الدرس : 3 - سورة الواقعة - تفسير الآيات 63-67 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة الواقعة - تفسير الآيات 63-67


1996-02-16

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة المؤمنون: مع الدرس الثالث من سورة الواقعة ومع الآية الثالثة والستين:

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾

( سورة الواقعة )

 كل شيء ينعم به الإنسان في الدنيا هو من خلق الله تعالى:

 أيها الأخوة، قبل المضي في متابعة هذا الموضوع أريد أن أقف قليلاً عند حقيقة قد تغيب عن بعض الناس، الإنسان في هذا العصر والمتميز بالتقدم الحضاري والتقدم العلمي مأخوذ بالإنجازات العلمية الحديثة، لكن الحقيقة أن الإنسان لم يُضِفْ شيئاً جوهرياً بل أضاف شكليات، معنى هذا الكلام دقيق، فمثلاً الله عز وجل خلق الماء، فالإنسان بعلمه وتطور حياته وضعه في مستودعات في البيوت، أساله في أنابيب، وضعه في قوارير، فهل يكون الإنسان قد خلق الماء ؟ كل شيء ننعم به هو من خلق الله في الأصل، الإنسان أضاف شكليات وأضاف أساليب ووسائل ولكنه لم يُحْدِثُ شيئاً جديداً، فالطعام قد يوضع في مغلفات وقد يوضع في عبوات راقية، قد يطبع على المغلف أو على العبوة كلمات لطيفة، صور، أما لو أن الله عز وجل لم ينبت الثمر، ماذا نفعل ؟ لو أن الماء كان أجاجاً، ماذا نفعل ؟ فتصور أن كل إنجاز حضاري هو في الحقيقة إضافة بسيطة على الشكل لا على الجوهر، الماء ماء، الماء الذي شربه آدم عليه السلام هو الماء الذي نشربه. من خلق الأنعام لنأكل من لحمها ؟ من الممكن أن يكون اللحم في عبوات ومقطَّع تقطيعاً معيناً، لكن اللحم لحم، تذوق الأجداد اللحم كما نتذوقه تماماً.  

المؤمن يلفت نظره خلق الله و غير المؤمن يلفت نظره الشكليات:

 فالإنسان المؤمن خَلْقُ اللهِ عز وجل هو الذي يَلْفِتُ نَظَرَهُ، لكن غير المؤمن الأشكال والأساليب وهذه الصرعات التي يراها الإنسان أحياناً قد تلفت نظره. هي إضافات لم تصب المضمون ولم تصب الجوهر، بقيت في الشكل، فالماء ماء، لو لم ينبت الله النبات ماذا نفعل ؟ هل عندك في خيالك طريقة لإطعام البشر غير النبات، لو أن الله تعالى خلق حاجات مليون إنسان، مليار، ثم تنقضي هذه الحاجات، كيف نحفظها ؟ لو خلق القمح لمرة واحدة، والقمح إما أن يَفْسُدَ وإما أنْ يُسْتَهْلَكَ ماذا نفعل بعد فساده أو بعد استهلاكه، كيف نأكل ؟ من أبدع موضوع البذور ؟ أن كل ثمرة فيها بذرة، وهذه البذرة فيها قوةُ إِنباتِ ثمرة مشابهة.

 مبدأ التكاثر عن طريق البذور أبدعه الخالق سبحانه:

 أحياناً (هذا الشيء من اختصاص بعض المهندسين الزراعيين) بذرة صغيرة يقول لك هذه البذرة ذات إنتاج مديد، ذات إنتاج مبكر، تقاوم البرد، مدة إنتاجها أربعة أشهر، إنتاجها يقاوم المرض الفلاني، تكلم الإنسان أكثر من مئة معلومة كلها في هذه البذرة فالبذرة فيها قوة الإنبات، فالبذرة فيها شجرة بالقوة وبالفعل هي بذرة، أما في مستقبلها هي شجرة، فنظام النبات لو أن الله سبحانه وتعالى خلق حاجات الإنسان لمرة واحدة، كيف تُحْفَظُ من الفساد ؟ وكيف تعوض بعد التلف ؟ لا يوجد طريقة ثانية. أمَّا كل شيء تأكله فيه بذرة، تعوض عليك أضعافاً مضاعفة.
 يعني بذرة البندورة تعطي مليون ضعف، نصف دونم يستهلك خمسة غرامات من البذور يعطي عشرة طن، يعطي مليوني ضعف، مبدأ النبات، مبدأ التكاثر عن طريق البذور، من صمم هذا المبدأ ؟ فأنت تزرع، تقطف الثمار، تأخذ البذور تزرعها مرة ثانية تنتج إلى أبد الآبدين.

 الرشيم عنصر الإنبات في البذرة:

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾

 هذه البذرة من وضع فيها الرشيم ؟ الرشيم كائن حي، بعض القمح الذي وجد في الأهرامات زُرِعَ فَنَبَتَ، يعني الرشيم مدة عمره أكثر من ستة آلاف عام، زُرِعَ فَنَبَتَ، النملة أحياناً إذا أرادت أن تخزن القمح في وكرها تأكل رشيم القمح لئلا تنبت، لو أنها خزنت هذا القمح في جحرها وجاءت رطوبة نَبَتَ القمحُ، لم تستفد منه، فلابد من أن تأكل الرشيم عنصر الإنبات في البذرة، فهذا الرشيم كائن حي، كائن حي بكل معاني الكلمة الدقيقة فالنملة تأكل هذا الرشيم لئلا تنبت القمحة.
 بعض البذور لها رشيمان كالعدس، النملة تأكل الرشيمين معا لئلا تنبت، فالرشيم كائن حي، فيه حياة، معه محفظة غذاء مع خطة مبرمجة، فلمجرد أن تأتي الرطوبة والدفء والضوء ينبت الرشيم ويستهلك من مخزون البذرة، ومخزون البذرة يشكل له جذيراً و سويقاً، الجذير فيه خاصية مص الغذاء من التربة بعد أن تنتهي المحفظة.

 وظيفة المعادن في النبات:

 ائت ببذرة فاصولياء ضعها في قطن مبلل وبعد بضعة أيام تنبت فإذا مَسَكْتَ البذرة تجدها فارغة وتكون المادة النشوية قد اُسْتُهْلِكَتْ في إنبات الرشيم وإنبات الجذر، هذا النبات يتجه نحو الضوء ونحو الأعلى ثم تأتي العمليات المعقدة، النبات يمتص ثمانية عشر معدناً في التربة، هذه المعادن على أنواع، لدينا معدن وملح معدن، جعل الله عز وجل المعادن تتأكسد بالأوكسجين، تأكسدها يجعلها أملاحاً، ويمكن للأملاح أن تذوب في الماء، فأملاح المعادن تذوب في الماء، فإذا ذابت صار هذا المائع الذي تمتصه الجذور ثمانية عشر معدناً مودعة في التربة، أحياناً تجد أن النبات قد اصفر يقول لك الفني فيه نقص حديد، النبات نما نمواً خضرياً على حساب النمو الثمري يقول لك فيه نقص بوتاس.
 فالخبراء يقدمون معلومات مدهشة، فيه بوتاس، فيه منغنيز، فيه آزوت، فيه حديد، هذا كله موجود في التربة والماء يذيب أملاح هذه المعادن ويأتي هذا الجذر الذي تنتهي رؤوسه بكرة اسمها القلنسوة، هذه القلنسوة تفرز مادة تذيب الصخر، ألا ترى شجرة نبتت في جبل ؟ تتسلل فروع جذرها بين الصخور، فالقلنسوة مجهزة بمادة تذيب الصخر من أجل أن تصل إلى الماء.

 تصميم أوعية النبات الصاعدة بمقويات حلزونية لوصول الماء للأعلى:

 هناك أشجار جذورها تزيد عن ثلاثين متراً، وإن كان الماء بجهة اليمين تتجه الجذور إلى جهة اليمين وكأنها كائنات عاقلة، وإن كان الماء نحو اليسار تتجه نحو اليسار، وإذا كان الماء سطحياً تفرش دائرة سطحية وإذا كان الماء عميقاً تغوص في أعماق التربة ثلاثين متراً لتأخذ الماء وقد أُذيبت فيه أملاح المعادن، الآن هذا النسغ الصاعد يصعد نحو الأعلى، كيف ؟ النسغ سائل والسائل متغير الشكل ثابت الحجم كما تعلمون فما الذي جعله يصعد خلاف الجاذبية، هل بإمكانك أن تجعل الماء يصعد نحو الأعلى إلا بمضخة ؟ أما من دون مضخة كيف ؟ هذه خاصة شعرية ! هذه الخاصة رائعة جداً تجعل الماء يتحرك نحو الأعلى على خلاف مبدأ الجاذبية، وقد تجد شجر الحور مثلاً ارتفاعه ثلاثون متراً، ومع هذا آخر ورقة في الأعلى متألقة، خَضَارُها رائع، من أين جاء الخَضَار ؟ من الماء الذي تمتصه من أعماق التربة، فإذا كان العمق ثلاثين والارتفاع ثلاثين فهذا يعني أن هنالك حركة نحو الأعلى ستين متراً خلاف الجاذبية.
 و قد ينمو هذا النبات عرْضَاً، وإذا نما عَرْضَاً ربما ضغط على الأوعية التي تحمل هذا النسغ الصاعد، ما الحل ؟ هذه الأوعية مقواة بألياف حلزونية لو ضغطت على جوانبها، لا تضيق لمعتها، من صمم هذه الأوعية بهذه الطريقة ؟ إذا وجد بمركبة الإنسان أنبوب منثني فينقطع الماء أثناء انثنائه يقوى براصور داخلي لئلا ينثني وتضيق لمعة الأنبوب فربنا سبحانه وتعالى صمم هذه الأوعية الصاعدة بمقويات حلزونية ليفية لئلا تضيق لمعتها فينقطع وصول الماء إلى الأعلى.

 حكمة الله من استهلاك النبات أولاً لماء الأغصان الأقل نمواً:

 الآن لو أن البستاني نسي أن يسقي هذه الشجرة، يجب أن تموت فوراً، لكن حكمة الله الرائعة جعلت أن هذه الشجرة لا تستهلك من الماء إلا ماء أقل الأغصان نمواً، ثم تستهلك ماء الفروع، ثم تستهلك ماء الجذع، ثم تستهلك ماء الجذر، فآخر ماء تستهلكه هو ماء الجذر والمنطقي يجب أن تستهلك الشجرة أول ماء هو ماء الجذر ! إذاً من الذي عكس الآية ؟ جعل الماء المستهلك هو أبعد مكان عن الجذر، بالأطراف، لأن الماء إذا اُسْتِهلك في أطراف الشجرة ذبلت أوراقها فخاطبت صاحبها: إنني عطشى، يمدها بالماء، أما لو أن هذا النبات استهلك الماء القريب منه، ماء الجذر، لماتت الأشجار كلها إذا نسيها أصحابها يوماً أو يومين، أحياناً يسافر إلى الحج ينساها أشهراً تبقى الشجرة قائمة على حالها، هذا النبات ظاهرة.

 حاجة الإنسان إلى النبات أساسية في الدنيا:

 إخوانا الكرام: الشيء المحير هو أنه لا يوجد شيء من خَلْقِ الله يدور مع الإنسان حيث دار كالنبات، فالإنسان ‍‌‍‍‍‍‍بحاجة‍ ‌إلى غذاء، غذاؤه من النبات، بحاجة إلى كساء، كساؤه من النبات، بحاجة إلى ما يُمْتِعُ عينه وأنفه، فالورود كلها نباتات، بحاجة إلى صناعات، الأخشاب التي هي أساس الصناعات نباتات، من صمم الخشب ؟ لنا أخ كريم يعمل في الميكانيك، فمعمل من المعامل اشترى اثني عشر آلة نسيج من أرقى الشركات وثُبِّتَتْ هذه الآلات على أرض المعمل بالإسمنت المسلح ثم شُغِّلَتْ الآلات، هناك قَطْعٌ في الخيطان في كل الآلات، بحثوا عن كل خبير إلى أن عثروا على هذا الخبير، ماذا فعل ؟ وضع تحت كل آلة قطعة من خشب التوت، لأن هذا الخشب ذو ألياف متينة ومرنة، فإذا وصل المكوك إلى طرف الآلة وضرب طرفها فخشب التوت يمتص هذه الصدمة ولا يقطع الخيط، فالتوت له وظيفة وخشب الزان له وظيفة والخشب الكندي له وظيفة والشوح له وظيفة ولو سألت إخوتنا النجارين لأفادوك بمعلومات تفصيلية كثيرة جداً.

 أنواع الخشب:

 للخشب وحده أنواع منوعة تزيد عن مئة نوع وكل نوع له استعمال ينفرد به، هذا الخشب. أنت بحاجة إلى طعام يأتيك من النبات، بحاجة إلى كساء يأتيك من النبات، بحاجة إلى ليفة تنظف بها جسمك، الليفة نبات، له وجهان خشن وناعم فالخشن له خشن والناعم له ناعم، بحاجة إلى شيء تنظف به أسنانك فخلق السواك، بحاجة إلى أن تنظف ما بين الأسنان فخلق الخُلَّة، أنت بحاجة إلى نبات تزييني، خلق لك نباتات تزيينية، أنت بحاجة إلى نبات يكون كالمظلة، بحاجة إلى ورق، إذا تأملت نبات البردي تشعر مئة بالمئة أن الله ما خلقه إلا ليكون ورقاً، ورق كتابة، إلى جانب الأهرامات مؤسسات سياحية تصنع أمامك ورق البردي، يُوتى بالنبات ويُنقع بالماء، ويُضغط ليصبح ورقاً، فهذا النبات مصمم ليكون ورقاً. وهذه الشجرة مصممة لتكون ظلاً، ويوجد نبات مصمم ليكون غذاء للحيوانات، يحصد عشرات المرات، تحصد البرسيم كله، ينمو مرة ثانية ! تحصده، ينمو مرة ثالثة.

 تنوع النبات بتنوع احتياجات الإنسان إليه:

 أنت بحاجة إلى مسطح أخضر تُمَتِّعُ عينك به، خلق الله نباتاً ليس له أية وظيفة سوى أن يمتع عينك باللون الأخضر، هذا المرج، نوع ينبت في الصيف وآخر في الشتاء والثالث قي الربيع والرابع في الخريف، الآن يباع من هذا المرج الخلطات الرباعية من أجل أن ترى المرج أخضراً طوال العام، وإذا رأيته أخضراً طوال العام هنالك مغالطة، أنت ترى ربعه الذي ينمو في الفصل الذي أنت فيه، أنت بحاجة إلى ورود.
 عدد أنواع الورود لا يعد ولا يحصى، أنواع النباتات التي تعيش في البيوت بالمئات، بعشرات المئات، أنواع الأبصال بعشرات الألوف، أنواع الأزهار، هذا نبات، لون ورائحة وألوان وجمال، من صمم هذا النبات ؟ أنت بحاجة إلى نبات يكون مادة مرنة، التعامل مع الأشياء المتينة القاسية صعب جداً، تحتاج إلى بلور في السيارة مركب على حديد لابد من مادة مطاطية، هناك نبات ينتج المطاط، تحتاج إلى عجلة (مادة مرنة بلا صوت وتمتص الصدمات وتتماسك مع الأرض)، تحتاج إلى مادة مطاطية، نبات يقدم لك هذه المادة المطاطية، تحتاج إلى مادة عازلة، الفلين نبات، تحتاج إلى أواني، هناك نبات يقدم لك الأواني كأنها أواني نحاسية، أواني كروية وأواني مستطيلة، تحتاج إلى أن تسبح الله، هناك نبات ثماره كرات مثقوبة.
شيء لا يصدق !! تحتاج إلى دواء يوجد دواء نبات، تحتاج إلى أصبغة الأصبغة نبات، الأدوية نبات، والروائح العطرة نباتات كلها:هذا عطر الياسمين، هذا عطر النرجس.

 آية النبات لوحدها من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله:

 الطعام يمكن أن تأكل من جذر النبات: الجزر، البطاطا... يمكن أن تأكل ساق النبات، يمكن أن تأكل أوراقه: الملفوف، يمكن أن تأكل أزهاره: الزهرة، يمكن أن تأكل ثماره، يعني آية النبات لوحدها تعد من أكبر الآيات الدالة على عظمة الله.

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ﴾

 ماذا فعل الفلاح ؟ ألقى هذه الحبة وانتهى الأمر وسقاها فقط، أما مَنْ نما الرشيم ؟ مَنْ أمد هذا الرشيم بالغذاء ؟ من أنبت لهذا الرشيم الجذور ؟ مَنْ جعل لهذه المعادن أملاحاً تتأكسد بالأوكسجين تصبح أملاحاً تذوب في الماء، أي يوجد بجسمك حديد يصنع بسماراً، ولكن ليس معدن الحديد بل أملاح الحديد، فأنت عندما تأكل تفاحة تقطعها وتدعها على الطاولة نصف ساعة، تسود ! لماذا اسودت ؟ لأن حديد التفاحة تأكسد مع الأوكسجين، تشرب حليباً، فيه كالسيوم، كلس مذاب في الحليب، موضوع النبات شيء لا يصدق، ظاهرة النبات لوحدها يمكن أن تعد أكبر دليل على وجود الله وعلى عظمته وعلى كماله.

 علامات النبات:

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾

 النبات له علامات: فما الذي يعلمك أن هذا العنب قد نضج ؟ كان أخضراً صار أصفراً، وما الذي يعلمك بأن هذا الحقل من البندورة أصبح ناضجاً ؟ كان أخضراً وأصبح أحمراً، العلامات قد تكون اللون وقد تكون الحجم وقد تكون الرائحة، القوام، ولحكمة بالغة بالغة جعل الله عز وجل البطيخ الأخضر ليس له علامات إطلاقاً يدل على نضجه، لا حجماً ولا لوناً، فالبطيخة التي بداخلها لون أبيض صرف خضراء، والبطيخة الناضجة التي بداخلها لون أحمر قان خضراء، فكيف يستطيع زارع البطيخ أن يجني الثمار الناضجة ؟ و لو أن حقول البطيخ نضجت في يوم واحد ماذا نفعل بالبطيخ ؟ لابد من أن نأكله على مدى ثلاثة أشهر، إذاً ينضج تباعاً.

 نضوج النبات المتدرج أية عظيمة من أيات الله:

 النضوج المتدرج آية من آيات الله، آية ضخمة، فأنت إذا أتيت بوعاء فيه زيت وغليته وألق فيه البطاطا، فمادامت الظروف متشابهة فالنضج متشابه، بعد دقائق ينضج الجميع، أما هل من الممكن أن تلقي كمية بطاطا في مقلاية زيت وكل عشر دقائق ينضج قسم ؟ على مدى خمس ساعات ؟ مستحيلة ! أما الأرض فهي تربة واحدة، الأمطار واحدة، الحر واحد، البرد واحد، تجد النُضْجَ على مدى ثلاثة أشهر، كيف يكشف الفلاح أن هذه البطيخة قد نضجت ؟ لها حلزون في أعلاها فالفلاح يمسك الحلزون ويضغطه، إذا انكسر تكون قد نضجت، بقي طرياً تكون غير ناضجة، قال الله:

﴿ وَعَلَامَاتٍ﴾

(سورة النحل: الآية 16)

 الحكمة من نضج المحاصيل في يوم واحد والفواكه تباعاً:

 ما من ثمرة إلا وجعل الله لها علامة، العنب محمول وإذا أردت أن تقطف العنب نحو الأسفل انعصر بين يديك ولم ينقطف، من أمتن الأغصان غصن العنب، أما عكس ذلك بسهولة يُقْطف، من صممه بهذا التصميم ؟ مَنْ برمج الفواكه تنضج تباعاً ؟ في الأول العوجة، ثم الكرز، بعدها الأجاص يليه الدراق بعد ذلك التفاح.
 لو كانت كلها تنضج في وقت واحد، تفقد ثمنها، تنضج تباعاً، أما المحاصيل فتنضج في يوم واحد كالقمح والعدس والحمص، فلو كانت تنضج تباعاً يصبح الحصاد انتحاراً، تبحث في السنبلة واحدة واحدة وتترك التي لم تنضج وتقطع الناضجة، مستحيلة، انظر المحاصيل تنضج في يوم واحد أما الفواكه والثمار والخضراوات تنضج تباعاً.
 إذاً هذا النبات مَنْ صممه ؟ الإله العظيم، الحكيم، الخلاّق، العليم، الخبير، هو مَنْ صممه.

 تناسب حجم النبات ولونه وشكله ورائحته مع حجم الإنسان:

 لندقق في هذه النقطة: تفاحة مثلاً فيها غِذاء متناسب مع جسمك، تحتاج إلى مادة سكرية أحادية سريعة الامتصاص، في التفاح موجودة، تحتاج إلى حديد (هيموغلوبين الدم)، في التفاح موجود، أنت بحاجة لمعادن، في التفاح موجودة، فالمواد التي تتكون منها التفاحة متناسبة مئة بالمئة مع جسمك، لو كان قوامه كقوام الصخر تحتاج إلى مكسرة، بينما قوامه يتناسب مع أسنانك، وحجمه متناسب، هل من المعقول التفاحة كحجم البطيخة ؟ تَقْسِمَها فَتَسْوَدْ، فلا تعود تؤكل، فالحجم واللون والقوام والشكل والرائحة، وهي مُشّهِية ولها غلاف مجلتن، هذا الغلاف (القشرة) مادة حافظة.

 التفكر في الظاهرة النباتية:

 هنالك أشياء مدهشة بالفواكه، البطيخ مثلاً 97 بالمئة ماء، أنت هل بإمكانك أن تجمد ماء من دون براد ؟ البطيخ ماء مجمد، ماء مجمد بأوعية هشة فإذا عصرت البطيخ 97 بالمئة ماء صرف، و 3 بالمئة مواد سكرية ومُنَكِّهة والبطيخ لو كان غلافه هشاً كان كله يتلف وهو في الطريق، تجد السيارة تحمل 5خمسة طن بطيخ والتي موجودة في الأسفل تحمل الجميع، شكلها مع قشرتها شيء رائع جداً.
 انظر في الفواكه والثمار، الموز ثمرة تفيد الصغار تقشيرها سهل، الصبارة ليست كالموز تقشيرها أصعب بكثير، يوجد شيء له بذر كبير كالمنجا، وأشياء بذرها صغير، وأشياء بلا بذر، أي ما يخطر في بالك موجود ما يشبهه في الطبيعة، تحتاج أن تضع في الكاتو زبيب، يوجد نوع من الزبيب ليس له بذر، تجد نوع من الفاكهة ثلاثمئة شكل، لدينا مجمع بحوث زراعية في دوما لديه ثلاثمئة نوع من العنب هذه الفاكهة شيء للتصدير قوامها متين، شيء للعصير وشيء للاستهلاك وشيء للمائدة وشيء للطبخ، أنواع، لا يوجد فاكهة أو إنتاج زراعي إلا وله أنواع منوعة، هذه نسيجها اللحمي كثيف للمائدة، ماؤها كثيف للعصير، قوامها صلب للتصدير، أنواع منوعة فالظاهرة النباتية أيها الأخوة موضوع للتفكر، أنت أثناء أكلك، فَكِّرْ تتعرف إلى الله، تدخل عليه من باب عريض، وتصل إليه بطريق قصير، كل شيء أمامك.

 خلق الله ينبغي على الإنسان أن يعرفه:

﴿ فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾

(سورة عبس: الآية 24)

 أمر إلهي كأمر الصلاة.

 

﴿ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً﴾

 

(سورة عبس: الآية 25)

 العنب، البرتقالة لو كانت كلها قوام واحد تقسمها نصفين اثنين، والثاني قسمها نصفين، تأكلها جزءاً جزءاً، وإذا تلوثت يداك لها محارم منها وفيها، مواد منعشة قشر البرتقال والقشر يصبح مرملاد مِنْ أرقى أنواع المرملاد، هذا خَلْقُ الله ينبغي أن نعرفه، ظاهرة النبات وحدها تلفت النظر، تأخذ بالألباب.

 دور الإنسان في النبات شكلي جداً:

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾

 أنت ماذا فعلت ؟ من باب الدعابة يقول لك: أنشأت مصنعاً لتعبئة المياه، ماذا فعلت أنت ؟ وضعت القارورة تحت الصنبور ثم أغلقتها، دور الإنسان شكلي جداً، حرثت الأرض وسمدتها وألقيت فيها الحبة وانتهى الأمر، أنت نائم، مَنْ فَعَلَ فِعْلَ الخَلْقِ في هذه البذرة ؟ الله جل جلاله، الإنسان غافل وجاهل ؛ والغفلة والجهل لا يولدان عملاً ذكياً رائعاً، ويقول لك هذه البذرة بذرة مشمش كلابي، والثانية مشمش فرنسي، والثالثة بلدية، العجمي كم نوع ؟ العجمي له طعم وله خصائص، الكلابي له خصائص، البلدي له خصائص، كله مشمش ولكن كل واحد بطعمة.
 البندورة فيها نوع حامضي ذو نكهة جميلة جداً، ونوع ذو نكهة حلوة، أنواع منوعة.

 رزق الله للإنسان لا يقدر بثمن:

﴿ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾

 من هذه النباتات:

﴿ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾

 أنت حينما تشتري كيلو تفاح تكون قد دفعت ثمن خدمته فقط، أما هو بلا ثمن، هو بلا ثمن إطلاقاً، هو مِنْ رِزْقِ الله عز وجل.
مرة ثانية: المحاضرة اليوم في جامع صلاح الدين حول آيات الله عز وجل الدالة على خلقه، ولكن تستطيع تمضية شهر وشهرين وأكثر في ظاهرة النبات وحدها، في آية كريمة حول النبات بسورة المائدة على الأغلب نبات كُلِّ شي، كل حاجات الإنسان النبات يغطي هذه الحاجات بَدْءاًً من المأوى.

 النبات من أكبر الموضوعات الدالة على الله وجوداً وكمالاً ووحدانيةً:

 البيوت كلها بالدول الغربية من الخشب، الخشب أرقى مادة للبيوت، عزل ودفء وبرودة، شيء رائع جداً، ادخل لغرفة كلها خشب فالجلوس فيها ممتع جداً، فالخشب للسكن و للأثاث.
 خشب البيوت من خشب الزان تجده معمِّر مئات السنين، يقول لك هذا من عهد لويس الثالث عشر، خشب زان، خشب النوافذ يقاوم الهواء والبرد، خشب الاستعمال الصناعي سهل لين، وتنجيره سهل، لكن على الإنسان أن يفكر
أيها الأخوة، أنا لم أقدم سوى نماذج مبسطة لطرائق التفكر في الله عز وجل وفي آيات الله الدالة على عظمته. على كلٍّ يمكن أن تُعَدَّ ظاهرة النبات وحدها من أكبر الظواهر الدالة على عظمة الله، لا يوجد واحد منا إلا في بيته طعام مهما كان خشناً، ألا يوجد خسِّة، فكر في الخس (أوراق)، فكِّر في بعض الخضراوات والفواكه (خصائصها)، هذا شيء يأخذ بالألباب، فيمكن أن يعد موضوع النبات من أكبر الموضوعات الدالة على الله: وجوداً وكمالاً ووحدانيةً.

 للنبات حياة نفسية خاصة به:

 الله عز وجل جعل هذا النبات بين أيدينا، كائن حي،هنالك بحوث حديثة جداً تشير إلى أن النبات له حياة نفسية، أجريت تجربة نادرة جداً، هناك جهازٌ لكشف الكذب أساسه التعرق، عندما يكذب الإنسان يفرز جلده عرقاً بارداً، هناك أجهزة تحسس بالغة الدقة توضع على مِعْصم الإنسان ويُسأَل فإذا كذب تحرك المؤشر،وُضِعَ هذا الجهاز على نبات وجاء إنسان ومزق نباتاً آخر أمام هذا النبات تحرك الجهاز، تألم، الأغرب من ذلك، بعد حين جاء الشخص نفسه الذي مزق النبات وقف أمام النبات فتحرك المؤشر، هكذا قرأت في بحث علمي أن هذه التجربة بدايةٌ متواضعةٌ لإثبات أن للنبات حياة نفسية.
 أما أجدادنا فيعرفون هذه الحقيقة، نبتة تعيش في بيت لا تعيش في بيت آخر، ينشأ بينها وبين صاحبها مشاركة وجدانية.

 سرور الإنسان مع النباتات أنها كائنات مسبحة:

 النبات كائن حي يقول لك الإنسان أنا ذهبت في نزهة وسررت، لماذا سُرَّ ؟ لأنه عاش مع النبات والنباتات كائنات صافية موصولة بالله وغير مكلفة ليس لديها معاصي وآثام، أحد أسباب السرور مع النبات أنها كائنات مُسَبِّحَةٌ لقول الله عز وجل:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾

(سورة الإسراء: الآية 44)

 فالنبات مُسَبِّحْ.

 عجائب النبات:

 فيا أيها الأخوة: أثناء طعامك وأنت جالس في غرفة الضيوف فكِّر في النبات، يوجد نبات مصمم لِيُمْتِعَ عينيك فقط، أما لو أكلته يُمِيتُ الإنسان فهو سام، أوراقه مخططة، لو أن طفلاً أكل منها لمات فوراً، لماذا مصمم ؟ للنظر فقط.
 أما اليخنة فلا تميت، مصممة للأكل، اليبرق لايميت، أما هذا النبات مصمم ليمتع عينيك في البيت فقط و أما إذا أكلته فهو سام.
 هناك نباتات تأكل اللحوم، نباتات تنصب فخاً أمام الحشرات فإذا وقعت فيها استهلكتها كغذاء، يوجد في النباتات عجائب لا تصدق، الشجرة التي خلقت لِيُسْتَفادَ من خشبها، جذورها ليفية قليلة ومجتمعة، قلعها سهل، أما الشجرة التي خلقت كي يستفاد من ثمرها جذورها بالغة الأعماق، إله حكيم، هذه زُرِعَتْ لتقطع في الأساس ليستفاد من خشبها إذاً جذورها ليفية أما الأخرى زرعت لتبقى ومن أجل أن تثمر فجذورها عميقة وتمتد في أعماق التربة، طبعاً أنا لم أذكر إلا أشياء بسيطة من النبات، هذه يمكن أن تكون نموذجاً لطرائق التفكر في خلق السماوات والأرض.
 أيها الأخوة الكرام: إن شاء الله تعالى في الجمعة التي تلي العيد نتحدث عن موضوعات أخرى متعلقة بهذه الآية:

﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018