الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغُر الميامين، أُمناء دعوته وقادة ألويته وارضَ عنّا وعنهم يا ربَّ العالمين.
أيُّها الإخوة الكرام: نحن في ذكرى هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والهجرة لها وقائعها وأحداثها وتفاصيلها، وهذه مألوفةٌ ومعروفةٌ عند كل الإخوة الكرام، ولكن للهجرة دروسها وعِبرها، والمسلمون اليوم في أمسِّ الحاجة إلى دروس الهجرة وعِبرها.
أولاً: الهجرة بأبسط تعاريفها هي انتقالٌ من مكانٍ إلى مكان، أي حركة، والمؤمن حركي، مؤمن سكوني هذا إيمانه غير صحيح والدليل:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلَايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّىٰ يُهَاجِرُوا ۚ وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَىٰ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)﴾
ما لم تتحرك، ما لم تصل لله، وما لم تقطع لله، وما لم تُعطِ لله، وما لم تمنع لله، وما لم ترضَ لله، وما لم تغضب لله، وما لم تلتزم، ما لم يجدك الله حيث أمرك، وما لم يفتقدك حيث نهاك، ما لم تُطبِّق منهج الله، ما لم تكن سُنَّة رسول الله مُطبَّقةً في بيتك، في اختيار زوجتك، في تربية أولادك، في كسب مالك، في إنفاق مالك، في حلِّك، في ترحالك، قبل الزواج وبعد الزواج، قبل الغنى وبعد الغنى، ما لم تتحرك، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن، إلا وتُعبِّر عن ذاتها بحركةٍ نحو الخلق، ما لم تنصح ما لم تُنكِر، ما لم توالِ، ما لم تُعادِ، ما لم تتبرأ، ما لم تستنكر، ما لم تُحب، ما لم تكره (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا) .
أنت في أصل جِبلَّتِك كائنٌ مُتحرِّك، لأنَّ الحاجة إلى الطعام تدفعك إلى كسب المال، ولأنَّ الحاجة إلى المرأة تدفعك إلى الزواج، ولأن الحاجة إلى تأكيد الذات تدفعك إلى التفوُّق، فأنت في الأصل كائنٌ مُتحرِّك، أمّا في شأن الدين فكائنٌ سكوني لا تتحرك! لا تُقدِّم، لا تؤخِّر، لا تنتمِ، لا تُنكِر، لا ترضَ، لا تصِلْ، لا تقطع، أصل بُنيانك حركي، بحسب الدوافع التي أودعها الله فيك، فكيف ترضى أن تكون سكونياً.
2 – ليس هناك إعجابٌ سلبي:
أيُّها الإخوة: هذا النمط الجديد من الإعجاب السلبي بالإسلام، تتحدث عن الإسلام على أنه دين الله رائع،

وعلى أنه دين الفطرة، وتقول: أنا مشاعري إسلامية، بارك الله بك، واهتماماتي إسلامية، وأرضيتي إسلامية، وخلفيتي إسلامية، ونزعتي إسلامية، والإسلام ليس مُطبَّقاً عندك، صار هناك فكراً إسلامياً، لكن ليس لك سلوكٌ إسلامي، هناك انتماءٌ إسلامي إلى الإطار لا إلى المضمون.
أيُّها الإخوة الكرام: نحن في أمسّ الحاجة إلى هذا الدرس، تركَ بيته، تركَ ماله، تركَ معارفه، تركَ مكانته، وانتقل إلى بلدٍ بدأ فيه من الصفر.
(( لما قدِم عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ المدينةَ آخَى النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بينَه وبينَ سعدِ بنِ الربيعِ، فقال له: هلُمَّ أقاسِمُك مالي نصفينِ، ولي امرأتانِ فأطلِّقُ إحداهما، فإذا انقضت عدتُها فتزوَّجْها، فقال: بارك اللهُ لك في أهلِك ومالِك، دلُّوني على السوقِ، فدلُّوه على السوقِ، فما رجع يومئذٍ إلا ومعه شيءٌ من أقِطٍّ وسمنٍ قد استفضله، فرآه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بعد ذلك وعليه وضَرُ صفرةٍ، فقال: مهيمُ، فقال: تزوجتُ امرأةً من الأنصارِ، قال: فما أصدقتَها؟ قال: نواةٌ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد ]
الإسلام حركة، والهجرة حركة.
3 – دولة الهجرة دولة حضارية:
شيءٌ آخر: الهجرة دولةٌ لها أرض، لها كيان، لها رئيس، لها منهج، لها تطلُّعات.
أيُّها الإخوة: لكنها دولةٌ حضارية، ولا يُسمح لأحدٍ في الأرض أن يتكلم في الدين برأيه.
وثيقة التعايش في المدينة:
الهجرة دولة، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما كتب الوثيقة المشهورة، وارجعوا إليها في كتُب السيرة، بعد أن وصل إلى المدينة،

أجرى اتفاقاً موثَّقاً بين كل أطياف المدينة، أقتطِعُ لكم منه أسطراً، طبعاً قلت لكم: إنَّ الهجرة دولةٌ حضارية، معنى حضارية أنها ترعى شؤون كل أطيافها، على اختلاف مللهم ونِحلهم وأديانهم، الحقوق مُقدَّسة، المصالح مُشتركة.
يقول: هذا كتابٌ من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين، من قريش وأهل يثرب، ومَن تَبِعهم فلحِقَ بهم وجاهد معهم.
يثرب فيها أوس وفيها خزرج، فيها أهل كتاب، فيها أتباع، فيها قبائل، فيها مُهاجرون.
جاء في الوثيقة: << أهل يثرب أُمةٌ واحدة من دون الناس، وأنَّ يهود بني عوف أُمةٌ مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، وأن بينهم النصر على من دَهَمَ يثرب، وأنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالمٍ أو آثِم>> ، وهذا أول دستورٍ لهذه الدولة الحضارية التي قامت على التعايش، وقامت على وحدة، وقامت على مُصطلحٍ مُعاصِر المواطنة، هذا كلام سيد الخلق وحبيب الحق.
أيُّها الإخوة الكرام: أمّا سبب الهجرة، فأنت أيُّها الإنسان علّة وجودك على سطح الأرض أن تعبُد الله، والدليل:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)﴾
والعبادة طاعةٌ طوعية، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تُفضي إلى سعادةٍ أبدية. دققوا: أيُّ مكانٍ وأيُّ زمانٍ، وأيُّ بيئةٍ وأيُّ مجتمعٍ حال بينك وبين أن تعبُد الله، حال بينك وبين علّة وجودك، أيُّ مكانٍ منعك أن تعبُد الله إمّا قمعاً أو ضعفاً، ما الفرق بينهما؟ قد تكون في مكانٍ لا تستطيع أن تُصلّي، لا تستطيع أن ترتاد المسجد، نحن بخيرٍ والحمد لله، لا تستطيع أن تُحجِّب ابنتك، أيُّ مكانٍ حال بينك وبين علّة وجودك، أقول مُقترِحاً: ينبغي أن تُصلحه أولاً، فإن لم تستطع فانجُ بنفسك، الدليل:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97)﴾
كُنّا مُستضعفين إمّا قمعاً، مُنِعنا أن نعبُد الله، وإمّا ضعفاً وإغراءً، إن وجدت نفسك في بلدٍ تُرتكَب فيه المعاصي على قارعة الطريق، إن كنت في بلدٍ فيه الفاحشة أهوَن من شُربة ماء، إن كنت في بلدٍ لا قيمة للنسَب، ولا قيمة لعُذرية الفتاة، إن كنت في بلدٍ فيه كل أنواع الشذوذ، إن كنت في بلدٍ أُلغي فيه الزواج، لا زواجٌ ديني، ولا زواجٌ مدني، ولا عقدٌ آخر، بل مُساكنة، إذا كنت في بلدٍ تُرتكَب فيه المعاصي على أنها حضارة، مثل هذا البلد ينبغي أن تُغادره، ولو تحقَّقت فيه مصالحك في أعلى مستوى، أن تُغادره إلى بلدٍ تستطيع فيه أن تُحجِّب بناتك، أو أن تُربّي أولادك، أو أن تُزوِّج بناتك من مؤمنين طاهرين.
أيُّها الإخوة: مرةً ثانية: حينما يحول مكانٌ ما، بينك وبين أن تعبُد الله، فهذا المكان يُلغي وجودك في الدنيا، يُلغي رسالتك، يُلغي مُهمتك، يُلغي تكليفك، هذا المكان ولو توافرت فيه كل أسباب الرخاء، لو توافرت فيه كل حقوق الإنسان في المفهوم الحديث، لو توافرت فيه كل الحاجات، فبقاؤك فيه أكبر خسارة، لأنه ألغى وجودك الأُخروي، لأنه ألغى عبادتك لله عزَّ وجل.
فلذلك أيُّها الإخوة: قضية الهجرة من أخطر الموضوعات التي يحتاج المسلمون إلى دروسها وعِبرها، هناك أُناسٌ كثيرون مُقيمون في بلدٍ إسلامي، يستطيعون تربية أولادهم وبناتهم، ويستطيعون أن يسيطروا على أُسرهم، لأنَّ الجو العام جوٌّ طيِّب، من أجل المال فقط، يسافرون إلى بلدٍ تُعدُّ جريمة الزِنى فيه مفخرةً.
أنا كنت أضرِب هذا المثل مراتٍ عديدة، أنَّ شاباً أحبَّ فتاةً في هذه البلاد، فاستأذن والده بالزواج منها، قال له والده: لا يا بُنَي، إنها أختك وأُمك لا تدري، فلمّا أحبَّ فتاةً ثانية سمع الجواب نفسه من أبيه، فلمّا أحبَّ فتاةً ثالثة سمع الجواب نفسه من أبيه، فلمّا شكا إلى أُمه قالت له: خُذ أيّاً شئت، فأنت لست ابنه أيضاً وهو لا يدري.
في مثل هذا المكان الحاجات متوافرة، هناك حرياتٌ رائعة، هناك ديمقراطية من أعلى مستوى، كل شيءٍ موفور للإنسان، لكنه خسر آخرته.
﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُم مِّن دُونِهِ ۗ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ أَلَا ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15)﴾
كنت مرةً في مؤتمرٍ في أمريكا في لوس أنجلوس، مؤتمرٌ إسلامي، فلمّا ألقيت محاضرةً وانتهيت منها وتوجهت إلى غرفتي، وجدتُ امرأةً مُحجَّبةً إلى جانب المصعد، قالت لي: أنا أُخت فُلان، فُلان صديقي في الشام، قلت لها: أهلاً وسهلاً، فإذا بها تنفجر بالبكاء، قلت: خيرٌ إن شاء الله؟ قالت: ابنتي راقصة وابني مُلحِد، ماذا أفعل؟ هذا الثمن، الثمن باهظ.
أيُّها الإخوة الكرام: إن تحدثت عن الهجرة الآن، أتحدَّث عن هجرةٍ تُرضي الله، من بلدٍ تُرتكب فيه المعاصي على قارعة الطريق، إلى بلدٍ تستطيع أن تعبُد الله فيه، فيه مساجد، فيه خُطباء، فيه جوٌّ إسلامي، وإن كان الفساد عمَّ الأرض، لكن فُرَص تربية الأولاد وتوجيه الزوجة، أكبر بكثيرٍ من فُرَص التربية هناك وتوجيه الزوجات.
5 – الهجرة قائمة إلى يوم القيامة لكن من غير مكَّة:
أيُّها الإخوة الكرام: لذلك كفكرةٍ بديهيةٍ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( سُئِلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الهِجرةِ، فقال: لا هِجرةَ بَعدَ الفَتحِ، ولَكِن جِهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنفِرتُم فانفِروا ))
كإنسانٍ ذهب إلى العُمرة، وركب في النقل الجماعي من مكَّة إلى المدينة، وظنَّ نفسه مُهاجراً، نضحك عليه! ( لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ) ولكنني أؤكد لكم، أنَّ الهجرة قائمةٌ إلى يوم القيامة بين كل مدينتين تُشبهان مكَّة والمدينة، وقت هاجر النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا مُنعت في بلدٍ أن تعبُد الله، ينبغي أن تُهاجر إلى بلدٍ تعبُد الله فيه، الهجرة مُفتَّحةٌ أبوابها إلى يوم القيامة.
6 – المُهاجر موعود برزقٍ وفير:
والذي أتمنى أن يكون واضحاً لكم، وعد الله عزَّ وجل للمُهاجر برزقٍ وفير، وزوال الكون أهوَن على الله من ألّا يُحقِّق وعوده للمؤمنين.
﴿ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100)﴾
والله عدة إخوةٍ كرام، أقاموا في بلادٍ بعيدة سنواتٍ مديدة، ثم اتخذوا قراراً جريئاً بالعودة إلى بلدهم، والله كلما التقيت بهم يقولون: ما من قرارٍ حكيم أكرمنا الله به كقرار العودة إلى بلدنا، هناك متاعب، لكن لا توازن بين بلدٍ مُتقدِّمٍ عاش استقراراً لمئتي عام، وبلدٍ نامٍ فيه اضطراباتٌ لا تنتهي، وازن بين الدنيا والآخرة، وازن بين زمنٍ تستعد به لدخول الجنَّة، وبين زمنٍ يسوقك إلى النار، هذه هي الموازنة الصحيحة.
7 – المعنى الواسع للهجرة:
أيُّها الإخوة الكرام: شيءٌ آخر، وهذا في متناولنا جميعاً، الكلمات أحياناً لها مفهومٌ ضيِّق ولها مفهومٌ واسع، فكلمة سيارة بالمعنى الواسع كل شيءٍ يسير، والدليل في قصة يوسُف:
﴿ وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَىٰ دَلْوَهُ ۖ قَالَ يَا بُشْرَىٰ هَٰذَا غُلَامٌ ۚ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)﴾
(وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ) أي دابة.

بالمعنى الضيِّق: هي مركبةٌ تمشي على عجلاتٍ يسوقها محركٌ انفجاري، وقوده بترول، هذا التعريف الضيِّق.
الهجرة بالمعنى الضيِّق: أن تنتقل من مكانٍ إلى مكان، من مكانٍ حال بينك وبين أن تعبُد الله، إلى مكانٍ تعبُد الله فيه.
المعنى الواسع للهجرة:
(( المسلِمُ من سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، والمؤمنُ من أمنَهُ النَّاسُ علَى دمائِهِم وأموالِهِم، والمجاهدُ مَن جاهدَ نفسَهُ في طاعةِ اللَّهِ والمُهاجِرُ مَن هجَر الخطايا والذُّنوبَ ))
[ أخرجه أحمد والبزار والطبراني ]
(المسلِمُ من سلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ) أي سَلِمت سُمعة المسلمين، فأي واحدٍ منكم وأنا معكم، إذا كان مستقيماً على أمر الله، فهو عند الله مُهاجرٌ بالمعنى الواسع للمُصطلح، وكلمة كهف، قال تعالى:
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مِّرْفَقًا (16)﴾
أيضاً بالمعنى الضيِّق، الجبل الذي أوى إليه أهل الكهف، وبالمعنى الواسع هذا المسجد كهف، وأيُّ بيتٍ من بيوت الله كهف، وبيتك كهف، تدخل إلى بيتك تُصلّي، تقرأ القرآن، توجِّه أولادك، تُطيع الله، تقوم الليل، هذا بيتك ومملكتك، فبيتك كهف،
(( خطَبنا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم على ناقتِه الجدعاءِ فقال أيُّها النَّاسُ كأنَّ الموتَ على غيرِنا كُتب وكأنَّ الحقَّ فيها على غيرِنا وجب وكأنَّ الَّذي نُشيِّعُ من الأمواتِ سفْرُ عمَّا قليلٍ إلينا راجعون نُؤويهم أجدَاثهم ونأكلُ تراثَهم كأنَّا مخلَّدون بعدهم قد نسِينا كلَّ واعظةٍ وأمِنَّا كلَّ حائجةٍ طوبَى لمن شغله عيبُه عن عيوبِ النَّاسِ طوبَى لمن أنفق مالًا اكتسبه من غيرِ معصيةٍ وجالس أهلَ الفقهِ والحكمةِ وخالط أهلَ الذِّلَّةِ والمسكنةِ طوبَى لمن ذلَّتْ نفسُه وحسُنت خليقتُه وطابت سريرتُه وعَزل عن النَّاسِ شرَّه طوبَى لمن أنفق الفضلَ من مالِه وأمسك الفضلَ من قولِه ووسِعته السُّنَّةُ ولم تستهوهِ البدعةُ ))
[ أخرجه البزار وابن حبان في المجروحين وابن عساكر في معجم الشيوخ ]
بالتعبير العامي المؤمن بيتوتي، وغير المؤمن زقاقي، في الملاهي والأماكن العامة والمطاعم الخارجية، أمّا المؤمن جنته بيته، والآن (فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ) كغرفة متواضعة جداً تُصلّي فيها قيام الليل، هذه الغرفة قطعةٌ من الجنَّة، بيت مساحته أربعين متراً، تحت الأرض، لكنه دافئٌ في الشتاء، تقرأ فيه القرآن الكريم، هذا جنَّة، أفضل من فندق خمس نجوم، يجب أن نصل إلى حقائق الأشياء.
8 – نعيش في زمنٍ صعب وخطير:
أيُّها الإخوة: لكن في زمنٍ صعبٍ جداً، يُكذَّب فيه الصادق، والله الذي لا إله إلا هو، كل هذا الإنجاز الحضاري للعالَم الغربي، ناطحات السحاب، الطائرات، البواخر العملاقة،

والله أصبحنا نتمنّى بيتاً من لبِن، لكن يُرحَم فيه صبيٌ صغير لا يُقتَل، والله أصبحنا نتمنّى خيمةً فيها كلمة صدق، العالَم أصبح كذِبٌ بكذب، وعنفٌ بعنف، ودَجلٌ بدَجل، من هُنا قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( بادِروا بالأعمالِ سبعًا: هل تنظرون إلَّا فقرًا مُنسِيًا، أو غنًى مُطغِيًا، أو مرضًا مُفسِدًا، أو هِرَمًا مُفنِّدًا أو موتًا مُجهِزًا، أو الدَّجَّالَ، فشرٌّ غائبٌ يُنتَظرُ، أو السَّاعةُ فالسَّاعةُ أدهَى وأمرُّ ))
[ أخرجه الترمذي وابن أبي الدنيا في قصر الأمل والعقيلي في الضعفاء الكبير ]
الدجَّال يتكلم بعكس واقعه، يأتي إلى بلدٍ من أجل أن تكون فيه حريةٌ وديمقراطية، فإذا هذا البلد يُقتَّل أهله، وتُنهَب ثرواته، ويضام فيه علية القوم، ويُدمَّر عن آخره باسم كلامٍ فارغٍ لا يُقدِّم ولا يؤخِّر (أو الدَّجَّالَ، فشرٌّ غائبٌ يُنتَظرُ، أو السَّاعةُ فالسَّاعةُ أدهَى وأمرُّ) .
أيُّها الإخوة: في زمنٍ يُضام فيه الآمرون بالمعروف والناهون عن المُنكَر، في زمنٍ يُكذَّب الصادق ويُصدَّق الكاذِب، في زمنٍ يؤتمن الخائن ويُخوَّن الأمين، في زمنٍ موتٌ كقعاص الغنم، كما ترون كل يوم، أحدث خبر البارحة، مجموع الذين يقتلون في العراق كل يوم مئة وعشرون إنساناً، موتٌ كقعاص الغنم.
(( والذي نَفسي بيَدِه، لا تَذهَبُ الدُّنيا حتَّى يَأتيَ على النَّاسِ يَومٌ لا يَدري القاتِلُ فيمَ قَتَلَ، ولا المَقتولُ فيمَ قُتِلَ، فقيلَ: كيفَ يَكونُ ذلك؟ قال: الهَرجُ، القاتِلُ والمَقتولُ في النَّارِ ))
في مكانٍ يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يُغيِّر، في يومٍ وفي زمنٍ:
(( لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ الولدُ غيْظًا، والمطرُ قيْظًا، وتفيضُ اللئامُ فيْضًا، ويغيضَ الكرامُ غيْضًا، ويجترئَ الصغيرُ على الكبيرِ، واللئيمُ على الكريمِ ))
[ الألباني السلسلة الضعيفة ]
والله قال لي أحد آباء الأولاد: والله إن دُهِسَ ابني فسأُقيم مولداً فرحاً بهذه المناسبة (يكونَ الولدُ غيْظًا، والمطرُ قيْظًا، وتفيضُ اللئامُ فيْضًا، ويغيضَ الكرامُ غيْضًا) في هذا الزمن، دققوا الآن في هذا الحديث الصحيح القدسي:
(( العِبادةُ في الهرَجِ كالهِجرةِ إليَّ ))
9 – الهجرة تعلِّم الثقة بالله:
أيُّها الإخوة الكرام: الهجرة تُعلِّمنا الثقة بالله، بربِّكم إنسانٌ أُهدِر دمه، ووضِع لمن يقتله مئةُ ناقةٍ، هل هناك إنسانٌ أضعف من إنسانٍ قد هُدِر دمه، ووضِع لمن يقتله مئةُ ناقةٍ؟ ولو جاء به ميتاً أو حيَّاً، فيتبَعه سُراقة، فيقول له: يا سُراقة، كيف بك إذا لبست سِواري كسرى؟

مَثَل للتقريب: مواطن في بلدةٍ متخلفةٍ جداً من دول العالَم الثالث، يقول لمواطنٍ آخر: كيف بك إذا دخلت البيت الأبيض؟ يا سُراقة، كيف بك إذا لبست سِواري كسرى؟ هذا كلامٌ من عند إنسان:
﴿ وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ (4)﴾
معصوم، أيْ سوف أصِل رغم أنف كل شيء، وسأُنشئ دولةً، وسأُنشئ جيشاً، وسأُحارب أكبر دولتين في العالَم، وسوف أنتصر عليهما، وسوف تأتيني كنوزهما، ولك يا سُراقة سِوار كسرى، أرأيت إلى هذه الثقة بالله؟!
نحن بحاجةٍ إلى هذه الثقة الآن، لا تقُل: انتهينا، هذا كلام المُثبّطين، كلام اليائسين، كلام ضِعاف الإيمان، لا تقُل: انتهينا، لا تقُل: أعداءنا أقوياء جداً، لا تقُل: مصيرنا بيَدِهم، الذي خلقك وأمرك أن تعبُده لم يُسلِمكَ إلى غيره، ولو أسلمَكَ إلى غيره فكيف يقول لك:
﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾
ما أمرَك أن تعبُده إلا بعد أن طمأنك أنَّ الأمر كله عائدٌ إليه.
﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)﴾
ولكل عصرٍ فرعون (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا) الذين ماتوا من نقص الغذاء والدواء في الحصار العراقي مليون طفل تقريباً، كأنه ذبحهم.
فرقٌ كبيرٌ كبير بين أن يكون الإنسان مُصاباً بالتهابٍ معديٍ حاد، وله طبيبٌ فائقٌ في خبرته، وقريبٌ ويُحبُّه، رسم له نظام حميةٍ صارمٍ جداً، وإذا بلغه أنه أكل لقمةً خارج هذا النظام أقام عليه الدنيا، لأنَّ مرضه قابلٌ للشفاء، وبين إنسانٍ جاء إلى هذا الطبيب نفسه، معه ورمٌ خبيثٌ منتشر، سأله: ماذا آكُل؟ قال له: كُل ما شئت لا مشكلة، أيهما أفضل؟ الذي هو خاضعٌ لحميةٍ صارمةٍ جداً، لأنه مؤمنٌ لكنه مُقصِّر، ومرضه قابلٌ للشفاء، نسأل الله أن نكون من الصنف الأول.
أيُّها الإخوة: (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ) .
أحياناً إخوانَّا الكرام: أنا عندي قضايا معي فيها دليلٌ إيمانيٌ فقط، أنا من خمس وثلاثين سنة في هذا المسجد أقول: أنا لا أقبل أن يكون في جسم الإنسان زائدةٌ دودية، هذا الاسم غلط بحسب إيماني، هذا خلق الله، والله كماله مُطلَق، وذكرت في الأسبوع الماضي، أنه جاءتني رسالةٌ إلكترونية حول اكتشافٍ رائع، أنَّ لهذه الزائدة وظيفةٌ خطيرةٌ جداً، فجاء الدليل العلمي ليؤكِّد الدليل الإيماني، أنا معي دليلٌ إيماني، لا يمكن لجهةٍ في الأرض مهما قَويَت، مهما تغطرست، مهما مَلكَت من المال، مهما مَلكَت من أنواع الأسلحة الفتَّاكة، مهما مَلكَت من قوة الإعلام، مهما مَلكَت من التحالفات، العالَم كله معها، كله ضد المسلمين، أنا لا أُصدِّق أن تستطيع جهةٌ مهما قَويَت، ومهما كثُر حلفائها، ومهما كثُر مالها، ومهما قَويَ إعلامها، أن تُفسِد على الله هدايته لخلقه.
هذا مستحيل، وألف ألف ألف مستحيل، بل هذا يتناقض مع وجود الله، إن توهمت أنَّ هذه القوة القوية بإمكانها أن تُلغي كل عملٍ خيري، وكل معهدٍ شرعي، وكل دعوةٍ إلى الله، يجب أن تُجدِّد إيمانك بالله، أعِد النظر في إيمانك.
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)﴾
مرةً كنت في مُتحفٍ شهيرٍ في تركيا، اسمه "دولما بهجة" رأيت ساعةً قد ثبَّتت على التاسعة وخمس دقائق، وكانت الساعة حينها الحادية عشرة، فسألت من معي فقال: هذه الساعة ثُبِّتت وقت مات "كمال أتاتورك"، سبحان الله خطر في بالي، كم طاغية جاؤوا إلى الأرض وأرادوا إلغاء الإسلام كُليِّاً؟ ما الذي حصل؟ أنهم فطِسوا والإسلام باقٍ، هذا الذي حصل.
إيّاك أن تتوهم أنَّ جهةً في الأرض تستطيع أن تُلغي دين الله، أو أن تُلغي هداية الله لعباده، وهذا الدين له سِرٌّ عجيب، إذا أردت أن تقمعه كأنك تُطفئ النار بالزيت، لا بالماء بل بالزيت، كلما أضفت الزيت على النار ازدادت تأجُّجاً.
أيُّها الإخوة: النبي عليه الصلاة والسلام كان واثقاً من ربّه، حينما نزل من الطائف كذَّبوه، وسخروا منه، ونالوه بالأذى، ودَميَت قدماه الشريفتان، سأله زيد: كيف تعود إلى مكَّة وقد أخرجتك؟! قال: "إنَّ الله ناصرٌ نبيّه" ، هذه الثقة، الله لا يتخلى عنّا أبداً، لكن ينبغي ألّا نتخلى عن دينه، ينبغي أن نُطيعه، ينبغي أن ننصره حتى ينصرنا، ينبغي أن نلجأ إليه، ينبغي أن نُقيم منهجه، ينبغي أن نصطلح معه.
أهمّ درس في الهجرة الأخذ بالأسباب:
هناك درسٌ خطيرٌ جداً من دروس الهجرة، المسلمون في أمسّ الحاجة إليه، هو الأخذ بالأسباب، الغرب بلادٌ أولى في العالم، أخذت بالأسباب، لكنها اعتمدت عليها، وألَّهتها، ونَسيَت ربَّها، أرسلوا مركبة فيها سبعةُ رجالٍ وامرأة، مركبة وطائرة معاً، وسمّوها بالمُتحدي، وبعد سبعين ثانية من إقلاعها أصبحت كتلةً من اللهب، بعد سنواتٍ طويلة أرسلوا مركبة ثانية على شاكلتها سمّوها كولومبيا، في طريق عودتها أصبحت كتلةً من اللهب، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.

أيُّها الإخوة: المؤمن واثقٌ من نصر الله، واثقٌ من توفيقه، لا ييأس، لا يقنط، لا تضعف معنوياته.
﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (139)﴾
فالغرب أخذ بالأسباب واعتمد عليها، ونسي الله فأشرَك، الشرق وقع في خطأٍ من نوعٍ آخر، ترك الأخذ بالأسباب، الآن الشرق متوهمٌ أنَّ الله عزَّ وجل يبعث معجزة فننتصر، ونحن جالسون ومرتاحون، لا نُقدِّم ولا نؤخِّر، نتابع الأخبار، ونوزِّع التُّهم على الناس، ماذا قدَّمت لهذه الأمة؟ هل خفَّفت من متاعبها؟
نقول للطالب: هل درست؟ هل تفوَّقت؟ هناك نمطٌ الآن والعياذ بالله كيف سرى إلينا هذا النموذج لا أعرف؟! سكوني، سلبي، مُتقوقِع، مُستعلٍ، وصي، يوزِّع التُّهم ولا يفعل شيئاً، ماذا قدَّمت لأُمتك؟
الشرق ما أخذ بالأسباب فوقع في المعصية، بمعنى أنَّ الشرق فرَّط والغرب أفرط، أمّا الحقّ: أن تأخُذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
مَن هو الإنسان الأول في الأرض كلها؟ النبي الكريم، مَن هو الإنسان الذي يستحق النصر؟ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لِمَ لمْ ينقله الله على البُراق من مكَّة إلى المدينة في ثوانٍ؟ لما كان هناك غار ثور، ولا المُطاردون وصلوا إليه، ولا أن يخاف سيدنا الصدّيق ويقول: لقد رأونا، ولا أن يلحَق بهم سُراقة، ألم ينتقل النبي عليه الصلاة والسلام من مكَّة إلى بيت المقدس في ثانيةٍ واحدة؟ فلِمَ لمْ تكن الهجرة كذلك؟! النبي بشر، ويجب أن تجري عليه كل خصائص البشر لأنه سيد البشر، فاتَّجه مُساحلاً بعكس الاتجاه تضليلاً للمُطاردين، قبَع بغار ثور أياماً ثلاثة حتى يخف الطلب، هيأ مَن يأتيه بالأخبار، له قيادةٌ ذكية، هيأ مَن يمحو الآثار، هيأ مَن يأتيه بالطعام، اختار دليلاً غلَّبَ فيه الخبرة على الولاء، اختار دليلاً مُشركاً.

قد يُصاب المُسلم بمرضٍ خطيرٍ جداً، والمُختص به غير مُسلمٍ، ويقول: أنا أتعالج عنده؟ غلَّبَ الخبرة على الولاء، أخذ بكل الأسباب، لكن قد يسأل سائل: لماذا مع كل هذه الأسباب وصلوا إليه؟ كي يُعلِّمنا الله من خلاله أنَّ اعتماده لم يكن على الأسباب، ولو كان اعتماده على الأسباب لانهار حينما وصلوا إليه، هو اعتماده على ربِّ الأرباب، قال له الصدّيق:
(( قلتُ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ونحن في الغارِ لو أنَّ أحدَهم ينظرُ إلى قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنا تحتَ قَدَمَيْهِ فقال يا أبا بكرٍ ما ظَنُّكَ باثنينِ اللهُ ثالثُهُما ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأحمد ]
فإذا كان الله معك فمن عليك؟
﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ (45) قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ (46)﴾
وفي روايةٍ ضعيفةٍ أنَّ الصدّيق قال له: لقد رأونا، أي وقعت عينهم على عين الصدّيق، قال: يا أبا بكر، ألم تقرأ قوله تعالى:
﴿ وَإِن تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَىٰ لَا يَسْمَعُوا ۖ وَتَرَاهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)﴾
هذا الإيمان، أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء.
هذا الدرس يحتاجه الطالب، لا يدرُس فيرسُب، يقول: ترتيب الله، الله لم يُرِد لي، سبحان الله لحكمةٍ بالغة، لا، أيُّ حكمةٍ بالغة؟! أنت طالبٌ كسول، أيُّ حكمةٍ بالغة؟!
لا يأخُذ بالأسباب، يشتري صفقةً من دون دراسة، لا يربح، فيقول لك: الله ما كتب لنا الربح، لماذا لم تقُم بدراسة السوق جيداً، وأحدهم يركب سيارته ولا يُراجعها، فيقع له حادثٌ خطير يودي بحياته، مات بأجله، لكن الأصل أن تُراجع المركبة مراجعةً دقيقة، ثم تقول: يا ربّ أنت الحافظ، وأن تدرس الصفقة دراسةً دقيقة، وتقول: يا ربّ أنت الجبار، وأن تُعالج ابنك عند أفضل طبيب، وتعطيه أدق الأدوية، وتقول: يا ربّي أنت الشافي، البطولة أن تأخُذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا أهم درس يحتاجه المسلمون من الهجرة.
إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ
أيُّها الإخوة:
(( إنَّ اللهَ تعالى يَلُومُ على العَجْزِ، ولكن عليكَ بالكَيْسِ، فإذا غَلَبَكَ أمرٌ فقُلْ: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ ))
نستسلم، ما بيدنا شيء، نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان يا ربّ، ماذا نفعل؟ لا دخل لي، فخار يكسِّر بعضه، مَن أخذ أمي فهو عمي، هذه كلها كلمات الشرك، كلمات الخذلان والانهزام، لكن الصواب أن تأخُذ بالأسباب وكأنها كل شيء (إنَّ اللهَ تعالى يَلُومُ على العَجْزِ، ولكن عليكَ بالكَيْسِ، فإذا غَلَبَكَ أمرٌ فقُلْ: حَسْبِيَ اللهُ ونِعْمَ الوكيلُ) .
حينما سمح رئيس وزراء في بلدٍ إسلامي بالأذان باللغة العربية ماذا فُعِل به؟ شُنِق، "عدنان مندريس" الإسلام قوي بأفكاره، وقوي بإنجازاته، أنت قدِّم إنجازاً واسكُت، لا تتكلم بكلمةٍ واحدة، كُن طبيباً متفوقاً، هناك مَن يُعجَب بدينك، كُن مهندساً متفوقاً، كُن تاجراً متفوقاً، تفوَّق حتى يحترموا دينك.
هناك فكرةٌ من عندي ليس لها دليل، إن لم تتفوَّق في دُنياك فلا يُحترَم دينك، تفوَّق، نحن نريد النُخبة أيضاً، النبي عليه الصلاة والسلام قال:
اللهمَّ أعِزَّ الإسلامَ بأحبِّ هذين الرجُلين إليك بأبي جهلٍ أو بعمرَ بنِ الخطابِ فكان أحبُّهما إلى اللهِ عمرَ بنَ الخطابِ
أخرجه الترمذي وأحمد
تفوَّق حتى يقولوا: انظُر إلى فُلان أول طبيب يُصلّي، أول مهندس صاحب دين، بيته إسلامي، الإسلام ينتشر إذا طبَّقه المُتفوقون بالدرجة الأولى.
أيُّها الإخوة: الأخذ بالأسباب من أهم دروس الهجرة.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المُستغفرين، أستغفر الله.
الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيُّها الإخوة: آن الأوان أن نستفيد من هذه الدروس، دعك من وقائع الهجرة، وقف عند دروسها وعِبرها، حاول أن تُطبِّق منهج النبي صلى الله عليه وسلم حينما هاجر، على حياتك اليومية، خُذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم توكل على الله وكأنها ليست بشيء.
أيُّها الإخوة الكرام: حينما تأخُذ بهذه الدروس والعِبر، تنتقل نقلةً نوعية، تُعمِّق اتصالك بالله، فتستحق عندها تأييد الله ونصره وحفظه.
فيا أيُّها الإخوة: ما من سبيلٍ إلا أن نصطلح مع الله، وأن نعود إليه، وأن نُقدِّر من حولنا لا أن نُعتِّم على مَن حولنا، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام حينما وصل إلى المدينة.
اللهم اهدِنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحقّ ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربَّنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
اللهم هَب لنا عملاً صالحاً يُقربنا إليك.
اللهم اعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضنا وارضَ عنّا.
اللهم أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمِنّا مكرك ولا تهتِك عنّا سترك ولا تُنسنا ذِكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المسلمين، وخُذ بيد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.
الملف مدقق