الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
تثبيت الله القوانين التي لا تُعدّ ولا تحصى من أجل أن يطمئن الإنسان:
أيها الإخوة الأكارم؛ لا زلنا في اسم الرازق، وقبل أن نمضي في الحديث عن هذا الاسم لابدّ من التنويه إلى أن الله سبحانه وتعالى ثبت ملايين ملايين القوانين في الكون، ثبات هذه القوانين يوحي بالاستقرار، يوحي بالنظام، فالقوانين ثابتة، الذهب ذهب، والفضة فضة، والحديد حديد، خصائص المواد هي هي، هذه القوانين التي لا تُعدّ ولا تحصى، والتي ثبتها الله عز وجل من أجل أن يطمئن الإنسان.
أنت حينما تشيد بناء ذاهباً إلى السماء، الحديد الذي فيه لو غيّر خصائصه لانهار البناء، أنت حينما تشتري سبيكة ذهب تبقى ذهباً ما دامت عندك، لو أنها تحولت إلى معدن خسيس خسرت كل مالك، ثبات خصائص المعادن، وأشباه المعادن، القوانين، قوانين الحركة، قوانين الفيزياء، الكيمياء، هذا الثبات يوحي بالنظام، يوحي بالاستقرار، ولكن الله جلّت حكمته حرّك موضوعين خطيرين، حرّك الصحة، وحرّك الرزق، الرزق ليس ثابتاً، والصحة ليست كذلك.
تحريك الله تعالى الصحة والرزق لحكمة بالغة:
يبدو أن هذين الموضوعين الخطيرين حينما تحركا ليؤدب الله بهما الإنسان، فالإنسان مهما ملك من ثروات طائلة كل استمتاعه بالحياة مبني على صحته، على قطر شريانه التاجي، على نمو خلاياه، على سيولة دمه، لو تجمد الدم في العروق لمات الإنسان احتشاء، لو نمت الخلايا نمواً عشوائياً ورم خبيث، لو ضاقت الشرايين ذبحة صدرية، هناك أمراض وبيلة قاتلة، فالصحة ليست ثابتة، وكذلك الرزق، أحياناً تنقطع الأمطار، يموت النبات، يموت الحيوان، يهاجر الإنسان، نحن آمنا أن الله سبحانه وتعالى وحده هو الرازق، لكن بعد هذا الإيمان الله عز وجل بيّن في قرآنه، والنبي المعصوم بيّن في سنته أسباب زيادة الرزق، وما منا واحد على وجه الأرض إلا حريص على صحته، وعلى رزقه.
الأسباب التي وردت في القرآن الكريم والتي جعلها الله سبباً لزيادة الرزق:
ما دمنا في اسم الرازق ما الأسباب التي وردت في القرآن الكريم والتي جعلها الله سبباً لزيادة الرزق، الله عز وجل في أول سبب من أسباب الزيادة قال تعالى:
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)﴾
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظن أنها لا تفرج
كن عن هـــمومك معرضاً وكل الأمور إلى الــــقضا
وأبشر بخـــــير عاجـــــــل تنسى به ما قـد مضــــى
فلــــــرب أمـــر مسخــــط لك في عواقبـــه رضــــا
ولربما ضــــاق المضيــــق ولربما اتّســــــع الفضــا
الله يفعــــــل ما يشــــــــاء فـــــلا تكــــن معترضــا
الله عـــــوّدك الجميــــــــل فقس على ما قد مضـــى
الإنسان المؤمن لا يقنط ولا ييأس بل يتجه إلى الله عز وجل:
والله أيها الإخوة؛ لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفتنا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ هذه من: اسم شرط جازم، اسم الشرط الجازم يحتاج إلى فعلين؛ الفعل الأول فعل الشرط، والثاني جوابه وجزاؤه، هذه الصيغة توحي بالقانون، من يجتهد ينجح، من سار على الدرب وصل، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ ماذا تعني كلمة مخرجاً؟ أن الأبواب كلها مغلقة، أنت متى تقول: أين المخرج؟ حينما تحاول أن تخرج فلا تجد باباً تقول: أين المخرج؟ كلمة ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ توحي أن أبواب الأرض أُغلِقت، يُقدم طلباً لا يوافق له، يُقدم بعثة مرفوض، يبحث عن عمل لا يجد، يحاول أن يستأجر دكاناً لا يستطيع، أي الأبواب كلها مغلقة، ولحكمة بَالغةٍ بالغةٍ بالغة أحياناً يكون هذا الامتحان الصعب، يُغلق الله كل أبواب الأرض، ويفتح لك باب السماء، فالإنسان المؤمن لا يقنط ولا ييأس، يتجه إلى الله، وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، في أي شأن، في شأن عملك، في شأن صحتك، في شأن زواجك، مشكلة لاحت لك بالأفق، مصيبة قريبة منك، شبح فقر، شبح مرض لابد من أن تقول:
الله عـــــوّدك الجميـــــــــل فقس على ما قد مضـــى
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ .
والله أيها الإخوة؛ لولا ضيق الوقت لكان هناك مئات القصص التي إذا رويت يقشعر البدن، كيف أن الأبواب كانت مغلقة ثم فُتِحت، إذاً أول أسباب زيادة الرزق تقوى الله عز وجل، الإنسان حينما يرى الأمور مُعسرة، الأبواب مغلقة، الأمل أصبح صفراً ليطرق باب السماء، ليتقِ الله، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ أحياناً مرض عضال يتم الشفاء الذاتي، أحياناً فقر مدقع يتم الغنى الذي هو فضل من الله عز وجل، أحياناً عدو متربص كيف يلين الله قلبه، وينصرف عنك، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ .
من عظمة القرآن الكريم أن الآية فيه لها ثلاثة معان سياقي وسباقي ولحاقي:
بالمناسبة عظمة القرآن الكريم أن الآية في القرآن لها معنى سياقي، ومعنى سباقي، ومعنى لحاقي، الآية لها مكان، هناك معنى يؤخذ من سياقها، أما إذا نُزعت وحدها لها معنى آخر، هذه الآية وردت في سورة الطلاق، بالسياق: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ﴾ في تطليق زوجته ثلاث مرات ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ إلى إرجاعها، هذا المعنى السياقي، انزعها من سياقها هي قانون، في أي موضوع، في أي موضوع على الإطلاق، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً*وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ .
أحد الأسباب لزيادة الرزق صدق التوكل على الله، ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ لكن التوكل من عمل القلب، وليس من عمل الجوارح، المسلمون حينما تخلّفوا في فهم دينهم جعلوا التوكل بالجوارح، لا يفعل شيئاً، يقول: سلمت أمري إليك يا رب، لا يتحرك، مع أن الله عز وجل يقول:
﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)﴾
(( عن عوف بن مالك: إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر فقل: حَسبيَ الله ونعم الوكيل. ))
لا يسعى، ولا يتحرك، ولا يدرس، ولا يستطلع، ولا يفعل شيئاً إلا أنه يقول: أنا توكلت على الله، من أنتم؟ سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج، قال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله، سيدنا عمر رأى رجلاً مع جمل مريض، قال: يا هذا ما تفعل بهذا الجمل؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، قال له: هلا جعلت مع الدعاء قطراناً؟ فالسبب الآخر هو صدق التوكل على الله.
التوكل محله القلب وليس الجوارح:
التوكل محله القلب-دققوا-تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه البطولة، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، عندك سفر طويل، ومعك مركبة، تراجعها مراجعة كاملة، تراجع العجلات، المكابح، الزيت، تراجع كل شيء، وبعد أن تصبح جاهزة تتوجه من أعماق قلبك إلى الله، يا رب أنت المُسَلِّم، أنت الحافظ، تدرس وتتوكل، تدرس طبيعة السوق وتتوكل، أي شيء تشبعه دراسة عميقة، وتتخذ قراراً، وبعدها تتوكل، هكذا أفلح السلف الصالح، أما نحن لم نأخذ بالأسباب.
الطرف الآخر أخذ بالأسباب واعتمد عليها وألهها ونسي الله فوقع في الشرك، ونحن ندّعي أننا مؤمنون، لم نأخذ بها أصلاً، وتوكلنا على الله توكلاً ساذجاً أي تواكلاً فوقعنا في شرّ عملنا، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء.
أحد أسباب زيادة الرزق صلة الرحم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عن أبي هريرة: مَن سَرّه أن يَبْسُط الله له في رزقه -من اسم الباسط-وأن يَنْسَأ له في أَثَره فلْيَصِلْ رحمه. ))
الإنسان حينما يتفقد أخواته البنات، المتزوجات، يتفقد من يلوذ به، التفقد بالضبط يعني ما يلي: أن تزورهم، أن تتفقد أحوالهم المعيشية، والتربوية، والدينية، وأن تُمِد لهم يد العون، وأن تأخذ بيدهم إلى الله، صلة الرحم من أعظم الأعمال، وكأن هذه الصلة هي صلة الغني للفقير، والقوي للضعيف، والعالم للجاهل.
أيها الإخوة؛ من أسباب زيادة الرزق الشكر، قال تعالى:
﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)﴾
ما دمت تشكر نعم الله، هذه النعم لن تزول، بل تزيد، أنت حينما تدخل بيتك؛ يا رب لك الحمد آويتني بهذا البيت، لك عمل؛ يا رب لك الحمد أكرمتني بهذا العمل، معك شهادة عليا؛ يا رب لك الحمد يسرت لي هذه الدراسة، أمامك زوجة، تحبك وتحبها ملء السمح والبصر؛ يا رب لك الحمد أكرمتني بهذه الزوجة، فأنت حينما ترى نعم الله، وتشكر الله عليها، هذه النعم لن تتحول عنك، سوف تزيد، ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ وبالشكر تدوم النعم، لكن الملمح الدقيق قال تعالى:
﴿ وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)﴾
أي ممكن أن أعطيك ليرة واحدة، وأقول لك: عُدها، ما هذا الكلام؟ كيف أعُدّ ليرة واحدة؟ معنى الآية لو أمضيت حياتك في معرفة بركات نعمة واحدة لن تستطيع، بعض الكتّاب في مصر فقد بصره، يُمضي الصيف في سويسرا، كان تعليقي: لو كان أمضى الصيف في الصعيد بغرفة مكيفة كأنه بسويسرا، لأنه فقد البصر، نعمة البصر، ترى الجبال، ترى السهول، ترى ابنك الجميل، كل هذه النعم فقدها الإنسان، ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ .
الآن الاستغفار والتوبة أحد أسباب زيادة الرزق:
﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)﴾
أحد أسباب زيادة الرزق الاستغفار، سيد الأذكار، وما أمرك الله أن تستغفره إلا ليغفر لك.
أيها الإخوة؛ بيت تؤدى فيه الصلوات من أهل البيت، محل تجاري تؤدى فيه الصلوات، أي مكان تؤدى فيه الصلوات هذا مكان له رزق خاص، والدليل:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)﴾
أحياناً نجد محلاً تجارياً مرزوقاً، الموظفون جميعاً يصلون، صاحب المحل يصلي، لا يوجد كلمة غلط مع من تشتري، لا يوجد نظرة غلط، هناك انضباط، محل باب رزق، إذاً من في هذا المحل يؤدون الصلاة شكراً لله عز وجل، وصاحب المحل يتقي الله في البيع والشراء، هذا المحل له معاملة خاصة.
أعرف محلاً تجارياً تُرتكب فيه الفواحش، احترق أول مرة والثانية، هناك تفسير دقيق، بل حينما تُرتكب الفاحشة تُعلق لوحة: نحن في الصلاة، فاحترق المحل، أول مرة، وثاني مرة.
أيها الإخوة؛ أحد أسباب زيادة الرزق الصدقة، قال تعالى:
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾
(( عن أبي هريرة: أن النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم دخل على بلالٍ وعنده صُبْرَةٌ من تَمْرٍ، فقال: ما هذا يا بلالُ؟!، قال: شيءٌ ادَّخَرْتُهُ لِغَدٍ، فقال: أَمَا تَخْشَى أن تَرَى له غَدًا بُخَارًا في نارِ جهنمَ يومَ القيامةِ؟! أَنْفِقْ بلالُ! ولا تَخْشَ من ذِي العرشِ إِقْلالًا. ))
[ هداية الرواة :صحيح بمجموع طرقه ]
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ». وَقَالَ: «يَدُ اللَّهِ مَلأَى لا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ، سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ». وَقَالَ: «أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَدِهِ، وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ، وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ». ))
بالصدقة تستدر الرزق من الله عز وجل، أي وداوها بالتي كانت هي الداء، أنت في شدة بالغة، في فقر مدقع، تصدّق، أنت بالصدقة تستدر رزق الله عز وجل، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
أيها الإخوة؛ هذه الآية مذهلة، أي عمل صالح تجاه أي مخلوق، نملة على المغسلة، أنت تريد أن تتوضأ، لو فتحت الصنبور فغرقت، انتظرتها حتى ابتعدت عن الماء، هذا عمل صالح، لا يوجد عمل صالح مهما بدا دقيقاً إلا والله عز وجل يؤجرك عليك، وعدّه الله قرضاً له، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً﴾ لو أطعمت هرة، لو داويت كلباً صغيراً كُسِرت يده، أخذته إلى مستوصف بيطري وعالجته، لك عند الله أجر كبير، أي خدمة لأي مخلوق هو صدقة جارية لك، حتى هذه البغِي التي سقت كلباً يأكل الثرى من العطش غفر الله لها.
الآن قراءة القرآن الكريم، قيل: إن البيت الذي يُقرأ فيه القرآن يكثر خيره، والبيت الذي لا يُقرأ فيه القرآن يقِلّ خيره، بيت فيه قرآن، لا يوجد أفلام، فيه قرآن، فيه توجيه، فيه مجلس علم صغير، فيه ذكر لله عز وجل، هذا البيت مرزوق.
8 ـ التوسعة على العيال في الإنفاق:
الشيء الذي يلفت النظر أنك إذا توسعت على عيالك في الإنفاق الله عز وجل كافأك برزق وفير، ابن آدم ((أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)) ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله، من تمام الطاعة لله أن الله إذا وسع عليك وسِّع على أهلك، لبِّ حاجتهم المشروعة طبعاً من دون إسراف، من دون تبذير، من دون خيلاء، ولكن من لهم غيرك؟ الآخرون أنت لهم، وغيرك لهم، أما أولادك، زوجتك، أقرباؤك، من لهم غيرك؟ فإذا وسَّع الله عليك وسِّع على عيالك، والتوسعة على العيال أحد أسباب زيادة الرزق.
الآن الشيء العجيب أن الزواج يحتاج إلى إنفاق كبير، يحتاج إلى بيت، يحتاج إلى تأسيس البيت، شيء لا يعلمه إلا من دخل في هذا المشروع، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( عن أبي هريرة: ثلاثة حقّ على الله عَوْنُهم؛ المجاهدُ في سبيل الله، والمُكَاتِبُ الذي يريد الأداءَ، والناكحُ الذي يريد العَفَافَ. ))
والله يوجد بالجامع الصغير مجموعة أحاديث تبدأ بكلمة حق، حقّ الآباء على الأبناء، حقّ المسلم على المسلم، حقّ الجار على جاره، حقّ الأب على ولده، حقّ الزوجة على زوجها، الكتاب عبارة عن سلسلة مرتبة على الأبجدية، لكن هناك حديث إذا قرأته يقشعر جلدك؛ حقّ المسلم على الله، معكوسة، أن يُعِينه إذا طلب العفاف، أي الله عز وجل أنشأ للشاب المسلم حقاً على الله أنه إذا أراد العفاف أن يُعينه، فالنكاح أحد أسباب زيادة الرزق.
10 ـ الهجرة في سبيل الله:
الآن الهجرة؛ إنسان مقيم ببلد غربي، دخله فلكي، مركبته، بيته، دخله، بلاد جميلة، حريات كاملة، أي حاجاته مؤمنة، لكن فسق وفجور لا يعلمه إلا الله، خاف على أولاده، خاف على بناته، خاف على مستقبل أولاده، فأنهى أعماله، وعاد إلى بلده، البلاد النامية فيها متاعب كثيرة، فرص العمل قليلة، بيوت غالية جداً، هناك تعقيدات بالحياة، هذا شأن الدول النامية جميعاً، فضحى بكل ميزات العالم الغربي، ووضع هذا تحت قدمه، وعاد إلى بلده صوناً لأولاده، وأسرته، ولمستقبل بناته، هذا الذي هاجر في سبيل الله حقّ على الله أن يُغنيه، اسمعوا الآية:
﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)﴾
والله إخوة كُثر كانوا في أعلى دخل في البلاد الغربية، لكن خافوا على بناتهم وعلى أولادهم، فعادوا إلى بلدهم، عانوا من شدة في بادئ الأمر، ولكن بعد ذلك فتح الله عليهم أبواب الرزق الواسعة، مكافأة لهم على خوفهم على أولادهم، وعلى بناتهم، ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾ .
من طلب العلم تكفّل الله له برزقه:
أيها الإخوة الكرام؛ مرة قرأت عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن الذي دفعه إلى طلب العلم بصدق ما بعده صدق حديث قرأه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الحديث: من طلب العلم تكفّل الله له برزقه، أي لا تفهموا هذا الحديث أن شخصاً طلب العلم فوجد تحت الوسادة ليرة ذهبية كل يوم، لا، ليس هذا هو المعنى، المعنى: من طلب العلم الله هيأ له رزقاً، وقته قليل ودخله وفير، هناك أرزاق متعبة، أحياناً عشر ساعات صياح بالأسواق حتى يكسب قوت يومه، هناك أرزاق جهدها قليل ودخلها كبير، كأن الله سبحانه وتعالى تعهّد لطالب العلم أن يرزقه رزقاً ميسوراً بجهد قليل، ما دام اقتطع من وقته وقتاً لمعرفة الله، ولتعريف الناس بالله، فهذا العمل يقتضي من الله مكافأة، يُيَسر له رزقاً حلالاً، دخله أقول معقولاً يغطي حاجاته، مرة سألت شخصاً قلت له: كيف حالك؟ قال لي: والله مستورة، أي دخله يغطي نفقاته، لكن زيادة لا يوجد، قلت له: معنى ذلك أنه أصابتك دعوة رسول الله، أصابه قلق، قال لي: بماذا دعا؟ ماذا فعلت؟ ما فعلت شيئاً، لكن النبي قال: اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً، معنى كفافاً لا تعني أنه فقير، لكن لا تعني أنه غني، أي دخله يغطي نفقاته، قال ملك لوزيره: من الملك؟ قال له: أنت، قال له: لا، لست أنا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه، الملك الذي لا يعرفنا ولا نعرفه، له بيت متواضع، له زوجة تحبه ويحبها، له دخل يغطي نفقاته، فلذلك: من طلب العلم تكفّل الله له برزقه.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
الملف مدقق