِ عزَّ وجلَّ: من أُعطي الذِّكرَ ذكره اللهُ، لأنَّ اللهَ يقولُ: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ، ومن أُعطي الدُّعاءَ أُعطِي الإجابةَ، لأنَّ اللهَ يقولُ: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، ومن أُعطي الشُّكرَ أُعطِي الزِّيادةَ، لأنَّ اللهَ يقولُ: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ، ومن أُعطي الاستغفارَ أُعطِي المغفرةَ، لأنَّ اللهَ يقولُ: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ))

[ أخرجه الطبراني والبيهقي  ]

الدليل الثاني:

وقال أيضاً: 

(( أيَّما عبدٍ أنعمَ اللَّهُ عليهِ نعمةً فأسبغَها ثمَّ جعلَ إليهِ شيئًا من حوائجِ النَّاسِ فتبرَّمَ منها كانَ قد عرَّضَ تلكَ النِّعمةَ للزَّوالِ ))

[ أخرجه الطبراني وأبو نعيم ]

يقول لك: يا أخي لا أرتاح، هل تُحب أن ترتاح؟ تأتي يوم القيامة مُفلساً، لو أزعجك الناس ليلاً ونهاراً، لو حمَّلوك فوق ما تُطيق، لأنَّ الله جعل حوائج الناس عندك، لأنه أحبك، لأنَّ الله أحبَّ أن يَهبَك عملاً صالحاً، فجعل حوائج الناس عندك، فمن جعل الله حوائج الناس عنده وتبرَّم، عرَّض هذه النِعَم إلى الزوال، جعلك غنياً، الكل عقد عليك الآمال، يا أخي لم أعُد أتحمَّل، لا، يجب أن تتحمل، الله جعلك غنياً كي تُنفِق.

الدليل الثالث:

حديثٌ آخر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: 

(( إن للهِ أقوامًا اختصهم بالنعمِ لمنافعِ العبادِ يقرُّهم فيها ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحوَّلها إلى غيرِهم ))

[ أخرجه الطبراني وأبو نعيم ]

  هناك بيتٌ في منطقة العمارة فيه شجرة ليمون تحمل خمسمئة حبة تقريباً، وهناك تقليد بهذه الحارة، أي أحد يحتاج ليمونةً يطرُق باب هذا البيت، أعطونا ليمونةً، امرأةٌ كبيرة وقورة مؤمنة طاهرة عفيفة، جعلت شجرة الليمون هذه وقفاً لكل الحي، فأي أحد يطرُق الباب تُعطيه ليمونةً، ماتت هذه الجدَّة الراقية، وجاءت زوجة ابنها الشابة، فطرَق الباب أحدهم يطلب ليمونةً قالت له: ما عندنا ليمون، فيبست الشجرة، وانتهت.
أقسَم لي بالله أحدهم، في منطقة خان الشيح ثمانية وثلاثون مزرعة، في سنةٍ جدباء سبعة وثلاثون مزرعة جفَّت آبارها إلا مزرعةً واحدة، الرُعاة كانوا يدخلون إلى المزارع فيطردهم، إلا صاحب هذه المزرعة أنشأ مجرى لسقي الغنم، فكان أيُّ راعي يُدخله مع الغنم ليشربوا، قال لي: هذه المزرعة الوحيدة التي بئرها لم يجف.
كلام دقيق: (إن للهِ أقوامًا اختصهم بالنعمِ لمنافعِ العبادِ يقرُّهم فيها ما بذلوها فإذا منعوها نزعها منهم فحوَّلها إلى غيرِهم) .

الدليل الرابع:

وفي حديثٍ آخر: ما أُعطي أحدٌ أربعة فمُنِع أربعة، مستحيل، إن أُعطيت هذه النعمة أُعطيت الثانية:

((  ما أُعْطِيَ أحدٌ الشكرَ فمُنِعَ الزيادةَ لأن الله تعالى يقول: {لئن شكرتم لأزيدنكم} ، وما أُعطي أحدٌ الدعاء فمُنِعَ الإجابة لأن الله يقول: {ادعوني أستجب لكم}،  وما أُعطي أحدٌ الاستغفار ثم مُنِع المغفرة لأن الله عزَّ وجل يقول: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} وما أُعطي أحدٌ التوبة فمُنِعَ التقبُّل لأن الله عزَّ وجل يقول: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده} ثم لقيت أبا صالح فسألته عن ذلك فقال: نعم أنا حدثته بذلك فسألت أبا صالح عن الحديث فحدثني به ثم قلت له: من حدثك؟ قال: حدثني أبو زهير يحيى بن عطارد بن مصعب عن أبيه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.... ثم ذكر الحديث ))

[ أخرجه البيهقي وابن عساكر ]

تُعطي فهناك زيادة، من لوازم العطاء الزيادة (وما أُعطي أحدٌ الدعاء فمُنِعَ الإجابة لأن الله يقول: {ادعوني أستجب لكم} وما أُعطي أحدٌ الاستغفار ثم مُنِع المغفرة لأن الله عزَّ وجل يقول: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا} وما أُعطي أحدٌ التوبة فمُنِع التقبُّل لأن الله عزَّ وجل يقول: {وهو الذي يقبل التوبة عن عباده}) التوبة معها قبول، والاستغفار معه مغفرة، والدعاء معه إجابة، والعطاء معه زيادة، هذه قوانين.
يقول بعض العلماء: "من عرف نعمة الله بقلبه، وحمده بلسانه، لم يستتِّمَّ حتى يرى الزيادة" ، لأنَّ الله تعالى يقول: (لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) .
لذلك عَودٌ على فِقرةٍ مهمةٍ جداً: مَن دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، ما عنده شيء، ادخُل على فقيرٍ لترى أنك مُحاط بنِعَمٍ لا تُعد ولا تُحصى.
كنت في تركيا فدُعيت إلى طعام الإفطار، عندهم عادة رائعة جداً، الطاولة ارتفاعها أربعون سنتمتراً، تجلس على الأرض والطعام أمامك، على هذه الطاولة قماشةٌ زائدة عن أطراف الطاولة متراً بحيث تضعها على حِضنك.

(( دخلَ عليَّ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسَلَّمَ فَرأى كِسْرَةً مُلْقَاةً فَمَشَى إليها فأخذَها ثُمَّ مسحَها فَأكلَها ثُمَّ قال لي: يا عائشةُ أَحْسِنِي جِوَارَ نِعَمِ اللهِ تَعالَى فإنَّها قَلَّ ما نَفَرَتْ من أهلِ بَيْتٍ فَكَادَتْ أنْ تَرْجِعَ إليهِمْ ))

[ أخرجه ابن ماجه والطبراني ]

إذا كان عندك بقية من خبزٍ، ضع عليه الماء، وضعه على السطح ليأكل العصافير منه، لا تُحاول أن ترمي ولا حبة رزٍ واحدة، هذا الأدب مع الله، والله هناك بيوت ما زاد من الطعام عندهم يضعونه في القُمامة.

كفرُ النعمة: 


آخر شيء في الموضوع:

﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)﴾

[  سورة النحل  ]

معنى (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ) أي ما شكرت نِعَم الله، ما شكرت: (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) .
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المُستغفرين، أستغفر الله. 

* * *

الخــطــبـة الثانية : 

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

من أسدى إليكم معروفاً فكافئوه  فإن لم تجدوا فادعوا له:


أيُّها الإخوة الكرام: كتعقيبٍ على هذا الموضوع الدقيق، عَوِّد نفسك أن تشكُر، فلو قدَّم لك أحدُهم باقة وردٍ، فاكتُب عندك في المذكرات: " شُكر فلان" اتصل به هاتفياً، قُل له: شكراً على هذه الباقة، لو قدَّم لك أقلّ خدمة، لذلك اسمعوا الحديث الخطير: 

(( من سأل باللهِ فأعطُوه، ومن استعاذ باللهِ فأَعِيذُوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صَنَع إليكم معروفًا فكافِئوه، فإنْ لم تَجِدوا ما تكافِئونَه فادْعُوا له حتى تَرَوا أنَّكم قد كافَأْتُموه ))

[ أخرجه أبو داوود والنسائي وأحمد ]

يُستنبَط من هذا، أنَّ كلمة "جزاك الله خيراً" غير مقبولةٌ منك، إذا كان بالإمكان أن تُكافئه بما يقابِل عمله، النبي عليه الصلاة والسلام قال: 

(( تهَادَوا تَحَابُّوا ))

[ أخرجه البخاري ]

قُدِّمت لك خدمةٌ كبيرة تقول له: شكراً سيدي، جزاك الله خيراً، لا هذه غير مقبولة، ما دام عندك إمكانية أن تُقابله بعملٍ أو بخدمةٍ أو بهديةٍ، يجب أن تُكافئ على المعروف، أمّا إذا ما عندك إمكانيةٍ فعندئذٍ يقبلها الله منك. 
كنّا في أول الخُطبة النِعَم من الله، الآن إذا شخصٌ خدمك، سهَّل لك مهمتك، أعانك، وافق لك، عمل معك عملاً طيِّباً، لا بُدَّ من أن تشكره، إمّا باتصالٍ هاتفي، أو برسالةٍ، أو بالبريد الإلكتروني الآن، أو بلقاءٍ شخصي، أو بهديةٍ مقابلها، لمّا يتهادى المسلمون يتحابّون.

(( تهادُوا، إنَّ الهديّةَ تُذهِبُ وَحَرَ الصدرِ، و لا تحقِرَنَّ جارةٌ لجارَتِها و لو شِقَّ فِرْسَنَ شاةٍ ))

[ أخرجه الترمذي وأحمد ]

فعوِّد نفسك أن ترد على كل عملٍ طيبٍ لا بكلمةٍ فارغة، بل بعملٍ طيبٍ مقابله، هذا توجيهٌ نبوي.

﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237)﴾

[ سورة البقرة  ]

استعرت كتاباً جلِّده، ولا تقل لصاحبه: تعال وخُذه، هو جاهز، استعرت حاجةً لمِّعها وحسِّنها ورُدَّها (وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) لماذا كفر الناس الآن بالعمل الصالح؟ 
مرةً قال رجُلٌ لأولاده: وهو أمام مكتبةٍ ارتفاعها من الأرض إلى السقف وعرضها أربعة حيطان، يا أولادي: إيّاكم أن تُعيروا كتاباً من هذه الكتُب بعد موتي، لأنها كلها كتُبٌ مُعارة، يستعير كتاب ولا يردَّه، ضاع الكتاب، فإذا أنت ما سجّلت نسيت مَن أخذه منك، حاول أيُّ شيءٍ استعرته أن تُرجعه مُجلَّداً، مُحسَّناً، وحاول أن تشكُر دائماً، فما الذي زهَّد الناس بالخير؟ لأنَّ الذين يأخذون الخير من الناس، إمّا أنهم يُسيئون إليهم، أو لا يُرَدُّ إليهم.
أيُّها الإخوة: من علامة الإيمان أن تَعظُم عندك النعمة مهما دقّت، إنسانٌ خدمك وقدَّم لك معونةً، قدَّم لك هديةً، يجب أن تردّ عليه بهديةٍ مُماثلة، هذا الإيمان، لا أن تكتفي بالشُكر، الشُكر لمن كان ضعيفاً، وقدَّم له رجُلٌ قوي هديةً، أو غني، فهو لا يقدر أن يُكافئه عليها (ومن صَنَع إليكم معروفًا فكافِئوه، فإنْ لم تَجِدوا ما تكافِئونَه فادْعُوا له حتى تَرَوا أنَّكم قد كافَأْتُموه) .

الدعاء : 


اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافِنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقِّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذلُّ من واليت ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هبّ لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضنا وارضَ عنّا، وصلى الله على سيدنا محمدٍ النبي الأُمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور