وضع داكن
22-06-2026
Logo
الخطبة : 1054 - الآثار المترتبة على معرفتك بأسماء الله الحسنى - لا يخافن العبد إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه .
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 

الخطبة الأولى 

الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضلِل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمَن جحد به وكفر، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم، رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أُذُنٌ بخبر.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومَن والاه، ومَن تبعه إلى يوم الدين.

ثلاثة بنود محور خُطبةٍ سابقة: 


أيُّها الإخوة الكرام: في الخُطبة السابقة كان الحديث عن أسماء الله الحُسنى، وفي هذه الخُطبة أُتابع الموضوع، وسأُذكِّركم بالبنود الثلاثة الأساسية، التي كانت محور الخُطبة السابقة. 

1 – الله جلَّ جلاله له الكمال المُطلَق:

أولاً:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

[ سورة الأعراف ]

كمال الله كمالٌ مُطلَق، وكل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وينبغي أن تؤوِّل أيَّ شيءٍ مُتعلقٍ بالذات الإلهية، بالكمال الذي يليق بالذات الإلهية، لأنَّ الله عزَّ وجل يقول: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) .

2 – دعاء الله بأسمائه وصفاته:

المحور الثاني: (فَادْعُوهُ بِهَا)
معنى: (فَادْعُوهُ بِهَا)
لهذه الكلمة معنيان:
المعنى الأول:
الأول: أنت حينما تعرف قدرته تسأله، وحينما تعرف رحمته تستغفره، وحينما تعرف أنه الرزَّاق تسترزقه، من دون أن تبذِل ماء وجهِك لإنسانٍ، من دون أن تتضعضع أمام غنيٍ، لا يمكن إلا أن يكون فهمُك لأسماء الله الحُسنى مُنعكِساً على سلوكك.
إذاً: فادعوه بها من أجل أن يكون الدُعاء مُستجاباً، من أجل أن يكون الدُعاء واثقاً، من أجل أن يكون الدُعاء مُحكماً يجب أن تعرف مَن تدعو (فَادْعُوهُ بِهَا) .
المعنى الثاني:
والمعنى الثاني: حينما تدعوه تتقرَّب إليه بكمالٍ مُشتَّقٍ منه، إن دعوت العدل فينبغي أن تكون عادلاً بين أولادك، إن دعوت الرحيم فينبغي أن ترحَم خلق الله عزَّ وجل، إن دعوت اللطيف فينبغي أن تكون رقيقاً،

(( وفي الحديث عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:  إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ  ))

[ رواه مسلم  ]

أي تعرفه، فيكون دعاؤك مُحكماً مُستجاباً، وتعرفه فتكون معرفتك قُربةً إليه به. 

بين الإحصاء والعد: 


أمّا:

﴿ لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94)﴾

[ سورة مريم ]

من هذه الآية تبيَّن أنَّ الإحصاء شيء وأنَّ العدَّ شيءٌ آخر، العدّ أن تقول: في هذا الصف أربعون طالباً، أمّا الإحصاء أن تعرف طَالباً طالباً، وضعه الصحي والاجتماعي والنفسي والديني والأُسَري، وتَقدَّمه، ووتيرة التقدُّم، وخصائصه، وبأي شيءٍ مُتفوُّقٌ، لذلك يقول النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح:

﴿ إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ﴾

[ أخرجه البخاري ومسلم ]

لم يقُل: مَن عدَّها بل قال: (مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ)

الآثار المترتبة على معرفة أسماء الله الحُسنى: 


لذلك تُعدُّ الأسماء الحُسنى أكبرُ ركيزةٍ في الإيمان، وسوف نرى في هذه الخُطبة الآثار المُترتِّبة على معرفتك بأسماء الله الحُسنى.

الأثر الأول: تعظيم الله عزَّ وجل:

الأثر الأول: تعظيم الله عزَّ وجل، يجب أن نؤمن إيماناً قطعياً، أنَّ الإيمان بالله شيء، وأنَّ الإيمان به عظيماً شيءٌ آخر، الدليل قوله تعالى:

﴿ إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33)﴾

[ سورة الحاقة  ]

(إِنّهُ كَانَ) أي: مَن استحقَّ دخول النار، (لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ) التركيز على كلمة "عظيم".
مثالٌ للتقريب: الله عزَّ وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)﴾

[ سورة الأحزاب  ]

الأمر ينصَّب لا على الذِكر، لماذا؟ لأنَّ المنافقين يذكرون الله، قال تعالى:

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (142)﴾

[ سورة النساء ]

المُنافِق يذكُر الله، لكنه يذكره الذِكر القليل، لذلك حينما قال الله عزَّ وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً) الأمر مُنصَّبٌ على الكثرة لا على الذِكر.
الآن: (إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ) الأمر مُنصَّبٌ على العظيم، لأنَّ إبليس آمن بالله.

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)﴾

[ سورة ص ]

آمن به ربَّاً وعزيزاً وخالقاً. 

﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ ۖ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ (12)﴾

[ سورة الأعراف ]

وآمن باليوم الآخر، ومع ذلك هو إبليس، فالذي يؤمن دون أن يستقيم، يمكن أن نُسمّي إيمانه إيماناً إبليسياً، الذي يؤمن دون أن يلتزم، الذي يؤمن دون أن يقف موقفاً يؤكِّد إيمانه.

(( الإيمَانُ مَعرِفَةٌ بالقَلبِ وإقرارٌ باللِّسانِ وعملٌ بالأركانِ ))

[ أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء ]

نحن أمام مليار وستمئة مليون مُسلم، لا تجد في أعمالهم ما يؤكِّد أنهم مؤمنون باليوم الآخر، هناك اغتصاب أموال، وغش، ووقوعٌ في المُحرَّمات، وغيبة، ونميمة، ما أدخلوا اليوم الآخر في حساباتهم إطلاقاً، فلذلك ادعاء الإيمان لا قيمة له.
لذلك أيُّها الإخوة: أول شيءٍ من آثار الإيمان بأسماء الله الحُسنى تعظيم الله، ويجب أن تؤمن أنَّ هناك علاقةً مُطَّرِدة بين تعظيم الله و بين طاعته.
هناك مَثَلٌ أضربه كثيراً: قد تأتيك ورقةٌ من دائرة البريد، أن تعال يوم الخميس تسلَّم رسالةً مسجلة، لا تتحرك فيك شعرةٌ، وقد تذهب وقد لا تذهب، وقد تأتيك ورقةٌ بالقياس نفسه من جهةٍ أُخرى، فلا تنام الليل ثلاثة أيام، لأنك سمعت قصصاً كثيرة عن الذين دخلوا ولم يرجعوا، لذلك صار عندك ترقُّب، فحينما تؤمن بالله العظيم تستقيم على أمره، لأنه كما قيل: أرجحكم عقلاً أشدُّكم لله حُبَّاً. 

كلما ازداد إيمانك ازدادت خشيتك: 


     كلما ازداد إيمانك ازدادت خشيتُك، لأن مقياس إيمانك هو استقامتك، هؤلاء الذين يقول أحدُهم: أنا مؤمنٌ، ما دمت مؤمناً فلِمَ تعصي الله؟! 

تَعصي الإِلَهَ وَأَنتَ تُظهِرُ حُبَّهُ      هَذا مَحالٌ في القِياسِ بَديعُ

لَـو كانَ حُبُّكَ صـادِقاً لَأَطَـعتَهُ      إِنَّ المُحِبَّ لِمَن يُحِبُّ مُطيعُ

[ الإمام الشافعي ]

***

أيُّها الإخوة الكرام: حينما تتعرَّف إلى اسم "الحليم"، الحليم يُمهِل ولا يُهمِل، الحليم لا يعني أنه لا يعاقِب، لكن لا يُسرِع في العقاب، وحينما تعرف اسم "الغفور" تستغفر الله، حينما تعرف اسم "الرحيم" تسأله التوبة، حينما تعلم أنه شديد العقاب، حينما تعلم أنه مُنتقِم، مُنتقِم أي يوقف الكافر عند حدِّه، مَن هو أغبى الأغبياء؟ الذي لا يُدخِل الله في حساباته.
صدِّقوا أيُّها الإخوة الكرام: أنَّ أسماء الله الحُسنى يمكن أن تكون أكبر ركنٍ من أركان الإيمان بالله حينما تعرفه.
أذكُر مرةً كنت في مسجدٍ أنا وصديقٌ لي، ودخل إنسانٌ قصير القامة، مُنحني الظهر، يرتدي ثياباً بيضاء ليُصلّي المغرب، ما إن رأيت هذا الإنسان حتى أسرعت إليه، وسلّمت عليه سلاماً في أعلى درجات الأدب، الذي كان معي لفَت نظره هذا الاهتمام، قال لي: مَن هذا؟ قلت: هذا عميد كلّيتنا في الأدب العربي، وعلَّمنا أربع سنواتٍ، وهو من أكبر علماء النحو في البلد، هو يراه إنساناً كبيراً في السن، مُنحني الظهر، دخل ليُصلّي، أمّا أنا فاستمعت إلى دروسه أربع سنواتٍ، فحجمه عندي كبيرٌ جداً.
كلما تعمَّقت بأسماء الله الحُسنى كان تعظيمك لله أكبر، وكانت طاعتك أشدّ، وكانت مُسارعتك إلى رضوانه أكثر، فأصل الدين معرفة الله. 

هذه هي مشكلة المسلمين اليوم: 


يمكن أن أقول لكم، وأنا واثقٌ مما أقول: أنَّ مشكلة المسلمين الأولى، المليار وستمئة مليون مُسلم، في المدارس، وفي المساجد عرفوا أمْر الله، لكنهم ما عرفوه، لو عرفوه لعدَّ الإنسان إلى المليون قبل أن يعصيه، ما بال المسلمين يأكلون أموال بعضهم ظلماً وعدواناً، سبعمئة ألف دعوى في قصر العدل، لاغتصاب بيوتٍ، وشركاتٍ، وأموالٍ، وميراث، لأنهم لا يعرفون الله.
إخوانّا الكرام: سامحوني لو قسوت، لمّا يبني إنسانٌ ربحه على مضرة الآخرين، أنا أقول له: ألغيت صلاتك وصيامك وحجَّك وزكاتك، إلغاءً كُليَّاً، لمّا تبني منفعةً كبيرةً على الإضرار بالناس، تضع مادةً غذائيةً لا تصلُح للاستهلاك البشري، بأساليبٍ مُلتويةٍ أدخلتها وبعتها، وحقَّقت أرباحاً كبيرة، لو كنت حاجَّاً سبعاً وثلاثين حجَّةً فاعتبر نفسك أنك ألغيتها كلها، لو اعتمرتَ ثماني وثلاثين عُمرةً، لو صلّيت في الصف الأول، لو حفظت كتاب الله كله، ما دمت قد بنَيتَ منفعةً خاصةً على إضرار الناس، فقد ألغيت عبادتك، هذا ليس كلامي، السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: 

((  عن أُمِّ يونُسَ - يَعْني: امرأتَهُ العاليةَ بنتَ أَيْفَعَ- أنَّ عائشةَ زَوجَ النبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قالتْ لها أُمُّ مَحبَّةَ أمُّ ولدٍ لزَيدِ بنِ أَرْقَمَ: يا أُمَّ المؤمِنينَ، أَتعرِفينَ زَيدَ بنَ أَرْقَمَ؟ قالتْ: نعم، قالتْ: فإنِّي بِعْتُهُ عبدًا إلى العطاءِ بثَمانِي مِئةٍ، فاحتاج إلى ثَمَنِهِ، فاشتَرَيْتُهُ قَبلَ مَحِلِّ الأجلِ بستِّ مِئةٍ، فقالتْ: بِئْسَ ما شَرَيْتِ، وبِئْسَ ما اشتَرَيْتِ! أَبْلِغي زَيدًا أنَّهُ قد أَبطَلَ جِهادَهُ مع رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إنْ لم يَتُبْ ، قالتْ: فقلتُ: أرأَيْتِ إنْ تَرَكْتُ المِئتَيْنِ وأخذْتُ السِّتَّ مِئةِ؟ قالتْ: نعم، {مَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ} [البقرة: 275[ ))

[ أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير والطحاوي في اختلاف العلماء بلفظه، وعبد الرزاق والدارقطني ]

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورا ً(23)﴾

[ سورة الفرقان ]

والله أيُّها الإخوة: لو اطلعّتُم على أساليب الغش التي يمارسها التُجَّار روَّاد المساجد من أجل الربح لشِبْتُم.
قد توضع مادةٌ كيميائيةُ مُسرطنة، في مادةٍ غذائيةٍ حتى يزداد بياضها فيرتفع سعرها، ما صلاته؟ ما صيامه؟ ما حجّه؟ ما زكاته؟ 
حينما تعرف أسماء الله الحُسنى تعُدّ للمليار قبل أن تأكل مالاً حراماً، تركُ دانقٍ من حرامٍ خيرٌ من ثمانين حجةٍ بعد حجة الإسلام.
المسلمون الآن همُّهم اغتصاب بيوت، اغتصاب محلات، اغتصاب شركات، وأكثر شيءٍ يأتيني عبر الهاتف، أنَّ الإنسان إذا مات لا يُعطون بناته شيئاً، فقط للذكور، ترك ثلاثُ محلاتٍ تجارية، الأبناء أخذوا قراراً أنَّ المحلات لنا فقط، البنات ما لهم شيء، لو صلّوا الجمعة، ولو لبس ثوباً أبيض، وتعطَّر بعطرٍ مسكي، وأمسك سِبحةً، ووضَع مسواكاً في جيبه، على قدر ما تستطيع أقِم في نفسك مظاهر إسلامية، لكن لا قيمة لكل هذه المظاهر، ضَع مُصحفاً في سيارتك، اكتُب: 

﴿ إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًاً مُبِيناً (1)﴾

[ سورة الفتح ]

في المحل التجاري، افعل ما تريد. يضَع الآية:

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80)﴾

[ سورة الشعراء ]

في عيادة الطبيب، وهو لا يستقيم على أمر الله، يبتزّ المرضى، الذي سحقنا المظاهر، الذي سحقنا المظاهر الفارغة.

(( إِنَّ اللهَ تعالى لَا ينظرُ إلى صُوَرِكُمْ وَأمْوالِكُمْ، ولكنْ إِنَّما ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم ))

[ أخرجه مسلم وابن ماجه وأحمد ]

أيُّها الإخوة: حينما تعرف أسماء الله الحُسنى تعُد للمليار قبل أن تعصيه، قبل أن تأكل مالاً حراماً، قبل أن تغُشّ المسلمين، قبل أن تبيع بضاعةً فاسدة، يمكن أن يكون الدواء ثمنه ألف ومئتان، وفي غفلةٍ منك مضى وقت صلاحيته، تحكه بالشفرة، يأتي طفلٌ فتبيعه الدواء، لقد ألغيت صلاتك وصيامك، وحجَّك وزكاتك، لأنك بنيت ربحك على مضرة إنسان.
إخوانّا الكرام: الدين ليس في هذا المسجد، الدين في أعمالكم، في بيوتكم، في الأسواق، في العيادة، في المكتب الهندسي، في مكتب المُحاماة، الدين هناك، حينما تقف عند الحدود، وحينما تخشى ربَّك المعبود، وحينما تستقيم على أمره، بأيّ مظهرٍ كنت فأنت مقبولٌ عند الله، بأية طريقةٍ كنت أنت مقبولٌ عند الله، وتعلُّق المسلمين بالمظاهر أوردهم المهالك.
أيُّها الإخوة الكرام: أول أثرٍ من آثار الإيمان بأسماء الله الحُسنى تعظيم الله، ومع التعظيم الخشية، لذلك قد يكون في المركبة عدّادان: عدَّاد السرعة، وعدَّاد حركة المُحرِّك، أحياناً العقارب تتحرك معاً، أنا أقول لكم: عقرب الخوف من الله يرافقه عقرب الخشية من الله، الاستقامة على أمر الله، كلما عظَّمته كلما ازددت طاعةً له، لا تمتحِن إيمانك بأنك تُقِر بأنَّ لا إله إلا الله، امتحِن إيمانك بطاعتك لله، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله إيمانٌ إبليسيٌ لا يُقدِّم ولا يؤخِّر، ماذا نفعل بهذا الحديث الصحيح؟

(( خيرُ الصحابةِ أربعةٌ وخيرُ السرايا أربعمائةٍ وخيرُ الجيوشِ أربعةُ آلافٍ ولا يُغْلَبُ اثنا عشرَ ألفًا من قِلَّةٍ ))

[ أخرجه أبو داود والترمذي وأحمد ]

في عُمرة رمضان أربعة ملايين مُسلمٍ، والحديث: (وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ) .
اعطنِ مؤمناً وقّافاً عند حدود الله وخُذ نصراً مؤكَّداً، الله عزَّ وجل لا يتخلى عنّا، لكن النصر له أسباب، وما لم ندفع ثمن النصر فلا يمكن أن نرى نصراً، هذا الأثر الأول تعظيم الله عزَّ وجل، الله عظيمٌ عندك فلا تعصه، لا تأكل المال الحرام، تركُ دانقٍ من حرامٍ خيرٌ من ثمانين حجةٍ بعد حجة الإسلام.

الأثر الثاني: تعظيم القُربات إلى الله وتعظيم المؤمنين:

من تعظيم الله تعظيم القُربات إليه، أن يُتاح لك عملٌ صالحٌ، فترفض أيّ موعدٍ آخر من أجله، عندك درسُ علمٍ، عندك خدمة، عندك صلةُ رحمٍ، عندك دعوةٌ إلى الله، هذه مُقدَّمةٌ على كل النشاطات، تُعظِّمه وتُعظِّم القُربة إليه، تُعظِّمه وتُعظِّم العمل الصالح، تُعظِّمه وقد تُعظِّم حاجباً في دائرةٍ تَعلَمه مُستقيماً مؤمناً، وقد لا تكترث بأعلى مرتبةٍ في الدائرة إن لم تكن مستقيماً.
من لوازم تعظيم الله أن تُعظِّم المؤمنين، لا أن تتهمهم بالغباء، والفقر، والتخلُّف، وهؤلاء الذين يقترفون المعاصي والآثام، يتبادلون الزوجات، يُقِرّون المثلية الجنسية، هؤلاء تراهم أُناساً أذكياء كُبراء، مُتبحّرون في العلوم، مُتمكنون من الصناعة والتجارة، يجب أن يكون ولاؤك لله، الولاء والبراء ركنٌ سادسٌ من أركان الدين، أن توالي المؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وأن تتبرأ من الآخر غير المؤمن، ولو كان قوياً وغنياً.
أيُّها الإخوة الكرام: الطاعة مرتبطةٌ بالتعظيم، والتعظيم مرتبطٌ بمعرفة أسماء الله الحُسنى، وشيءٌ مبذول.
ثانياً: من لوازم معرفة الله أنك لا تُعظِّم المخلوقين غير المُلتزمين، وحينما تُعظِّم إنساناً تراه قوياً، فتعصي الله إرضاءً له، فأنت لا تعرف الله أبداً، وحينما تعصي الله من أجل زوجتك، فأنت لا تعرف الله أبداً، وحينما تُعظِّم ربحاً كبيراً من غِش المُسلمين، فأنت لا تعرف الله أبداً.
صدِّقوا أيُّها الإخوة ولا أُبالغ، أحياناً أرى مسلماً يرتكب عملاً كبيراً، وهو عند الناس عظيم، أقول: والله ما عرف الله ولا واحداً بالمليار، لو عرفه لاستقام على أمره، لو عرفه لكان وقَّافاً عند حدوده، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك، وأحياناً تُكرِّم إنساناً تكريماً غير معقول، ويرتكب المعاصي جهاراً بعملٍ فني، وأنت تُكرِّمه تكريماً غير معقول، هذا التكريم على ماذا يدل؟ على أنَّ مبادئ الدين لا قيمة لها عندك.
أيُّها الإخوة الكرام: لا أقول: الاستهانة بالمخلوقين، لا أقصد احتقارهم، ولكن أقصد إذا دعوك إلى معصيةٍ أن لا تعبأ بهم، لا برضاهم ولا بغضبهم، قال تعالى:

﴿ قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ (73)﴾

[ سورة طه ]

حينما تعرف الله لا تعصِ ربَّك من أجل مخلوقٍ، كائناً من كان، لا تتضعضع أمام قوي، ولا أمام غني.

(( عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ومن خضع لغنيٍّ، ووضع له نفسه إعظاماً له، وطمعاً فيما قبله، ذهب ثلثا مروءته، وشطر دينه ))

[ رواه البيهقي في شعب الإيمان ]

ويقاس عليه من تضعضع أمام قوي ذهب ثلثا دينه. 

﴿ قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ (45) قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ (46)﴾

[ سورة طه ]

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61 (قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)﴾

[ سورة الشعراء  ]

﴿ وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87 (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ۚ وَكَذَٰلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

[ سورة الأنبياء  ]

القصص كثيرة جداً، تعرفون مَن الحَجَّاج، أحد التابعين في عهده قام بواجب البيان، فبيَّن، فغضب الحَجَّاج، وقال لجُلسائه: والله يا جُبناء لأروينكم مِن دمه، وأمر بقتله بكلمةٍ، لا تحتاج إلى محكمةٍ، ولا محامي دفاع، ولا محامي إثبات، فاستُدعي للقتل، وجيء بالسيّاف، ومُدَّ النطع.
لمّا دخل الحسن البصري على الحَجَّاج، رأى السياف واقفاً، والنطع ممدوداً، ففهِم كل شيء، أنه مقتولٌ، حرَّك شفتيه، وما فهم أحداً ماذا قال، فإذا بالحَجَّاج يقف له ويقول له: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، وإذا به يُدنيه حتى يُجلسه على سريره، ويستفتيه ويُعطِّره ويُضيّفه ويودِّعه، الذي صُعِق لهذا الموقف المُتناقض هو السيّاف والحاجب، فتَبِعه الحاجب وقال له: يا أبا سعيد لقد جيء بك لغير ما فُعِل بك فماذا قلت لربِّك؟! قال له قلت: "يا ملاذي عند كُربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليَّ برداً وسلاماً، كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم" .
إخوانّا الكرام: كلمتان، والله لو ردَّدتُ هاتين الكلمتين مليارَ مرةٍ لا أرتوي منهما، الله كبير، وما مِن إلهٍ إلا الله، وفهمكم كفاية، ما مِن إلهٍ إلا الله، ثم يقال لك: الاستعمار، الصهيونية العالمية، الموساد، بوش، ما مِن إلهٍ إلا الله، والطريق إلى الصلح معه سالكٌ وهو ينتظرنا.
أوحى الله إلى داوُد عليه السلام فقال: << يا داوُد لو يعلم المُدبرون عنّي انتظاري لهم، ورفقي بهم، وشوقي إلى ترك معاصيهم، لماتوا شوقاً إلي، ولتقطَّعت أوصالهم لمحبَّتي، يا داوُد هذه إرادتي بالمُدبرين عنّي فكيف بالمُقبلين عليّ>> .
الذي قال:

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24)﴾

[ سورة النازعات ]

فرعون، الذي قال:

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38)﴾

[ سورة القصص ]

ماذا قال الله لموسى وأخيه هارون؟

﴿ اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44)﴾

[ سورة طه  ]

فأحدُهم ناجى ربَّه وقال: يا ربّ، إذا كانت رحمتك بمَن قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) فكيف رحمتك بمَن قال: سبحان ربّي الأعلى؟ وإذا كانت رحمتك بمَن قال: (مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) فكيف رحمتك بمَن قال: لا إله إلا الله؟ الله ينتظرنا، والأمر بيدنا، ونصرُنا بيدنا، وصلاحُنا بيدنا، والكُرة في ملعبنا، لكن الله ينتظرنا، أمّا أن تتمنّى على الله الأماني، فإن الأماني بضائع الحمقى.

﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا (19)﴾

[ سورة الإسراء ]

اللهم انصُرنا على أنفسنا حتى ننتصر لك، حتى نستحق أن تنصُرنا على أعدائنا.
إذاً من نتائج معرفة أسماء الله الحُسنى، أنَّ الله عزَّ وجل عظيمٌ جداً عندك، وكلما عظُمَت الذات الإلهية عندك خضعت له، ومقياس إيمانك خضوعك لله عزَّ وجل، وأحياناً يُتاح لك أن تأكل المليارات، ولستَ مُداناً على وجه الأرض، لكن المؤمن والله لا يستطيع أن يأكل قرشاً واحداً، والنبي عليه الصلاة والسلام وجد تمرةً على السرير في غرفته، قال يا عائشة: 

(( أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رأى تمرةً فقال لولا أني أخافُ أن تكون صدقةً لأكلتُها ))

[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وأحمد ]

يبدو أنه اشتهاها، تمرةً، لكنه خشيَ أن تكون من تمر الصدقة، هكذا كان ورَع النبي عليه الصلاة والسلام، لذلك:

(( رَكْعتانِ مِن رجلٍ ورِعٍ خيرٌ مِن ألفِ رَكْعةٍ من مُخلِّطٍ ))

[ الألباني السلسلة الضعيفة ]

(( عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خشية الله رأس كل حكمة ، والورع سيد العمل، ومن لم يكن له ورعٌ يحجزه عن معصية الله عزَّ وجل إذا خلا بها، لم يعبأ الله بسائر عمله شيئاً ))

[ رواه أبو يعلى المنقري عن حكامة عن أبيها عن مالك عن ثابت عن أنس  ]

 إذا عرفت أسماء الله الحُسنى يكون الله عندك عظيماً، وإذا عرفت أسماء الله الحُسنى يكون المخلوق عندك صغيراً، ولا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق.
قال الحَجَّاج لسعيد بن جبير: <<أنا سأقتلك، قال: والله لو علمت أن حياتي بيدك لعبدتك، لكن حياتي ليست بيدك، بيد الله>> ولو قتلتني أنا أموت في الوقت الذي أراده الله.
يجب أن تؤمن أنَّ الله قطع العباد عن الأرزاق والأعمار، لذلك كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تُقرِّب أجلاً.

﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94)﴾

[ سورة الحجر ]

لا تأخُذك في الله لومة لائم.
من أين تأتيك الشجاعة؟ من التوحيد، ومن معرفة أسماء الله الحُسنى.
من أين يأتي الجُبن والنِفاق؟ من ضعف التوحيد، ومن ضعف معرفتك بأسماء الله الحُسنى.

الأثر الثالث: التوبةُ:

شيءٌ آخر، معرفة أسماء الله الحُسنى من نتائجها التوبة، لأنَّ الله عزَّ وجل ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، لأنه رحيمٌ بنا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليُجيبنا، معك دعاء وتحزن؟ معك أقوى سلاحٍ في الكون.

(( الدعاءُ سلاحُ المؤمِنِ، وعمادُ الدينِ، ونورُ السماواتِ والأرْضِ ))

[ أخرجه أبو يعلى والحاكم وابن عدي في الكامل والقضاعي في مسند الشهاب ]

معك الدعاء وتحزن؟
للتقريب: هل يمكن لجنديٍ غُرٍّ التحقَ بثكنةٍ، وبهذه الثكنة عريفٌ، والجندي والده قائد الجيش، فلمّا هدَّد العريف الجندي صار يبكي، يكون أحمقاً، لأنَّ والده قائد الجيش، حينما تؤمن أنَّ أمرك بيَد الله، وما سلَّمك إلى أحدٍ، ولو سلَّمك إلى أحدٍ كيف تعبده؟ تقول: يا ربّ، أنا مضطرٌ أن أعبُد غيرك الذي سلَّمت أمري إليه، قال لك لا:

﴿ وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ(123)﴾

[ سورة هود ]

أمرك بيَدي، صحتك بيَدي، زوجتك بيَدي، رزقك بيَدي، أولادك بيَدي، مكانتك الاجتماعية بيَدي، راحتك النفسية بيَدي، الرضى الذي ترضى به بيَدي، أمنُكَ بيَدي، خوفك بيَدي، لذلك أكبر نتيجة سيئة للشِرك:

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151)﴾

[ سورة آل عمران  ]

حينما تُشرِك يمتلئ القلب خوفاً، فتُنافِق، تكذِب، وتفعل كل المعاصي بدافعٍ من خوفك الشديد، والخوف بسبب عدم معرفتك بالله عزَّ وجل.
أيُّها الإخوة: وحينما تعرف الله وتعرف أسماء الله الحُسنى تدعو إليه، ولا تأخُذك في الله لومة لائم، لا تُجامِل، لا تُنافِق، لا تقول: لا علاقة لي، لا تقول: أسلَم لي ألّا أدعو إلى الله، ترى أنَّ الله معك، وأنَّ الله بيَده كل شيء.

﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَٰهٌ ۚ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (84)﴾

[ سورة الزخرف ]

مرةً ثانية: ما من إلهٍ إلا الله، والله كبير.
إنسانٌ راكبٌ سيارته وأَحَبَّ أن يُبرِز مهارته بالقيادة، وكان هناك جروٌ صغيرٌ على طريق المطار في أيام الشتاء، الطريق المُعبَّد أدفأ من التراب، لأنَّ لونه أسود فيمتص الحرارة، فهذا الجرو الصغير جالسٌ على طرف الطريق، ويداه خرجت عن حجم جسمه بخمسة سنتمترات، فاستطاع هذا السائق الماهر أن يقُص يديه فقط دون أن يقتله، وأطلق ضحكةً هستيريةً، كان إلى جانبه رجلٌ أعرفه معرفةً جيدة، وحدَّثني عن هذه القصة بأنه رآها بنفسه، قال لي: والله في يوم السبت القادم، وفي هذا المكان أصاب العجلة عَطَب، فبدَّلها، في أثناء التبديل فسدت الرافعة، ووقعت العجلة بعد أن فكَّها من السيارة على رُسغيه، والمركبة فوق العجلة، فهُرِست رُسغاه، ذهبوا به إلى المستشفى فاضطروا لقطع يديه، يقسم بالله العظيم أنه بعد أسبوعٍ فقَدَ يديه. 
الله كبير، لسببٍ تافهٍ يجعل الحياة جحيماً لا يُطاق، ما مِن إلهٍ إلا الله، هذا التوحيد، والله كبير فانتبه، وعُدّ للمليار قبل أن تعصي الله، قبل أن تقتل حيواناً بغير ذنبٍ، قبل أن تأكل مالاً حراماً، قبل أن تغُش مُسلماً.
هناك سائق سيارةٍ حديثة، لكنه جاهلٌ بميكانيكها، فيها خطأٌ بسيطٌ يُحل في خمس دقائق، أوهَم الميكانيكي صاحبها أنَّ بها خللاً خطيراً، ويحتاج إصلاحها إلى أيامٍ ثلاثة، وطلب منه عشرة آلاف ليرة، وهي تُصلَّح في ثانية، قال لي جاره: أول يومٍ أخذ بها أهله إلى الزبداني، وفي اليوم الثاني ذهب إلى طريق المطار، وفي اليوم الثالث إلى مكانٍ آخر، وأصلحها في دقائق، وأخذ عشرة آلاف، واستخدمها أياماً ثلاثة، فعاتبه جاره، قال له: معقول؟! قال له: هكذا الشغل، أنت لا تفهم بالشغل، يقسم لي بالله العظيم أنه بعد أيامٍ دخلت نثرةُ فولاذٍ في عين ابنه، في المخرطة التي يعمل فيها، كلَّفته عملية نزعها ثلاثين ألفاً، الله كبير، فإيّاك أن تغلَط مع الله.
سيدنا ابن عمر حينما التقى راعياً قال له: بِعني هذه الشاة وخُذ ثمنها، قال له الراعي: ليست لي، قال له: قُل لصاحبها أنها ماتت أو أكلها الذئب، قال الراعي: والله إنني لفي أشدِّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله؟ 
هذا الراعي ما عنده إنترنت، وما عنده فضائيات، وما عنده مكتبةٌ ضخمةٌ من الأرض إلى السقف، ما عنده شيء، هذا وضع يده على جوهر الدين، والذي يستطيع أن يتكلم في الدين عشرُ ساعاتٍ من دون تحضير وله معصية، فهو جاهلٌ عند الله عزَّ وجل، تستطيع أن تتكلم عشرُ ساعاتٍ في الدين من دون تحضير، طليق اللسان، عندك معلومات غزيرة جداً، إذا ما كنت مستقيماً فهذا الراعي أعلَم عند الله منك، لذلك احفظوا هذا النَص: "كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه"
لو فرضنا هناك منصِبٌ دينيٌ رفيعٌ جداً، وهناك حاجبٌ أُمّيٌّ لا يقرأ ولا يكتب، وجاءت امرأةٌ إلى صاحب هذا المنصِب الرفيع، وملأ عينيه من محاسنها، وهذا الحاجب غضَّ بصره عنها، لكنه أُميّ، مَن هو العالِم عند الله؟ هذا الحاجب، مقاييس الله غير مقاييسنا، مقاييسنا هناك دكتوراه، وشهادات، ومؤتمرات، ومظاهر صارخة، هذه مقاييس البشر، لكن مقاييس خالق البشر شيءٌ آخر.

الأثر الرابع: الدعوة إلى الله وعدم خشية الناس:

أيُّها الإخوة الكرام: إذاً الثمرة الرابعة أنْ تدعو إلى الله، ولا تخشى إلا الله.

الأثر الخامس: مراقبة الله عزَّ وجل:

الثمرة الخامسة مُراقبة الله عزَّ وجل، الله سميعٌ، كلامك يسمعه، كل يومٍ تقول سبعٍ وعشرين مرةً تقريباً: "سمِعَ الله لمَن حمده"، فالله سميع، وإذا ما تكلمتَ ولكن تحركت فهو بصير، وإذا ما تحركت ولا تكلمتَ، ضمرت في نفسك شيئاً، فالله به عليم، فهو سبحانه وتعالى سميعٌ بصيرٌ عليم.
معرفة أسماء الله الحُسنى تدعوك إلى مُراقبة الله، تدعوك إلى تعظيم الله فتُطيعه، تدعوك إلى تعظيم أمره فتأتمر به، تدعوك إلى عدم تعظيم مخلوقٍ يأمُرك بمعصية، فإذا أمَرَك مخلوقٌ بطاعةٍ فعلى العين والرأس، تدعوك إلى عدم تعظيم مخلوقٍ يأمُرك بمعصية.
والشيء الرابع: أنك تدعو إلى الله.
والشيء الخامس: أنك تُراقب الله عزَّ وجل، لذلك معرفة أسماء الله الحُسنى أحد أكبر أجزاء العقيدة التي ينبغي أن تكون سليمةً عندك.
أيُّها الإخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنَّ مَلَك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا، فلنتَّخِذ حِذرنا، الكيِّس مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله ربِّ العالمين.

* * *

الخطبة الثانية:

الحمد لله ربِّ العالمين، وأشهد أنَّ لا إله إلا الله وليُّ الصالحين، وأشهد أنَّ سيدنا محمداً عبده ورسوله صاحب الخُلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين.

ملخص الخُطبة:"لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ وَلَا يَخَافَنَّ إلَّا ذَنْبَهُ"


أيُّها الإخوة الكرام: مُلخَّص هذه الخُطبة، يُؤْثَرُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال: "لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ وَلَا يَخَافَنَّ إلَّا ذَنْبَهُ" ، هناك شيءٌ واحدٌ مخيف هو الذنب، وهناك رجاءٌ بجهةٍ واحدة، الله عزَّ وجل، لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ وَلَا يَخَافَنَّ إلَّا ذَنْبَهُ.

الدعاء:


اللهم اهدنا فيمَن هديت، وعافنا فيمَن عافيت، وتولنا فيمَن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، اعطِنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تُهِنّا، آثرنا ولا تؤثِر علينا، ارضِنا وارضَ عنّا، أصلِح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلِح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا ربَّ العالمين.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمَّن سواك.
اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتِك عنّا سترك، ولا تُنسِنا ذِكرك يا ربَّ العالمين.
اللهم يا أكرم الأكرمين بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصُر الإسلام وأعز المُسلمين، وخُذ بيَد ولاتهم إلى ما تُحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير. 

الملف مدقق

والحمد لله ربِّ العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور