الندوة : 2 - آيات الله في الإنسان. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠13ندوات مختلفة - قناة الشارقة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الندوة : 2 - آيات الله في الإنسان.


1997-08-03

مقدمة :

 الحمد لله رب العالمين ، الحمدُ لله لا يُحصى عطاه ولا تُعدُ نُعماه ، والشكرُ للهِ سبحانهُ وتعالى على ما تفضّلَ علينا وأولاه ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خيرُ نبيٍ اجتباه .
 أيها الأخوة ؛ السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته في هذا اللِقاء نَقِفُ مع آيات اللهِ سبحانه وتعالى في هذا الإنسان ، في هذا المخلوق الذي سخّرَ لَهُ الله سبحانَهُ وتعالى كُلَّ شيء وذلك لأنَّ قُدرة الخالِق تتجلى في هذا الكون وفي هذا الإنسان ، لِذا ربُنا سُبحانه وتعالى أمرنا أن ننظُرَ في أحوالِنا وأنفُسِنا :

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

 فإننا أيها الأخوة المُشاهدون نقف مع هذا الإنسان لنستجلي ما فيهِ من أسرارٍ إلهية ونفحاتٍ ربانية وضيفُنا في هذا اللقاء مع هذا الموضوع الشيّق الأستاذ محمد راتب النابلسي الأستاذ المُحاضر في كلية التربية بجامعة دمشق إلى جانبِ كونِهِ خطيباً وواعِظاً ومُحدّثاً ومُربيّاً لَهُ نشاطُهُ الطيّب في كُلِّ الميادين ، ونحنُ إذ نُعرّف بأستاذنا الكريم بأنَّ كثيراً من الناس قد يجهلون معالِمَ هذهِ الشخصيات الطيّبة التي تعملُ بصمتٍ وهدوء تبتغي وجهَ ربِها في تربيةِ الأجيالِ ، في عطائِها ، كيفَ لا وهوَ نفحةٌ طيّبة من جدّهِ العالِم ، العالِم الربانيّ ، والعالِم الذي تركَ من المخطوطات التي يعيشُ عليها الكثيرُ الكثير من أهلِ العِلم والفضل في فهمٍ عميق وعطاءٍ قد لا يُعادِلهُ عطاء إلاّ من كان بهذا المستوى من أميال العلماء الربانيين الشيخ عبد الغني النابلسي رَحِمَهُ الله تعالى ورحِمَ اللهُ الأئمة الأعلى فأهلاً وسهلاً بأستاذنا وضيفنا الكريم الأستاذ محمد راتب النابلسي .
المذيع :
 لعلّي إذا سمحتُم قبلَ أن نبدأ وقد ذكرنا نحنُ موضوعَ الإنسان فربُنا سبحانَهُ وتعالى ذكرَ الإنسان جملةً وتفصيلاً واللهُ يقول :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[سورة التين: 4]

 جاءَ هُنا ذِكرُ الإنسانِ مُجملاً ثمَّ وقفَ على التفصيل في بعض الأمور منها قولُهُ سبحانهُ وتعالى :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

[سورة البلد: 8-10]

 إلى جانب آيات كثيرة وردَ فيها ذِكرُ الإنسان ، فلعلّكم إن شاء الله إذا سمحتم أن نتحدّث عن الإنسان أولاً لِمَ خصّهُ بالذِكر في هذا ؟ ولِمَ خصّهُ كذلك أن ينظُرَ في نفسِهِ ونفسُهُ أقربُ إليهِ من كُلِّ شيء إلاّ اللهَ أقربُ إلينا حتى من حبل الوريد كما وردَ في سورة ق ؟ فلو تفضلّتم بالتعريف أو بالوقوف عِندَ هذهِ النُقطة دُمتم مشكورين .

الإنسان هو المخلوق الأول والمكرم والمكلف :

الدكتور راتب :
 إن شاء الله ، بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمدُ للهِ ربِّ العالمين والصلاة والسلامُ على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، الإنسان هوَ المخلوق الأول لِقولِهِ تعالى :

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾

[سورة الأحزاب: 72]

 والإنسانُ هوَ المخلوق المُكرّم لِقولِهِ تعالى :

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾

[سورة الإسراء: 70]

 والإنسانُ هوَ المخلوق المُكلّف قالَ تعالى :

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[سورة الذاريات: 56]

 والتكليفُ طاعة تسبِقُها معرفة ، ومعرِفةُ اللهِ يُمكن أن نتخذَ وسيلةً لها جسم الإنسان الذي هوَ أقربُ شيء إلى الإنسان ، جِسمُهُ الذي يتحرّكُ بِهِ أقربُ آية دالّةٍ على عظمةِ الله جلَّ جلالُه ، ففي أيّ جانبٍ من جوانبِ هذا الجِسم لو نَظَرَ الإنسانُ نظرَ المُتأمّل لَخَلَصَ إلى نتائِجَ مُذهِلة ، إنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى خَلَقَهُ في أحسنِ تقويم ، والحديثُ عن جِسمُ الإنسان وعن فحوى هذهِ الآية الكريمة يطولُ كثيراً ولكن أخذ القليل خيرٌ من تركِ الكثير .

جهاز المناعةِ المُكتسب من الأجهزة الرائعة المُدهشة التي أودعها اللهُ في الإنسان :

 من هذهِ الأجهزة الرائعة المُدهشة التي أودعها اللهُ في الإنسان جهازٌ اسمهُ جهازُ المناعةِ المُكتسب ، هذا الجِهاز يُسميهِ بعضُ الأطباء : جهازُ الشِفاء الذاتي ، هذا الجهاز يتميّز بأنهُ يتألّف من عناصر تزيدُ عن بِضعةِ عشراتٍ من الملايين تتضاعفُ في زمنِ الشِدّة إلى أضعافٍ مُضاعفة ، عناصِرُ هذا الجِهاز تُصنعُ في نقي العِظام إنها الكريات البيضاء وتُعدُّ إعداداً قتاليّاً في غدةٍ اسمُها : غُدةِ التيّوس ، الشيء العجيب أنَّ هذا الجهاز يُشبِهُ أن يكونَ جيشاً في أعلى مستوى ، فلَهُ قيادةٌ حكيمة ، ولَهُ عناصر موزعةٌ دقيقةٍ جدّاً ، فمن مهمات هذا الجهاز أنَّ بعضَ عناصِرِهِ مختصّةٌ بالذهابِ إلى الجرثومِ الذي يُداهِمُ هذا الجِسم ، مهمتها الوحيدة أن تتفحصَ شِفرتها الكيماوية وتعودُ بِها إلى مراكز اللمف لِتٌسلّمَها إلى عناصِرَ أخرى مهمتُها إعداد السلاح الفتّاك لِهذا الجرثوم .
 العناصِرُ الثانية : العناصِر المُصنّعة ، الأولى اسمُها العناصر المُستطلِعة ، الخلايا المُصنّعة تفُكَ شِفرةَ هذا الجرثوم وتصنعُ مصلاً مُضاداً لِهذا الجرثوم وتنتهي مهمتُها وتأتي مُهمة خلايا أخرى ، كريات بيضاء أخرى مهمتُها قتالية تحمِلُ هذا السِلاح الفتّاك وتنطلقُ بهِ إلى العدو وتُقاتِلُهُ حتى تقضيَ عليه وعندئذٍ تنتهي مهمُتُها وتأتي مهمة سلاح الخدمات إن صحَّ التعبير ، عناصر من الكُريات البيضاء تنطلقُ إلى ساحة المعركة لِتُنظّفَ ما عليها من جُثث القتلى .
 الشيء الدقيق جداً : أنَّ هذا الجهاز يتمتّع بذاكِرة عجيبة مدهشة ، لولا هذهِ الذاكِرة لَمَا كانَ للتلقيحِ من معنى إطلاقاً ، فأيُّ جرثومٍ داهَمَ الإنسان وصُنِعَ لَهُ مصلٌ مُضاد يُحفظُ تركيبُ هذا المصلِ في ذاكرة هذا الجهاز ، ولو عادَ هذا الجرثوم بعدَ خمسينَ عاماً فإنَّ ذاكِرةَ هذا الجِهاز تُعيدَ صُنعَ المصلِ المُضاد وتفتِكُ بالجرثوم .
 شيء يُلفِتُ النظر أنَهُ اكتُشِفَ في آخر السبعينات أنَّ في هذا الجِهاز فِرقةً تتميّز عن بقيّة الفِرق بأنَّ لَها قُدرةً على كشفِ انحراف الخليّةِ قبلَ أن تنحرف ، يُمكن أن نُسمي هذه الفِرقة فرقة المغاوير ، إنها تستطيعُ أن تكشِفَ انحراف الخليّةِ في نموِها غير الطبيعي قبلَ أن يبدأ انحرافها وتقضي عليها ، أمّا الشيء الذي لا يُصدّق هو أنَّ هذا الجِهاز يأتمِرُ من جِهةٍ خارِجَ الجِسم إنها الله ، جِهاز الدوران مركزهُ القلب ، الجِهاز العصبي مركزهُ الدِماغ ، جِهازُ إفراز الفضلات مركزهُ الكُليتان ، أمّا هذا الِجهاز ليسَ لَهُ مركزٌ قياديّ داخِلَ الجِسم إنَّ مركزهُ خارِجَ الجِسم يتلقّى منهُ التوجيهات والأوامر والتطويرات ، الشيء الذي يُعينُ على فهمِ حقيقةُ هذا الجهاز هوَ أنَّ الحُب والرِضا والثِقة والاطمئنان تُقوّي هذا الجهاز ، والخوف والقلق والحِقد والتوتر والشِدة النفسيّة تُضعِفُ هذا الجِهاز .

التوحيدُ صِحةٌ :

 الآن يتبيّن أنَّ المؤمن الموحّد الذي وَكَلَ أمرَهُ إلى الله وجعلَ الهمومَ همّاً واحداً وعَمِلَ لوجهٍ واحد كفاهُ اللهُ الهمومَ كُلّها ، إنَّ هذا الشعور بأنَّ الإنسانَ لله وهوَ قائمٌ بالله وأمرُهُ إلى الله وما عليهِ إلاّ أن يُطِيعَهُ ، هذا الشعور يبعثُ في النفسِ الطُمأنينة ، وهذا الشعور وهذه الطُمأنينة تُقوّي عملَ هذا الجِهاز ، إذاً : التوحيدُ صِحةٌ بالمعنى الدقيق ، قالَ تعالى :

﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾

[سورة الشعراء: 213]

﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾

[سورة آل عمران: 151]

 فالشِركُ من نتائِجِه الخوف والقلق والتوتر والشِدّة النفسيّة ، وهذا الخوف والقلق والتوتر يؤديانِ إلى إضعافِ هذا الجِهاز ، ومرضُ العصرِ اليوم هوَ مرضُ الإيدز ، الإنسان حينما ينحرِفُ عن منهج الله ينحرفُ عن حُكمِ الله وينحرِفُ عن مبادئ فِطرتِهِ يتعطّلُ هذا الجِهاز ، وهذا الفيروس فيروس الإيدز هوَ أضعفُ فيروسٍ على الإطلاق يتحدّى كُلَ قِوى البشرِ الآن ، في بعض البِلاد المتقدمة تقدماً صناعيّاً فحسب يموتُ في كُلِّ عشر ثوانٍ إنسانٌ بمرض الإيدز:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[سورة التين: 4]

 فإذا خرجَ عن منهج الله :

﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

[ سورة التين : 5]

المذيع :
 الشكر لضيفنا الكريم على هذهِ اللفتة الطيّبة في الإنسان :

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

 جهاز المناعة واحد من أحد الأجهزة التي قد لا يعلمُها إلا من كانَ صاحِبَ اختصاص ، وظهرَ هذا الأمر بعدَ أن ابتلى اللهَ سبحانه وتعالى البشرية ، حيث تحدّت الإله في معاصيها ، في فسوقها ، في فجورِها ، فابتلاها ربنا بعدَ ذلك بهذا الجهاز الذي لم تبقى لهُ الوظيفة الأساس التي من أجلها خلقهُ وأودعهُ في هذا الإنسان ، ولفتةٌ أخرى من ضيفنا الكريم التوجّهُ إلى اللهِ وحده هوَ الحل الوحيد لهذهِ البشرية التي باتت تُعاني ما لا نستطيع لَهُ حصراً في هذهِ الدقائق المحدودة ولكن لعلّي أتذكر وأذكر قولَ اللهِ تعالى :

﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾

[سورة الزُمر: 29]

 فإذاً لا يستوي من كانت توجهاتهُ وحدهُ دونَ سِواه ، ومن كانَ متوجهاً إلى غيرِ الله فوكلَهُ الله إلى نفسه ، الأستاذ محمد راتب بعدَ أن تعرّفنا إلى هذا الجهاز في الإنسان الذي خلقهُ الله في أحسنِ تقويم ولكن رددناهُ أسفلَ سافلين بكسبِ يده لأنَهُ أرادَ هكذا ، ما أرادَ أن يتوجّه إلى الله فكانت الانتكاسة التي تُعاني مِنها البشرية اليوم هيَ ليست انتكاسة ماديّة أو اقتصادية بقدرِ ما هيَ انتكاسة والعياذُ باللهِ جاهلية ، حيث التوجه لا إلى صنمٍ كما كانَ في الجاهلية بل التوجّه إلى غير الله ، وثِقةٌ بغيرِ الله ، ولِهذا نعودُ مرةً أخرى إلى الإنسان ، أنا ذكرتُ في ابتداء اللقاء بأنَّ الله ذكرَ الإنسانَ جملةً وأخذتم أنتم جانباً من هذه الجوانب في الإنسان ، ولكن أُريد أن نقف على جانب آخر خصّهُ اللهُ تعالى بالذِكر من بين الأعضاء ، ذكرَ الرِّجل في مكان ، وذكرَ اليد في مكان ، ولكنَ الله سبحانهُ وتعالى ذكرَ الإنسانَ بعينهِ ولسانِهِ وشفتيه فقالَ :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ﴾

[سورة البلد: 8-10]

 فما الحِكمة من ذِكرُ العينِ أولاً ثُمَّ عقّب بعدَ ذلكَ باللسانِ والشفتين ثمَّ ربطهُما بعدَ ذلِكَ بالهِداية ؟ فلو أننا وقفنا على جانب العين دُمتم مشكورين .

العين من آيات الله الدالة على عظمته سبحانه :

الدكتور راتب :
 العينُ التي خلقها الله جلَّ جلالُه ولَفَتَ نظرَنا إليها هيَ آيةٌ من أكبر الآيات الدالةِ على عظمتهِ ، هذهِ العين ترى الأشياء بحجمِها الحقيقي وبألوانِها الدقيقة ، إنَّ العينَ البشرية السليمة تستطيعُ أن تُميّزَ بينَ لونين من بينِ ثمانمئة ألفِ لونٍ مُدرّجٍ أمامَها ، أي لو درّجنا اللونَ الأخضرَ مثلاً إلى ثمانمئة ألف درجة العين البشرية تستطيع أن تُدرِكَ الفرقَ بينَ درجتين من هذهِ الدرجات ، فيها دِقّةٌ ما بعدَها دِقة ، هذهِ العين تتِمُ فيها عمليةٌ من أبدع العمليات إنها عمليةُ المُطابقة ، فالجِسمُ البِلوري الذي هوَ العدسة مرن ، والشبكية التي فيها مئة وثلاثون مليون عُصيّة ومخروط والتي تستقبلُ الخيال الذي يأتيها من العدسة هذهِ الشبكية بعدُها عن العدسة ثابت ، فكيفَ السبيلُ إلى أن نرى الأشياءَ رؤيةً دقيقةً مع أنها تتبدلُ في مواقِعِها عن العين ، هُناكَ عضلاتٌ هُدبيّةٌ بالغةُ الدِقّة تضغط على العدسة ضغطاً بالميكرونات بحيثُ يبقى خيالُ الأشياء المرئية على شبكية العين ، وهذهِ العمليةُ يعجزُ عن أن يفعلَها أكبرُ علماء الضوء ، إنَّ العين تقومُ بهذهِ العملية المُعقدّة بشكلٍ مُذهلٍ وعجيب ، قالَ تعالى :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ﴾

[سورة البلد: 8]

 في ماء العين لو أنَّ إنساناً ذهبَ إلى بلدٍ في شمال الكُرة الأرضيّة حيثُ تصِلُ الحرارةُ في الشتاء إلى ثمانية وستين درجة تحت الصِفر ، الإنسان بإمكانِهِ أن يُغطي كُلَّ جِسمِهِ إلاّ أنَّ العين لا يستطيعُ أن يُغطيَها لأنَهُ يرى بِها ، لذلك لو أنَّ العين لامست الهواء الخارجي بهذهِ الدرجة المنخفضة تجمدَّ ماءُ العين وفقدَ الإنسانُ البصر ، لذلك ربُنا جلَّ جلالُه أودعَ في ماءِ العين مادةً مُضادةً للتجمد ، فالعينُ نرى بِها آيات الله جلَّ جلالُه :

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[سورة يونس: 101]

الحكمة من أن الله بدأ بالعين :

 ربُنا عزّ وجل بدأَ بالعين لأنها أداةُ رؤيةُ الأشياء التي حولَنا والأشياء التي حولَنا نَصَبَها اللهُ لتكونَ آياتٍ باهراتٍ دالةً على عظمتهِ جلَّ جلالُه ، هذهِ نُقطة .
 النُقطة الثانية : أنَّ العين حينما نرى بِها آيات الله وحينما نَغُضُّ الطرفَ عن ما حرّمَ الله ، ربُنا عزّ وجل يُريدُنا أن نستخدِمَ هذهِ العين التي هيَ من نِعم الله الكُبرى وفقَ منهج الله ، فلو خرجَ الإنسانُ في استخدامِ عينِهِ عن منهج الله اللهُ جلَّ جلالُه يتوعدُهُ ويُعدُّ لَهُ تأديباً يُرِدّهُ إليه.
المذيع :
 سبحانَهُ من إلهٍ عظيم ، لكن مع العِلمِ أيضاً إذا سمحتَ لي الأستاذ محمد راتب هذا من الناحية الفيزيولوجية ، هذا التركيب العجيب الذي ركّبَهُ اللهُ سبحانَهُ وتعالى ورتّبَ هذا الجهاز حيثُ ذكرتُم نبذةً مختصرة فيما يتسع لَهُ المقام ، ولكن نُريد أن ننتقِلَ بالعينِ أيضاً إلى حِكمةٍ أخرى ، فربُنا سبحانهُ وتعالى جعلَ هذهِ النوافذ لتنعكسَ بعدَ ذلكَ منقولاتِها على قلبِ الإنسان ، إمّا أن يكونُ هذا المنقولُ خيراً أو غيرَ ذلك ولِهذا عندمّا قالَ سبحانَه :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾

[سورة النور: 30]

 فربطها بالعقل :

﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾

[سورة النور: 31]

 ربطها بالعين فإذاً هُناكَ حِكمةً أخرى ، فحبذا قبلَ أن ننتقلَ إلى اللسان والشفتين لِنُذكّرَ بالجانب التربوي الهام الذي يترتب على الرؤيا ، على النظر ، والعينُ هيَ الأداةُ في هذا لو تفضلتُم .

ارتقاء الإنسان بعينه حينما يضبِطُها وفقَ منهج الله :

الدكتور راتب :
 يمكن أن نعبُدَ اللهَ من خِلال العين ، هُناكَ عِبادةٌ إيجابيّة أمرنا أن ننظر في ملكوت السماوات والأرض وهيَ نافذةٌ للعقل ، العقل جهازٌ من أعقدِ ما في الكون دامَ في الإنسان ، العقل أعقد جِهاز في الكون أودعهُ الله في الإنسان ، ولكنَّ هذا العقل لَهُ نوافذ ، أحدُ أكبر نوافِذِهِ هيَ العين ، بالعينِ نرى آيات الله ، بالعينِ نرى الأحداث التي أمامنا ، يُمكن أن نستنبِطَ العِبرَ مما يجري حولَنا من خلال رؤيتِنا : " أُمرت أن يكونَ صمتي فِكراً ونطقي ذِكراً ونظري عِبرةً " .
 فالعينُ أداةٌ حساسةٌ مهمةٌ جداً نعبدُ اللهَ من خِلالِها حينما نستخدِمُها وفقَ منهج الله في النظرِ في ملكوت السماوات والأرض :

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[سورة يونس: 101]

 وحينما نردعُها عن نظرةٍ عاصيةٍ نرقى إلى الله فكأنَّ الشهوةَ التي أودعها اللهُ فينا نرقى بها مرتين : مرةً حينما نُطبّقُ أمرَ اللهِ عزّ وجل ، ومرةً حينما نكُفُها عن معصية الله عزّ وجل ، هيَ سُلّمٌ نرقى بِها مرتين قالَ تعالى :

﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾

[سورة النور: 30]

 وقعَ تحتَ يدي كتابٌ : الإنسان ذلكَ المجهول لأليكسي كريكز يقول : إنَّ خيرَ نظامٍ للبشريّة أن يُقصُرَ الرجلُ طَرفَهُ على زوجته ، هذا الشيء كشفهُ بالتجربة وبالملاحظات ، أمّا هذا منهجٌ إلهي ، مدرسةُ غضِّ البَصر ، السعادة الزوجية أساسُها غضُّ البَصر ، السعادة الزوجية أساسُها الانصراف الكامِلُ إلى الزوجة ، أمّا حينما يتفلّتُ الإنسان من منهج الله ويُطلِقُ بَصرَهُ هُنا وهُناك ، ويملأُ عينيهِ من الحرام يَفقِدُ أثمنَ شيء في حياتِهِ ألا وهيَ السعادة الزوجيّة ، فالعين لها دورٌ خطير في إيمان الإنسان ، تتلقى العين آيات الله الدالةِ على عظمتِهِ ويرقى الإنسانُ بِها حينما يضبِطُها وفقَ منهج الله عزّ وجل .
المذيع :
 هذهِ اللفتة الطيبة فيما يتعلّقُ بالعين مرةً أخرى أقول ما تفضلتُم بهِ بأنَّ الإنسانَ غير المُنضبط الذي يسرحُ نظرُهُ في الحرام ، أذكرُ من مقولة العُلماء أنهم قالوا : " إنَّ النظرَ إلى الحرام يُضعِفُ المُتعةَ في الإنسان لأنهُ كالذي يأكُلُ أنواعاً من الطعام من هُنا وهُناك فيؤدي بعدَ ذلكَ إلى مرض التُخمة في المعدِة" ، كذلِكَ أيضاً العين لا يُحِسُ بِها الإنسان إلاّ بعدَ فترةٍ عندما هذهِ المتعة التي يسعى إليها ويلهثُ وراءّها تخبو يوماً بعدَ يوم ، وفي وقتٍ مُبكّر ، لأنهُ سرّحَ نظرهُ فيما حرّمَ اللهُ تعالى ، فلو أنَهُ وقفَ معَ الحلال لاستمر الحلال أيضاً في نفسِهِ ومعَ أهلِهِ إلى أن يُقدّر الله سبحانهُ وتعالى لَهُ هذهِ المُدة الزمنية التي يعيشها في هذا الكون ، فإلهٌ عظيم ، والعين فيها كثيرٌ وكثيرٌ من الأسرار مهما وقفنا عِندها نعودُ فنقول :

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

ثمنُ الجنة :

الدكتور راتب :
 هُناكَ طبعُ الإنسان يميلُ إلى إطلاق البَصر والتكليف يأمُرُهُ أن يَغُضَ البَصر ، هذا التناقُضُ الذي يبدو من طبعِ الإنسانِ الذي يميلُ إلى إطلاق البَصر والتكليفُ الإلهي الذي يأمُرهُ بغضِّ البَصر هوَ ثمنُ الجنة ، هوَ سببُ رُقيّ الإنسان ، ما سُميَّ التكليفُ تكليفاً إلا لأنَّهُ ذو كُلفة، لولا هذا التناقض بينَ طبع الإنسان الذي يميلُ إلى أن يُمتّعَ نَظَرَهُ بِكُلِّ جميلٍ حتى ولو كانَ مُحرّماً يأتي التكليف ليجعل لَهُ قناةً نظيفةً يسري خِلالَها ويُحرّمُ عليه القنوات القذِرة ، فالإنسان يرقى حينما يأتمر بما أمر وينتهي عمّا عنهُ نهى وزَجر .
" ليسَ الولي الذي يمشي على وجه الماء ، ولا الذي يطيرُ في الهواء ، ولكنَّ الولي هوَ الذي تجدهُ عِندَ الأمر والنهي " ، أن يجدِكَ حيثُ أمرك ، وأن يفتقِدُكَ حيثُ نهاك .
المذيع :
 حقّاَ هذا هوَ الوَليّ كما تفضلتم وإن كانت فِكرة عابِرة لكنها ذات أهميّة في منهج المُربيّن ، ذلكَ هو الوليّ الذي يتجهُ نحوَ الله ، أن يجدِكَ حيثُ أمرَك ، وأن يفتقِدُكَ حيثُ نهاك ، تِلكَ هي البِداية ، لذلكَ أيها الأخوة المشاهدون :

﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات: 21 ]

 لا لكي فقط نقرأ أو نصِلَ إلى أنَّ اللهَ موجودٌ من خِلالِ هذهِ ، فنحنُ نُؤمن بالإلهِ بالفِطرة ، ولكن لنقرأ على صفحاتِ هذا الكون وأيضاً على صفحاتِ أنفُسِنا آيات الله وقُدرة الله تعالى التي ليسَ فوقَها قُدرة ، فسُبحانَهُ من إلهٍ عظيم ، شتّانَ بينَ من أسلمَ قيادتُهُ لِخالِقِهِ ومولاه وبينَ من أسلمَ قيادتُهُ لنفسِهِ وحظهِ وشهوتِهِ وهواه .
المذيع :
 نعود مرةً أخرى أستاذ محمد راتب نعود للإنسان ، نحنُ ذكرنا في الآية الكريمة :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * ﴾

[سورة البلد: 8-9]

 بعد العينين ذَكَرَ اللِسان وذَكَرَ الشَفَتين أيضاً لِحِكم ، لو أنّا عرفنا حِكمة الله سبحانَهُ وتعالى من العين الآن لِمَ خصَّ اللِسانَ والشفتين في الذِكر في هذا المقام لو تفضلّتُم ؟

بالعين تتلقى الآيات والعِبَر وباللِسان تنطِقُ بِما علِمت مُذكّرِاً وواعِظاً :

الدكتور راتب :
 كما سلكتُ في السؤال الأول أبدأُ ببعض المُلاحظات حولَ الشفتين واللِسان ، واللِسان لَهُ وظائِفٌ متعددة من أهمِها النُطق ولَهُ وظائِفُ أُخرى ، لكن هل نُصدّق أنَّ كُلَّ حرفٍ ننطِقُ بِهِ تُسهِمُ في صُنعِهِ سبعة عشرة عضلة ، فنحنُ حينما نُلقي خُطبةً أو نُلقي كلمةً أو نُجري حديثاً كم حركة من حركات العضلات تتحرك لِتؤلِّفَ هذهِ الحروف والتي تؤلِّفُ الكلمات والجُمل والتراكيب وما إلى ذلك ؟!
 شيء آخر : العُلماء يذكُرون أنَّ في الإنسانِ مُنعكساً اسمُهُ منعكس المصّ ، هذا المُنعكس لولاهُ لَما وجدتَ على الأرض إنساناً واحداً ، الطِفلُ حينما يولد دون أن يُعلّمُهُ أحد يضعُ شفتيهِ على ثديِ أُمِهِ ويُحكِمُ إغلاقَ الشفتين على حُلمة الثدي ويسحبُ الهواء ، من علّمَهُ ذلك ؟ علمَهُ ربُنا :

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[سورة طه: 49-50]

 فكأنَّ العينَ تستقبل بِها الآيات الكونية وأنكَ مُكلّفٌ أن تذكُرَ اللهَ بِلِسانِك أي :

﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾

[سورة البقرة: 152]

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[سورة الأحزاب: 41]

 فالأمرُ ينصبُّ لا على الذِكرِ بل على كثرةِ الذِكرِ :

﴿ اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾

[سورة الأحزاب: 41]

 فكأنّكَ بالعين تتلقى الآيات والعِبَر وباللِسان تنطِقُ بِما علِمت مُذكّرِاً وواعِظاً ، والله سبحانهُ وتعالى يقول:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[سورة الرحمن: 1-4]

البيان من أخصِّ خصائصِ الإنسان :

 البيان من أخصِّ خصائصِ الإنسان ، أداةُ اتصال رائعة بينَ أفرادِ النوع ، اللغة ، أرقى اتصال النوع عن طريق اللغة ، فأنتَ باللُغة تُعبّرُ عن مشاعِرِك ، تُعبّرً عن أفكارِك ، أنتَ باللُغة تطّلِعُ على أفكار الآخرين وعلى مشاعِرهم وعلى حاجاتهم ، لذلِك اللغُة لها أربعة جوانب يُمكن أن تُلقي كلاماً ، ويُمكن أن تستمعَ إلى كلام ، أمّا حينما تُريدُ من لُغة أن تنقُلَ تُراثَ أمةٍ من جيلٍ إلى جيل أو من أُمةٍ إلى أُمة تأتي الكتابة ، يُمكن أن تُعبّرَ عن أفكارِكَ بالقلم ، ويُمكن أن تقرأَ ما كُتِبَ بالقلم ، فتُراث البشرية ينتقل من أُمةٍ إلى أُمة ومن أجيالٍ إلى أجيال عن طريق اللغة المقروءة وهذا من فضلِ اللهِ علينا .
المذيع :
 لكن الأستاذ محمد راتب لا نُريد أن نقف فقط عِندَ الجوانب الفيزيولوجية والحديثُ عنها طبعاً حديثٌ ذو شجون يدفعُ بالإنسانِ دائماً أن يتفكّر ويتعرّف ، يتعرّف ثمَّ يتفكّر ، يتعرّف على قدرة الصانع ، هل هذا الأمرُ يا تُرى جاءَ عشوائياً أم جاءَ صُدفةً ؟ لأنَّ الإنسانَ إذا أرادَ أن يقومَ على صُنعِ ما يُشابه اللِسان بظاهِرهِ لا بمخبرهِ ومحتواه عندها يبذلُ جهداً كبيراً حتى يُقلدَ هذا العضو وهوَ تقليدٌ سطحيّ ، ولكن الأهمُّ من هذا التركيب الفيزيولوجي الدقيق الذي ركّبَهُ اللهُ تعالى في هذا الجِهاز :

﴿ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * ﴾

[سورة البلد: 8-9]

 اللِسان والشفتان كونُهما أداةَ نُطُق ، أداةَ تعبير عمّا في جنان الإنسان ، كما قالَ الشاعر ، ولكن لهُما وظيفتانِ هامتانِ خطيرتانِ في حياة البشر كما تفضلتُم : ينظر ثُمَّ يذكر ، ويذكُر اللهَ ذِكراً كثيراً ، وليسَ الذِكرُ فقط هوَ يؤجرُ على ذِكرِ اللِسان ولكن هُناك منهجٌ تربويٌ ارتبطَ بهذين العضوين باللِسان والشفتين ، حبذا لو ألقينا الضوء على الجانب التربوي الخطير ، وكما تعلمون فقد وردَ أحاديُثُ كثيرة مِنها حديثُ مُعاذ رضيَ اللهُ عنه:

((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ . . . . . . ثُمَّ قَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى

[ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ]

حَتَّى بَلَغَ

[ يَعْمَلُونَ ]

  ثُمَّ قَالَ : أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأَمْرِ وَعَمُودِهِ وَذُرْوَةِ سَنَامِهِ ؟ فَقُلْتُ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : رَأْسُ الأَمْرِ وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ ، ثُمَّ قَالَ : أَلا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ فَقُلْتُ لَهُ : بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ : كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

إذاً حبذا لو وقفنا إن شاءَ الله وألقينا الضوء بهذهِ المناسبة على هذا الجانب التربوي الهام ، ولعلَّ أكبرَ المصائب بينَ الناس تأتي من هذا اللِسان ومن تِلكَ الشفتين فلو تفضلتُم ولو من باب التذكير لعلَّ إن شاءَ الله الذِكرى تنفعُ المؤمنين .

الإنسان يرقى إلى أعلى علييّن بضبطِ لِسانِهِ وذِكرِهِ للهِ عزّ وجل :

الدكتور راتب :
 الإمام الغزالي في إحيائهِ عقدَ باباً موّسعاً حولَ آفات اللِسان ، وذكرَ آفاتٍ كثيرةٍ جداً كالغيبةُ والنميمةُ والإفكُ والسخريةُ وما إلى ذلك ، الحديثُ الصحيح :

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ ، وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ : وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ))

[ أحمد عن أنس بن مالك]

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّارِ ))

[ الترمذي عن أبي هريرة ]

 السيدة عائشة رضيَّ اللهَ عنها قالت عن أختِها إنها قصيرة :

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلا ، فَقَالَ : مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ، قَالَتْ : فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً ، فَقَالَ : لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))

[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]

 فالإنسان يرقى إلى أعلى علييّن بضبطِ لِسانِهِ وذِكرِهِ للهِ عزّ وجل ، ويهوي إلى أسفلَ سافلين حينما يتفلّتُ لِسانُهُ ويرتكبُ أكبرَ المعاصي ، بل إنَّ عُلماء العقيدة عدّوا أنَّ هُناكَ كُفراً اعتقادياً وأنَّ هُناكَ كُفراً عمليّاً وأنَّ هُناكَ كُفراً قوليّاً ، فالإنسان يكفُر إذا نطق ببعض الكلمات ، فاللِسان جهازٌ خطيرٌ جداً :

(( .... فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ فَقَالَ : ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ أَوْ قَالَ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))

ضبطُ اللِسان أحدُ أكبر خصائص المؤمن :

 قضية الكلام ، المُسلم ألِف أو ظن أنَّ المعاصي هيَ القتل وشرب الخمر والزِنى مع أنَّ هُناك آلاف المعاصي يرتكبُها الإنسان في حياتِهِ اليوميّة ، في بيتِهِ ، في عملِهِ ، في الطريق، في النزهة ، حينما يسخر ، حينما يغتاب ، حينما ينُم ، حينما يُقلّد ، حينما يُحاكي ، هُناك معاص لا تنتهي ، فلِذلك الإسلام ضبطُ الذات ، إذا استطاعت الحضارة الغربيّة أن تُسخّرَ الطبيعة على حدِّ تعبيرِها لأغراضِها فالإسلامُ تكمُنُ عظمتُهُ في أنَّ الإنسانَ المُسلم انضبط انضباطاً ذاتياً، ومن أجلِّ أنواع الانضباط ضبطُ اللِسان ، فكم من أسرةٍ تشرّدت من كلمةٍ جافيّة، كم من شركةٍ فُسِخت من كلمةٍ قاسيّة ، كم من فِتنةٍ نشبِت من كلمةٍ غير صحيحة ، فضبطُ اللِسان أحدُ أكبر خصائص المؤمن وتفلّتُ اللِسان هوَ الذي يفعلُهُ المتفلتون ، فالإنسان بينَ حالين إمّا أن يكونَ منضبطاً موصولاً بالله مُسعِداً للخلق ، وإمّا أن يكونَ متفلّتاً مقطوعاً عن الله مُسيئاً للخلق .
المذيع :
 شكراً لكم ، لكن أيضاً بعدَ هذهِ اللفتة التربويّة الطيبة والتي نُذكّرُ بِها المُسلمين عامّة والإنسانية كذلكَ الأمر لنتعرّفَ على منهج الله سبحانهُ وتعالى الذي أرادَ مِنّا أن نكبحَ جِماحَ النفس ونقِفَ بهذهِ الأعضاء التي خلقها الله سبحانه وتعالى لتؤدي وظيفةً ربانية في الإصلاح ، في فِعل الخير ، في كلمة الحق ، لا أن توظّفَ من أجلِ كما تفضلتُم السخرية ، الغيبة ، النميمة، لأنَّ اللهَ هوَ الذي أودعها ، لأنها أمانة واللهُ سائِلُنا عن هذهِ الأمانة التي استودعها عِندنا، ومن ثمَّ لعلَّ لفتة أخرى في الإنسان ربُنا ذكرَ سبحانه وتعالى مِثلَ هذهِ التي وقفنا عِندها بالعين واللِسان والشفتين ، كذلك لَفَتَ نظرنا إلى دقائِقَ أخرى ، فالإنسان فيهِ أجهزةٌ كثيرةٌ كثيرة تعمل بدءاً من الخلية ، تعمل هذهِ الخلية عملاً عجيباً ومِنها يتركّبُ هذا الإنسان ، انتظمت الخلايا فهذهِ أخذت وظيفة العين وهذهِ وظيفة السمع وهكذا ، ولكن لَفَتَ نظرنا إلى أمرٍ آخر اكتشف في عصورٍ متأخرة قالَ سبحانَهُ وتعالى :

﴿ بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ﴾

[سورة القيامة: 4]

 لفتةٌ أخرى فلو أننا لفتنا النظر إلى حكمة الخالق سبحانَهُ وتعالى في هذا الجانب ولِمَ خصَّ البنَانَ هُنا بالذِكر لو تفضلتُم ؟

لكرامة الإنسان عِندَ الله أعطاهُ صفات عدة :

الدكتور راتب :
 لعلَّ لكرامة الإنسان عِندَ الله أنَّ اللهَ سبحانَهُ وتعالى أعطى الإنسانَ الفرديّة ، الفرديّةُ من صِفات الله جلَّ جلالُه ، ولِكرامة الإنسان عِندَ الله أعطاهُ بعض هذهِ الفرديّة ، فالإنسان يتميّز بأن لَهُ هُويّةٌ خاصّة ، قبلَ أن نصل إلى البَنان أقفُ قليلاً عِندَ بعض خصائصهِ التي ينفردُ بِها ، قزحية العين : ليسَ في الأرض كُلِّها إنسانٌ آخر يُشبهُ الإنسانَ الأول بقزحيّة العين ، الآن هُناك أقفال لا تُفتح إلاّ على قُزحيّة العين ، لا يستطيعُ فتحها إلاّ إنسانٌ واحد ، الإنسان لَهُ رائحةُ جِلدٍ يتميّزُ بِها وهذا عمل الكلاب البوليسيّة ، أيّ إنسان ينفردُ عن بقيّة البشر جميعاً برائحةِ جلدٍ خاصّة ، والإنسان أيضاً لَهُ تركيبٌ دمويٌ خاص ، بلازما الدم ، والإنسان أيضاً لَهُ نبرةُ صوتٍ خاصّة ، نبرةُ صوتِهِ ، ورائحةُ جِلدِهِ ، وتركيبُ دمهِ ، واكتشفَ العُلماء الآن أنَّ هُناك زُمر نسيجيّة يكادُ الإنسانُ ينفردُ بزمرةٍ واحدة ليسَ هُناكَ إنسانٌ آخر يُشبِهُ الأول بزُمرتهِ النسيجيّة ، ربُنا جلَّ جلالُه أشارَ إلى شيء بينَ أيدينا هيَ بَنانُ الإنسان ، بصمةُ اليد ، وضعوا بصمةً وكبّروها بمساحة مِتر وعرضوا عليها مئة ألف بصمة لم يجدوا بصمة تُشابِهُ هذهِ البصمة ، هذهِ البصمة يا سيدي فيها علامات قدّرَها العلماء بمئة علامة إذا تشابهت سبعُ إشاراتٍ بينَ البصمتين تكونُ البصمتان لإنسانٍ واحد ، لا نجد ولا سبع خصائص متوافقة بينَ بصمتين ، فالإنسانُ بصمتُهُ هويتُهُ ، وقُزحيّةُ عينِهِ هويتُهُ ، ورائحةُ جِلدِهِ هويتُهُ ، وتركيبُ دمهِ هويتُهُ ، ونبرةُ صوتِهِ هويتُهُ ، وشيء آخر : وحدتُهُ النسيجيّة أيضاً هويتُهُ ، في بعضِ بِلاد الغرب هكذا قرأت أنَّ بعضَ المجرمين نزعوا جِلدَ الإبهام ووضعوا جِلداً من مكانٍ آخر بعدَ عِدّةِ أشهر ظهرت خصائصُ البصمة الأولى ثانيةً ، فالإنسان لَهُ صِفة الفرديّة ، ولكرامة الإنسان عِندَ الله أعطاهُ صِفة الفرديّة وصِفة الإبداع وصِفة الإرادة وصِفة الخلق :

﴿ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقاً آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ﴾

[سورة المؤمنون: 14]

﴿ ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 62]

ربُنا عزّ وجل سمحَ لِذاتِهِ العليّة أن يوازِنَ بين ذاتِهِ وبينَ مخلوقاتِهِ :

 ربُنا عزّ وجل سمحَ لِذاتِهِ العليّة أن يوازِنَ بين ذاتِهِ وبينَ مخلوقاتِهِ فقال :

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 62]

 وكما تعلمون أنَّ الحاسوب اليوم في البلاد المتطورة يقرأ أربعمئة وخمسين مليون حرف في الثانية :

﴿ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 62]

 أي انتهى الوقت .
المذيع :
 ننتقلُ إلى نقطةٍ أخرى ونحنُ طبعاً لا نستقصي في هذهِ العُجالة من اللقاء لكن إنما نُريد أن نُذكّر مرةً أخرى لأننا نتعامل مع منهجٍ رباني ، حتى يقرأ الإنسان على صفحةِ نفسهِ بأنَّ الإلهَ هوَ الخالق ، وماذا ينبغي على المخلوق تِجاهَ خالِقهِ ؟ ينبغي عليهِ أن يشكر وأن يلتزم وأن ينتظم ، هكذا عرّفنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم فيما ينبغي أن نتعرّفَ إليه حتى نشكُرَ المُنعم ، لا عن تقليد بل عن دِراية ، لا عن تقليدٍ وعمايةٍ وضلالةٍ بل عن معرفةٍ وعلمٍ وهِداية ، هكذا عرّفنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلّم على الله ، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام تِلكَ وظيفتُهم ، أمّا الذينَ انحرفوا عن منهج الله فقد ضلّوا السبيل وأصبحوا والعياذُ بالله في ضلالةٍ عمياء من أمرِهم ، فطبعاً وقفنا عِندَ هذهِ النُقاط التي وردَ ذكرُها تخصيصاَ في القرآن ، لكن لو انتقلنا إلى العقلِ والقلب ، العقلُ جهازٌ كما أشرتُم في أثناءِ حديثِكم ، جِهازٌ لا يُعادِلُهُ جِهاز ، تركيبٌ رباني ، ولعلَّ الذينَ ابتدعوا واخترعوا هذا الجهاز المعروف اليوم بالحاسوب فلعلّهم أيضاً استفادوا من هذهِ القدرة الإلهيّة العجيبة التي أودعها في هذا الإنسان ، وفي العقلِ بالذات ، لكن هُناكَ العقل وهُناكَ القلب فحبذا لو وقفنا أيضاً بالنسبةِ للمفهومين ولو باختصار ، هل العقل هوَ القلب أو القلب هوَ العقل ؟ مع أنَّ النصوص التي وردت تخصُّ تارةً العقلَ بالذِكر وتارةً تخصُّ القلبَ بالذِكر ، فهل هُما يا تُرى لفظانِ لمدلولٍ واحد ، أم هُما مختلفان باختلاف اللفظ ؟ وطبعاً الجانب التربوي نقفُ بعدَ اللفتة هذهِ إن شاءَ الله لأهميّة العقل والقلب في حياة الإنسان .

التوافق بينَ مبادئ العقل ومبادئ الكون :

الدكتور راتب :
 الدِماغ أولاً ينطوي على مئة وأربعين مليار خلية استنادية لم تُعرف وظيفتُها بعد ، أمّا قِشرة الدِماغ ففيهِا أربعة عشر مليار خلية ، يقوم بوظائف لا تُصدّق ، منطقة الذاكرة بالدماغ لا يزيدُ حجمُها عن حبّة العدس ، تحتوي سبعين مليار صورة ، منطقة المُحاكمة والتذكّر والتخيُّل والاستدلال والاستنباط ، العقل شيء أبلغُ كلمةٍ فيه عاجِزٌ عن فهمِ ذاتِه ، أنا أتصور العقل جِهاز استشاري كآلة حاسبة تضعُها في جيبِك تستعينُ بِها لكنَّ مركزَ العقلِ هوَ القلب لِقولِهِ تعالى :

﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾

[سورة الأعراف : 179]

 يُمكن أن يستنبطَ الدِماغ الفِكر البشري أو العقل كما يفهمهُ البعض ، أي نحنُ لا نُريد أن نكون في خِلاف المُصطلحات ، في رأس الإنسان دِماغ سمِهِ فِكراً ، سمِهِ عقلاً ، جهاز استشاري ينظر ويستنبط ويستدل ويتصّور ويتخيّل ويُحاكم ويحفظ وغير ذلك ، فهذهِ الأعمال العقلية أو الفكرية أعمال بأعلى درجة من التعقيد ، هذا الجِهاز الذي أودعهُ اللهُ فينا لَهُ مبادئُ ثلاث : مبدأُ السببية ، ومبدأُ الغائية ، ومبدأُ عدم التناقض ، والكونُ مخلوقٌ وفقَ هذهِ المبادئ ، فلولا هذا التوافق بينَ العقل وبينَ الكون لَما كانَ للعقلِ من معنى ، ولَما كانت للآيات التي بثّها في الآفاق من معنى ، فأنتَ بعقلِكَ لا تفهمُ شيئاً بِلا سبب ، ونِظام الكون أساسُهُ السببيّة ، وأنتَ بعقلِكَ لا تفهمُ شيئاً بِلا غاية ، وأساسُ الكون مبدأُ الغائية ، وأنتَ بعقلِكَ لا تُصدّق أن يكونَ الإنسانُ في هذا المكان وفي مكانٍ آخر في وقتٍ واحد ، يرفُضُ ذلك ، فأروع ما في القضيةِ ذاكَ التوافق بينَ مبادئ العقل ومبادئ الكون ، إن سميّت هذا الذي في الدِماغ فِكراً أو إن سميّتَهُ عقلاً المؤدى واحد ، هوَ جِهاز استشاري وضعهُ اللهُ في خِدمتِنا ، لو أنَّ إنساناً باعَ بيتَهُ بعملةٍ أجنبيّة وفي جيبهِ جهازٌ لكشفِ زيفِ العُملةِ من صحيحها ولم يستخدم هذا الجِهاز وكانت العُملةُ مزورّةً ألا يندمُ أشدَّ الندم ، لأنّ معهُ الجهاز ولم يستخدمه ، ماذا يقولُ أهلِ النار وهُم في النار :

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[سورة المُلك: 10]

 إذاً : أزمةُ العِلمِ فقط ، فلو أنَّ الإنسانَ عَرَفَ الحقيقة لاتبعها انطلاقاً من فِطرتِهِ ومن حِرصِهِ على حُبِهِ لوجودِهِ وسلامةِ وجودِهِ وكمالِ وجودِهِ وغايةِ وجودِهِ ، فالإنسان يسعى إلى سلامتهِ وإلى سعادتهِ ، ولكنهُ قد يَضِلُّ الطريق ، وهذا العقلُ أو ذاكَ الفِكرُ الذي أودعهُ اللهُ في الإنسان جهازٌ استشاري ، ولكنَّ هذهِ الحقائق إذا تراكمت في الفِكر انتقلت إلى قلبِ الإنسان ، القلب الذي ذكرُهُ اللهُ في القرآن هوَ قلب النفس : " لهم قلوبٌ لا يعقِلونَ بِها " ، أستعير مصطلحات الكمبيوتر مرةً واحدة : في الكمبيوتر ذاكرة وفيهِ HARD ، المعلومات في الـ HARD تُخزّنُ ميكانيكيّاً لا تُمحى بقطع الكهرباء ، بينما المعلومات في الذاكرة تخزّنُ كهربائيّاً فإذا قُطعت الكهرباء اختفت المعلومات ، فالإنسان حينما يموت ويفنى دِماغُهُ تنعدمُ كُلُّ المعرفة التي حصّلَهَا عن طريقِ الدِماغ ، أمّا حينما يموت عقلُهُ معَهُ الشيء الذي عَقَلَهُ في حياتِهِ وانتقل من ذاكرتِهِ إلى قلبِهِ هذا الشيء الذي بينَ يديه وهوَ الذي سيُحاسب عنه .
المذيع :
 الحقيقة أيضاً مع القلب ، فالآيات القرآنية حيثُ ذكرتُم فربُنا قال :

﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾

[سورة الفرقان: 44]

 هؤلاءِ بِظاهر الحال لهم عقول ، وبظاهر الحال تراهُم يُقدّمون للبشريّة ما فيهِ الخير وما فيهِ الدمار ، استطاعت هذهِ العقول بما أودعَ اللهُ فيها من أسرار أن يُسخّروها ، ونحنُ نعيش الآن أمام هذا الجهاز اللاقط الذي ينقُلُ حديثنا عبرَ الأثير إلى العالم ومن ثّمَّ الفضاء ، سَبَروا أغوارَه ووضعوا الرِحال على بعض الكواكب كالقمر ، وهُناكَ محاولاتٌ جادّة ، فإذاً التقنيات الموجودة بينَ أيدي الناس غنيّةٌ عن التعريف ، فإذاً لهُم عقول فكيفَ نفى اللهُ تعالى عنهم صِفة العقل مع أنَهُم أصحابُ عقول لو تكرّمت ؟

كُلُّ عاقلٍ ذكيّ لكن ما كُلُّ ذكي بِعاقل :

الدكتور راتب :
 مرَّ النبي عليهِ الصلاة والسلام مع أصحابِهِ فرأوا في الطريقِ رجلاً مجنوناً فسألَ النبي وهوَ الحكيم المُربّي ، سألهُم سؤالَ العارِف : من هذا ؟ قالوا : هذا مجنون ، قالَ : لا ، المجنون من عصى الله .
 يُمكن أنّ نُفرّق بينَ الذكاءِ والعقل ، وكُلُّ إنسان تفوّقَ في اختصاصه ، وأدركَ جزئيات اختصاصه ، وعَرَفَ أدقَّ الدقائق في اختصاصه ، وبَرَعَ في اختصاصه حتى صارَ علماً في اختصاصه فهوَ ذكي ، أمّا إذا عَرَفَ الله ، وعَرَفَ سِرَّ وجودِهِ ، وغايةَ وجودِهِ ، وعَرَفَ منهجَ ربّهِ، وعَرَفَ طريقَ سعادتِهِ ، وعَرَفَ عِلّةَ خلقِهِ هذا هوَ العاقل ، فكُلُّ عاقلٍ ذكيّ لكن ما كُلُّ ذكيٍ بِعاقل ، كُلُّ عاقلٍ ذكيّ لكن ما كُلُّ ذكيٍ بِعاقل ، هُناك أقطابٌ في العِلم يصنعون الأسلحةَ المُدمّرِة ، الأسلحة الجرثوميّة ، والأسلحة الكيماوية ، هُناك أُناسٌ يستخدمون عقولهم لإفناء البشرية هؤلاء أشرار ، هؤلاء أبالِسة ، فالعقل جِهاز خطير إلاّ أنني أُضيف إلى ذلك أنَّ العينَ البشرية لو أنها في أعلى درجة من الدِقّة لا قيمةَ لَها من دونِ نورٍ يتوسّطُ بينَها وبينَ المرئيّ ، كذلِكَ العقلُ البشريّ لا قيمةَ لَهُ من دونِ وحيٍ يهديهِ سواءَ السبيل ، فالعقلُ البشريّ رائعٌ إذا استعان بالوحي ، وحينما يبتعدُ عن الوحي يضِلُ ويُضِلّ ، ينحَرِفُ ويَحرِف ، فالعقلُ جعلَهُ اللهَ جِهازاً رائعاً لمعرِفةِ النقل إن صحَّ التعبير ولِفهمِ النقلِ أيضاً ، فهوَ يتكاملُ مع النقل والدينُ في الأصلِ النقل والعقلُ لِفهمِ النقل .
المذيع :
 الأستاذ محمد راتب الحقيقة الحديثُ عن الإنسان إنما نحنُ نقطفُ قطوف شجرات للتذكير ولعلَّ الوقتَ قبلَ أن نُنهيَ حديثنا أوشكَ أن ينتهي ، لكن أُريد أن أقِفَ معكم على جانبٍ تربويٍّ هام جداً في الإنسان ، فربُنا سُبحانُهُ وتعالى ألهمَ النبيَ المُصطفى أن يتحدّث لأنّهُ لا ينطِقُ عن الهوى صلى الله عليه وسلم ، فعندما قال :

(( عن مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : تَدْرُونَ مَنِ الْمُسْلِمُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ، قَالَ : تَدْرُونَ مَنِ الْمُؤْمِنُ ؟ قَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ : مَنْ أَمِنَهُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوءَ فَاجْتَنَبَهُ ))

[عن مُوسَى بْنُ عَلِيٍّ]

 هذهِ في الواقع ارتبطت بالحواس ، طبعاً لا نُريد أن نقف أيضاً على الجانب الفيزيولوجي لِما فيهِ من أسرار يعلمُها أصحاب الاختصاص ، وجنابُكم ألقيتُم الضوء على جانبٍ من هذهِ الأمور ، لكنّ الجانب التربويّ الهام الذي ينبغي أن يتحكّمَ بِه الإنسان ، لأنَّ الإنسانَ طبعاً لا أُريد أن أخوضَ الآن قضية الجبر والاختيار في الإنسان ، لكنَّ الكثيرَ الكثير من الناس يفهمونَ الإنسان هوُ أداةٌ أو ريشةٌ في مهبِّ الرياح ، مع أنَّ النصوص خِلافُ ذلك ، مع أنَّ النصوص جاءت لِتُكلّف بأمرٍ من اللهِ سبحانهُ وتعالى ثمَّ من رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم ، فهُنا الارتباط بينَ العقل بينَ موضوع الإرادة وبينَ السيطرة على هذهِ الأعضاء ، هل هوَ أمرٌ يا تُرى صحيح فيهِ فِكرَة الجبر أم هوَ إراديُّ مكلّفٌ الإنسان بِهِ ؟ لأنَّ هذهِ أيضاً تتعلق بهذا الإنسان وما أودعَ اللهُ فيهِ من أسرار ، وبِحكمةِ خلقهِ ، هذا الإنسان الذي لم يخلُقُهُ عبثاً إنما خَلَقَهُ لِحِكمة فلو تفضلتُم .

الأمر والنهيّ يقتضيان الاختيار وحينما نُلغي الاختيار نُلغي التكليف :

الدكتور راتب :
 جيء برجُلٍ شارِبِ خمرٍ لسيّدنا عمر بن الخطاب رضيَّ اللهُ عنه فقالَ : واللهِ يا أميرَ المؤمنين إنَّ اللهَ قدّرَ عليَّ ذلك ، فقالَ : أقيموا عليهِ الحدَّ مرتين : مرةً لأنَهُ شَرِبَ الخمر ، ومرةً لأنهُ افترى على الله ، قالَ : ويحكَ يا هذا إنَّ قضاءَ اللهِ لم يُخرِجكَ من الاختيار إلى الاضطرار:

﴿ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 148]

 سيدي : حينما نُلغي الاختيار نُلغي التكليف ، ونُلغي الأمانة ، ونُلغي الثواب ، ونُلغي العِقاب ، ونُلغي الجنّة ، ونُلغي النار ، ونجعلُ إرسالَ الأنبياءِ عبثاً ، وإنزالَ الكُتُبِ لَعِباً ، حينما يُصبِحُ الكونُ تمثيليّةً سَمِجة ، إنَّ اللهَ أمرَ عِبادَهُ تخييراً ، ونهاهُم تحذيراً ، وكلّفَ يسيراً ، ولم يُكلّف عسيراً ، وأعطى على القليلِ كثيراً ، لو أنَّ اللهَ أجبرَ عِبادَهُ على الطاعة لَبَطلَ الثواب ، ولو أجبرَهُم على المعصية لَبَطلَ العِقاب ، ولو تركهُم هملاً لكانَ عجزاً في القُدرة .
 سيدي مُجرّدُ الأمرِ والنهيِّ يقتضي الاختيار ، لو أننا أنشأنا حائطين المسافةُ بينَهُما عرضُ جِسمِ إنسانٍ بالضبط يسيرُ بينهُما وكتِفُهُ اليُمنى تُلامس الحائِطَ الأيمن ، وكتِفُهُ اليُسرى تُلامس الحائِطَ الأيسر ، وقُلنا لِهذا الإنسان : سِر على اليمين ، هل لِهذا الأمر من معنى ؟ هل يُعقل أن يكونَ في القرآنِ أمرٌ لا معنى لَهُ ؟ القرآنُ كُلّهُ أمرٌ ونهيٌّ ، لو أنَّ الإنسانَ مُسيّرَ لا معنى لهذا الأمر والنهي ، وحينما يُعزى الإضلالُ إلى الله قالَ العُلماء : " هذا هوَ الإضلالُ الجزائيّ المبني على ضلالٍ اختياري " ، يُؤكدُّهُ قولُهُ تعالى :

﴿ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾

[سورة الصف: 5]

 الاختيار ، الآية الكريمة :

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[سورة البقرة: 148]

﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾

[سورة الإنسان: 3]

الفِعلُ فِعلُ الله ولكِنَّ الانبعاث إلى الفعلِ من اختيار الإنسان :

 الآياتُ كثيرةٌ جداً والأحاديثُ كثيرةٌ جداً :

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾

[سورة البقرة: 286]

 الفِعلُ فِعلُ الله ولكِنَّ الانبعاث إلى الفعلِ من اختيار الإنسان ، ولولا هذا الجانبُ الاختياري لَما كانَ من معنى لِكُلِّ الأديانِ ولِكُلِّ الرسالاتِ ولِكُلِّ الأنبياء ، كُلُهُ يتلاشى ، فحينما نُنكِرُ الاختيار ننُكِر الدين ، وما من عقيدةٍ أخطرُ في حياة المُسلم من عقيدة الجبر ، حينما نجعلُهُ ريشةً في مهبِّ الريح ، ألقاهُ في اليمِّ مكتوفاً وقالَ لَهُ إيّاكَ إيّاكَ أن تبتلَّ بالماءِ ، الإنسان سيُحاسب ، ما معنى أن يُحاسبَ الإنسان وقد خَلَقَهُ اللهُ كافِراً وقدّرَّ عليهِ الكُفر ؟! هذا شيء لا يليقُ بكمال اللهِ عزّ وجلّ ، هذا شيء دقيق جداً .
المذيع :
 مرةً أخرى الأستاذ محمد راتب مع منهج الله ، هذا الإنسان الذي خلَقَهُ على أحسنِ سِمة وأحسنِ صورة كما ذكرنا في الآيةِ التي ابتدأنا بِها :

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾

[ سورة التين : 4-5 ]

 بكسبِ هذا الإنسان ، وما أرى البشريّة حيثُ الآن نقرأُ على صفحةِ هذا الوجود هذا الكون ، ونقرأُ على صفحة الكُرة الأرضيّة ذلِكَ العبث وذلِكَ الخَلل ، سَببُهُ بُعدُ الإنسانِ عن الله ، سَببُهُ أنَّ الإنسان لم يُدرِك الأسرار التي أودعها اللهُ فيه ولِهذا كما قالَ شاعِرُنا :

وتزعُمُ أنكَ جرمٌ صغير  وفيكَ انطوى العالَمُ الأكبرُ ؟
***

 الحقيقةً أيها الأخوة ، أيها المسلمون ، أيها الإنسان ، أينما كُنت وحيثُما كُنت انظر في نفسِك ترى الله ، انظر فيما حولَكَ ترى اللهَ في قُدرتِه سبحانَهُ وتعالى ، في عجائِبِ صُنعِه ، فما عليك أيها الأخ ، أيها الإنسان إلاّ أن تستقيمَ مع منهج الله ، معَ الذي ربّاك ، أنتَ تُعطي لِمن أعطاك تُعطيهِ الولاء ، ولِمن منَّ عليكَ بالخيرِ والمعروف تدينُ لَهُ أيضاً بالوَلاء ، فكيفَ بالذي أعطى الذي أعطاك ؟ فكيفَ بالإله الذي هداكَ وربّاك ؟ ألا يستحقُّ أن تشكُرَ اللهَ سبحانَهُ وتعالى في نفسِك ، في عينِك ، في سمعِك ، في بصرِك ، في لِسانِك ، في رِجلِك ، في يدِك .
 نعم هذا هوَ المنهج الذي عرّفنا أن نستقيمَ معَ شرعِ الله حتى نلقى من اللهِ الجزاءَ الأوفى في يومٍ لا ينفعُ فيهِ مالٌ ولا بنون ، والكلامُ كثير ولكن ما في هذهِ العِبارات وما في هذهِ العُجالَة فيها الخيرُ الكثيرُ إن شاءَ اللهُ تعالى حيثُ تفضّلَ ضيفُنا الكريم الأستاذ محمد راتب النابلسي ، حيثُ تفضّلَ وأعطانا الكثير بعباراتٍ موجزة كما علّمنا النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلّم الذي أوتيَّ جوامِعَ الكَلِم ، ولا يسعُني إلا أن أشكُرَهُ على هذا العطاء ، وأن أدعوَ اللهَ تعالى أن ينفعَ بِهِ وأن ينفعنا بِما علّمنا ، أسأل اللهَ سبحانَه أن يجمعنا على الخير ، أستودع الله دينكم وأماناتِكم وخواتيمَ أعمالِكُم .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018