الدرس : 7 - سورة الرحمن - تفسير الآية 46 إلى آخر السورة - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 7 - سورة الرحمن - تفسير الآية 46 إلى آخر السورة


1996-01-26

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام: مع الدرس السابع من سورة الرحمن، ومع الآية السادسة والأربعين وهي قوله تعالى:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

(سورة الرحمن )

الله موجود مع كل مخلوق :

 مقام الله أنه يُشرف على خلقه.

﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾

(سورة الرعد: آية " 33 " )

﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾

(سورة هود: آية " 114 " )

﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (216) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾

(سورة الشعراء )

﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾

(سورة الرد: آية " 33 " )

 الله موجود ومع كل مخلوق، ويكشف حقيقته، ونواياه، ومقاصده، وبواعثه وأهدافه وصراعاته.

 مقام الله مقام الإشراق و السمو:

﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾

 الله سبحانه وتعالى قيامنا به، والإمداد منه، وهو سميعٌ قريبٌ مجيب عليم، لو تكلمنا يسمعنا، وإن تحركنا يرانا، وإن سكتنا ووقفنا يعلّم ما في أنّفسنا، مقام الله عزَّ وجل مقام الإشراق.

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

(سورة الفجر )

 وهو معكم أينما كنتم، المتناجيان يعلّم الله نجواهما.

 الشهوات طريق الإنسان إلى الارتقاء إلى الله:

 قال:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾

(سورة الرحمن: آية " 46 " )

 لما يخاف ؟ لأن الله أودع فيه الشهوات، وسمح له بطريق واحد، بقناة واحدة، بمسرب واحد، بطريقة واحدة لإنفاذ هذه الشهوات، فإذا تطلَّعت نفسه إلى خلاف منهج الله عزَّ وجل ذكر مقام الله أنَّه معه، وأنَّه يراقبه، وأفضل إيمان الرجل أن يعلم أن الله معه حيث كان، إذا ذكر مقام ربه، الأصل أن الله أودع فينا الشهوات.

 

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾

 

( سورة آل عمران )

 في كل إنسان بما فيهم الأنبياء، شاءت حكمة الله أن يودع فينا الشهوات من أجل أن نرقى بها إلى رب الأرض والسماوات، نرقى بها صابرين، ونرقى بها شاكرين، نرقى بها إذا غضضنا طرفنا، ونرقى بها إذا نظرنا، إذا نظرنا إلى من تحل لنا نرقى شاكرين، وإذا غضضنا عمن لا تحل لنا نرقى صابرين، إذا أخذنا المال الحلال نرقى شاكرين، فإذا كففنا عن المال الحرام نرقى صابرين، أودع الله فينا الشهوات لنرقى بها إلى رب الأرض والسماوات.

 الإنسان بلا شهوة لا يرقى عند الله:

 الإنسان بلا شهوة لا يرقى عند الله، كيف يرقى ؟ ماذا يعمل ؟ ماذا ينفق ؟ لكن أودع فيه حب النساء، وسمح له بالزواج وأمره بغض البصر، أودع فيه حب المال، سمح له بالكسب الحلال ومنعه عن الكسب الحرام، أودع فيه حب العلو في الأرض، سمح له أن يعلو بطاعته، ولم يسمح له أن يعلو بمعصيته، فالمؤمن الله عزَّ وجل قال:

﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾

( سورة الشرح )

 ولكل مؤمنٍ من هذه الآية نصيب بقدر إيمانه وبقدر إخلاصه، المؤمن معزز، مكرم، مبجَّل، محترم، الله عزَّ وجل يرفع ذكره بين الناس لكن بالحق، بخدمة الخلق، بطلب العلم، بتعليم العلم، فهذه الشهوات أودعها فينا، وعمل لنا أمراً ونهياً، قناة مسموح بها، قناة ممنوعة، أسلوب مسموح، أسلوب ممنوع، فالإنسان حينما تعرض له الشهوات وتحدِّثه نفسه أن يعصي الله، ويذكر مقام ربه الذي معه يراقبه.

 أعظم شيء مخافة الله عز وجل في السر و الجهر:

﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

(سورة الأنفال )

 كل خواطر الإنسان عند الله معلومة، كل نواياه معلومة، كل دقائق نفسه معلومة، خبايا نفسه معلومة، أهدافه، لذلك هكذا قال الفقهاء (اسمحو لي أن أقول ما قال الفقهاء): قالوا: من حلف طلاقاً أنه إذا حدثته نفسه بمعصيةٍ وخاف مقام ربه فله الجنة، لا يطلق امرأته، لأن الله وعدنا وقال:

 

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

 

 فأعظم شيء أن تشتهي شيئاً محرماً فتقول: إني أخاف الله رب العالمين، فما الذي يمنع إنسان جالس في غرفته وإلى جانبه بيوت كثيرة و ظهرت جارة له على الشرفة المقابلة متبذلة في ثيابها، ما الذي يمنعه أن ينظر إليها ؟ لا في قانون، ولا في توجيه حكومي، ولا في شيء يمنع ذلك، فإذا غض بصره عنها وأرخى الستار، لماذا غض بصره عنها ؟ لأنه خاف مقام ربه، قال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، قال له: ليست لي، قال له: قل لصاحبها ماتت (تُحَل المشكلة) قل له: أكلها الذئب، قال له: ليست لي، والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادقٌ أمين ولكن أين الله ؟

 الجنة أعدها الله لمن خاف مقام ربه:

 رجل لا أعرفه، أرسل لي ورقةً قبل عام تقريباً أو قبل عام ونصف، قال لي: والله أرجعت إلى جهةٍ عشرين مليون ليرة، إلى ورثة لا يعلمون عنها شيئاً، وليس في حوزتهم لا معلومات ولا إيصالات كان قد أودعها عندي أبوهم وتوفي فجأةً، لماذا أرجعها إليهم ؟ لأنه خاف مقام ربه، فلما الإنسان يدع الشيء خوفاً من الله له الجنة.

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

 شابٌ في مقتبل الحياة والغرائز في أشدُّها، والطريق مليء بالكاسيات العاريات المائلات المُميلات، ما الذي يمنعك أن تنظر ؟ ما الذي يمنعك أن تشاهد ؟ ما الذي يمنعك أن تقتني صحناً ترى فيه كل شيء لا يمكن أن تراه ؟

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾

( سورة النازعات )

 ما الذي يمنعك أن تأكل المال الحرام ؟ لأنك تخاف مقام الله عزَّ وجل، ما الذي يحضُّك على أن تكون صادقاً ؟ لأنك تخاف مقام الله عزَّ وجل، ما الذي يحملك على أن تكون أميناً ؟ لأنك تخاف مقام الله عزَّ وجل.

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

 أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان:

 فقال له: والله إنني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها أكلها الذئب أو ماتت لصدقني، فإني عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟
 أخ (تكلمت هذه القصة البارحة) باع بيوتاً كثيرة قبل عشرين أو ثلاثين سنة، البيت ثمنه خمسة وثلاثين، لم يتمكن أن يسجلها (يطوب) عُرِضَ عليه كل بيت مليون، فوَّت على نفسه مئة مليون لأنه لا وجهة لها، فلما أمكنه أن يسجل البيوت باسم أصحابها سجَّلها بأسمائهم ولم يأخذ منهم شيئاً، قال لهم: أنا بعتكم وقتها بالثمن الصحيح وربحت عليكم وليس لي عندكم شيء، فلماذا امتنع عن أخذ مئة مليون ؟ لأنه خاف مقام ربه، فالله يجعلنا من هؤلاء، أن تقول: لا أفعل هذا لو قطَّعتني إرباً إرباً، هذا مقام الله عزَّ وجل:

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

(سورة الحديد)

 هو معك في سرَّائك وضرَّائك، وفي حضرك وفي سفرك، في لهوك، وفي بيتك، وفي عملك وفي الطريق، وفي السفر معك.

 

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

 

(سورة الحديد )

﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾

(سورة الشعراء )

 هذا هو مقام الله عزَّ وجل، لذلك أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه حيث كان.

 مراقبة الله للإنسان تجبره أن يستحي منه:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾

 الإنسان ينبغي أن يستحي من الله، كلما ذكر أن الله معه وأنه يراقبه يستحي، بل إن الإنسان يستحي أحياناً من شخص، إذا كان زارك زائر ترتدي ثياباً معقولة، تتكلم كلمات مقبولة، تجلس جلسة معقولة، جلستك وحركتك وكلامك وثيابك مقبولة لأن في شخص يراقبك، فكيف إذا كان الله هو الذي يراقبك ؟

 

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

 

 أما لماذا هم جنتان ؟

 وصف الجنة بالمثنى لها عدة تفسيرات:

 في سورة الواقعة ورد أن هناك:

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾

(سورة الواقعة )

 وأن هناك:

 

﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ﴾

 

(سورة الواقعة )

 هذا تفسير، لكنه لا يستقيم لأنه:

 

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

 

 كل جنةٍ من هذه الجنتان وصفت بالمثنى.

﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾

(سورة الرحمن)

 1 ـ الجنتان جنةٌ للإنس وجنةٌ للجن:

 قال بعض المفسرين: الجنتان جنةٌ للإنس وجنةٌ للجن، لأن الجن مكلَّفون كالإنس.

 2 ـ الجنتان مضاعفةً للثواب:

 وقال بعضهم: الجنتان مضاعفةً للثواب، يقول لك: الساعة الإضافية لها أجر مضاعف مثلاً، مكافأة مزدوجة، راتب مزدوج، من باب الإكرام مضاعفة الثواب.

 3 ـ جنةٌ لهم وجنةٌ لأزواجهم:

 وبعضهم قال: جنةٌ لهم، وجنةٌ لأزواجهم.

 4 ـ جنتان إذا مكث في الأولى تاق إلى الثانية و العكس صحيح:

 وبعضهم قال: جنتان إذا مكث في الأولى تاق إلى الثانية، فإذا مكث في الثانية تاق إلى الأولى، يقول لك: مقر صيفي، مقر على الساحل، أحياناً الإنسان يكون ببحبوحة يكون له بيت على الساحل، يكون له بيت في المصيف، يكون له بيت في المدينة، يكون له مزرعة، فالتنقل من مكان إلى مكان، مبالغة في الإكرام.

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

 الجنتان جنةٌ له، وجنةٌ لنسائه، جنةٌ له في مكان وجنة له في مكان آخر، أو مضاعفة للثواب، أو جنة لإنس وجنة للجن، قال:

 

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 

 الجنتان في الآخرة آية في الحسن و الجمال:

 هاتان الجنتان، كل جنتين لهما وصفٌ في كتاب الله، الجنتان الأوليان:

﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾

 الأفنان أي أشجار، لها جذوع، ولها فروع، ولها أغصان وارفة مزدانة بالثمار، خضراء، ظلها كثيف، هذا معنى:

﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾

(سورة الرحمن )

 العين تجري، فما أجمل الأشجار الملتفَّة حول أغصانها والينابيع تجري من تحتها، أحياناً يكون بستان جميل جداً لكن لا يوجد فيه ماء جارٍ، وأيام ماء جارٍ بلا أشجار، أما إذا اجتمعت الأشجار مع الماء الذي يجري فهذا غايةٌ في الحسن والجمال، فهاتان الجنتان آيةٌ في الحسن والجمال، فهاتان الجنتان الأوليان للسابقين السابقين.

 وصف الجنة في الآخرة:

 في الدنيا يقول لك: خمس نجوم، أربعة نجوم، بريمو، درجة أولى، درجة ثانية، فهاتان الجنتان في الآخرة للسابقين السابقين جنتان ولأصحاب اليمين جنتان، الأوصاف مختلفة، الآن نبدأ بجنتي السابقين السابقين، الدرجة الأولى:

﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾

 أشجار وارفة الظلال، نضرة الأغصان، متسعة الظل، كبيرةٌ كالدوحة.

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ﴾

 نبعٌ من الماء كالرَقراق يسيل تحت هذه الأشجار:

 

﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾

 

(سورة الرحمن )

 الإستبرق من أرفع أنواع الأقمشة ذات الخَملة، هذه البطائن فكيف الظواهر ؟ جنة عرضها السماوات والأرض، فكم طولها ؟ إذا كان عرضها هكذا، فكم طولها ؟ إذا كانت هذه المتكئات بطائنها من استبرق أي من أرقى أنواع القماش المخملي الأخضر، فما نوع ظواهرها لأنه (طبعاً هذا وصف من الله للجنَّة)، لأنه:

 

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

 

(متفق عليه عن أبي هريرة )

 ليس في الجنة مما في الدنيا إلا الاسم فقط:

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾

( سورة السجدة: آية " 17 " )

 مرة شخص قرأ أمامي هذه الآية فقال: فلو تعلم فقلت له: لا ليس لو، لأن لو حرف امتناع للوجود، لو يمكن أن نعلم، أما الله عزَّ وجل قال:

 

﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ﴾

 

 لا يمكن أن نعلم، وليست في الجنة مما في الدنيا إلا الاسم، مثلاً ضربت هذا المثل قبل حين: طائرة أكبر أنواع الطائرات، وأرقى أنواع الطائرات ثمنها ثلاثة آلاف مليون ( 775 ) وفي طائرة صغير للأطفال تشبهها، هذه اسمها طائرة ثلاثة آلاف مليون وهذه طائرة ثمنها اثني عشر ليرة، هل هناك ما يجمع بينهما ؟ ليس مما في الجنة مما في الدنيا إلا الاسم فقط.

﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾

(سورة الرحمن )

 من كل أنواع الفواكه زوجان، والفاكهة تعبير عن الإكرام.

﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾

 فهذه الجنة يستغنى عنها من أجل سنواتٍ معدوداتٍ في الدنيا مشحونةٍ بالمشكلات ؟!! صدقوني سنوات معدودة، دققوا في الذين يتوفاهم الله، عمر المرحوم ثلاثة وستين، عمر المرحوم اثنين وخمسين، عمر المرحوم ثلاثة وأربعين، لنا صديق ثلاثة وأربعين، عمر المرحوم سبعة وخمسين، ثمانين ما شاء الله و هذا نادر، وصل للثمانين ما شاء الله، معناها أن معترك المنايا بين الستين والسبعين.. بربكم في أي سنٍ يمكن أن تستقر ؟ أليس قبل أربعين سنة، كم بقي ؟ عشرين سنة مع الاحتياط، عشرين أو عشر سنوات، فهذه السنوات العشر المشحونة بالمتاعب والهموم والمشكلات تستأهل أن نستغني عن الجنة بأكملها.

كل شيء في الجنة بمتناول يد الإنسان:

﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾

(سورة الرحمن)

 أحياناً ترى نخلة عليها تمر رائع، لكنها تتطلَّب اختصاصيين يصعدون على النخل يربط نفسه بحبلة ويصعد على الدرج ثم ينزل، أما أحياناً ترى الشجرة في متناول يدك، شيء جميل جداً أن يكون الشيء أمامك، في متناول يدك:

﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾

 أي قريبٌ منك.

 المرأة في الجنة تقصر طرفها على زوجها فقط:

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾

 أي أن أجمل صفةٍ في المرأة ألا تنظر إلى غير زوجها، تقصر الطرف عليه، وأبشع صفةٍ في المرأة أن تحدِّثه عن الرجال، فلان دخله، شكله، طوله، دائماً ينشأ بين الزوجين المتفلتين هو يذكر لها محاسن النساء الأخريات فيحرق قلبها، وهي تذكر له محاسن رجال آخريّن فتؤلمه، لكن المرأة في الجنة تقصر طرفها على زوجها.

﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾

 لذلك ممنوع في الإسلام أن تَصِفَ المرأة لزوجها نساءً أخريات وكأنه يراهن، الحجاب أصبح ليس له معنى، إذا وصفت له امرأةً أخرى وصفاً دقيقاً فكأنه ينظر إليها، وإذا وصف له رجلاً صديقه وصفاً دقيقاً فكأنها تنظر إليه، فربما تحوَّل عنها إلى غيرها، وربما تحوَّلت عنه إلى غيره، عندئذٍ تنفصم العلاقة والمودَّة والرحمة بين الزوجين، يعني بشكل مباشر أحد أسباب الوفاق الزوجي في الإسلام أن هذه المرأة ليس بإمكانها أن تتصل إلا مع زوجها، بحسب منهج الله عزَّ وجل، وأن هذا الزوج لا يسمح له الشرع لا أن ينظر ولا أن يتكلَّم ولا أن يقيم علاقة مع غير زوجته، لذلك هذا أحد أسباب السعادة.

 أحد أسباب سعادة الإنسان أن يتقيد بشرع الله تعالى:

 سمعنا عن رئيس جمهورية في بلد أوروبي متقدِّم جداً وقيل: حضر الجنازة وزوجته وعشيقته (شيء طبيعي جداً) أما عندنا غير طبيعي، فهذه حالة مرضية، نحن لا يوجد عندنا إلا زوجاتنا.

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾

 أي أن هذه المرأة لم يعرفها أحدٌ غيرك، فلو شخص أخذ أرملة فدائماً تحدِّثه عن: المرحوم، المرحوم، المرحوم، ينتخر عظمه بالمرحوم.

 

﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 

 فصارت هذه الجنة الدرجة الأولى.

 المرأة في الجنة كأنها الياقوت و المرجان:

﴿ ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (52) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ (54) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (56) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾

(سورة الرحمن )

 كأنهن في حسنهن، في لونهن وفي قوامهن الياقوت والمرجان.

 

﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (58) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 

 فلذلك امرأة من صحابيات رسول الله، طلبت من زوجها طلباتٍ لا يحتملها، فحسم الأمر بهذا الجواب، قال لها: "اعلمي يا فلانة أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلَّت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها نور الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أضحي بهن من أجلكِ ".

 المرأة الصالحة في الدنيا تغدو في الجنة حور عين:

 الآن العلماء قالوا: المرأة الصالحة في الدنيا التي عرفت ربها، واستقامت على أمره، وكانت مسلمةً مؤمنةً قانتةً تائبةً عابدةً ثيِّبةً أو بكراً كما قال الله عزَّ وجل هذه المرأة الصالحة تغدو في الجنة حوراً من حور الجنة، بعض آراء المفسرين:أن الحور العين في الجنة هُنَّ زوجات المؤمنين بالذات ، لكن الله سبحانه وتعالى يعطيهن جمالاً فائقاً ليس لهن في الدنيا، وبعضهم قال: إن الحور العين، مخلوقات يخلقها الله في الجنة، وبعضهم يميِّز أن الحور العين التي هي زوجةٌ لمؤمنٍ في الدنيا أرقى للمؤمن من حور عين الجنة التي لم تُخْلَق في الدنيا، لماذا ؟ لأن المرأة المؤمنة التي عرفت ربها في الدنيا، وابتعدت عن الحرام، وقصرت طرفها على زوجها، وأحسنت تبعُّل زوجها وأولادها، وصلَّت خمسها، وصامت شهرها، وحفظت نفسها وأطاعت زوجها، هذه امرأةٌ لها عند الله مكانةٌ كبرى، لها إقبالٌ على الله، لها اتصالٌ به غير التي يخلقها الله في الجنة بأروع شكل لكن ليس لها عمل صالح في الدنيا ترقى به.
 هناك فرق بين دُمية وبين زوجة، لذلك يقولون: الحور العين الآتي في أعلى مستوى هي المرأة المؤمنة في الدنيا التي عرفت ربها، وخافت مقام ربها، واستقامت على أمره، وأحسنت تبعُّل زوجها وخدمة أولادها حتى ارتقت إلى الله عزَّ وجل، فإذا دخلت الجنة كانت في أعلى مستوى.

 للمرأة في الجنة زوج يسكن إليها:

 لو فرضنا أتيح لشخص أن يجلس مع امرأة في أعلى مستوى، لو أن هذه المرأة مثلاً متعلِّمة دينياً، متفقِّهة في الدين، تحفظ كتاب الله، تعرف أوامر الله ونواهيه، الجلوس مع امرأة بأعلى مستوى من حيث الشكل مع علم أكمل بكثير، فكيف إذا كانت صدِّيقة مثلاً، إذا كانت مؤمنة عابدة طائعة لله ؟ فالحور العين إن كن زوجات المؤمنين في الدنيا هن في أعلى مستوى في الآخرة.
 وقد يقول قائل دائماً: إذا كان للرجل حور عين فماذا للمرأة ؟ كيف أن المرأة في الدنيا كما أن الزوج يسكن إليها هي تسكن إليه بالمقابل، كذلك هذه المرأة التي آمنت في الدنيا واستقامت على أمر الله عزَّ وجل وعرفت ربها وتقرَّبت إليه ودخلت الجنة، كما أنها تغدو سكناً لزوجها في الجنة، يغدو زوجها لها سكناً في الجنة، إذا كان له الحور العين، هي لها الأزواج المؤمنين، هو له حور عين، هي لها زوجٌ مؤمن في الجنة.

 ذَوَاتَا أَفْنَانٍ: هذان النموذجان من الجنة للمحسنين:

 ثم يقول الله عزَّ وجل:

﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾

(سورة الرحمن )

 فُهِم أن هاتين الجنتين اللتين في أعلى مستوى.

 

﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ (48) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيْنَانِ تَجْرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ﴾

 الفُرُش من استبرق.

 

﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾

 

 قال: هذا النموذج من الجنة، أو هذان النموذجان من الجنة للمحسنين.

 من هم المحسنون ؟

 هي مرتبةٌ تحدَّث عنها النبي، هي فوق الإيمان، في إسلام، في إيمان، في إحسان، الإسلام أن تنقاد لله، تُسَلِّم أمرك إليه تطبيقاً وتنفيذاً، والإيمان أن تقبل عليه، والإحسان أن تعبده كأنَّك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذه الإحسان أعلى مرتبة، قال: هل جزاء الإحسان الذين فعلوه في الدنيا إلا الإحسان في الجنة، الله عزَّ وجل وفي وشكور ولا تضيع عنه الأعمال.

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

( سورة الزلزلة )

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾

(سورة الرحمن )

 الدرجة الثانية في الجنة هي درجة الإيمان:

 الآن في درجة ثانية، أربع نجوم.

﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾

 لأصحاب اليمين، هذا دون الإحسان، هذا مرتبة الإيمان، أي أنه أطاع الله عزَّ وجل واستغرق في المباحات، لم يعصِ الله، لكن يقول لك: ساعة لك وساعة لربك، هو استقام على أمره واتَّبع منهجه لكن لم يبع نفسه له كلياً.

﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾

(سورة الواقعة )

 كل وقته، نفسه، ماله، طاقاته، خبراته، كل إمكاناته وظَّفها في الحق، قال له: كم الزكاة سيدي ؟ قال له: عندنا أم عندكم ؟ قال له: كم عندنا وكم عندكم، وما عندنا وما عندكم: قال له: عندكم اثنان ونصف بالمئة، أما عندنا العبد وماله لسيده.

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾

( سورة التوبة )

 الأشياء في الدرجة الثانية محدودة و ليست مفتوحة:

 الآن الدرجة الثانية.

﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدْهَامَّتَانِ﴾

(سورة الرحمن )

 فيهم اللون الأخضر في هاتين الجنتين داكن، مائل إلى السواد.

 

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ﴾

 

(سورة الرحمن )

 هناك عينان تجريان، هنا عينان نَضَّاختان.

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾

(سورة الرحمن )

 هناك من كل فاكهةٍ زوجان، ألا تلاحظوا الفرق ؟

﴿ذَوَاتَا أَفْنَانٍ﴾

﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾

(سورة الرحمن )

 أي توجد وجبة محددة وليست مفتوحة.

 في المرتبة الأدنى في الجنة حور عين و خيام و قصور:

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ حِسَانٌ﴾

 تفسير

﴿الخيرات الحِسَان﴾

 قال:

 

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾

 الخيرات الحِسَان:

 

﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾

 هناك قصور، هنا خيام.

 

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾

 كحور السابقينِ السابقين.

 

 

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 معنى

 

﴿ يطمثهنَّ﴾

 أي لم يمسَّهُنَّ.

﴿إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (74) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ﴾

 أي بُسُط راقية جداً.

 المرتبة الثانية في الجنة فيها بُسُط وثيرة كأنَّها من صنع عبقر:

﴿خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾

 هناك البطائن من إستبرق، هنا متكئين على بسطٍ ناعمةٍ كالرَفرَّف ترفُّ بصاحبها أي وثيرة، يقول لك: تغوص القدم في هذا السجَّاد.

﴿رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾

 العبقر هو وادٍ في الجزيرة اسمه وادي عَبْقَر، كل شيء فائق الصنعة يُقال: هذا من وادي عبقر، لأن العرب كانوا يعتقدون في الجاهلية أن الجنّ تسكنه، فإذا إنسان تجاوز الحد الطبيعي يُقال له: عبقري أي من وادي عبقر، وادي تسكنه الجن، الآن إذا رأوا شخصاً ذكياً جداً يُقولوا عنه: مثل الجني، فوادي عبقر وادي في الجزيرة تسكنه الجِن في زعم العرب في الجاهلية، فكلَّما رأوا عملاً فائقاً في صنعته يُقال: هذا عمل عبقري هذا من صنع الجنّ، فهنا ربنا سبحانه وتعالى يقول:

 

﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ﴾

 المُتكئ هو بُسُط وثيرة ناعمة لونها أخضر وكأنَّها من صنع عبقر حسنة المنظر

 

 

﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 

 العمل الصالح في الدنيا يقابله الجنة في الآخرة:

 صار عندنا جنَّتين، أول ما يخطر في بال الإنسان أنه:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

 للإنس جنَّة وللجنَّ جنَّة، أو مضاعفةً للثواب، الراتب مُضاعف، أو جنَّةٌ له وجنَّةٌ لنسائه الحور العين، أو جنَّةٌ له في مكان وجنَّة في مكانٍ آخر يتنقل بينهما، ثمَّ يقول الله عزَّ وجل:

 

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

 

 تبارك أي عظُمَ خيره، البركة أن يخلق الله من شيءٍ قليل شيءٍ كثير، كيف ؟ أي أنت جئت إلى الدنيا وعشت ستين سنة، مثلاً تبت في الأربعين، في الأربعين تبت إلى الله عزّ وجل، عشت عشرين سنة بالطاعة، والتوبة، والصلوات، والمساجد، والعمل الصالح، وغض البصر، وإنفاق المال، وحفظ القرآن، والدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتسبيح والتذكير... الخ، عشرين سنة طاعة يقابلهم أبد: مليار مليار مليار مليار، فما هذا الأبد ؟

 الأبد و تعريفه:

 مرَّة في جامع العثمان ذكرت هذا المثل للتقريب: كتاب أمامي أقرأ منه، قدَّرت طوله بخمسة وعشرين سنتيمتر، إذا كان كل ميلي فيه صفر فكم الرقم ؟ ذكرت البارحة في ندوة أن المجرَّة الحديثة تبعد عنّا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، البليون يساوي مليون مليون. أي ستة × ستة يساوي اثني عشر صفراً، والألف ثلاثة أي خمسة عشر، والثلاثمئة صفرين أي سبعة عشر وثلاثة، أي ثلاثة أمامها سبعة عشر صفراً، والضوء سرعته بالثانية ثلاثمائة ألف كيلو متر × ستين × ستين × أربعة وعشرين × ثلاثمائة وخمسة وستين طلع ثمانية عشر صفر، قلت: رقم أمامه خمسة وثلاثين صفر، فما هذا الرقم ؟ يقول لك: هذا رقم فلكي، فإذا كتاب أمامي كل ميلي صفر معناه أن واحد وأمامه مائتين وخمسين صفر، ما هذا الرقم ؟ إذا أبعد مجرَّة تبعد عنَّا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية × السنة الضوئية الناتج واحد وأمامه خمسة وثلاثين صفراً، فكيف واحد أمامه مئتين وخمسين صفراً ؟
 في جامع العثمان قلت: يا ترى من المحراب إلى الباب كم صفر ؟ كل ميلي صفر، فلو من الباب إلى ساحة شمدين كم صفر ؟ فلو إذا إلى النبك كم صفر ؟ إلى حمص، حماه، حلب، أنقرة، موسكو، القطب الشمالي، مررنا على المحيط الهادي، على القطب الجنوبي، أي واحد أمامه أربعين ألف كيلو متر أصفار، ما هذا الرقم ؟ صدقوني أيها الإخوة أن هذا الرقم صفر أمام الأبد، لأن أكبر رقم إذا وضع صورةً لكسرٍ وكان في المخرج لانهاية ثمانية مسطحة فقيمته صفر، إذا نُسِب أكبر رقم إلى اللانهاية فقيمته صفر فما هو معنى:

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾

 عطاء الله في الآخرة أكبر بكثير من عمل الإنسان في الدنيا:

 أنت عشت عشرين سنة بعد التوبة، عشرين سنة ؛ صلوات خمس، وصوم، وحج، وزكاة، وحضور مجالس علم، وغض بصر، وإنفاق مال، تستحق إلى الأبد جنة ؟

﴿تَبَارَكَ﴾

 العطاء لا يتناسب مع العمل إنه أكبر بمليار مرَّة، بمليار مليار مرَّة.

 

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

 

 بقدر ما هو عظيم بقدر ما هو كريم. أنا أذكر دائماً في هذه الآية أنه ممكن تعيش مع شخص تحترمه احتراماً كبيراً لكنك لا تحبه، متفوِّق في اختصاصه، ممكن تعيش مع شخص تحبه حبَّاً جمَّاً لكنك لا تحترمه لأنه جاهل لكنه قريب لك، لكن أن تجمع بين الاحترام اللانهائي، والمحبة اللانهائية هذا شيء في الدنيا غير موجود، إنه نادر، ربنا جمع أسماءه الحُسنى كثيرة جداً، قسم من أسماؤه تحت اسم الجلال ؛ القوي، الجبَّار، المتكبر، القهَّار، المتين، ويوجد قسم ؛ الرحمن، الرحيم، اللطيف، الرؤوف، فكل أسماء الجلال وكل أسماء الجمال.

 العاقل من يستغل كل إمكاناته في إعمار آخرته:

﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾

 أي أن هذه الجنَّة لا نستغني عنها ولا ننصرف إلى غيرها لأن بعض العلماء يقول: " وقع تحت يدي حديثٌ شريف استغنيت به عن علم الأولين والآخرين ". وهذا الحديث:

(( اعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه، واتقي النار بقدر صبرك عليها ))

 أعيد عليكم هذا المثل الصعب هل تقبل به (إلا أنه واقع): شخص يسكن في بيت مُستأجر ونظام الإيجار في هذا البلد مالك البيت يُخرج المستأجر من البيت في أي لحظة بلا سبب، وبلا إنذار، والمستأجر له دخلٌ كبير، هل يُعقل أن يضع كل دخله في تزيين هذا البيت المستأجر، وله بيتٌ بعيدٌ بعيد خرِب وهو يُهمل هذا البيت ؟ فالذي يعتني بدنياه دون أن يعتني بآخرته كمن يضع كل دخله في تزيين بيت لا يملكه (مُستأجر يُطرد منه في أية ثانية) أما إذا ذهب إلى بيته الحقيقي لا يوجد فيه أبواب، لا يوجد ماء، ولا توجد كهرباء، ولا يوجد شيء، فالعقل كل العقلِ أن تضع كل إمكاناتك في إعمار البيت الأساسي الذي تنتهي إليه، وبهذا تنتهي سورة الرحمن ونبدأ في درسٍ قادمٍ إن شاء الله تعالى في سورة الواقعة.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018