وضع داكن
01-04-2026
Logo
أسماء الله الحسنى - إصدار 2008 - الدرس : 071 أ - اسم الله الحكيم 1
رابط إضافي لمشاهدة الفيديو اضغط هنا
×
   
 
 
 بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم  
 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

  من أسماء الله الحسنى الحكيم:


أيها الإخوة الأكارم؛ مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم الحكيم.
 

ورود اسم الحكيم في القرآن الكريم مقترناً في أغلب المواضع باسم العزيز:


هذا الاسم ورد في القرآن الكريم في كثير من الآيات، وفي كثير من الأحاديث الشريفة، قال تعالى:

﴿ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129)﴾

[ سورة البقرة ]

هذا الاسم أيها الإخوة؛ ورد مقترناً في أغلب المواضع باسم العزيز، العزيز الحكيم، كقوله تعالى:

﴿ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6)﴾

[ سورة آل عمران ]

وقد ورد أيضاً مقترناً باسم الخبير، وكذلك باسم العليم.
 

ورود اسم الحكيم في السنة النبوية:


أما في السنة

(( ففي صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنَّكُمْ مَحْشُورُونَ حُفاةً عُراةً غُرْلًا، ثُمَّ قَرَأَ: {كما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عليْنا إنَّا كُنَّا فاعِلِينَ} [الأنبياء: 104]، وأَوَّلُ مَن يُكْسَى يَومَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ، وإنَّ أُناسًا مِن أصْحابِي يُؤْخَذُ بهِمْ ذاتَ الشِّمالِ، فأقُولُ أصْحابِي أصْحابِي، فيَقولُ: إنَّهُمْ لَمْ يَزالُوا مُرْتَدِّينَ علَى أعْقابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهُمْ، فأقُولُ كما قالَ العَبْدُ الصَّالِحُ: {وَكُنْتُ عليهم شَهِيدًا ما دُمْتُ فيهم فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي} [المائدة: 117]- إلى قَوْلِهِ - {العَزِيزُ الحَكِيمُ} [البقرة: 129]. ))

[ صحيح البخاري ]

﴿ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)﴾

[ سورة المائدة ]

أيها الإخوة؛ كتعليق على هذه الآية الكريمة التي قالها النبي عليه الصلاة والسلام تقييم العباد من شأن الله وحده، لا تفكر أن تُقَيّم إنساناً، بل إنه من التألي على الله أن تحكم على إنسان حكماً قطعياً، قد تجد إنساناً يعصي الله الآن ومن أدراك أنه سيتوب وسيسبقك أحياناً؟ فحجم الإنسان لا يسمح له أن يُصدِر حكماً قطعياً على إنسان آخر، فتقييم البشر من شأن خالق البشر، استرح وأرح، لكن ليس معنى هذا أن ترى إنساناً يقترف معصية كبيرة وتقول: هذا ولي، هذا حمق، هذه معصية، لكن مستقبل هذا الإنسان لا يعلمه إلا الله.
 

تقييم البشر من شأن خالق البشر:


لذلك

(( دخل النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت أحد الصحابة، الذين توفاهم الله اسمه أبو السائب، فسمع امرأة تقول-دققوا-: فَعَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ بَايَعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اقْتُسِمَ الْمُهَاجِرُونَ قُرْعَةً فَطَارَ لَنَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، فَأَنْزَلْنَاهُ فِي أَبْيَاتِنَا فَوَجِعَ وَجَعَهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ، وَغُسِّلَ، وَكُفِّنَ فِي أَثْوَابِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ أَبَا السَّائِبِ، فَشَهَادَتِي عَلَيْكَ لَقَدْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي؟ قَالَتْ: فَوَ اللَّهِ لَا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا.  ))

[ صحيح البخاري ]

لأنه نبي مرسل، ولأن كلامه حديث وتشريع، ولأن أفعاله سنة وتشريع، ولأن سكوته إقرار وتشريع ينبغي ألا يسكت، ((فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَهُ؟ فَقُلْتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللَّهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ الْيَقِينُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو لَهُ الْخَيْرَ، وَاللَّهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ مَا يُفْعَلُ بِي؟)) أي على وجه اليقين، أما على وجه الرجاء كل مؤمن يرجو رحمة الله، كل مؤمن مستقيم على أمر الله، مخلص يرجو الجنة، الرجاء شيء، والحكم القطعي المستقبلي على إنسان شيء آخر، فمن باب الأدب مع الله عز وجل لا تُصدر حكماً على إنسان مستقبلياً، هذا إلى النار، من قال لك كذلك؟ الله تواب رحيم، الآن يعصي، كن عوناً له على الشيطان ولا تكن عوناً للشيطان عليه، إذاً: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ*إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذا أدب مع الله، فالمؤمن لا يتألى على الله، ولا يُقيّم البشر، ولا يُصدر عليهم أحكاماً قطعية مستقبلية، هذا ليس من شأن العبد، هذا من شأن الرب، العبد عبد، والرب رب.
 

المعاني اللغوية التي وردت في المعاجم حول كلمة الحكيم: 


1 ـ الإحاطة:

أيها الإخوة؛ الحكيم في اللغة كما ألِفنا في الأسماء السابقة صيغة مبالغة على وزن فعيل، بمعنى فاعل، أي حكيم بمعنى مُحكِم، أحكم الصنعة أتقنها، والفعل حكم يحكم حُكماً وحكومة، والحكيم يأتي على عدة معانٍ: منها الإحاطة، فلان أحكم قبضته على هذا المشروع سيطر عليه، وأحاط به علماً، الإحاطة والمنع، حكم الشيء منعه وسيطر عليه وأحاط به، حَكَمَة اللجام: يضعون في فم الحصان قطعة من الحديد تُلجمه اسمها: حَكَمَة اللجام. 

2 ـ المدقق في الأمور:

الحكيم المدقق في الأمور، المتقن لها. 

3 ـ الذي يُحْكِم الأشياء:

الحكيم الذي يُحْكِم الأشياء، ويُحسن دقائق الصناعات ويتقنها، أي حكيم في صنعته، صنعة متقنة جداً، يقول أحدهم: أحكمته التجارب، علمته التجارب، أصبحت خبراته متراكمة. 

4 ـ الذي يُحكِم الأمر:

الحكيم هو الذي يُحكِم الأمر، يضبطه، ويقضي فيه، وأمره نافذ فيه. 

5 ـ المُدرك لدقائق الأمور:

الحكيم هو المُدرك لدقائق الأمور، يبين الأسباب والنتائج. 

6 ـ الحاكم:

الحكيم هو الحاكم، كأن تقول: قدير بمعنى قادر، وعليم بمعنى عالم، واستحكم الرجل؛ أي ابتعد عن كل ما يضره في دنياه وآخرته.
هذه المعاني اللغوية التي وردت في المعاجم حول كلمة الحكيم.
 

الله جلّ جلاله حكيم متصف بحكمة حقيقية:


أما الله جلّ جلاله نقول: هو حكيم، أي مُتّصف بحكمة حقيقية عائدة إليه، وقائمة به كسائر صفاته، بحكمته:

﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3)﴾

[ سورة الأعلى ]

وأسعد وأشقى، وأضلّ وهدى بحكمته، ومنع وأعطى، الحكيم هو المُحكِم لخلق الأشياء على مقتضى حكمته، لماذا جعل الله لنا عينين؟ لمَ لم تكن عيناً واحدة؟ بالعين الواحدة ترى الطول والعرض، ترى السطوح ولا ترى الحجوم، بالعينين ترى البعد الثالث، ترى العمق، أنت بعين واحدة لا تستطيع أن تُدخِل الخيط في الإبرة، وقد تكون المسافة بينهما عشرة سنتمتر، أما بالعينين تُدرك البعد الثالث، فمن حكمة الله عز وجل أنه جعل لنا عينين.

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8)﴾

[ سورة البلد ]

ومن الحكمة أن جعل لنا أذنين، بأذن واحدة لا تعرف جهة الصوت، أما بالأذنين يأتي الصوت من هنا، يدخل إلى هذه الأذن قبل هذه الأذن بفارق يساوي واحداً على ألف وستمئة وعشرين جزءاً من الثانية تدرك جهة الصوت.
الحكيم هو الذي جعل قرنية العين تتغذى عن طريق الحلول، ولولا ذلك لو غُذّيت قرنية العين كأي نسيج في جسم الإنسان لرأيت ضمن شبكة، أوعية دموية تغذي قرنية العين، أما قرنية العين وحدها تتغذى عن طريق الحلول.
الحكيم لم يجعل في شعرك أعصاب حس، ولو جعل أعصاب حس لاضطررت إلى عملية جراحية اسمها الحلاقة، الحكيم جعل لك قلباً ينبض ذاتياً، ولو ترك النبض إليك فالنوم يعني الموت.
 

كل شيء في الكون يدل على حكمة الله عز وجل:


الحكيم يمكن أن ترى كل شيء في الكون يدل على حكمته، وأحد أكبر أسباب الإيمان بالله دليل الحكمة، الطفل الصغير فُتح ثقب بين أذنيه وهو في رحم أمه اسمه: ثقب بوتال، عند الولادة تأتي جلطة من الحكيم تُغلِق هذا الثقب، ولو لم تُغلَق لمات البشر بداء الزرق.
الحكيم أودع في طحال الجنين كمية من الحديد تكفيه لسنتين إلى أن يأكل الطعام، الحديث عن الحكمة لا ينتهي، لكن أوضح مثل قريب جداً مفتاح الكهرباء أين يوضع؟ على مستوى الأرض من أجل أن تستخدمه ينبغي أن تنبطح؟ أم يوضع في رأس الحائط تحتاج إلى سلم؟ أين المكان المناسب؟ أن يكون في مستوى كتف الإنسان، هذا المكان وضع بحكمة بالغة، وبإمكانك أن تكتشف حكمة الله في كل شيء.
الفم ليس فيه شعر، الأنف فيه شعر، الشعر بالأنف ليصطاد المواد العالقة بالهواء، أما الشعر بالفم يزعج في الطعام والشراب، أي الحديث عن الحكمة والله يحتاج إلى عمر مديد، أحد أكبر أدلة وجود الله عز وجل دليل الحكمة، أي الماء ليس له لون، لو أن له لوناً للوّن كل أطعمتنا، لخرجنا من جلدنا بهذا اللون، لو أن له رائحة لكانت هذه الرائحة في كل ما نأكل، أيضاً لم نحتمل ذلك، ليس له لون، ولا طعم، ولا رائحة، شديد النفوذ، يتبخر بدرجة أربع عشرة، لا ينضغط، لو وضعت متراً مكعباً من الماء وفوقه أي حجم ووزن يزيد عن مئة طن لا ينضغط ولا ميليمتر، وهذا الماء إذا تمدد ليس في الأرض قوة تقف في وجهه، لذلك أحدث طريقة لاقتلاع الرخام تُحفَر أنفاق ضيقة تُملأ بالماء، ويُبَرّد الماء، فهذا التبريد يدفع هذه الكتلة من الصخر أن تنفصل عن أصل مكانها، خصائص الماء فيها حكمة بالغة، خصائص الهواء، الهواء يحمل بخار ماء، لولا أنه يحمل بخار ماء لما كانت أمطار، ولما كانت حياة.
الماء لولا أنه يزداد حجمه في الدرجة زائد أربع لما كانت حياة على وجه الأرض، ولما كان هذا الدرس، في الدرجة زائد أربع يزداد حجمه، فإذا بردت البحار يزداد حجم الماء فيطفو على السطح، وتبقى أعماق البحار دافئة، أما لو أنه كلما بردناه تقلص حجمه فازدادت كثافته لغاصت قطع الثلج الكبيرة التي كالجبال في أعماق البحار، وبعد حين تجمدت البحار، وانقطع التبخر، وانعدم المطر، ومات النبات، ومات الحيوان، ومات الإنسان، حياتنا قائمة على هذه الخاصة أن الماء في الدرجة زائد أربع يزداد حجمه، بدل أن ينكمش كأي عنصر على وجه الأرض.
 

اسم الحكيم لا نهاية له:


أيها الإخوة؛ اسم الحكيم لا نهاية له، يجب أن ترى حكمة الله في كل شيء، أي هذه التفاحة حجمها معقول، لو حجمها متر مكعب معقول، وقوامها معقول يمكن أن تأكلها بأسنانك، لو أنها بصلابة الصخر تحتاج إلى مطحنة، لو أن لها طعماً مراً لا تأكلها، طعم طيب، ورائحة جميلة، وشكل جميل، وحجم معتدل، وقِوام متناسب مع أسنانك، البطيخ ينبت على الأرض، عشرون كيلو أحياناً، ثلاثون كيلو، والفواكه اللطيفة على الشجر، لو عُكِست الآية قد تقع البطيخة التي يحملها غصن مرتفع فتقتل إنساناً، لو درست الأمر لوجدت حكمة ما بعدها حكمة.
أيها الإخوة؛ فالمُحْكِم لخلق الأشياء على مقتضى حكمته هو الحكيم في كل ما فعل، وفي كل ما خلق، حكمته تامة اقتضت ظهور هذا الكون، نتج عن هذه الحكمة ارتباط المعلول بعلته، وارتباط السبب بنتيجته، وتيسّر لكل مخلوق عمل، ويسر الله له ما خُلِق له، والله عز وجل بحكمته يفعل ما يشاء، لا يُرَدّ له قضاء، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، إلا أن الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها، ويعلم خواصها ومنافعها، ويرتب أسبابها ونتائجها.
 

تعلق إرادة الله بالحكمة المطلقة:


إخواننا الكرام؛ هناك حقيقة دقيقة جداً تتصل بهذا الاسم اتصالاً وثيقاً، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، أي لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع-دققوا الآن-إرادة الله أي سمحت بوقوعه، لأنه قد يقع شيء سمح الله به لحكمة بالغة بالغة، لكن لا يرضى عنه، الإنسان مخير، أعطاه حرية الاختيار، وجعل حركته متناسقة مع عدله، فكل شيء وقع أراده الله، كل شيء أراده الله وقع، الآن وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، كيف؟ أي الذي وقع لو لم يقع لكان الله ملوماً، والذي وقع لو لم يقع لكان نقصاً في حكمة الله، والدليل قال تعالى:

﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (47)﴾

[ سورة القصص ]

يوم القيامة، أي لولا أن الله سبحانه وتعالى لم يرسل هذه المصائب لقال هؤلاء البشر يوم القيامة: يا رب لو نبهتنا، لو ذكرتنا، لو عالجتنا، لو أدبتنا، لو ربيتنا، لكن الله سبحانه وتعالى حكيم في أفعاله، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وإذا أمدّ الله في أعمارنا جميعاً سوف نجد من الأحداث الأخيرة المؤلمة التي وقعت، والتي كانت سبباً لشنّ حرب عالمية ثالثة على المسلمين، لو أن الله أمدّ بأعمارنا جميعاً لرأينا حِكَماً ما بعدها من حِكم لهذه الأحداث المؤلمة التي جمعتنا، وأيقظتنا، ووحدتنا، ولفتت نظرنا إلى منهج ربنا، بعد أن تعلقنا بمناهج أرضية لم تقدم شيئاً، المناهج الأرضية في الوحول لم تُسعد الإنسان، لا ما جاءنا من الشرق، ولا ما جاءنا من الغرب، ولم يبق إلا ما ينبغي أن يأتي من السماء، لذلك أحد كبار العلماء يقول: أنا لا أصدق أن يستطيع العالم الإسلامي اللحاق بالغرب على الأقل في المدى المنظور، لاتساع الهوة بينهما، ولكنني مؤمن أشدّ الإيمان أن العالم كله سيركع أمام أقدام المسلمين لا لأنهم أقوياء، ولكن لأن خلاص العالم في الإسلام.
والآن في الشرق وفي الغرب يوجد شقاء، يوجد بعد عن الله، يوجد ضياع، نِسَب الجريمة، نِسَب الفقر، التفاوت الطبقي عشرة بالمئة من أهل الأرض يملكون تسعين بالمئة من ثروات الأرض، أناس ينفقون أموالهم بلا طائل، وأناس يتحرقون على درهم يأكلون بثمنه طعاماً، لذلك ورد: تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً فيأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً.
 

منهج الله عز وجل هو المنهج الذي يحقق للإنسان سلامته وسعادته:


أيها الإخوة؛ من تتمات موضوع الحكمة هذه المقولة،

(( عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ. ))

[ أحمد: الهيثمي: مجمع الزوائد: رجاله ثقات  ]

إياك أن تقول:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ. احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ باللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنِّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنَّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ. ))

[  صحيح مسلم  ]

((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ، وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ، وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ)) لذلك اسم الحكيم يشفي الصدور، الذي وقع سمح الله به لحكمة بالغة بالغة قد لا نعرفها الآن، هناك آلام لا تُحتمل يعاني منها العالم الإسلامي، ولكن لو كان الإنسان مُدققاً ومُحللاً لرأى نتائج لم تكن من قبل، الناس في مطلع هذا العصر أي قبل خمسين عاماً انصرفوا إلى مناهج أرضية، تعلقوا بالغرب، تعلقوا بالشرق، وأهملوا دينهم، وجعلوه وراء ظهورهم، بل توهموا أن علة تأخرهم من دينهم، ثم اكتشفوا أنهم كانوا خاطئين، وأن الخلاص في الإسلام، وأن منهج الله عز وجل هو المنهج الذي يحقق للإنسان سلامته وسعادته.
فيا أيها الإخوة الكرام؛ الحكيم كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

الملف مدقق

والحمد لله رب العالمين

الاستماع للدرس

00:00/00:00

نص الزوار

نص الدعاة

إخفاء الصور