الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من أسماء الله الحسنى الخبير:
أيها الإخوة الكرام؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الخبير.
اسم الخبير أيها الإخوة؛ ورد في الكتاب والسنة وفي نصوص كثيرة، ففي القرآن الكريم ورد معرفاً الخبير، مقترناً بثلاثة أسماء، اسم الحكيم في قوله تعالى:
﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18)﴾
ومقترناً مع اسم اللطيف:
﴿ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (103)﴾
ومقترناً مع اسم العليم في قوله تعالى:
﴿ وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (3)﴾
إذاً: ﴿الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ، ﴿اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ ، ﴿الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ ، وقد ورد أيضاً هذا الاسم منوناً أي غير معرف في نصوص كثيرة منها قوله تعالى:
﴿ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34)﴾
الخبير معرف، خبيراً منون، أما في السنة ففي صحيح مسلم
(( من حديث عائشة رضي الله عنها: لَمَّا كانتْ لَيْلتي التي هو عِندي -تَعْني: النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ-انقلَبَ، فوضَعَ نعلَيْهِ عِندَ رِجلَيْهِ، وبسَطَ طرْفَ إزارِه على فِراشِه، فلَمْ يَلْبَثْ إلَّا رَيْثَما ظَنَّ أنِّي قد رَقَدْتُ، ثمَّ انتعَلَ رُوَيْدًا، وأخَذَ رِداءَهُ رويدًا، ثمَّ فتَحَ البابَ رُويدًا، وخرَجَ رُويدًا، وجعَلْتُ دِرْعي في رَأْسي، واختمَرْتُ، وتقنَّعْتُ إِزاري، وانطلَقْتُ في إثْرِهِ، حتَّى جاءَ البَقيعَ، فرفَعَ يدَيْهِ ثلاثَ مرَّاتٍ، فأطالَ، ثمَّ انحرَفَ؛ فانحرَفْتُ، فأسرَعَ؛ فأسرَعْتُ، فهَرْوَلَ؛ فهَرْوَلْتُ، فأَحْضَرَ؛ فأحضَرْتُ، وسبَقْتُهُ، فدخلْتُ، فليس إلَّا أَنِ اضْطَجَعْتُ، فدخَلَ، فقال: ما لكِ يا عائشةُ حَشْيَا، رابِيَةً؟! قالتْ: لا، قال: لَتُخْبِرِنِّي، أو لَيُخْبِرَنِّيَ اللَّطيفُ الخَبيرُ، قلتُ: يا رسولَ اللهِ، بأبي أنتَ وأُمِّي، فأخبرْتُهُ الخبرَ، قال: فأنتِ السَّوادُ الذي رأيْتُ أمامي؟ قالتْ: نعم؛ فلَهَزَني في صَدْري لَهْزَةً أوجَعَتْني، ثمَّ قال: أظنَنْتِ أنْ يَحيفَ اللهُ عليكِ ورسولُهُ؟ قلتُ: مَهْما يَكْتُمِ الناسُ، فقَدْ علِمَه اللهُ؟ قال: نعم، قال: فإنَّ جِبريلَ أتاني حينَ رأيْتِ، ولم يدخُلْ عليَّ، وقد وضعْتِ ثيابَكِ، فناداني فأَخْفَى مِنكِ، فأجبْتُه فأخفيْتُه مِنكِ، فظننْتُ أنْ قد رقَدْتِ، وكرِهْتُ أنْ أوقِظَكِ، وخَشِيتُ أنْ تَسْتوحِشي، فأمَرَني أنْ آتيَ البَقيعَ، فأَسْتغفِرَ لهم، قلتُ: كيفَ أقولُ يا رسولَ اللهِ؟ قال: قُولِي: السَّلامُ على أهلِ الدِّيارِ مِنَ المؤمنينَ والمسلمينَ، يَرْحَمُ اللهُ المُستقدِمينَ مِنَّا والمُستأخِرينَ، وإنَّا إنْ شاءَ اللهُ بِكُمْ لاحِقونَ. ))
أيها الإخوة؛ الخبير في اللغة على وزن فعيل، هذا الوزن يدل على المبالغة، إذاً الخبير من صيغ المبالغة، فعله خَبَرَ يَخبُر خُبرَاً، وخَبرْت بالأمر أي علمته، هناك من أعلمني به، وخَبرْته أي عرفته على حقيقته بالعمق، بالخلفيات، بالبواعث،
(( وفي صحيح مسلم من حديث أبي موسى الأشعري: عن أبي موسى قال: اخْتَلَفَ في ذلكَ رَهْطٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، والأنْصارِ فقالَ الأنْصارِيُّونَ: لا يَجِبُ الغُسْلُ إلَّا مِنَ الدَّفْقِ، أوْ مِنَ الماءِ. وقالَ المُهاجِرُونَ: بَلْ إذا خالَطَ فقَدْ وجَبَ الغُسْلُ، قالَ: قالَ أبو مُوسَى: فأنا أشْفِيكُمْ مِن ذلكَ فَقُمْتُ فاسْتَأْذَنْتُ علَى عائِشَةَ فَأُذِنَ لِي، فَقُلتُ لَها: يا أُمَّاهْ، أوْ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أسْأَلَكِ عن شيءٍ وإنِّي أسْتَحْيِيكِ، فقالَتْ: لا تَسْتَحْيِي أنْ تَسْأَلَنِي عَمَّا كُنْتَ سائِلًا عنْه أُمَّكَ الَّتي ولَدَتْكَ، فإنَّما أنا أُمُّكَ، قُلتُ: فَما يُوجِبُ الغُسْلَ؟ قالَتْ علَى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، قالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: إذا جَلَسَ بيْنَ شُعَبِها الأرْبَعِ ومَسَّ الخِتانُ الخِتانَ فقَدْ وجَبَ الغُسْلُ. ))
سأل السيدة عائشة رضي الله عنها قال: فما يُوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطتَ، أي إنك سألت خبيراً بهذا الموضوع.
خبرة الله قديمة قِدَم وجوده أما صنعة الإنسان تتطور بحسب خبرته المتنامية:
الخبير هو الذي يخْبُر الشيء بعلمه لكن الخبرة أبلغ من العلم لأنها علم وزيادة، فالخبير بالشيء من عَلِمه، وقام بمعالجته، وبيّن خصائصه، وجربه، وامتحنه، فأحاط بتفاصيله الدقيقة، وألمّ بخصائصه اللصيقة، ووصفه على حقيقته، فالعلم نظري والخبرة عملية، أي تصنع محركاً وفق قواعد علمية دقيقة جداً على الاستعمال ترتفع حرارته عند الطريق الصاعدة؛ وهذا الارتفاع قد يسبب له الاحتراق، إذاً كان هناك نقص بالخبرة، لذلك وازن بين مركبة صنعت عام ألف وتسعمئة واثني عشر، ومركبة ألفين وثمانية، المركبة الأولى تشغيلها من الخارج، والمركبة الأولى لا يوجد فيها علبة سرعة، والعجلات ليس فيها هواء، صُلبة، والإضاءة بالفانوس، وراقب مركبة من أرقى المركبات الآن التي صنعت عام ألفين وثمانية، خبرة الإنسان تتنامى، خبرة الإنسان حادثة، أما خبرة الله قديمة، هل طرأ على خلق الإنسان تعديل؟ هل إنسان موديل ثمانين مثلاً؟ هل طرأ على خلق الإنسان تعديل؟ كمال مطلق، الفرق الدقيق بين خلق الإنسان وبين صنع الإنسان، صنعة الإنسان تتطور بحسب خبرته المتنامية، وبحسب الخطأ والصواب، أما خبرة الله عز وجل قديمة قِدَم وجوده، فالله عز وجل خبير.
أي آلات كثيرة تُصمم وفق أحدث قواعد العلم على التطبيق، على التجريب، على الاستعمال تكشف أخطاء كثيرة تُعدل وتُعدل وتُعدل، والإنسان ما دام حياً يرزق صنعته تحتاج إلى تعديل، بينما صنعة الواحد الديان كاملة كمالاً مطلقاً.
﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (88)﴾
إتقان الله عز وجل لكل شيء:
ليس في حليب الأم حديد، أودع الله في طحال الجنين كمية حديد تكفيه لعامين إلى أن يأكل، حينما يولد الطفل لا يوجد قوة في الأرض تُعَلّمه كيف يلتقم ثدي أمه ويمصّ الحليب، والعملية معقدة جداً، الإنسان أحياناً يستخدم العلم لكن الخبرة لا يملكها.
الموضوع طويل ودقيق جداً، الآن مثلاً بالمركبات الحديثة يضعون جداراً إسمنتياً وتنطلق المركبة من دون سائق باتجاه هذا الجدار بسرعة مئة، يلاحظون صمود هيكل السيارة أمام هذه الصدمة، حتى يصنعوها صناعة متقنة، ما عرفوا نظرياً هذا المعدن كم يصمد أمام صدمة بسرعة مئة، بالتجريب، أحياناً يكشفون تركيب التربة ومعهم بذور لا يعلمون هل تصلح هذه التربة لهذه البذور؟ على التجريب، فالإنسان خبرته تتنامى، يأخذها من التجارب أما خبرة الواحد الديان قديمة قِدم وجوده.
ما من جهة ينبغي على الإنسان أن يتبع تعليماتها إلا الصانع وهو الله عز وجل:
أيها الإخوة؛ الخبير سبحانه وتعالى هو العالم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، هو العليم بما كان، وما هو كائن، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وليس هذا إلا لله وحده، علم ما كان، وما يكون، وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، هو الذي:
﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5)﴾
ولا يتحرك متحرك، ولا يسكن ساكن إلا بعلمه، بل لا تستقيم حياتنا إلا بتطبيق أمره واتِّباع سنة نبيه، لماذا؟ لأنك أيها الإنسان أعقد آلة في الكون تعقيد إعجاز لا تعقيد عجز.
تصور تمشي في الطريق، سمعت بوق مركبة، ما الذي يحدث حتى انحرفت نحو اليسار؟ الذي يحدث أن في الدماغ جهازاً بالغ التعقيد يحسب تفاضل وصول بوق المركبة إلى الأذنين إلى أيهما دخل أولاً؟ والتفاضل بينهما واحد على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية، الجهاز بالدماغ يكتشف أن البوق جاء من اليمين، الدماغ يعطي أمراً إلى الإنسان أن ينحاز نحو اليسار، دقة ما بعدها دقة، قال تعالى:
﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾
أي الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تُتبع تعليماتها، وهذا من واقع الحياة، عندك جهاز بالغ التعقيد، كومبيوتر صناعي، ولك جار يبيع الخضراوات صالح جداً، تحبه جداً، هل تدعوه إلى أن يصلح لك هذا الكومبيوتر؟ مستحيل، تبحث عن الشركة الصانعة، عن خبيرها، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ أي ما من جهة ينبغي أن تتبع تعليماتها إلا الصانع وهو الله عز وجل.
الأمر الإلهي علاقته بنتائجه علاقة علمية:
لذلك الأمر الإلهي علاقته بنتائجه علاقة علمية، علاقة الأمر بالنتيجة علاقة علمية، علاقة سبب بنتيجة، أنا أضرب مثلاً دائماً أذكره كثيراً، أنت راكب مركبة، وحامل عشرة أطنان، شاحنة وصلت إلى جسر كُتب عليه: الحمولة القصوى خمسة أطنان، من الحمق والغباء أن تتلفت يمنة ويسرة هل هناك شرطي؟ ليس الموضوع موضوع شرطي، الموضوع هنا ليس موضوع شرطي ومخالفة، موضوع الجسر نفسه يعاقبك، تسقط في النهر، العلاقة بين السير فوق هذا الجسر بعشرة أطنان وسقوط الجسر علاقة علمية.
أي لوحة كُتِب عليها: ممنوع الاقتراب خط توتر عال، يا ترى لو اقتربت هل هناك مؤاخذة؟ هل هناك مخالفة؟ يا ترى أسجن؟ الموضوع ليس موضوع سجن ولا مخالفة ولا مؤاخذة، موضوع التيار يحولك إلى فحمة خلال دقائق، أنت حينما تفهم أمر الله الذي هو من عند الخبير على أن العلاقة بين الأمر وبين النتائج علاقة علمية؛ علاقة سبب بنتيجة، وأن العلاقة بين النهي وبين النتائج علاقة علمية؛ علاقة سبب بنتيجة، تكون قد عرفت الخبير، ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ .
الفقيه من عرف أن سلامته وسعادته بطاعة الخالق وشقاءه وهلاكه بمعصيته:
مثلاً ما معنى فرائض؟ بالضبط للتوضيح أنا أقول لكم: استنشاق الهواء فرض لبقائك حياً، أي إذا لم تستنشق الهواء تموت، الهواء دقائق، الماء ثلاثة أيام، وتناول الطعام فرض لبقائك حياً لأيام، أي تتوقف حياتك على استنشاق الهواء، وشرب الماء، وتناول الطعام، فإذا قلت: الصلاة فرض، أي فرض على سلامتك وسعادتك، إنك إن اتصلت بالله ألقى الله في قلبك نوراً رأيت به الحق حقاً والباطل باطلاً، والدليل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (28)﴾
هذه الصلاة أي ذكر الله أكبر، إذا ذكرك قذف في قلبك النور، رأيت الحق حقاً والباطل باطلاً، سلمت وسعدت، فالصلاة فرض، والصيام فرض، والحج فرض، والزكاة فرض، والزنا محرم يحجبك عن الله، تصبح في ظلام، في عمى، تتخبط خبط عشواء، والسرقة حرام، والكذب حرام، الحرام يحرمك السلامة والسعادة، والفرض شرط لسلامتك وسعادتك، أنا حينما أفهم الفرائض أنها شروط لازمة لسلامتي وسعادتي، وحينما أفهم المحرمات أنها أسباب كافية لشقائي وهلاكي أكون فقيهاً في الدين، أي أعرابي بسيط، ثقافته محدودة جداً، التقى النبي عليه الصلاة والسلام قال له: يا رسول الله عظني ولا تطل؟ كلمة فقط لا تُطل، فتلا عليه قوله تعالى:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾
فقال: كُفيت، فعلّق النبي الكريم على قوله فقال: فَقُهَ الرجل ، ما قال: فَقِهَ، فَقِهَ: عرف الحكم، أما فَقُهَ أصبح فقيهاً.
من استقام على أمر الله سعد في الدنيا والآخرة:
أنت أيها الأخ الكريم وأنا معك حينما نفهم أن كل سلامتنا وسعادتنا بطاعة الله، وأن كل شقائنا وهلاكنا بمعصيته نكون فقهاء، لهذا كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه.
يوجد مثل لكن حاد جداً، لو إنسان ثقافته محدودة جداً، راع التقى به سيدنا ابن عمر قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال له: ليست لي، قال له: قل لصاحبها ماتت-ألا يوجد حل؟-وخذ ثمنها؟ قال له: ليست لي، قال له: خذ ثمنها؟ قال له: والله إنني لفي أشدّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟ هذا الراعي الذي لا يقرأ ولا يكتب لكنه خاف من الله وضع يده على جوهر الدين، وإنسان يحمل دكتوراه، له مئتا مُؤلّف، إذا أكل المال الحرام، أو اعتدى على أعراض الناس، أو أخذ ما ليس له يُعَدّ بنص هذه المقولة الرائعة جاهلاً، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه، إنسان سائق مركبة لا يقرأ ولا يكتب، لكن قبل أن ينطلق بها يكشف عن مستوى الزيت، ويزوّدها بالزيت بشكل مستمر، وإنسان عنده مركبة يحمل دكتوراه بالميكانيك لكن نسي الزيت فاحترق المحرك، أيهما أعلم؟ هناك شيء عملي، فأنت حينما تستقيم على أمر الله تقطف كل ثمار الأمر.
الدين يجب أن يكون بسيطاً سهلاً واضحاً ليقطف جميع الناس ثماره:
بالمناسبة هناك حقيقة دقيقة جداً؛ الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، أي إنسان غير متعلم اشترى مكيفاً، ضغط على مفتاح التشغيل جاءه الهواء البارد فاستمتع به، إنسان معه دكتوراه بالتكييف ضغط على مفتاح التشغيل جاءه الهواء البارد، يستوي هذا الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب في انتفاعه بالمكيف مع هذا الدكتور في التكييف، الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، ماذا أريد من هذا الكلام؟ أي أنت حينما تطبق منهج الله بعلم أو بغير علم، فهمت الحكمة أو لم تفهمها؛ لمجرد أن تكون صادقاً قطفت ثمار الصدق، لمجرد أن تكون عفيفاً قطفت كل ثمار العفة، لمجرد أن تكون أميناً قطفت كل ثمار الأمانة، الذي عنده دكتوراه بعلم النفس، وعنده دكتوراه بالتشريع، ويعرف أبعاد الأمانة، وأبعاد الحكمة، وأبعاد الصدق، المعلومات النظرية لا تقدم ولا تؤخر، منهج الله لكل البشر كالهواء، هناك إنسان يُطالَب قبل أن يأخذ الهواء بوثيقة؟ بشهادة؟ بحسن سلوك؟ هواء هذا لكل البشر، يُقنن؟ لا يُقنن، يُباع؟ لا يُباع، حاجتنا إلى الدين كحاجتنا إلى الهواء، لذلك الدين يجب أن يكون بسيطاً سهلاً واضحاً، ينبغي أن نُبَسّطه، ينبغي أن نُعَقلنه، ينبغي أن نُطبقه.
1 ـ الله متكلم والقرآن كلامه:
إذاً أيها الإخوة، الخبير هو الله عز وجل: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ من معاني الخبير الذي على وزن فعيل بمعنى مُفْعِل، أي خبير بمعنى مُخْبِر.
إذاً الله عز وجل يخبرنا، الله متكلم والقرآن كلامه، من معاني خبير أنه متكلم والقرآن كلامه.
المعنى الآخر للخبير هو الذي يعلم كل شيء، ولا يغيب عن علمه صغيرة ولا كبيرة، وهو العالم بكنه كل شيء، مُطّلع على حقيقة كل شيء مهما دقت أو خفيت، عليم بدقائق الأمور، لا تخفى عليه خافية، يعلم الداء والدواء، يعلم الظاهر والباطن، يعلم الشكل والمضمون، يعلم جلائل الأمور ودقائقها، يعلم ما يُرى بالعين وما لا يُرى، تمسك كأس ماء صافٍ، فيه مليارات البكتريات لو وضعته تحت ميكروسكوب ما تمكنت أن تشربه، يعلم ما يُرى وما لا يُرى.
يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: الخبير هو الذي لا تغرب عنه الأخبار الباطنة، ولا يجري في الملك والملكوت شيء إلا بعلمه، ولا تتحرك ذرة ولا تسكن إلا بعلمه، ولا تضطرب نفس ولا تطمئن إلا بعلمه.
3 ـ هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء:
وقيل: الخبير الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
الله عز وجل عليم وخبير في الوقت نفسه:
أيها الإخوة؛ هذا كله شرح-دققوا-وكأنه شرح لاسم العليم، تداخل الأمر، يا ترى عليم أم خبير؟ الجواب لا، الخبير كل خبير عليم لكن ما كل عليم بخبير، الخبير علم وزيادة، الخبير يفيد معنى العليم، ولكن العليم لا يفيد معنى الخبير.
أيها الإخوة؛ أنا أمسكت الكأس نقلته من هنا إلى هنا، أنتم تشاهدون، أنتم من خلال عيونكم رأيتم أنني نقلت هذا الكأس من هنا إلى هنا، لكن هناك أعمق من ذلك، لماذا نقلته؟ البواعث، الدوافع، المقصِد، الخطوات، ما الذي خطر في بالي؟ لماذا فعلت هذا؟ هذا يحتاج إلى خبير، أنت معلم أمام ثلاثة وأربعين طالباً، عددتهم واحداً واحداً، وأسماء هؤلاء الطلاب عندك، هذا علم، أما الخبرة كل طالب من أبيه؟ أمه؟ بيته منتظم؟ غير منتظم؟ البيت ملتزم؟ غير ملتزم؟ الأب مثقف؟ غير مثقف؟ الأم مطلقة؟ غير مطلقة؟ الطفل باختصاصه متفوق في الرياضيات؟ في اللغة العربية؟ هذه خبرة.
اسم الخبير لو تعمقنا فيه لعددنا للمليون قبل أن نعصيه:
لذلك:
(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ». ))
العد شيء والإحصاء شيء آخر، يمكن أن تَعُد الطلاب عدّاً، أما الإحصاء أن تعرف كل طالب؛ بيئته، بيته، والداه، مستوى ثقافته، طباعه، طريقة تفكيره، تفوقه، فالخبرة أعمق من العلم، الله عز وجل عليم وخبير، أي كطرفة؛ شخص جالس في بيته ومعه زوجه وأولاده طُرِق الباب جاءت صديقة زوجته والوقت شتاء، غرفة الجلوس دافئة، غرفة الضيوف باردة، فصاح بزوجته: ائتي بصديقتك إلى هنا؛ هنا أدفأ لكنّ، يا ترى القصد أن هذه الغرفة أكثر دفئاً فقط أم أنه أراد أن يرى صديقة زوجته؟ ما شكلها؟ ما قوامها مثلاً؟ من يعلم هذا؟ الخبير، كلامك رائع هنا أدفأ لكنّ، لكن هي غير محجبة وأنت مسلم لماذا تدعوها إلى أن تجلس معك في الغرفة مثلاً؟
مثلاً طبيب يعالج مريضة، له الحق أن يرى موضع الألم، فاختلس نظرة إلى مكان آخر لا يَحِقّ له، هل في الأرض كلها جهة تستطيع أن تضبط هذه المخالفة؟ إلا الله:
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (19)﴾
جالس في بيتك والغرفة مظلمة، ويوجد أمامك بناء آخر يوجد له شرفة، خرجت الجارة بثياب مبتذلة، لك أن تملأ عينيك من محاسنها، ولك أن تغضّ البصر، ولا يعلم أحد في الأرض هذه الطاعة إلا الله، خبير، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ .
لذلك أيها الإخوة؛ اسم الخبير لو تعمقنا فيه لعددنا للمليون قبل أن نعصيه.
الملف مدقق