الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى القهّار:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم القهّار، وقد سمّى الله جلّ جلاله ذاته العلية بهذا الاسم في كثير من نصوص القرآن الكريم كما في قوله تعالى:
﴿ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (16)﴾
إرادته هي النافذة.
﴿ وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)﴾
ما شاءَ اللهُ كانَ، وما لم يشأْ لم يكن، أما عن ورود هذا الاسم في السنة المطهرة ففي حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت:
(( عن عائشة أم المؤمنين قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ أرأَيْتَ قولَ اللهِ جلَّ وعلا: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48] أينَ يكونُ النَّاسُ يومَئذٍ؟ قال:(على الصِّراطِ). ))
وورد أيضاً هذا الاسم في صحيح الجامع الصغير أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تضوّر أي تقلب في الليل، تقول: تضوّر من الجوع تلوّى من الجوع، تضوّر من الليل تقلّب على فراشه،
(( عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذا تضوَّر مِن اللَّيلِ قال: لا إلهَ إلَّا اللهُ الواحدُ القهَّارُ ربُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بينَهما العزيزُ الغفَّارُ. ))
أيها الإخوة؛ القهّار كما ألفنا على وزن فعّال، وهي من صيغ المبالغة، مبالغة اسم الفاعل، قهر، يقهر، قاهر، اسم فاعل، قهّار صيغة مبالغة، وصيغ المبالغة دائماً تعني مبالغة الكم، يقهر ملايين الطغاة، أو يقهر أكبر طاغية، إما كماً أو نوعاً، فالقهّار صيغة مبالغة من اسم الفاعل القاهر، أما الفرق بين القاهر والقهّار؛ القاهر هو الذي له علو القهر، بأي مكان، بأي مؤسسة، بأي دائرة يوجد رجل قوي، أمره نافذ، قد يكون هو المدير العام، وقد يكون إنساناً آخر، لكن هناك شخص أمره نافذ، لا أحد يستطيع أن يعارضه، هذا الرجل القوي بالمصطلح الحديث بمعنى القهّار، أي إرادته نافذة، فالله عز وجل قاهر لأن له علو القهر الكلي المطلق على جميع المخلوقات، وعلى اختلاف تنوعهم:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)﴾
هي البطولة أن تكون مع القوي، إن كنت مع القوي فأنت القوي، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، لكن التوكل على الله لا يكون إلا بأن تكون مستقيماً على أمره، إذا أردت أن تكون أقوى الناس قاطبة فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13)﴾
الاستقامة على أمر الله عزّ وجل سبب سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة:
الحقيقة هناك أسرار الإنسان قد يصل إلى سعادة الدارين باستقامته على أمر الله، وكان عليه الصلاة والسلام يدعو ويقول: اللهم ألزمنا سبيل الاستقامة لا نحيد عنها أبداً.
ذكرت كثيراً أن الاستقامة يُبنى عليها كل شيء، ومن دون استقامة لا يبنى شيء، كأن الدين كله مضغوط بكلمة استقامة، قال تعالى:
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)﴾
(( عن أبي هريرة رضي الله عنه: يا أيُّها الناسُ إنَّ اللهَ طيِّبٌ ولا يقبلُ إلا طيبًا، وإنَّ اللهَ أَمَرَ المؤمنين بما أَمَرَ به المرسلينَ. ))
وإذا ألغيت الاستقامة من الدين كأنك ألغيت المحرك من السيارة، لم تعد سيارة أصبحت وقّافة، إذا ألغيت المحرك، فالاستقامة عين الكرامة، ولا يوجد إنسان يخطب ودّ الله عز وجل بالاستقامة على أمره إلا والله جلّ جلاله يرفع ذكره، ألم يقل الله عز وجل:
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)﴾
أية آية موجهة إلى رسول الله لكل مؤمن منها نصيب بقدر إيمانه واستقامته:
أيها الإخوة؛ من باب البشارة أية آية موجهة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمن منها نصيب، بقدر إيمانه، واستقامته، وإخلاصه، فإذا قال الله عز وجل: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وأي مؤمن سلك طريق الحق، واستقام على أمر الله، وأقبل عليه يرفع الله له ذكره، ويُعلي قدره، إذا قال الله عز وجل يخاطب النبي الكريم:
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (48)﴾
أي بحفظنا، ورعايتنا، وتوفيقنا، وتأييدنا، ونصرنا، وأنت أيها المؤمن بقدر استقامتك، وإخلاصك فأنت في عين الله، وفي حفظ الله، وفي تأييد الله، وفي توفيق الله، وفي نصر الله.
الله عز وجل قاهر وعلو القهر مقترن بعلو الشأن والفوقية:
معنى القاهر أي قاهر قهراً مطلقاً فوق عباده، له علو القهر مقترناً بعلو الشأن، دققوا، الإنسان أحياناً قد يكون قوياً لكن لا أحد يحبه، أما أن يكون قوياً، وأمره هو النافذ، وكمال كمالاً مطلقاً، ذكرت هذا كثيراً أنت لا تعجب بإنسان قوي، لكن ليس أخلاقياً، كما أنك لا تُعجب بإنسان أخلاقي لكنه ضعيف، أما الذي يلفت نظرك، ويجعلك تتأمل إنساناً بقدر ما تخافه بقدر ما تحبه، وهذا درس للآباء والأمهات، ودرس للمعلمين وللقادة، ولأي إنسان مكّنه الله في الأرض، بسلطته يُعَدّ قوياً، لكن البطولة أن تكون قوياً محبوباً، أن تكون قوياً كاملاً.
قلت مرة: يوجد بالأرض أقوياء، ويوجد أنبياء، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والأنبياء عاشوا للناس، والأقوياء عاش الناس لهم، هؤلاء الفراعنة سخروا الشعوب لبناء الأهرامات بالقهر والتعذيب، الأنبياء يُمدحون في غيبتهم، اذهب إلى المدينة المنورة بعد ألف وأربعمئة وانظر إلى الملايين وهي تبكي أمام قبر النبي الكريم؟ ولم يلتقوا به، ولم يأخذوا منه شيئاً، الأنبياء قمم البشر، قمم البشر بالكمال، بالرحمة.
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾
القلب القاسي ينعكس معاملة قاسية:
النبي الكريم أوتي القرآن الكريم، وأوتي المعجزات، وأوتي الفصاحة، والبيان، وجمال الصورة، والحلم، والرحمة، أوتي كل شيء، ومع ذلك يقول الله له: أنت أنت يا محمد على كل هذه الخصائص، وعلى كل هذه الكمالات، ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ أي إذا الإنسان ما كان معه وحي، ولا معه معجزات، وليس نبياً، ولا رسولاً، ولا أوتي الفصاحة، ولا البيان، ولا جمال الصورة، ولا الحكمة، وكان فظّاً في دعوته، غليظاً في معاملته، نقول له: لِمَ الغلظة يا أخي؟ شخص دخل على ملك وقال له: سأنصحك وسأغلظ عليك، قال له: ولِمَ الغلظة يا أخي؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، وقال له:
﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44)﴾
لذلك من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف، ومن نهى عن منكر فليكن نهيه بغير منكر فهو قاهر فوق عباده له علو القهر مقترناً بعلو الشأن والفوقية، أنا ملك الملوك ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، فإن العباد أطاعوني حوّلت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإن هم عصوني حوّلت عليهم بالسخطة والنقمة.
العاقل من هيأ جواباً لله الواحد القهّار عن كل عمل يقوم به قبل أن يلقاه:
الله عز وجل يقول:
﴿ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (88)﴾
يوجد بالأرض ملوك، وأحياناً إنسان يغضب ملك عليه في مملكته، فيفر إلى مملكة أخرى فينجو من سلطانه، الملك الآخر ند للأول، يعطيه حقّ اللجوء السياسي، فلا يستطيع الأول أن يصل إليه، هذا بين الملوك، بين ملوك الأرض، ولكن هذا لا ينطبق على ملك الملوك، لا ينطبق، قال له: ماذا أفعل؟ جاءه توجيه من يزيد والي البصرة، إن نفذه أغضب الله عز وجل، وإن لم ينفذه أغضب الخليفة وعزله، عنده الحسن البصري، قال له: ماذا أفعل؟ والله لا أرتوي من ترداد هذا الجواب، قال له: إن الله يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله.
مرة قلت لشخص، عمله حساس جداً، بإمكانه أن يوقع الأذى بالناس ولا أحد يسائله، قلت له: الله عز وجل يحب كل عباده، الله يوجد عنده خثرة بالدماغ، شلل، يوجد عنده تشمع كبد، عنده فشل كلوي، عنده شلل، عنده ورم خبيث، ذكرت له أمراضاً تهز الجبال، وكل هؤلاء العباد عباده، فبطولتك أن تهيئ لربك جواباً، لا لمن هو فوقك، بطولتك أن تهيئ لمن هو فوقك وهو الواحد القهّار جواباً، لا للذي تعمل تحت إمرته.
الله عز وجل قادر على أن يقهر كل الطغاة من دون استثناء:
أيها الإخوة؛ عند الإمام البخاري من حديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ نَامَ عَلَى شِقِّهِ الأَيْمَنِ ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ، وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ، وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ، وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ، رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ، لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَا مِنْكَ إِلَّا إِلَيْكَ، آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ». ))
الإله وحده لا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه، أما غير الإله تلجأ إلى غيره منه، تفِرّ من مملكته إلى مملكة أخرى، أما الله عز وجل جميع الخلق في قبضته، فلا ملجأ ولا منجا منه إلا إليه، أي بالضبط تماماً لو أن ابناً عقّ أمه فطردته من البيت، لا يوجد عنده إلا حل واحد أن يعود إليها تائباً، لرحمتها تقبله، أما أي إنسان آخر غير الأم ترفضه، لأنها أم ولأنها تحب أن ترحمه، فإذا لجأ إليها خوفاً من عقابها قبلته، ((لا مَلْجأ ولا مَنْجَا منك إلا إليك)) إذاً هو القاهر الذي له علو القهر الكلي.
من بنى مجده على أنقاض الآخرين محقه الله عز وجل:
أما القهّار صيغة المبالغة فهو الذي له علو القهر باعتبار الكثرة، أي يقهر كل الطغاة من دون استثناء، ويقهر أقوى الطغاة، أي عاد ما أهلك الله قوماً-دققوا-إلا ذكرهم أنه أهلك من هو أشدّ منها قوة، إلا عاداً حينما أهلكها قال:
﴿ فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15)﴾
أي وقتها كما يبدو ما كان فوق عاد إلا الله، وأنا أُطمئن، الله عز وجل يقول:
﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)﴾
لا يوجد أمة تخطط لبناء مجدها على أنقاض الآخرين إلى ما شاء الله، لا، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ﴾ هناك أجل ينتهي، الله مكنها في الأرض وامتحنها، وظهرت متوحشة، وينتهي أجلها، و:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾
الله عز وجل أهلك قوم نوح وقهرهم، أهلك قوم هود وثمود وقهرهم، أهلك فرعون وقهره، أهلك هامان والنمرود وقهرهما، قال تعالى:
﴿ وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (50) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (51) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (52) وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (53) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (54) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (55)﴾
﴿وَأَنَّهُ﴾ هو.
وهذا الذي هدّم سبعين ألف بيت كان يتفنن في قتل الفلسطينيين، مضى عليه سنوات ثلاثة ولم يمت بعد، وأمدّ الله في عمره.
الله قهّار، بطولتك أن تخاف من القهّار، أي أن تتطاول على مخلوق وليس له ناصر إلا الله، الله عز وجل قد يجعل هذا الظالم عِبرة لمن يعتبر.
الله عز وجل بالمرصاد لكل متكبر جبّار:
أيها الإخوة؛ فالله سبحانه وتعالى جبّار، قهّار، واحد، لا مثيل له، ولا شريك له، وهو بالمرصاد لكل متكبر جبار، قال تعالى:
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)﴾
تفوقت في شتى الميادين، تفوقت عمرانياً.
﴿ أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128)﴾
تفوقت صناعياً مجازاً:
﴿ وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129)﴾
تفوقت عسكرياً:
﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130)﴾
[ سورة الشعراء ]
تفوقت علمياً:
﴿ وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38)﴾
لكن الله سبحانه وتعالى لهم بالمرصاد ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ .
المؤمن ينبغي أن يتلقى إخبار الله وكأنه يراه لأنه أصدق القائلين:
أما أن يقول أحدهم: والله أنا ما رأيت، نقول له: الملمح الدقيق في هذه الآية أنك كمؤمن ينبغي أن تتلقى إخبار الله وكأنك تراه، لأنه أصدق القائلين.
﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (9) وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (11)﴾
ما قال: طغوا في بلدهم، ﴿ طَغَوْا فِي الْبِلَاد﴾ :
﴿ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12)﴾
سبحان الله! الطغاة يعنيهم الفساد، لأنهم بإفساد الناس يضعفونهم، فكل الطغاة يعنيهم التفلت، والإباحية، وخروج المرأة متبذلة، يعنيهم الزنا، لا يعنيهم الزواج، ﴿طَغَوْا فِي الْبِلَاد فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ ليستطيعوا أن يتمكنوا من السيطرة عليهم، لأن المؤمن رقم صعب، أنا أقول لكم: أي إنسان إذا كان يغير قناعته، يغير موقفه، بمبلغ من المال سقط عند الله، قد يكون مبلغاً بسيطاً، وقد يكون ملايين مملينة، مادام هناك رقم يغير قناعته فثمنه هذا الرقم، أما المؤمن رقم صعب، والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر ما تركته، حتى يظهره الله أو أهلك دونه.
الله تعالى قهره عظيم أليم يقصم ظهر الجبابرة من أعدائه:
لذلك قالوا: القهّار هو كثير القهر للظالمين، وقهره عظيم أليم، يقصم ظهر الجبابرة من أعدائه، أي الله عز وجل بزلزال تسونامي، هذا الزلزال قوته مليون قنبلة ذرية، والبلاد التي دمرها أجمل بلاد في العالم، ولاسيما في فصل الشتاء، نصف الكرة الشمالي برد لا يحتمل وثلوج، نصف الكرة الجنوبي سواحل الهند وشرق آسيا سواحل دافئة، نباتات عملاقة، جو لطيف، دفء رائع، وهناك منتجعات، إن أردنا أن نصنفها من فئة العشر نجوم لنخبة أغنياء العالم، وقد رأى هؤلاء الأغنياء الكبار النجوم ظهراً بهذا الزلزال، فالله عز وجل قوي قد يستدرج بعض الناس، وقد يموت أناس مؤمنون لهم حكم آخر، طائرة وقعت، طائرة متجهة إلى شرق آسيا، هناك ركاب عندهم محلات تجارية ذهبوا للتسوق، وعملهم مشروع، يموتون على نيتهم، وهناك ركاب يذهبون إلى هناك للزنا يموتون على نيتهم، إذا وقعت طائرة كل راكب يموت على نيته، فإذا كان الشخص مؤمناً يموت شهيداً، أما إذا غير مؤمن باتجاهه إلى الآن هناك مصطلح جديد اسمه السياحة الجنسية، يذهب ليزني، يموت على نيته.
الله تعالى يتحدث عن ذاته بضمير المفرد وعن أسمائه بضمير الجمع:
أيها الإخوة؛ الله عز وجل يقول أحياناً:
﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)﴾
﴿إِنَّنِي أَنَا﴾ بالمفرد، وأحياناً يقول:
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (43)﴾
﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23)﴾
العلماء قالوا: إذا ذكر الله ذاته العلية بضمير المفرد فالحديث عن ذاته، أما إذا ذكر ذاته العلية بضمير الجمع، ﴿إِنَّا﴾ فالحديث عن أسمائه.
﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (12)﴾
كل أسماء الله داخلة في أفعاله، الله فعل فعلاً، هناك رحمة، هناك حكمة، هناك عدل، هناك لطف، إذا قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾ أي أن أسماءه الحسنى كلها داخلة في هذا الفعل، فأنت تصور فعلاً فيه رحمة، فيه عدل، فيه لطف، فيه حكمة، والله شيء جميل! هكذا ينبغي أن نؤمن، أما إذا قال الله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ الحديث عن ذاته العلية، الحديث عن ذاته بضمير المفرد، والحديث عن أفعاله بضمير الجمع، أحياناً يجمع الله في بعض أسمائه معظم أسمائه، مثلاً:
﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (78)﴾
الجلال جمعت أسماء القوة، والقهر، والجبروت، كل أسماء القوة مجتمعة بالجلال، وكل أسماء الرحمة، والعطاء، والإحسان مجتمعة بالكمال، فباسم الجلال والكمال ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ جمعت أسماءه على زمرتين، أسماء جلال، وأسماء كمال.
من أدرك أن علم الله يطوله وقدرته تطوله فلن يعصيه أبداً:
أيها الإخوة؛ قال تعالى:
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (12)﴾
دققوا الآن، الآن الله عز وجل سيذكر اسمين فقط، اختار من أسمائه كلها اسمين: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ أنت متى تستقيم على أمره؟ بل متى تستقيم على أمر وزير الداخلية الذي أصدر قانون السير؟ بحالتين؛ حينما توقن أن علمه يطولك من خلال هذا الشرطي، أو شرطي على دراجة نارية، أو ضابط في قسم السير في سيارة، هناك شرطي واقف معه دفتر ضبط، هناك سائق دراجة نارية قد يتبعك، وهناك ضابط يضمن عدم تواطؤ المواطن مع الشرطي مثلاً، فأنت متى تستقيم على أمر وزير الداخلية الذي أصدر قانون السير؟ حينما يكون علمه يطولك، وحينما تكون قدرته تطولك، أي يسحب منك الإجازة، هناك حجز مركبة.
السؤال الثاني: متى لا تستقيم على أمره؟ في حالتين؛ حينما لا يطولك علمه، الساعة الثالثة ليلاً، لا يوجد شرطي، أما الآن هناك كاميرات ببعض الدول، تضبط المخالفة حتى في الليل، أو إن كنت أقوى منه فقدرته لا تطولك، أما حينما توقن أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه، الآية: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ .
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق