الدرس : 4 - سورة الواقعة - تفسير الآيات 68-74 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 4 - سورة الواقعة - تفسير الآيات 68-74


1996-03-01

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة المؤمنون: لازلنا في سورة الواقعة ومع الدرس الرابع من هذه السورة ومع الآية الثامنة والستين.

 الحكمة من وراء هذه الأيات:

 يقول الله عز وجل:

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴾

 المزن هي السحاب:

﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾

 قبل أن نتابع الحديث عن هذه الآيات لابد من وقفة متأنية تلقي ضوءاً على حكمة هذه الآيات.
 أيها الأخوة: في القرآن الكريم كمٌّ كبير من آيات تتحدث عن الكون وعن النفس وعن قدرة الله وعن حكمة الله وعن صنعة الله وعن علم الله وعن خبرة الله، هذه الآيات أيها الأخوة إن لم يكن لنا موقف منها، إن لم نستجب لها، فقد خسرنا.

 اتهام الإنسان بالتقصير إن قرأ آيات الكون و لم يُعمل عقله بها:

 أيها الأخوة: لو أن إنساناً أصدر تعليمات، بعض هذه التعليمات لم يُطَبَّقْ، هناك احتمالان: إما أن تكون هذه التعليمات غير واقعية أو أنَّ الذين أُلْقِيَتْ إليهم قصروا في تطبيقها.
 على كلٍّ: تقصير الإنسان في تطبيق التعليمات فيه خسارة له كبيرة، أمَّا إن لم تكن واقعية يقول أنا لا أستطيع أنْ أُطَبِّقَها. إذا كان في كتاب الله كمٌّ كبير من آيات الكون، من آيات الآفاق، من آيات الأنْفُس، من إشاراتٍ إلى خَلْقِ الله، إلى خَلْقِ الله في التضاريس، في الجبال، في الوِهَاد، في السهول، في الصحارى، في البحار، في النبات، في الحيوان، في الإنسان. هذا الكمُّ الكبير، لماذا ذكره الله في القرآن الكريم ؟ إنْ لمْ يكن لنا منه موقف، إنْ لم نتأثّر به، إن لم نُعْمِلْ عقولنا في ثنياته ؛ فقد خسرنا. أمَّا أن نقول هذه الإشارات وهذا الكمُّ الكبير من آيات الكون لا معنى لها، أو لا جدوى منها ؛ فقد كفرنا.
 بقي أنَّ الإنسان مقصرٌ إذا قرأ آيات الكون ولم يُعْمِلْ عقله بها، لماذا يقول الله عز وجل

﴿ أفرأيتم ﴾

 أي انظروا.

 ما خلق الله شيئاً إلا و كان الإنسان بحاجة إليه:

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴾

 هذا الماء، الحقيقة أن هناك فكرة دقيقة، هي أنَّ كلَّ علوم البشر ما فعلت شيئاً إلا بالشكل أو بالمظهر، الماء: الله خلقه، خَلَقَه عذباَ فراتاً، التكنولوجيا والعلم الحديث والتقدم الحضاري جرَّ الماء إلى أماكن معينة، خَزَّنَهُ، أساله في الأنابيب، أوصله إلى البيوت، جعله في قوارير، لو لم يكن هناك ماء، ما قيمة هذا العلم كله..؟!!
 يعني إنسان يأكل من طبق الطعام مباشرة وبشكل بدائي، إنسان آخر يضع أطباقاً وملاعق و أدوات وزهور، كل هذه الأدوات، وكل هذا الكمّ الكبير من الأطباق والملاعق والأواني المنوعة، إن لم يكن هناك طعام، ما قيمتها !؟ لا قيمة لها إطلاقاً، فالله عز وجل خلق الماء العذب الزلال، فكل ما فعله البشر أنّهم خزّنوه، وضعوه في قوارير، نقلوه إلى البيوت ؛ أمَّا أنهم خلقوا ماءً عذباً فراتاً، هذا من خَلْقِ الله، فالذي خلقه الله الإنسان في أمسِّ الحاجة إليه، وكلما تقدم العلم ازدادت حاجة الإنسان إليه.
 لذلك يقولون أنَّ الحرب الآن هي حرب ماء، كانت الحروب حروب بترول ثم أصبحت حروب قمح، والآن هي حرب مياه بين الدول. 

ظاهرة السحاب من آيات الله الدالة على عظمته:

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ ﴾

 أي موضوع السحاب، موضوع أنَّ الهواء من خصائصه أنَّه يحمل بخار الماء، والماء من خصائصه أنَّه على شكل سائل، وعلى شكل غاز، وعلى شكلٍ صُلب، إذا بَرَّدْته أصبح صلباً، وإذا كان بين درجتين معقولتين أصبح سائلاً، فإذا غليته أصبح بخاراً، طبيعة الهواء أنّها تحمل البخار، ولكن هذه الطبيعة أنَّ الهواء يحمل البخار بحسب الحرارة، فكلَّما سخن الهواء ازداد تَشَبُّعُهُ ببخار الماء، فإذا قلَّت حرارة الهواء تخلى عن الماء الذي يحمله، وهذا أصل المطر.
 الشمس مُسَلَّطَةٌ على مسطحات مائية واسعة جداً تزيد عن أربعة أخماس الكون، هذه الشمس تُبَخِّر الماء، تقلبه من سائل إلى غاز، هذا الغاز يتخلل في الهواء، فإذا ازدادت كثافته صار سحاباً، والله سبحانه وتعالى يسوق السحاب من مكان إلى مكان، فإذا التقى هذا السحاب بجبهة باردة، تخلى هذا الهواء المشبع ببخار الماء عن مائه وانعقد الماء على ذرات من الهباب أو الغبار، لابد من أن تنعقد عليها، وأصبح مطراً، فكأنك إذا عصرت الهواء بَرَّدته وعصرته تخلى عن بعض مائه فكان المطر:

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴾

 خصائص الماء:

 ظاهرة الماء وحدها من أدق الظواهر الدالة على عظمة الله عز وجل، ظاهرة الماء وحدها، هذا الماء، لا لون له، لا طعم له، لا رائحة له، سريع التبخر، يتبخر بدرجة 14، هذا الماء فيه خاصة لولاها لم نكن في هذا المسجد، ولما وُجِدَتْ حياةٌ على سطح الأرض، أن الماء إذا برَّدته إلى درجة +4 تنعكس الآية فبدل أن ينكمش يزداد حجمه، ومع ازدياد حجم الماء إذا بردته تبقى سطوح البحار متجمدة بينما أعماقها سائلة، لو لم تكن هذه الظاهرة كذلك لتجمدت البحار كلها حتى أعمق أعماقها ولانْعَدَمَ التبخر ولانْعَدَمَ المطر ولمات النبات، ومات الحيوان وتبعه الإنسان، مَنْ صمم هذه الظاهرة ؟ وإذا أردت أن تفهم تكتيك هذه الظاهرة، شيءٌ لا يعقل.
 قرأت مرة مقالة مترجمة كيف أن الماء إذا بردتَهُ في الدرجة +4 تنعكس الخاصة فيتمدد بدل أنْ ينكمش، شيء من المدهشات ! هذه آية من آيات الله الدالة على عظمته.

﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴾

 على الإنسان أن يشكر الله عز وجل على نعمة الماء:

 هل منا واحد إلا ويشرب عشرات الكؤوس من الماء، لماذا يقول بسم الله الرحمن الرحيم ؟ يقول بسم الله الرحمن الرحيم ليذكر أنَّ هذه نعمة الله عز وجل، الله خلقها وقدَّرها بحكمته وعلمه ورحمته، وليذكر أنَّ هذا الماء ينبغي أنْ نشكر الله عليه وينبغي أنْ نشربه وفق السنة، قال عليه الصلاة والسلام:

(( مُصُّوا الماء مصَّاً ولاتعبُّوه عبَّاً، فإن الكباد من العب ))

( ورد في الأثر )

 مرض الكبد يتأتى من عبِّ الماء عبَّاً، والأمر النبوي مصُّوا الماء مصَّاً والتوجيه النبوي أنْ تشربه وأنتَ قاعد، والتوجيه النبوي أنَّكَ إذا شربت الماء اشربه على ثلاث دفعات، والتوجيه النبوي أنَّه بين الشربتين يجب أنْ تبعد الإناء من فيك، والتوجيه النبوي ألا تشرب من إناء مسلول لأن فيه الجراثيم، فإذا قلت بسم الله الرحمن الرحيم، يعني هذا الماء صنعه الله وينبغي أن تشكره عليه، وينبغي أنْ تشربه وفق منهج الله، كلُّ كلمةٍ أو كلُّ شيءٍ لا يبدأ بسم الله فهو أبتر، فإذا أكلت، وإذا شربت، وإذا نمت، وإذا استيقظت، وإذا تزوجت، وإذا سافرت، وإذا عملت، وإذا ألقيت درساً، وإذا عالجت مريضاً ينبغي أن تقول بسم الله الرحمن الرحيم.

 لا قيمة لحياة الإنسان دون ماء:

 أيها الأخوة: يقول الله عز وجل:

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ ﴾

 أنتم حفرتم الآبار، أنتم ضخَخْتُم الماء إلى الأعلى، أنتم نقلتموه في أنابيب، أنتم خزنتموه، أنتم تاجرتم فيه، بِعْتُوهُ في قوارير ولكنكم أنتم أنزلتموه من المزن ؟ حينما يشاء الله أنْ تنحبس الأمطار عن بلدٍ سنين عديدة، لو أنَّ أهل الأرض اجتمعوا وقرروا إنزال المطر، ما قيمة هذا القرار ؟ كلكم يعلم أنَّنا قبل الشهر الأول معدل ما نزل في دمشق 30 مم، في حين أنَّ معدلها السنوي أكثر من 212 مم، ماذا كنا نعمل لو استمر الجفاف حتى الآن ؟ ماذا نفعل بالينابيع التي جفَّت، وبالأشجار التي يبست، وبالحيوانات التي ماتت عطشاً، ماذا نفعل ؟ ما قيمة دمشق ؟ ما قيمة أبنيتها الشاهقة ؟ ما قيمة الحياة فيها ؟

 

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾

 

(سورة المُلك: الآية 30)

 الله جل جلاله.

 عبادة التفكر في خلق الله من أرقى العبادات:

 

 أيها الأخوة الكرام: إن لم تفكر في هذه الآيات فقد عطلتها، وإن ادعيت أنَّها لا تقدم ولا تؤخر اتهمت الله عز وجل أنَّ كلامه ليس له معنى، إله عظيم يقول لك:

﴿ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ﴾

(سورة الغاشية: الآية 17)

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ ﴾

(سورة عبس: الآية 24)

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ ﴾

(سورة الطارق: الآية 5)

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ ﴾

 معنى ذلك أنَّ عبادة التفكر هي أرقى عبادة على الإطلاق، لأن هذه العبادة تجعلك تقدر الله حق قدره.

 عبادة التفكر تجعل الإنسان يعرف الله و يقبل عليه:

 قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾

(سورة الزُمر: الآية 67)

 وهذا معنى أنَّ:

 

﴿ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾

 

(سورة القدر: الآية 3)

 إذا قدَّرت الله عز وجل وعرفته، أقبلت عليه وسعدت بقربه في الدنيا والآخرة.

 فضل الله على الإنسان بأن جعل له الماء عذباً فراتاً:

﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ ﴾

 من جعل البحار مالحة ؟ الإنسان قد يركب البحر وقد يموت عطشاً، يركب فوق أكبر كَمْ مائي في الأرض، ما معنى المحيط الهادي ؟ يعني قارة أوروبا بأكملها وآسيا بأكملها وإفريقيا بأكملها و أوقيانوسيا بأكملها وأمريكا الشمالية والجنوبية، القارات الخمس والقارتان القطب الشمالي والجنوبي، القارات السبع لا تساوي خُمْسَ الأرض وأربعة أخماس الأرض بحار، بعض الأعماق يصل إلى 12000 م (خليج ميريانا في المحيط الهادي) قد تركب البحر وقد يموت الإنسان عطشاً، فلو أنَّ الله سبحانه وتعالى جعل الماء ملحاً أجاجاً شيء فوق طاقة البشر، وحتى هذه المحطات، محطات التحلية، لولا الدخل الفلكي من النفط لمَا أمكن أن تُنْفَقَ هذه الأموال الطائلة على تحلية المياه، تحلية اللتر يزيد عن ثمن لتر البنزين.
 ءأنتم جعلتموه هكذا عذباً فراتاً، موضوع التقطير، هي عملية تقطير، ولكن هذا التقطير على مستوى البحار، على مستوى الأرض، شمسٌ ساطعة، بحرٌ ذو مساحات شاسعة، بخارٌ يتصاعد، بخارٌ يتجمع، سحبٌ تنتقل، احتكاكٌ بين جبهةٍ باردةٍ وجبهةٍ ساخنة، مبدأ الهواء يحمل بخار الماء، مبدأ أن هذا التحميل متعلق بالحرارة، تتبدل هذه الحرارة فينعقد الماء على بعض الذرات ويكوِّن قطراتٍ هي قطرات المطر، ظاهرة المطر وظاهرة الماء.

 مخزون الماء في الجبال يسيل بقدر حكيم بقدرة الخالق:

 هذا البحر الكبير أُخذت منه هذه الأبخرة وأصبحت مياهاً مخزنة في آبار، الله عز وجل قال:

﴿ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ ﴾

(سورة الحجر: الآية 22)

 تجد كل بلدة لها ينبوع يسيل على مدار العام، من جعله مخزوناً ؟ من أسَاله بشكل معقول ؟ أحياناً يتهدم السد فيقضي على كل شيء أمامه، الكم المودع في الجبال أكبر من أكبر سد في العالم، لكنه يسيل بشكل حكيم على مدار العام.
 أيها الأخوة الكرام: ظاهرة الماء من الظواهر التي ينبغي أن نقف عندها، خصائص الماء، تبخر الماء، الماء لا يُضْغَط، الماء إذا توسع فتت الصخور، بل إنَّ تَصَدُّع الصخور وتحويلها إلى تربة خصبة من أحد آثار الماء. 

النار أساس كل أداة بين يدي الإنسان:

﴿ لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾

 هذه النار قال علماء التاريخ " الحضارة بدأت مع النار "، هل من أداةٍ بين يديك مصنوعة إلا بتدخل النار ؟ سكين تستعملها لولا النار لما كانت هذه السكين، لأنَّ هذه السكين أصلها حديد، والحديد أصله فلزات، والفلزات يعني ذرات حديد مع التراب، ولولا أنَّ الله عز وجل جعل هذا الحديد على شكل فلزات لما أمكن أن نستفيد منها، لو جعل ربنا عز وجل الحديد صرفاً كتل في أعماق الأرض لا يستطيع إنسان استخراجها، أما جعل الحديد مع التراب، فلزات الحديد مع التراب، تنقل إلى الفرن العالي، هناك تُصْهَرُ هذه الفلزات ويؤخذ الحديد، لولا النار لما أمكنك أن ترى قطعة حديد في الأرض، إذا دققت فيما تستعمله من أدوات، اجعل هذا محور اهتمامك هذا الأسبوع، أية أداة مهما ظننت أنَّها بدائية ؛ النار داخلة بها، هذا الأثاث الذي تجلس عليه ؛ كان أشجاراً، كيف صنع أثاثاً جميلاً لولا الحديد، والحديد أساسه النار.

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾

 تورون أي تشعلون، أورى النار أي أشعلها، تعطيك الضوء، تعطيك الدفء، تُنْضِج لك الطعام والطعام بلا نار لا يؤكل.

 فوائد الأشجار:

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ﴾

 من جعل لهذه الأشجار خاصية الاحتراق ؟ يوجد أشياء لا تحترق، وأشياء تحترق ولكن بدرجات غير معقولة، الحديد يحترق ولكن بدرجة 1500، الصخر البازلتي يصبح بخاراً إذا شئت بدرجة 3000، فوق طاقة البشر !! لكن من جعل أشياء تحترق بدرجة مئة ؟ لذلك:

 

﴿ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ﴾

 هذه الأشجار تعطيك الفواكه والثمار، فإذا يبست أصبحت وقوداً لك. لكن في آية أخرى في سورة يس تشير إلى البترول:

 

 

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾

 

(سورة يس: الآية 80)

 كل شيء خلقه الله يمكن أن تستفيد منه الإنسان حتى آخره:

 لولا العصور المطيرة في الأرض التي أنشأت نباتات عملاقة ولولا الزلازل التي جعلت هذه النباتات في باطن الأرض ومضى عليها آلاف السنين لما كان هذا الوقود السائل.

﴿ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ ﴾

 إذاً هذه الطاقة التي خلقها الله عز وجل أصبحت رمزاً للعصر، يقول لك العصر عصر بترول، كل شيء يُصْنَع من البترول حتى الثياب، حتى الخيوط، أربعة أخماس أدواتنا من البترول، هذا الكم الكبير الذي أودعه الله في الأرض، صُنْعُ مَنْ ؟ مَنْ جعل تحت البترول ماءً مالحاً لئلا يغور في الأرض ؟ من جعل لهذا البترول ضغطاً غازياً كي يصعد بلا مضخات ؟ موضوع طويل لا ينتهي !.

﴿ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ ﴾

 يعني ربنا عز وجل لحكمة أرادها، يخلق الشيء، تنتفع به ثمراً، تنتفع به خشباً، تنتفع به رماداً، كل شيء خلقه الله عز وجل يمكن أن تستفيد منه حتى آخره.

 كل كلمة ما لم يكن لها مضمون واقعي لا معنى لها:

﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ﴾

 الكلمات أيها الأخوة ما لم يكن لها مضمون واقعي لا معنى لها، لو فرضنا أنَّ إنساناً لم ير البحر ولا صورة البحر إطلاقاً، لو قلت له بحر ألف مرة لا يفهم منه شيئاً، أما إذا ركب البحر ورأى أمواج البحر، ورأى اتساع البحر، ورأى عمق البحر، ورأى ملوحة البحر، ورأى جمال البحر، ورأى شدة البحر، ورأى هياج البحر ؛ الآن إذا قلت له بحر، هذه الكلمة تثير عنده كل الخبرات، يضربون على هذا مثلاً درسناه في الجامعة: كلمة مشجب يعلق عليها كل إنسان حاجاته، فلو أنَّ أستاذاً في الجامعة لم يُتَحْ له أنْ يكون أستاذاً ذا كرسي وسمع بكلمة كرسي يسبح خياله ساعات طويلة في متى يصبح أستاذاً بكرسي ؟ ولماذا لم يُتَحْ له أنْ يكون في هذا المنصب ؟ والذي في الكرسي ليس أفضل منه لا علماً ولا فهماً ولا خبرةً، كل هذه المعاني وهذه الموازنات وهذه الخواطر أثارتها كلمة كرسي، بينما يسمع هذه الكلمة إنسان يعمل في حلاقة الشعر ويحتاج إلى كرسي آخر، يخاف أن ترتفع الضريبة عليه، وألا يجد موظفاً يليق بالمحل، يسبح بخاطره ساعات طويلة في موضوع آخر، وقد يسمع هذه الكلمة إنسان مُتْعَب، يقول أتمنى كرسياً أجلس عليه، فالكلمة تثير خبرات.

 إثارة آيات الجنة للإنسان عندما وصفها الله عز وجل:

 

 لولا أنَّ الله سبحانه وتعالى (دققوا الآن) جعل في الجنة جمالاً وفي الأرض جمالاً، جعل فيها جبالاً خضراء، وبحاراً زرقاء، وأطفالاً ذوي وجوه جميلة، تجد الطفل الصغير كالبدر أحياناً، لولا هذا الجمال لمَا أثارتك آيات الجنة:

﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾

(سورة البقرة: الآية 25)

 فكل شيء وعدنا الله به أو عدنا منه، في الدنيا منه شيء نقيسه به، فربنا عز وجل يقول:

 

﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً ﴾

 

 هذه النار لِمَنْ ؟ للعصاة. ائتِ بشمعة، ائت بعود ثقاب، اشعله وضعه على إصبعك، هل تحتمله ؟ كيف يحتمل الإنسان نار جهنم ؟

 فوائد النار:

﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ ﴾

 المقوين: المسافرين، الإقواء: السفر، مكان قواء: أي فارغ لا شيء فيه. فلان أصحر: أي دخل في الصحراء، أقوى: دخل في الفلاة، في المفازة، في الصحراء، فالمسافر يستمتع في النار.

 

﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ ﴾

 

 ولو ذهبت أيها الأخ الكريم تعدد فوائد النار، كيف أنك تنضج عليه الطعام، وكيف أنها تشيع الدفء في المنزل، أي منزل في الشتاء بلا نار لا يحتمل، النار فاكهة الشتاء، غرفة دافئة أثناء البرد الشديد هي أثمن عندك من كل شيء، ما الذي يعطي هذه الحرارة ؟ النار إذا اشتعلت، وكذلك التدفئة المركزية أساسها نار مشتعلة، كل شيء تراه مريحاً أساسه النار، الطعام الطيب أساسه النار التي أنضجته، اللحم لا يستسيغه الإنسان إلا بعد شيِّهِ، دقق في كل شيء تستعمله، في كل شيء تأكله، كيف أنَّ النار داخلة فيه !.

حاجة الإنسان إلى النار:

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾

 طبعاً النار نار، أمَّا في قداحات إلكترونية وفي أشياء حديثة، تطور الشكل فقط وأمَّا المضمون هُوَ هُوَ، لو أشعلت النار بالطريقة البدائية، بحجر الصوان، أو باحتكاك أغصان الأشجار، أو شعلتها بآلة حديثة أو بكبسة زر، النار نار، الله خلقها، وأنت في أمس الحاجة إليها.

 

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ ﴾

 

 النار مصممة أن تكون كذلك، أحياناً لا تتضح الأمور للإنسان، فمثلاً يقول لك: هذا البلور اخترعه الإنسان ! جاء بالرمل وصهره فأصبح على هذا الشكل الشفاف، الجواب بالعكس، الله سبحانه وتعالى عَلِمَ بحاجتنا إلى جسم يمنع دخول الهواء ويسمح بدخول الضوء، فصمم الرمل بهذه الخواص التي يمكن أن يصنع منه هذا البلور، المرأة بحاجة إلى شيء تتزين به، جعل المحار. الأصل أنَّ هذا المحار وفيه اللؤلؤ خُلِقَ خصيصاً ليكون زينةً للمرأة، وهكذا ذكر القرآن، وأنت حين تفهم الأشياء على هذا النحو، هذه الأشياء مصممة خصيصاً كي تنتفع بها.  

النار،الماء،الحيوان خلقوا خصيصاً تكريماً للإنسان:

 الخروف مذلل وبشكل واضح خصيصاً ليكون نافعاً لك، وكذلك الجمل والبقرة أما العقرب غير مذلل، وكذلك الأفعى، الضبع، الوحوش الكاسرة، كلها غير مذللة، أما الغنم مذللة، فالإنسان حين يرى حيواناً مذللاً ؛ ينبغي أن ينتبه إلى أن هذه الخاصة في الحيوان خُلِقَت خصيصاً تكريماً للإنسان. فهذه النار خُلِقَت خصيصاً، أصل النار خُلِقَ خصيصاً، هذا الماء العذب الفرات خلق خصيصاً.

﴿ نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِلْمُقْوِينَ ﴾

 المقوين: المسافرين.

 التسبيح الحقيقي أن تعاين نعم الله عز وجل و تشكره عليها:

﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾

 معنى سبحان الله هناك من يفهمها على هذا النحو: أمسك بالسبَّحة وقل سبحان الله، سبحان الله، هذا تسبيح لفظي، ولكن التسبيح الحقيقي أن تجول في نعم الله عز وجل، فكلما وصلت إلى نعمة قلت سبحان الله، سبحان الله العظيم وبحمده، سبحان الله العظيم، التسبيح الحقيقي أنْ تعاين نِعَمَ الله عز وجل، أنْ تتأملها، أنْ تشكر الله عليها، أنْ تستعظم صانعها وواهبها، أنْ تعيش في معنى الحمد والشكر، هذا هو التسبيح، التسبيح هو التمجيد والتنزيه، سبحان الله العظيم وبحمده سبحان الله العظيم:

 

﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾

 

 أنت أحياناً ترى آية من آيات الله الدالة على عظمته بعد أن تتأملها، بعد أن تعاينها، بعد أن تحللها، بعد أن تشعر بافتقارك إليها، بعد أن ترى فضل الله عليك، نعمة الله لك، تقول وقد امتلأت إعجاباً: سبحان الله ! سبحان الله تقولها بعد تأمل، وبعد بحث ودرس:

﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾

 على الإنسان أن يسبح ربه بعد تفكره و استعظامه لنعم الله:

 الآن دققوا أيها الأخوة: متى قال الله عز وجل:

﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾

 بعدما قال:

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ ﴾

 إن رأيتم ما تمنون وعلمتم أنكم لا تخلقونه بل نحن الخالقون ثم حينما قال الله عز وجل:

 

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ﴾

 ثم قال الله عز وجل:

 

 

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ ﴾

 ثم حينما قال الله عز وجل:

 

 

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ ﴾

 

 التسبيح أساسه التفكر في آلاء ونعم الله:

 إن رأيتم ونظرتم وتفكرتم ودرستم وحللتم واستعظمتم وكبَّرتم عندئذ قولوا:

﴿ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ﴾

 معنى ذلك أنَّ التسبيح أساسه التفكر في النعم، أساسه التفكر في آلاء الله عز وجل، في آياته الكونية والتكوينية، وفي آياته القرآنية.

 فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ:أية من أيات الله الدالة على عظمته:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ ﴾

 المسافات في الأرض مثلاً دمشق - حلب /360 كم/، دمشق - جدة /1100كم/، مثلاً دمشق - لندن /5000 كم/ يعني أبعد نقطة في الأرض /20000 كم/ لأن محيط الأرض /40000/، أما إذا دخلنا في الفضاء الخارجي من الأرض إلى القمر /000 360كم/ يقطعها الضوء في ثانية واحدة، إذا قلت ثانية فضائية تعني / 000 360 كم/، الأرض والشمس / 156 مليون كم / يقطعها الضوء في ثماني دقائق، والمجموعة الشمسية والتي هي الأرض والمريخ والمشتري وزحل ونبتون وبلوتو وعطارد والزهرة، هذه المجموعة الشمسية أقصى قطر لها /16 ساعة ضوئية/، الشمس 8 دقائق، القمر 1 ثانية.
 أقرب نجم ملتهب للأرض / 4 سنوات ضوئية / معنى أربع سنوات أي لو وجِدَ طريق لهذا النجم ولديك سيارة حديثة تسير بسرعة مئة تحتاج إلى 50مليون سنة لتصل له فقط، إذاً بعد أقرب نجم ملتهب هو 4 سنوات ضوئية، أمَّا أحدث مجرة /000 300 بليون سنة ضوئية /، بإحدى محطات الأخبار العالمية قبل ستة أشهر تقريباً قالوا بأن مركبة قد أرسلت وبقيت تطير في الفضاء الخارجي ست سنوات بسرعة /000 40 ميل/ ووصلت للمشتري والذي هو ضمن المجموعة الشمسية ( ضمن 13 ساعة ضوئية) وعليها مرصد عملاق، هذا المرصد التقط صورة مجرة تبعد عنا /000 300 بليون سنة ضوئية/.  

الكون غير محدود فكيف خالق الكون ؟

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

 لو تعلمون:

 

﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾

 

( سورة فاطر: 28)

 هذا الإله العظيم يعصى !؟ الذي خلق الكون وهذه بعض أبعاده، وهذه الأبعاد إلى الآن وصلنا إليها، وما أدراكم أنَّ هناك مجرات تكتشف بعد حين، تبعد عنا أضعاف مضاعفة، عن أبعد مجرة اُكْتُشِفَتْ، هذا الكون غير محدود فكيف خالق الكون ؟

 

﴿ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾

 جواب القسم:

 

 

﴿ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ﴾

 

 القرآن العظيم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه:

 الذي خلق هذا الكون، أنزل هذا القرآن، الكون كله في كفة والقرآن في كفة.

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾

(سورة الأنعام: الآية 1)

 الكون كله:

﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ﴾

(سورة الكهف: الآية 1)

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ﴾

 لذلك هذا كتابنا، هذا منهجنا، هذا كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا كتابنا المقرر، هذا الكتاب الذي ينبغي أن نقرأه كل يوم، أنْ نقف عند آياته آية آية، كلمة كلمة، حرفاً حرفاً، هذا الكتاب الذي كلما زدته فكراً زادك معنىً، هذا الكتاب الذي لا غنىً فوقه، ولا غنىً دونه، هو الغنى، منهج.

 وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه:

 كنت مرة ذكرت لو تصورنا آلة معقدة جدا قيمتها 30 مليون، يوجد الآن آلات كومبيوترية تحلل الدم بثواني، تعطيه نقطة دم يعطيك 27 تحليل دقيق بثانية ومطبوعة، لو أن هذا الجهاز ثمنه 30 مليون وهذه أسعار بعض الأجهزة الغالية واشتريت هذا الجهاز بهذا المبلغ الضخم، ولم ترسل لك الشركة كتاب تعليمات التشغيل والصيانة، أنت الآن في مشكلة، إن شغَّلت هذا الجهاز الغالي جداً بلا تعليمات أصبته بالخلل، أعطبته، وإن خفت أن يصاب بالخلل لم تستعمله، جَمَّدْت ثمنه، بربك أليست تعليمات الصانع لا تقل قيمةً عن هذا الجهاز هذا هو القرآن الكريم، أنت من دون قرآن في شقاء، الدليل: أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

(سورة الرحمن: الآيات 1-4)

 كيف يعلم الله الإنسان قبل أن يخلقه، هذا ليس ترتيباً زمنياً، بل هو ترتيب رتبي، يعني وجود الإنسان لا معنى له من دون منهج يسير عليه، فمثلاً هل من الممكن أن تقود طائرة بدون علم ‍‍؟ تقع رأساً، لابد من أن تكون فاهماً لدقائق الطائرة ولأسلوب قيادتها وللتصرفات المناسبة في الوقت المناسب، فالعلم أساسي في قيادة الطائرة وإلا سقوط حتمي.

 القرآن الكريم قرآن نقي من كل شائبة:

 يقول الله عز وجل:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ ﴾

 نقي من كل شائبة، تقول حجر كريم يعني ألماس، نقاء مطلق، لا يوجد كتاب من تأليف بشر إلا وفيه نقص، فيه خلل، فيه فكرة غير واضحة، فيه معالجة غير عميقة، فيه فكرة غلط، فيه فكرة بلا دليل، لكنك مع القرآن، مع كتاب خالق الكون.

﴿ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾

 قرآن كريم: نقي من كل شائبة، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه.

 من أسباب فهم كتاب الله أن تكون قريباً من الله، طاهر النفس:

 لو أمضينا العمر كله في قراءة القرآن وفهم آياته والعمل بها، لمَا كان لهذا من بُدّ، هذا هو المنهج، قال لكن:

﴿ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ﴾

 كتاب عزيز، لأن الله عز وجل يقول:

 

﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾

 

(سورة الإسراء: الآية 82)

 وهو عمىً عليهم. وذكر أنَّ أولئك الذين لا يفهمون كتاب الله يُنَادَوْنَ من مكانٍ بعيد، وهذه الآية تشير إلى أنَّ من أسباب فهم كتاب الله، أن تكون قريباً من الله، طاهر النفس، لأنَّ هذا الكتاب:

 

﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾

 

 الإنسان الذي يرتكب المنكرات لا يزيده القرآن إلا خسارة:

 طبعاً المطهر هو الطاهر، وهذا اللفظ من المشترك اللفظي بمعنى أنَّ الذي يقرأ في المصحف ينبغي أن يكون متوضئاًً، طاهراً من الحدث الأكبر والأصغر، والمعنى يصل إلى أنَّ الذي يريد أن يفهمه يجب أن يكون طاهر النفس، لأن الذي يفعل المنكرات لا يزيده القرآن إلا خسارة:

﴿ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً ﴾

(سورة الإسراء: الآية 82)

 تزداد خسارته وهو عمى عليهم، ويقرأه ولا يفهم، يُنَادى من مكانٍ بعيد.

 من عوامل فهم القرآن:

 1 ـ طهارة النفس:

 إذاً من عوامل فهم القرآن: طهارة النفس:

﴿ إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ ﴾

 محفوظاً، ليس مبتذلاً.

 2 ـ القرب من الله عز وجل:

 فيه آيات لا تُفهمُ إلا بقربك من الله عز وجل، فيه آيات تأخذها على ظاهرها، تقول غير معقول ! وفيه آيات أخرى تفسر بعض الآيات، وفيه آيات محكمات، وآيات متشابهات:

﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ﴾

(سورة آل عمران: الآية 7)

 فيه آيات تقرؤها ولا تفهمها، وربَّما فهمتها فهماً معكوساً.

 المعاني في القرآن تحتاج اٍلى دراسة و إعمال فكر:

 لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾

 يعني محفوظ، ليس من البساطة أن تفهمه سريعاً هكذا، النص الراقي يعطيك فرصة كي تتأمله، المعاني في القرآن لا تؤخذ سريعاً، تحتاج إلى دراسة، إلى إعمال فكر، إلى طهارة نفس، إلى إخلاص، إلى إقبال، جزء من شروط فهم القرآن الكريم طهارة النفس، هذا معنى قوله تعالى:

 

﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ ﴾

 :هذه

 

﴿لا﴾

 لا النافية وليست لا الناهية، لو كان لا يمسَسْهُ إلا المطهرون لانصرفت إلى الوضوء فقط، أمَّا لأنَّ الله ينفي ولا ينهى، ينفي من أفعاله التكوينية ولكن ينهى من أوامره التكليفية، فهو ينفي أن يمسه إنسان غير طاهر، فالخبيث والفاسق والشهواني والمنحرف والوصولي، صاحب المصلحة، المتعلق في الدنيا، هذا يقرأ فلا يفهم، أما المخلص الطاهر المستقيم، الذي تحرى الحلال يقرأ فيفهم.

 لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ:أية محكمة ينبغي الوقوف عندها ملياً:

﴿ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 أيها الأخوة: هذه الآية نحتاج إلى أن نعود إليها مرة ثانية لأنها أساسية جداً في فهم القرآن وهي من الآيات المحكمة التي ينبغي أن نقف عندها ملياً، نحن وصلنا إلى قوله تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآَنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (78) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾

 ولنا عودة إلى هذه الآيات في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018