وضع داكن
23-01-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 051 ب - اسم الله الخبير 2
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

موقع أسماء الله الحسنى من العلوم الإسلامية:


أيها الإخوة الكرام؛ لازلنا في اسم الخبير، ولكن قبل أن نمضي في متابعة شرح هذا الاسم العظيم لابد من مقدمة كي أُوضح لكم أين موقع أسماء الله الحسنى من العلوم الإسلامية؟
قال بعض العلماء: هناك علم بخلقه، وهناك علم بأمره، وهناك علم به، أما العلم بخلقه اختصاص الجامعات في الأرض؛ الفيزياء، والكيمياء، والرياضيات، والفلك، والطب، والهندسة، والتاريخ، والجغرافيا، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، وعلم الجيولوجيا، وعلم الطبيعيات، وعلم الأحياء، اختصاص الجامعات في العالم هو العلم بخلقه، هناك ظواهر، هناك ظاهرة فيزيائية موضوع علم الفيزياء، هناك ظاهرة كيميائية موضوع علم الكيمياء، هناك ظاهرة نفسية كالغضب موضوع علم النفس، هناك ظاهرة اجتماعية كالعصيان موضوع علم الاجتماع، هناك ظاهرة فلكية موضوع علم الفلك، وهدف هذه العلوم البحث عن القوانين، والقانون علاقة ثابتة بين متغيرين، مقطوع بصحتها، يؤيدها الواقع، عليها دليل، هذا اختصاص الجامعات في الأرض.
أما العلم بأمره هذا اختصاص كليات الشريعة في العالم الإسلامي، الأمر والنهي، الفرائض، والواجبات، والمستحبات، والمباحات، والمكروهات، والمحرمات، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، أحكام الإرث، أحكام الكفالة، الحوالة، القرض، الآجار، الاستئجار، المضاربة، المزارعة، المساقاة، كتب الفقه تملأ العالم الإسلامي، هذا علم بأمره.
قبل أن أمضي في الحديث عن العلم به، العلم بخلقه والعلم بأمره يقتضيان المدارسة، معنى المدارسة أي يوجد طالب، ويوجد معلم، ويوجد كتاب، ويوجد دوام، ويوجد امتحان، ويوجد مذاكرة، ويوجد أطروحة، ويوجد مناقشة، ويوجد نجاح، ويوجد رسوب، ويوجد شهادة، هذه النشاطات كلها تعني المدارسة، والنبي الكريم يقول:

(( عن أبي هريرة  إنَّما العلمُ بِالتَّعَلُّمِ، وإِنَّما الحِلْمُ بِالتَّحَلُّمِ، ومَنْ يَتَحَرَّ الخَيْرَ يُعْطَهُ، ومَنْ يَتَّقِ الشَّرَّ يُوقَهُ. ))

[ السلسلة الصحيحة: والدارقطني في علله: خلاصة حكم المحدث: إسناده حسن أو قريب منه ]

 

العلم بخلقه أصل صلاح الدنيا والعلم بأمره أصل صلاح الآخرة:


لا يوجد إنسان صار عالماً إلا تتلمذ على يد عالم، ودرس، وفتح كتاباً، وقرأ، وراجع، وذاكر، وقدم امتحانات، ونحج، ورسب، وأخذ شهادة، وتعيّن، وأكل، وشرب ثم مات، هذا علم بأمره، العلم بخلقه والعلم بأمره يقتضيان المدارسة، إلا أن العلم به شيء آخر، أي ممكن أن يكون الإنسان في أعلى درجة من العلم بخلقه، معه بورد، ويكون غير ديّن، وأنت لا يعنيك من أعلى طبيب في الأرض دينه، يعنيك علمه فقط، يقول لك: أول جرّاح قلب، تمام، فالعلم بأمره وبخلقه معلومات، حقائق، قوانين، دقائق مودعة في الدماغ فقط، أما النفس شيء آخر، يوجد بالعالم علماء كبار غير ملتزمين إطلاقاً، مرة لمحت أستاذاً جامعياً كبيراً في رمضان لا يصوم، عادي، العلم بأمره وبخلقه شيء والتدين شيء آخر.
العلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا، والغربيون تفوقوا تفوقاً مذهلاً، سيطروا على الطبيعة بمفهومهم، والعلم بأمره أصل في صلاح العبادة، أنت إذا عرفت الله كيف تعبده؟ لابد من معرفة أمره، فالعلم بخلقه أصل في صلاح الدنيا، والعلم بأمره أصل في صحة العبادة، أما العلم به فشيء آخر.
 

أصل الدين معرفة الله:


إخوتنا الكرام؛ دروس أسماء الله الحسنى من العلم الثالث علم به، من هو الله؟ وكنت أقول دائماً: أصل الدين معرفة الله، إنك إن عرفت الآمر ثم عرفت الأمر تفانيت في طاعة الآمر، أما إذا عرفت الأمر ولم تعرف الآمر تفننت في التفلت من الأمر، وهذا واقع العالم الإسلامي، مليار وخمسمئة مليون ليس لهم وزن في العالم، مليار وخمسمئة مليون وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، مع أن الله يقول:

﴿ الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (141)﴾

[ سورة النساء ]

لهم علينا ألف سبيل وسبيل.

﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173)﴾

[  سورة الصافات  ]

هم ليسوا غالبين الآن.
 

العلم بخلقه والعلم بأمره يقتضيان المُدَارسة بينما العلم به يقتضي المجاهدة:


لذلك أيها الإخوة؛ العلم به شيء آخر، العلم به لا يقتضي المُدَارسة، يقتضي المجاهدة، أنت حينما تجاهد يكشف لك الله بعض الحقائق، العلم به مُسعِد، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ   عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».  ))

[ صحيح البخاري  ]

حلاوة الإيمان شيء وحقائق الإيمان شيء آخر، حقائق الإيمان معلومات، أفكار، أحكام، فتاوى، نصوص، تحليل نصوص، تفسير، هذه حقائق الإيمان، أما حلاوة الإيمان إن لم تقل: أنا أسعد الناس، عندئذ نقول: لم تذق حلاوة الإيمان، إن لم تكن غنياً بالمعنى النفسي، إن أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إن أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله.
 

من عرف الله ألقى في قلبه السكينة والسعادة:


العلم به شيء آخر، العلم به أن تعرفه، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك معرفته فاتك كل شيء، إن عرفته ألقى الله في قلبك السكينة، وبالسكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، إن عرفته شعرت بالأمن الذي لا يعرفه إلا المؤمن، والدليل:

﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82)﴾

[ سورة الأنعام ]

لذلك: ((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ)) طريق أن تذوق حلاوة الإيمان، طريق أن تقول: أنا أسعد الناس، طريق أن يؤتيك الله الحكمة، طريق أن يؤتيك الله السعادة، طريق أن يؤتيك الله الرضا، طريق أن تكون عالماً، قال: ((أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا)) .
 

من ذاق حلاوة الإيمان سعد بها وإن فقد كل شيء وشقي بفقدها ولو ملك كل شيء:


أنا أقول لكم: لو سألت ملياراً وخمسمئة مليون إنسان هذا السؤال: أليس الله ورسوله أحبّ إليك مما سواهما؟ أنا لا أصدق أن واحداً يقول: لا، نعم ليس هذا هو المعنى، المعنى أن يكون الله في قرآنه، في الأمر في القرآن والنهي في القرآن، ورسوله في سنته أحبّ إليك مما سواهما عند التعارض، حينما تتعارض مصلحتك المتوهمة مع حكم شرعي تركل مصلحتك بقدمك، تضعها تحت قدمك وتقول: إني أخاف الله رب العالمين، الآن تذوق حلاوة الإيمان، ثمنها باهظ،

(( عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من خاف أدلج، ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة. ))

[ أخرجه الترمذي ]

ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله غالية، إذا وضعت مصالحك المتوهمة المادية في الدنيا تحت قدمك، ووقفت إلى جانب الحكم الشرعي، والأمر الإلهي، والنهي الإلهي، الآن يسمح الله لك أن تذوق حلاوة الإيمان، هذه الحلاوة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124)﴾

[ سورة طه  ]

 

حلاوة الإيمان ثمنها باهظ تحتاج إلى مجاهدة وضبط وأمانة وعفة:


قد يكون أغنى الأغنياء، قارون غني جداً، وفرعون قوي جداً، ومع ذلك فإن له معيشة ضنكاً، أما المؤمن:

﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28)﴾

[ سورة الرعد ]

حلاوة الإيمان تحتاج إلى مجاهدة، تحتاج إلى ضبط، تحتاج إلى صدق لسان، تحتاج إلى أمانة، تحتاج إلى غض بصر، تحتاج إلى عفة، تحتاج إلى وفاء، تحتاج إلى عدل، تحتاج إلى إنصاف، هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً لدى إخوتنا الكرام.
العلم به ليس معلومات في الدماغ، لا، العلم به تسري ثمار هذا العلم إلى كيانك كله، كل كيانك، كتلة تواضع، كتلة علم، كتلة فهم، كتلة رحمة، كتلة عدل، كتلة إنصاف، العلم به يتغلغل إلى كيانك كله، أي المؤمن يلفت النظر بتواضعه، بإنصافه، إذا لم تعامل الموظف الصغير في محلك كما تعامل ابنك لا تعرف الله، إذا عندك خادمة إن لم تعاملها كما تعامل ابنتك بالضبط لم تذق حلاوة الإيمان، إن لم تقل الحق ولو كان مُرّاً، مرة سيدنا عمر بين أصحابه، شخص قال له: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، يا لطيف، يا لطيف غَضِب غضباً وأحدّ فيهم النظر حتى كاد يقطعهم، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خير منك، قال له: من هو؟ قال: أبو بكر، فقال: لقد صدق وكذبتم جميعاً، عدّ سكوتهم كذباً، قال: والله كنت أضلّ من بعيري وكان أبو بكر أطيب من ريح المسك، هذا الإنصاف، عندك إمكان تكون منصفاً إذا مُدح أمامك إنسان أو إذا ذُمّ أمامك إنسان وهو طيب أن تدافع عنه؟ مات.
قالت له: ألم يُبدلك الله خيراً منها؟ السيدة عائشة، لا والله، صدقتني حينما كذبني الناس، وآمنت بي حينما كفر بي الناس، وأعطتني مالها، وواستني، وما أبدلني الله خيراً منها، وكانت بعمر والدته، عمرها أربعون سنة عندما تزوجها، هذا الوفاء.
 

معرفة أسماء الله الحسنى من باب العلم به:


حلاوة الإيمان إخواننا شيء آخر، حلاوة الإيمان تجعلك أسعد إنسان، حلاوة الإيمان تجعلك حكيماً، تجعلك مندفعاً إلى العمل الصالح، تجعلك جريئاً، شجاعاً، منصفاً، تقول كلمة الحق ولو كانت على نفسك، هذه حلاوة الإيمان، لذلك معرفة أسماء الله الحسنى من باب العلم به، هناك فرق، العلم به شيء، والعلم بخلقه شيء آخر، والعلم بأمره شيء آخر، العلم بأمره وبخلقه يحتاجان إلى مُدَارسة، أما العلم به يحتاج إلى مجاهدة، لذلك قالوا: جاهد تشاهد.
 

الله عز وجل خبير ببواعث كل إنسان:


أيها الإخوة؛ ورد اسم الخبير في القرآن الكريم في أكثر من أربعين آية، والآيات الكثيرة جداً هذه صياغتها: 

﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (234)﴾

[ سورة البقرة ]

أي الإنسان أحياناً يعمل عملاً لا يشُكّ أحد من الخلق أنه عمل سيئ، بل طيب، شخص تبرع بخمسين دونماً لإنشاء مسجد، والأراضي غالية جداً، لو سمع هذا الخبر مليون إنسان يثني عليه، ما شاء الله! هذا محسن كبير، أما هذا الذي تبرع جاء من يهمس في أذنه أنك إذا تبرعت بهذه المساحة تُضطر البلدية أن تُنَظِّم لك الأرض، أرضه كبيرة جداً، فإذا نظمتها إلى محاضر ارتفع سعرها عشرة أضعاف، من يعرف هذه الحقيقة؟ الله جلّ جلاله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ إذاً قد تعمل عملاً لا يشُكّ أحد من الخلق إلا أنه عمل طيب، لكن النية ليست كذلك، فالله عز وجل خبير ببواعثك، وقد تدّعي شيئاً وأنت على خلافه، من يعلم الحقيقة؟ وقد تريد شيئاً في الظاهر ولكنك في الباطن لا تريده، والله اشتقنا لك، لا، أنت ما اشتقت له أبداً، لا تريد أن تراه أساساً، لكن هذه مجاملة، قد تريد شيئاً بالظاهر ولكنك في الباطن تريد غيره، وقد ترحب وأنت تُبغِض، من يعلم الحقيقة؟ وقد تغضب وأنت تُحب، إنسان قريب منك جداً وأخطأ تغضب أشدّ الغضب، ويرتفع صوتك لكنك تحبه.
 

حقيقة العمل لا يكشفها إلا الخبير سبحانه:


حقيقة العمل، مؤدى العمل يكشفه الخبير، هو الذي يعلم ذلك، الخبرة علم بدقائق الأمور، ببواطنها، ببواعثها، بأهدافها البعيدة، بما يخامر فاعلها من مشاعر، هو الخبير، لذلك الناقد بصير، يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق، وأكثر الزاد فإن السفر طويل، وأصلح النية فإن الناقد بصير، وخفف الأثقال فإن في الطريق عقبة كؤوداً لا يجتازها إلا المُخِفّون.
قد تجد إنساناً يعمل عملاً طيباً ويسوق الله له مصائب كثيرة، أنت تحتار، أخي مستقيم يصلي، ويصوم، ويؤدي زكاة ماله، وله سمعة طيبة، والمصائب تترا عليه، أنت لا تعلم لكن الله يعلم.
والله أيها الإخوة؛ هناك قصة أرويها كثيراً لأنني تأثرت بها، مرة كنت ماشياً في الطريق في أحد أسواق دمشق خرج صاحب محل واعترضني، قال لي: أنت تخطب؟ قلت له: نعم، قال لي: البارحة إنسان بأحد أسواق دمشق المغطاة، بائع أقمشة سمع إطلاق رصاص فمدّ رأسه ليرى ما الخبر، فإذا برصاصة تستقر في عموده الفقري فيصاب بالشلل فوراً، قال لي: ماذا فعل؟ ما ذنبه؟! أليس العمل عبادة؟ قال لي: إنسان عنده عيال، عنده أولاد، نزل لمحله التجاري وفتح محله حتى يسترزق أين الخطأ؟ أين الذنب؟ هو في عمل، في بيع وشراء، عمل مباح، قلت له: والله أنا لا أعلم، أنا أثق أن الله عادل لكن لا أعلم، هذا الجواب.
لحكمة بالغة بالغة بالغة يوجد عندي بالمسجد مدير معهد، بعد عشرين يوماً قال لي: أنا ساكن بالميدان أحد أحياء دمشق، قال لي: لنا جار فوقنا، مغتصب بيت لأولاد أخيه الأيتام، وخلال ثماني سنوات رفض أن يعطيهم إياه، فشكوه إلى عالم جليل، هو شيخ قراء الشام، توفي رحمه الله، فاستدعاه ورفض أن يعطيهم البيت بوقاحة، هذا العالم حكيم، خاطب أبناء إخوته قال: يا بني أنا لا أنصحكم أن تشكوه إلى القضاء، اشكوه إلى الله، هذا الكلام كان الساعة التاسعة مساءً، الساعة التاسعة صباحاً هو الذي أطلّ برأسه ليرى ما الخبر فجاءت رصاصة لا تقول: طائشة، قل: مصيبة، رصاصة مصيبة، فاستقرت في عموده الفقري فشل.
أيها الإخوة؛ الله خبير، أنت لا تعلم، لا تعتب على الله.
 

على كل إنسان ألا يسيء الظن بالله عز وجل:


مرة أحد إخواننا الكرام يستمع إلى حوار باللغة الإنكليزية في إذاعة في أوروبا، فكان الحوار بين مفتي بلد إسلامي في أوروبا وأصابه ما أصابه من قهر، ومن قتل، الآن استقلّ، وبين طبيب، يقول هذا المفتي في هذا البلد الإسلامي الأوروبي قال: إخوتنا في الشرق لا يعتبوا على الله من أجلنا، نحن لسنا مسلمين، ننتمي للإسلام، لكن نحن نأكل الشيء الحرام، نضع أموالنا في المصارف، نأكل الربا، نأكل، نشرب الخمر، قال له: هكذا واقع المسلمين.
إخوتنا في الشرق ينبغي ألا يعتبوا على الله من أجلنا، نحن لسنا مسلمين، لكن بعد هذه المحنة الشديدة أصبحنا مسلمين، كلام دقيق، فأنت لا تعلم، كن أديباً مع الله، الله عز وجل يعلم السر وأخفى، أنت لك الظاهر، ترى إنساناً يوم الجمعة يلبس ثوباً أبيض، متعطر بعطر مسك غالٍ جداً، معه مسبحة تركواز يسبح بها، أتى إلى الجامع يجلس أول صف، هل تعرف ماذا فعل يوم الخميس بالليل؟ لا تعرف أنت، أنت تراه بوضع رائع جداً، الله عز وجل يعلم الباطن، يعلم الخلفيات، يعلم ما لا تعلم، فأنت استسلم لله عز وجل، وأنا أنصح إخوتنا الكرام  أكثر القصص التي نعرفها نعرفها من آخر فصل، فقط من آخر فصل، ليس لها معنى بصراحة، أما هذه القصة مثلاً الذي قال لي: ماذا فعل هذا؟ أنا لا أعلم، أما لما جاء من يخبرني ماذا فعل مع أبناء إخوته، وكيف رفض أن يعطيهم حقهم، وكيف قال العالم الجليل: اشكوه إلى الله، أنت لا تعلم، لذلك عوِّد نفسك ألا تسيء الظن بالله، عوِّد نفسك أن تقول: لا أعلم، حتى كان السلف الصالح إن أراد أن يكتب تزكية يقول: هذا علمي به فإن غيّر وبدّل فلا علم لي بالغيب.
 

من عرف الله تأدب معه:


سيدنا الصديق لما اختار سيدنا عمر ليكون من بعده خليفة، هناك من خوّفه بالله، قال: أتخوفونني بالله؟ لو أن الله سألني يوم القيامة أقول: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به فإن بدّل وغير فلا علمي لي بالغيب.
لذلك السلف الصالح يقول: أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، الله خبير، الموضوع عميق يا إخوان، والله أتمنى أن يكون لكل اسم خمسة دروس أو عشرة دروس، هناك قصص، هناك حقائق، هناك أدلة، هناك آيات، يجب أن نعرف الله، كلما عرفته تأدبت معه، كلما عرفته لزمت جانب الصمت أحياناً، أحياناً الصمت أبلغ موقف أن تكون صامتاً، لا تعرف، لك الظاهر والله يتولى السرائر.

من عرف الله اتجه إليه وتقرّب منه:


أيها الإخوة؛ مرة ثانية:

﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180)﴾

[ سورة الأعراف ]

دققوا: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ تعرّف إلى اسم الخبير عندئذ لا تسيء الظن بالله عز وجل، تعلّم اسم الرحيم، اسم القوي، اسم الغني، إن عرفت أسماءه دعوته، توجهت إليه، أي أنت شخص خاطب، شاب خاطب، ومضى على عقد القران سنة ونصف ما وجد بيتاً، والأمر على وشك أن تُفْسَخ هذه الخطبة، بلغه أن هناك إنساناً محسناً كبيراً، ويحب الله كثيراً، وعنده بيتان ثلاثة ليس بحاجة لهم، لما بلغك هذا الخبر تتوجه إليه، لما بلغك أن هناك محسناً كبيراً يُحب العمل الصالح، وعنده بيتان ثلاثة، وهو يحب أن يقدمهم لطالب زواج مؤمن، وأنت مؤمن، هذه المعلومات تدفعك إليه، لذلك: ﴿وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ اعرفه من أجل أن تتجه إليه، اتجهت إليه كيف تتقرب منه؟ بكمال مشتق من كماله، حتى الرحيم يحبك ارحم عباد الله، حتى العدل يحبك كن منصفاً، جاءتك ابنتك تشكو زوجها، اتصل مع زوجها قل له: ما القصة؟ لعلها أزعجتك، اسأله، لا يسأله أبداً، رأساً يحجزها، يحاول أن ينتقم من صهره، أطل بالك، كن منصفاً.
لذلك أيها الإخوة؛ أسماء الله الحسنى تُصنف مع العلم به، والعلم به شيء آخر.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين 

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور