الدرس : 6 - سورة الرحمن - تفسير الآيات 37-45 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 6 - سورة الرحمن - تفسير الآيات 37-45


1996-01-19

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون: مع الدرس السادس من سورة الرحمن، ومع الآية السابعة والثلاثين وهي قوله تعالى:

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

(سورة الرحمن )

 الكون مسير إلى أجل مسمى:

 أيها الإخوة: آياتٌ كثيرةٌ جداً ولا سيما في الأجزاء الأخيرة من القرآن تبيِّن أن هذا الكون على نظامه الدقيق وتكوينه البديع مسيرٌ إلى أجلٍ مسمى، وبعد هذا الأجل تكور الشمس وتنتثر الكواكب ويسَجَّر البحر وينتهي كل شيء.

﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾

( سورة يس )

 فالكون له نهاية.

 العاقل من يعدّ ليوم القيامة عدّته:

 نحن الآن في أثناء العام الدراسي، في دنيا التكليف، وهذا الكون الذي نَصَبَهُ الله عزَّ وجل دالاً عليه مشيراً إليه مجسِّداً لأسمائه الحُسنى مظهراً لكمالاته، فبعد أن تنتهي الحياة الدنيا ويأتي يوم الدين انتهت وظيفة الكون، فتقريباً كهذه الخرائط واللوحات والمجسَّمات التي تعَدُّ وسائل إيضاحٍ في العام الدراسي، فإذا انتهى العام الدراسي وبدأ الامتحان هذه الخرائط وتلك اللوحات وهذه المُجَسَّمات انتهت وظيفتها تطوى، وتودع في المستودعات، فنحن في الحياة الدنيا والكون مسخرٌ لهذا الإنسان تسخيرَ تعريفٍ وتكريم، فإذا انقضت الحياة الدنيا انتهت مهمَّة الكون.

﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (2) وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (3) وَإِذَا الْعِشَارُ عُطِّلَتْ (4) وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾

( سورة التكوير )

 إلى آخر الآيات، لذلك أيها الإخوة هذا اليوم لا بدَّ من أن يأتي، العاقل هو الذي يعدَّ لهذا اليوم عدَّته.

 توازن الكون في الحياة الدنيا:

 قال تعالى:

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾

(سورة الرحمن)

 هذا الاستقرار، هذا التوازن الحَرَكي، كل كوكب يدور حول كوكب بمسار مُغلق، إهليلجي أو دائري، هذا الكون بمحصلة نظامه الدقيق يتحرَّك مع التوازن فليس هناك ارتطام ولا انحرافٌ عن المسار لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾

(سورة فاطر )

 والزوال هو الانحراف، ولا شك في أن صلاة الظُهْر تقع بعد زوال الشمس عن كبد السماء، أي بعد انحرافها.

 قدرة الله في مسك السماوات و الأرض:

 ذكرت قبل أيام في ندوةٍ أن الأرض تنطلق حول الشمس في مسارِ مُغلق، ومسارٍ إهليلجي (بيضوي) له قطران أعظميٌ وأصغري، فحينما تقترب الأرض من القُطر الأصغر يزداد جذب الشمس لها، وحين جذب الشمس لها رُبَّما تخرج عن مسارها وترتطم بالشمس، لذلك هذه الأرض الجامدة تزيد من سرعتها (والزيادة يسميها الرياضيون التسارع) تزيد من سرعتها زيادةً بطيئة لئلا ينهدم كلُّ ما عليها، تزيد من سرعتها لينشأ من هذه الزيادة قوةٌ جديدةٌ نابذةٌ تكافئ القوة الجاذبة، فحينما تصل الشمس إلى القُطر الأبعد (الأعظم) يُخْشى أن يضعف جذب الشمس لها فتنحرف عن مسارها و تغوصُ في أعماق الفضاء وتبتعد عن أشعة الشمس وتدخل في متاهات الفضاء فتبرد الأرض إلى درجة الصفر المطلق (مائتان وسبعون درجة تحت الصفر) وفي هذه الدرجة تتوقَّف حركة الذرَّات حول النترونات (حركة الإليكترونات حول النواة)، ومع توقف هذه الذرَّات تنعدم المادة، فبلاغة القرآن الكريم:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

 إن انحرفت عن مسارها زالت، غابت عن طاقة الشمس (الشمس تمدها بالطاقة) فإذا ابتردت إلى درجة الصفر المطلق تلاشت المادة:

 

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾

 

 انتهاء مهمة النظام الكوني يوم القيامة:

 طبعاً حينما يأتي يوم القيامة لا جدوى من بقاء الأرض ولا من بقاء الشمس ولا من بقاء النجوم، وكل هذا النظام الكَوني تتقوَّض دعائمه وتنتهي مهمَّته ويأتي عالمٌ جديد عالم الجنة والنار.

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾

 فكانت حمراء كالوردة، سائلةً كالدهان، والآن في باطن الأرض نواة الأرض سائلة وحارَّة كالزيت المغلي، فربنا عزَّ وجل بوصفٍ دقيقٍ موجزٍ بليغٍ جامعٍ مانعٍ يصوّر نهاية الكون، كتلٌ سائلةٌ ملتهبةٌ حمراء كلون الورد، سائلةٌ كالزيت.

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط:

 عندئذٍ هل يستطيع الإنسان أن يكذِّب يوم الدين ؟ فحينما يكتب على السبورة مثلاً أن هناك مذاكرة رياضياَّت صباح الأحد، وبعض الطلاَّب يُشَكِّك في هذا الإعلان على هذه السبورة، لعله بخط الأستاذ، لعله من خط طالبٍ أراد أن يُداعب الطلاب، يا ترى هل تجرى هذه المذاكرة ؟ يُشَكِّك، أما إذا دخل المدرس وقال: افتحوا الأوراق واكتبوا الأسئلة هل هناك مبرر للشك بهذا الوعد ؟
 لذلك هذا الكلام أيها الإخوة ينقلنا إلى كلامٍ خطير أي أنَّك مخيَّر ومع أي موضوع، ومع مليون موضوع مخيَّر خيار قبول أو رفض، لو عرضنا عليك بيتاً تشتري هذا البيت أو لا تشتريه، لو خطبت لك أمك فتاة تقبل بها أو لا تقبل بها، لو عرضنا عليك تجارةً توافق عليها أو لا توافق، لو جاءك سفرةٌ إلى بلدٍ آخر تدرس الدخل والإقامة والتعويضات، فتوافق أو لا توافق، أنت مع مليون موضوع مخيَّر تخيير قبول أو رفض، إلا مع الإيمان، خيارك خيار وقتٍ فقط، وهذه أخطر فكرة، فشئت أم أبيت لا بدَّ من أن تؤمن.

 الندم لمن يؤمن بعد فوات الأوان:

 الذي رفض الإيمان قال:

﴿ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾

(سورة النازعات )

 وقال:

 

﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾

 

(سورة القصص )

 والذي قال:

 

﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾

 

(سورة القصص)

 هل هناك كلامٌ أشد كفراً من هذا ؟ هذا فرعون نفسه حينما أدركه الغرق قال:

 

﴿ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾

 

(سورة يونس )

 فنحن لسنا مخيرين أن نؤمن أو لا نؤمن، أن نقبل أو لا نقبل، أن نعتقد أو لا نعتقد، نحن مخيرون متى نؤمن إما أن نؤمن في الدنيا فننتفع بإيماننا، وإما أن نؤمن بعد فوات الأوان، لا بدَّ من أن تعرف جواب هذا السؤال، فإما أن تعرفه قبل الامتحان فتنجح، وإما أن تعرفه بعد الامتحان فيزداد الندم، ولات ساعة مندم.

 الإنسان العاقل من يعرف الله في شبابه:

 أيها الإخوة:هذه الفكرة أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون واضحةً في أذهانكم: خيارك مع الإيمان ليس خيار قبولٍ أو رفض، خيار وقت.
 وفي مثل أقرب تجد الشاب الشارد عن الله عزَّ وجل، يعتقد اعتقادات فاسدة، يؤمن بنظريات لا أصل لها، يتحمَّس إلى الدنيا ينكب عليها بكل طاقاته، فإذا بلغ الأربعين وتجاوز الخمسين اعتدل، شعر بدنو أجله، بدأ يُصَلِّي، فإذا ما صار الندم الشديد عند الموت هناك ندمٌ قبل الموت، فالبطولة أن تعرف الله في وقتٍ مُبَكِّر، أن تعرف الله قبل أن تتزوج كي تختار شريكة حياتك مؤمنةً تعينك على دينك، أن تعرف الله قبل أن تعمل كي تختار عملاً يتوافق مع مبادئك، أن تعرف الله قبل أن تقيم شبكةً من العلاقات حتى إذا عرفت الله رأيت نفسك مربوطاً مع هذه العلاقات، فالبطولة أن تعرف الله في الوقت المناسب، وأفضل وقت مناسب في شبابك، وهذا الحديث الجامع المانع الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم:

(( اغتنم خمسا قبل خمس...))

( أخرجه الحاكم، والبيهقي، عن ابن عباس، أحمد عن عمرو بن ميمون )

الشاب الناجح من يستغل وقته في معرفة الله :

الإنسان في شبابه لا يشعر بشيء اسمه قلب، ولا ضغط، ولا ضيق شرايين، ولا شريان مسدود، ولا قسطرة، ولا تغيير دَسَّام يتحرَّك كالحصان، وفي شبابه لا يوجد عنده ألم مفاصل ولا يوجد عنده ارتفاع نسب الأسيد أوريك، لا يُلقي بالاً إلى صحَّته ولا إلى نسب تراكيب دمه ولا إلى عمل أجهزته، كتلة من الحيوية والنشاط، هذه المرحلة هذه استغلها في معرفة الله، والإقبال عليه، والأعمال الصالحة، وطلب العلم

(( اغتنم خمسا قبل خمس...))

( أخرجه الحاكم، والبيهقي، عن ابن عباس، أحمد عن عمرو بن ميمون )

 يأتي وقت المرض يغلب شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، الإنسان إذا جاءه مرضٌ عُضال هذا المرض يُغَشِّي على بصيرته ويعمي عينيه ولا يفكِّر إلا به، فإذا كنت معافى وكنت شاباً، وفراغك قبل شغلك معك في بداية الحياة وقتٌ طويل، لكن بعد الزواج والأولاد، وتزويج البنات والأعمال، وتعقيب الأعمال تجد نفسك تعمل بشكلٍ إجباري، من عمل إلى عمل، من لقاء، لحل مشكلة، لمشكلة ابنتك، وابنك وأولادك، وعملك والديون، أعمال كلها متتابعة لا تجد وقتاً كافياً لمعرفة الله فاغتنم فراغك قبل شغلك، أحياناً تأتي الهموم والمشكلات على الإنسان لا يجد وقتاً ليفكِّر في ربِّه:

 

(( اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك ))

 

( أخرجه الحاكم، والبيهقي، عن ابن عباس، أحمد عن عمرو بن ميمون )

 ندم الإنسان بعد فوات الأوان لا يفيده شيئاً:

 النبي عليه الصلاة والسلام كان من دعائه أن يكون خير رزقه في آخر عمره، أحياناً الإنسان وهو في بحبوحة في شبابه، المال بين يديه ينسى أن يتصدَّق، ينسى أن يدفع زكاة ماله، ينسى أن يُنفق من هذا المال، فإذا عرف قيمة إنفاق المال قلّ المال بين يديه، هذا الدخل لا يكفي طعامه وشرابه، أنَّى له أن ينفق، أنَّى له أن يتصدَّق، أنَّى له أن يعاون، فاغتنم غناك قبل فقرك، واغتنم حياتك قبل موتك.

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾

(سورة المؤمنون)

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

(سورة الحشر )

 فحينما قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

vفي بعض البلدان إذا الإنسان خالف بعض التوجيهات كان يهدم بيته، فلو جاءه إنذار فهل يا ترى يفعلونها لا يفعلونها ؟ لو أنهم جاءوا وهدموا البيت، بعد هدم البيت أيستطيع صاحب البيت أن يشكك في هدم البيت، انهدم وانتهى.

 

 

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 

 من يدخل الآخرة في حساباته اليومية يلقى الله و هو عنه راض:

 إخوانا الكرام: بصدقٍ صادق، الذي يتعامل مع الآخرة تعاملاً جدياً قلائل، الذي يُدخل الآخرة في حساباته اليومية، في كل كلمةٍ يقولها في كل نظرةٍ ينظرها، في كلٍ كلمةٍ يسمعها، في كل حركةٍ يتحرَّكها، في كل عطاءٍ، في كل أخذٍ، في كل غضبٍ، في كل رضا، في كل صلةٍ، في كل قطيعةٍ، هذا الذي يتعامل بوحي الآخرة، هذا النمط قليلٌ في المجتمع، النمط السائد يعيش لحظته، يعيش وقته، يعيش ليأكل و يشرب، أما البطل ليس من يقطع طُرقاً بطلاً إنما من يتَّقي الله البطل، البطل الذي يقرأ هذا المنهج ويطبِّق هذا المنهج على حياته اليومية، وعلى أخذه وعطائه وعمله ودخله وحركته، حتى يطمئن إلى أنَّه مطيعٌ لله عزَّ وجل، فإذا جاء الأجل بغتةً لقي الله وهو تائبٌ إليه.

الموت عرس المؤمن :

 لو قيل لك: موعد إطلاق الطائرة بين الساعة الثامنة صباحاً والساعة الثامنة مساءً، وفي أية لحظةٍ نتصل بك عليك أن تخرج من بيتك فوراً وإلا ضاعت عليك هذه السفرة، فإذا كنت لا تعلم متى يتَّصلون بك، ماذا تفعل ؟ تهيئ نفسك من أول الوقت، أسعد الناس من هو جاهزٌ للقاء الله عزَّ وجل في أي وقت، كل شيء واضح، كل شيء مُبَيَّن، علاقاته واضحة، دخله حلال، إنفاقه حلال، بيته إسلامي، عمله إسلامي، ضبط جوارحه، ضبط دخله، ضبط إنفاقه، ضبط أجهزته وأعضاؤه، وبناته، وشبابه، وزوجته، ضبط كل شيء، فإذا جاء الأجل: مرحباً بلقاء الله عزَّ وجل، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن:

(( تحفة المؤمن الموت ))

( أخرجه الطبراني، وأبو نعيم، والحاكم، والبيهقي، عن ابن عمر )

 الموت عُرْسَ المؤمن وأن المؤمن الصادق حينما يأتيه الأجل يدخل في سعادةٍ لا توصف، إنسان له زوجة ضغط عليه في أشياء شأنها كشأن كل الزوجات، قال لها:اعلمي أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلهن أهون من أن أضحي بهن من أجلك.

 على الإنسان أن يقوم بأعمال يعود خيرها عليه بعد انقضاء الوقت:

 إخوانا الكرام: إنَّك لا ترتاح حقيقةً إلا إذا نقلت اهتماماتك إلى الدار الآخرة، لأن الوقت، أنت وقت، أنت بضعة أيَّام (بأوضح التعاريف)، بأدق التعاريف بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، فأنت زمن، وهذا الزمن له إنفاقان، إنفاق استهلاكي وإنفاق استثماري، الإنفاق الاستهلاكي أن تمضيه في المباحات، دعك من المعاصي والآثام بالمباحات ؛ أكلت، وشربت، ونمت، وتنزَّهت، وسهرت، وضحكت، إلى أن جاء الأجل تأتي يوم القيامة صفر اليدين، هذا الوقت ينبغي أن تنفقه استثماراً، أي ينبغي أن تفعل فيه عملاً يعود عليك خيره بعد انقضاء الوقت، لذلك أخطر شيء بسورة الفجر:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾

(سورة الفجر )

 على الإنسان أن ينتبه إلى نعم الله لأنها سبب سعادته أو شقائه:

 أعطاه المال، أعطاه صحةً، أعطاه بيتاً، أعطاه زوجةً، أعطاه أولاداً، أكرمه ونعَّمه، فيقول هو جهلاً:

﴿ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾

 لا هذا ليس إكراماً هذا ابتلاء، فنعمة المال كيف توظِّفها ؟ إن وظفتها في أعمالٍ صالحة فعلاً الأعمال نعمة لأنها سبب سعادتك في الجنة، الزوجة إن دللتها على الله وأخذت بيدها إلى الله فعلاً نعمة، لأنها سبب دخولك الجنة، وكم من زوجةٍ تُرضي زوجها أشدَّ الإرضاء وهي سبب دخوله النار، لذلك كانت بعض الصحابيات يودِّعن أزواجهن قبل أن يذهب إلى عمله تقول له: " يا فلان اتقِِ الله بنا فنحن بك وإليك، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام ". فكيف بامرأة لا تزال تُلِحُّ، ولا تزال تملأ سمع زوجها بطلباتها غير المتناهية إلى أن تحمله على كسب المال الحرام، فتكون سبباً في دخوله النار.

 الرجال قوامون على النساء:

 الإنسان إذا أساء لأهله، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾

(سورة التحريم: آية " 6 " )

 إن أساء إلى أهله فأبقاهم على جهلٍ، ما عرَّفهم بربهم، ما أمرهم بالصلاة ولا حضَّهم عليها، ولا سألهم عن فقههم ولا عن علمهم، قال: هؤلاء الأهل إذا شردوا وانحرفوا موقفهم يوم القيامة أن تقول البنت لربها: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي لأنه كان سبب شقائي، الأبوة مسؤولية، فكل إنسان في عنده ضمن بيته قبل أن يتطلَّع إلى هداية الآخرين، كل إنسان لو اكتفى بهداية أولاده وبناته وزوجته لكنا في حالٍ غير هذا الحال، يغضب للدنيا ولا يغضب إن انتهكت حرمةً من حرمات الله، يغضب لأن الطعام غير جاهز، لكنه لا يغضب إذا رأى ابنته في وضعٍ لا يُرضي الله عزَّ وجل، يقول: ماذا أفعل ؟ الله يصلحها، وهو الأب، وهو الذي جعله الله قَيُّوم هذه الأسرة، الرجال قوَّامون على النساء.

 من أكبر المصائب أن يغتني الإنسان على جهلٍ فيطْغى بهذا المال:

 إذاً أيها الإخوة: حينما قال الله عزَّ وجل:

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 ذكرت قبل قليل أن المال لا يُسَمَّى نعمةً إلا إذا أنفق في طاعة الله، هو ابتلاءٌ، هو عطاءٌ موقوفٌ على نوع استخدامه، إن أنفق في طاعة الله سمي نعمةً، أما إذا أنفق في المعصية سمي نِقمةً ونَعْمَةً، لذلك النبي صلى الله عليه وسلم عَدَّ الغنى المُطغي من أكبر المصائب، من أكبر المصائب أن تغتني على جهلٍ فتطْغى بهذا المال.

﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآَهُ اسْتَغْنَى﴾

(سورة العلق)

 إن رأى نفسه استغنى وأصبح قوي المركز لكثرة ماله، أو لكثرة من حوله من أعوان عندئذٍ يطغى.

 سؤال الله الإنسان عن أدق أعماله:

 قال:

﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾

(سورة الرحمن )

 طبعاً هذه الآية تضعنا في سؤالٍ كبير، كيف نوفِّق بينها وبين قوله تعالى:

﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

(سورة الحجر )

﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾

(سورة الصافات )

 آياتٌ كثيرة تبيِّن أن الله سبحانه وتعالى يسأل عباده عن أدقِّ أعمالهم، عن كل أعمالهم، والآيات كثيرة:

 

﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾

 

( سورة الزلزلة )

 فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ: آية لها عدة معان:

 المعنى الأول: عدم السؤال يكون أحد ألوان التعذيب:

 كيف نوفِّقُ بين هذه الآية وبين تلك الآيات ؟ قال بعض العلماء: أحياناً إذا أُوقِفْ الإنسان وبقي أياماً دون أن يُسأل يزداد ألمه، فعدم سؤاله وعدم معرفة سبب توقيفه هذا مما يزيد ألمه، فقال بعض العلماء: هؤلاء الكفار ينتظرون وينتظرون و ينتظرون إلى أن يُلِحُّوا على ربهم أن يسألهم وأن يحاسبهم، فهذا معنى، هذا معنى قاله أحد العلماء (ابن القيم).

 المعنى الثاني: لمجَرَّد أن يُسأل الإنسان يعطى فرصةً كي يعتذر:

 وهناك معنى آخر: هو أن يوم القيامة مديد فيه مراحل مراحل، في مرحلة فيها سؤال، سؤال دقيق، وحساب دقيق، وفي مرحلة تنتهي المحاكمة ويصدر الحكم، فليس هناك سؤال، انتهى السؤال.

 المعنى الثالث: الله سبحانه وتعالى حينما يسألهم كأنَّه يسمح لهم أن يعتذروا:

 يوجد معنى آخر، المعنى الثالث: هو أن الله سبحانه وتعالى حينما يسألهم كأنَّه يسمح لهم أن يعتذروا، إنهم وصلوا مع الله إلى طريقٍ مسدود، أحياناً مجرَّد السؤال، لماذا فعلت كذا ؟ كأنَّك تسمح له أن يعتذر أما هذا الإنسان انتهى أمره وحكم عليه بالنار، فلا معنى لسؤاله، الإنسان حينما يرتكب جريمةً يَسأله القاضي عن الدوافع، وعن الملابسات وعن وعن، أما إذا اقتنع القاضي أنه قاتلٌ عمداً، وليس هناك أسباب مخففة، يصدر حكمه بالإعدام، وحينما تُدرس إضبارته في أعلى محكمة (محكمة النقض) ويرى أن القاضي الذي حكم هذا الحكم مصيبٌ في حكمه، يصدَّق هذا الحكم، فإذا نقلت هذه الإضبارة إلى رئاسة الجمهورية وصدَّق عليها، ثم انتقل هذا المجرم إلى تنفيذ حكم الإعدام، قبل أن يشنق هل يسأل لماذا فعلت هذا ؟ ولا سؤال، انتهى السؤال، السؤال أثناء المحاكمة، أما حينما اقتنع القاضي أنَّه قاتلٌ عمداً، واقتنع رئيس محكمة النقض أن حكم القاضي صحيح، وصُدِّقَ الحكم في أعلى مستوى وسيق للإعدام، فلا سؤال هنا، السؤال لا معنى له إطلاقا، فلأن يوم القيامة يومٌ مديد، في مرحلة فيها حساب، في سؤال، في مرحلة فيها حكم قطعي، في مرحلة انتهى الحكم، بقي التنفيذ.

 سؤال الكفار يوم القيامة عن أعمالهم السابقة سؤال توبيخ لا سؤال استعلام:

 إذاً المعنى الأوَّل: عدم السؤال قد يكون أحد ألوان التعذيب، عدم السؤال، المعنى الثاني، أنه لمجَرَّد أن يُسأل يعطى فرصةً كي يعتذر (والقضية انتهت) ليس هناك اعتذار، لذلك قال بعض المفسرين: إن سأل الله العبد يوم القيامة عن أعماله السابقة فهذا السؤال سؤال توبيخ لا سؤال استعلام، فليس ماذا فعلت ؟ لماذا فعلت ؟ فرقٌ كبير، ماذا فعلت ؟ سؤال استعلام، لكن لماذا فعلت ؟ سؤال توبيخ، لما النبي عليه الصلاة والسلام أوحى الله إليه أن أحد أصحابه (حاطب بن بلتعة) أرسل كتاباً إلى قريش يقول فيه: " إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم "، وأرسل النبي عليه الصلاة و السلام سيدنا علي مع صاحبٍ آخر إلى مكانٍ اسمه الروضة بين مكة والمدينة، وأخذوا الكتاب من المرأة وجاءوا به إلى النبي، فقرأه النبي، استدعى حاطباً، الآن النبي عليه الصلاة والسلام سيسأل حاطب عما فعل أم لماذا فعل ؟ قال له: يا حاطب ما حملك على ما فعلت ؟ ما سأله سؤال استعلام فالوحي أعلمه، ولكن سأله سؤال توبيخ. فإذا قلنا:

﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾

 لا يُسأل لأنه لا مجال لتغيير الحكم.

 النار مثوى الكافرين:

 إذاً إذا قلنا:

﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾

 أي لا يُسأل لأنه لا مجال لتغيّر الحكم، لأنه لا يُعطى هذا الإنسان فرصةً ليعتذر، كل شيء تمَّ بأدق مستويات العدالة، هذا معنى.
 المعنى الثاني: هو أن عدم سؤاله نوعٌ من أنواع العقاب.
 المعنى الثالث الذي ذكرته: أنه لا يُسأل بعد أن سُئل وصدر عليه الحكم بإدخاله النار.

 المعنى الرابع: النار نهاية العاصي:

 ويوجد معنى أخير قاله بعض العلماء: الإنسان حينما يرتكب جريمةً فظيعة يستحقُّ بها الإعدام، وعليه ذنوبٌ كثيراتٌ صغيرات (كأن يكون عليه مخالفة سير) وهو محكوم بالإعدام أعتقد أنه لا يُحاسب على مخالفة السير لأنه سيُعدم بعد قليل، وهذا معنى أخير.

﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 عرض أعمال الإنسان عليه يوم القيامة حركة حركة:

 هناك شيءٌ آخر: أحياناً عندما يُخالف الإنسان الأنظمة، الآن توجد أجهزة حديثة جداً تلتقط له صور المُخالفة، فأحياناً تأتي ورقة إلى البيت أنك خالفت، فالشيء المألوف أنك تقول: لا أنا لم أُخالف، أنا لم أكن في هذا الوقت في هذا المكان وهذه مخالفة فيها افتراء (يصير هناك مناقشة) أما الأجهزة الحديثة تُقدِّم له صورة سيارته بسرعته المتجاوزة، ولون سيارته، والمكان والزمان والوقت تفضل هذه الصورة مُسْكِته لا يوجد معها سؤال، أحيانا يسألوه فيقول: لا كنت، لا لم أكن، لا تكلمت، لا لم أتكلم، أما إذا قُدِّمت لك الصور انتهى السؤال، هذه أدلَّةٌ دامغة، لعلّ الله سبحانه وتعالى يعرض على الإنسان يوم القيامة أعماله كلَّها كشريط منذ أن خلقه وحتَّى توفَّاه حركة حركة، فعل، ترك، اقترف الفاحشة، أكل المال الحرام، احتال على الناس، اعتدى على أعراضهم، على أموالهم.

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾

(سورة الإسراء ) 

كل مخلوق يموت و لا يبقى إلا ذو العزة و الجبروت:

 مرَّة سمعت بالحرب العالمية الثانية في بلد أوروبي العادة عندهم أن الإنسان تُعرض عليه ذنوبه ويُطلَب منه أن يَحْكُم على نفسه، فعرضوا على ضابط خيانته، عُرِضت عليه ذنوبه (هذه في ألمانيا) فقيل له: ماذا تحكم على نفسك ؟ أخرج مسدساً وأطلق على نفسه الرَصاص.

﴿ اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾

 لذلك:إن العار ليلزمُ المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون عليَّ مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب. فعندما تنحسر عن الإنسان شهواته، وتنحسر عنه أمواله، ومكانته، ورغباته، ويبقى مع ذنبه وجهاً إلى وجه فهذا شيء لا يُحتمل، فيجب على الإنسان من حينٍ إلى آخر أن يتبع جنازة، الموت لم يدخل إلى حياتنا بدقَّة، هذا المتوفى إنسانٌ مثلنا كان قبل أيام بينَّنا، فُتِح النعش، حُمِل الميت ووضِع في هذه الحفرة، أهيل عليه التراب وعاد أهله إلى البيت، هل يستطيع أحدٌ منّا أن ينجو من هذه الحادثة ؟ أبداً مهما اعتنى بالبيت فلا بدّ من أن يُغَسَّل في أحد غرف البيت، إذا المطبخ واسع ففيه يغسِّلوه، إذا الحمام واسع ففي الحمام، لم يكن فيغسلوه في غرفة، وقد لا يُغَسَّل في البيت، في المستشفى، وقد لا يوجد له أثر، إذا كان في طائرة واحترقت لا يوجد أثر مات جميع ركَّابها، فهل يوجد أحد ينفد من الموت مهما علا شأنه ؟ كل مخلوقٌ يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت.

كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حملت إلــى القبور جنازة  فــاعلم بأنك بعدها محمول
***

 العاقل من يعدّ لساعة الحساب عدّتها:

 والله الإنسان من علامة توفيقه أن يفكِّر في هذه الساعة تفكيراً ملياً ؛ يُعِد لها التوبة، يُعد لها العلم، طلب العلم، العمل الصالح، إنفاق الأموال، خدمة الخلق، الذكر، التسبيح، يُعِد لها الأعمال الصالحة لأن هذا يوم لا بدَّ من أن يأتي.
 فأنا لا أبتعد عن واقعنا كثيراً، في هذا المسجد المتواضع في خلال عشرين عاماً كم شخصاً من إخواننا غادرنا ؟ والله كل أسبوعين يوجد شخص تقريباً أليس كذلك ؟ فهل نحن مخلَّدون ؟ لا والله، ملك الموت الآن تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، يوجد أشخاص يشترون قبر في حياتهم، وأنا أفضل الواحد إذا اشترى قبراً أن يطلع إليه هنا المصير.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾

(سورة الحشر )

 على الإنسان أن يلقى الله بعمل صالح يقربه إليه:

 لا يليق لإنسان من روَّاد المساجد يقول: أنا لا أزني، لا أشرب خمر، أنا لا آكل مال حرام (هذه ابتدائي) أنت الآن في الجامعة السؤال هو: ماذا قدَّمت لله ؟ بماذا خدمت المسلمين ؟ تعلَّمت علماً ؟ ساهمت في بناء مسجد ؟ في بناء ميتَم ؟ في بناء دار رعاية ؟ في بناء مدرسة شرعية ؟ أنفقت على طالب علم ؟ عملت شيئاً تُقدِّمه لله عزّ وجل ؟ ماذا فعلت ؟ لا صدقة ولا جهاد فبما تلق الله إذاً ؟ إذاً:

﴿ فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (37) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (38) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (39) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 المجرم وجهه أسود يوم القيامة:

 ومن تفسيرات قوله تعالى:

﴿ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾

 أنه:

﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾

( سورة الرحمن )

 المجرم ظاهر.

 

﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾

 

( سورة آل عمران: آية " 101 " )

المؤمن وجهه متألق ينظر إلى الرحمن يوم القيامة :

المسلم المؤمن.

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾

(سورة القيامة )

 مُتَأَلِّق، وجهٌ أبيض متألق ينظر إلى الله عزَّ وجل.

 

﴿ وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (40) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (41) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾

 

(سورة عبس )

 فالكافر وجهه أسود، أحياناً شخصان متشابهان يُقال لهما: من الناجح منكما ؟ أما إذا الناجح معه جلاءه ومكتوب بالقلم العريض ناجح فإن السؤال ليس له معنى.

 المجرم و البريء يُعرفان يوم القيامة من قسامة وجههما:

 من معاني قوله تعالى:

﴿ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ﴾

 لأنه:

 

﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ﴾

 

(سورة الرحمن )

 مرَّة كنت عند صديق لي (محقق بالقصر العدلي) يحقق في جريمة قتل، وهذا الذي يُحقق معه نظره إلى الأرض كالح الوجه، دخل فجأةً شابٌ متأَلِّق الوجه، فسأله وأخذه معه (هو قريب القاضي كلَّفه بعمل) قلت سبحان الله: البريء معروف، المتهم واضح من وجهه، من انكسار بصره، من قسامة وجهه، من الغبرة التي على وجهه، من اسوداد وجهه، و البريء وجهه متألق.

فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ : آية لها عدة معان :

 1 ـ الكافر إما أن يُساق من شعر مقدَّمَة رأسه:

﴿ يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾

 قال: هؤلاء المجرمون يؤْخَذون بالنواصي والأقدام، الناصية شعر مقدمة الرأس، والرأس مكان تكريم الإنسان، فإذا جرَّ الإنسان من شعر رأسه فهذه إهانةٌ ما بعدها إهانة.

 2 ـ أو يساق من قدميه:

 أما إذا جرَّ من قدميه على رأسه فهذه إهانة أشد.

 3ـ أو يُجْمَع رأسه إلى قدميه ويُلقى في النار:

 إما إن جُمِع رأسه إلى قدميه ورُبِط وأُلقي في النار، العلماء لهم ثلاث آراء في تفسير هذه الآية: إما أن يُجْمَع رأسه إلى قدميه ويُلقى في النار، وإما أن يُساق من شعر مقدَّمَة رأسه، وإما أن يُساق من قدميه.

﴿ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (41) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 جهنم يراها الكافر رأي العين:

 الآن أكثر الناس أي حديث عن جهنَّم، عن الآخرة، عن الموت، يَزْوَرُّون منه، يتأففون منه، دعك من هذا الحديث، حدِّثه عن أسعار العملة، عن البيوت، عن المقاصف، فيلات، شركات مساهمة، تجارات، سياحة، رحلة، تجد أن لعابه يسيل، أما إذا حدَّثته عن شيءٍ بعد الموت فإن قلبه يزداد انقباضاً، أما الذي يقول: أنا مؤمن بالآخرة لكن لا يعمل لها فإن هذا مكذب، فالله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾

(سورة الرحمن )

 يرونها رأي العين.

 المؤمنون يُطلون على النار دون أن يتأثروا لتزداد سعادتهم في الجنة:

 إخوانا الكرام: أي شيءٍ قاله الأنبياء والرسل، أي شيءٍ ورد في هذا القرآن وفي سنة النبي العدنان فإن هذا الشيء سوف نراه جميعاً رأي العين، لذلك من بعض ما ورد من تفاسير حول قوله تعالى:

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾

(سورة مريم )

 حتى المؤمنون يُطلون على النار دون أن يتأثروا ولا بوهجها لتزداد سعادتهم في الجنة، أي يا أيها المؤمن لو لم تؤمن في الدنيا، لو لم تستقم لكان مكانك هنا، لأن المؤمن إذا رأى مكانه في النار لو لم يؤمن لتضاعفت سعادته في الجنة، فأنا أضرب مثلاً: شريكان اقترح أحدهما التعامل مع بضاعة ممنوع التعامل بها، فالأول رفض والثاني أصر، فَفُسِخَت الشركة، الثاني الذي أصر تعامل مع هذه البضاعة ثم ضبط بالجُرم المشهود، وأُلقي القبض عليه وأودع في السجن، فذهب الشريك الأول ليزوره في السجن، هو في الظاهر يزوره، أما في الباطن يشكرُ الله عزّ وجل على أنه اتخذ قراراً حكيماً برفضه هذه البضاعة وهو في السجن يزداد قناعةً بصواب قراره، ويزداد سعادةً بحسن تصرُّفه، أما في الظاهر يزوره في السجن، فعندما يرى الإنسان مكانه في النار لو لم يؤمن هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾

 ورود النار شيء و دخولها شيء آخر:

 الورود شيء والدخول شيءٌ آخر، دخول النار عقاباً، أما ورودها ليس عقاباً ولكن اتعاظاً، وقد يرى هؤلاء الذين ظلموهم في الدنيا، أحياناً شريكان واحد لا يوجد عنده دين، ظالم، يرى عدل الله عزّ وجل، قال:

﴿ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ﴾

(سورة الصافات)

﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ﴾

 الإنسان حينما يضجر من شدة الحر، ومن لهيب النار، ومن عذاب جلده المُحترق، يضجر فيستغيث فهؤلاء:

﴿ يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾

(سورة الكهف )

 هذا هو المعنى.

 يطوف المجرم يوم القيامة بين جهنم و بين شراب كالزيت المغلي:

﴿ يَطُوفُونَ بَيْنَهَا﴾

 أي بين جهنَّم وما فيها من شدة الحريق، وبين شرابٍ كالزيت المغلي.

﴿ وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ﴾

(سورة الرحمن )

 في أعلى درجات حرارته.

 

﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ﴾

 

 لذلك قال أحد الأئمة: عثرت على حديثٍ جمع علم الأوَّلين والآخري هذا الحديث:

(( اتقِ النار بقدر صبرك عليها، واعمل للدنيا بقدر بقائك فيها، واعمل للآخرة بقدر مقامك فيها، واتقِ الله بقدر حاجتك إليه))

(ورد في الأثر )

 آمال الإنسان تنتهي بلحظة لأنه مملوك لا مالك:

 لو فرضنا بلداً لها نظام خاص في الإيجار، في بعض البلاد مالك البيت لمجرَّد أن يطلب من المُستأجر أن يخرج فعليه أن يخرج (ولا كلمة وبلا إنذار) لو فرضنا شخص مستأجر بيتاً، وله دخلٌ كبير، كل هذا الدخل أنفقه على تزيين بيته المستأجَر ؛ غيّر السقف، الجدران، الأبواب، التزيينات، ومالك البيت في أية لحظة يُعطيه أمراً بالخروج، لساكن هذا البيت دارٌ يملِكها ولكنها بعيدة، خربة ؛ بلا سقف، بلا نوافذ، بلا أبواب، بلا أرض، فهل من العقل أن يُنفق كل دخله على تزيين بيتٍ مستأجَرٍ يًغادره في أية لحظة وأن يُهمل بيته الأساسي الذي سيؤول إليه شاء أم أبى ؟ هذا ما يفعله الناس، كل مكتسباتهم في الدنيا، يريد فيلا ومسبح، يريد مكان على البحر، يريد أحدث مركبة ولكن إلى متى ؟ كل مكتسباته في هذه الأشياء، لا عرف الله ولا صلى، ولا استقام، ولا غضَّ بصره، ولا حرَّر دخله، وفي أي لحظة يقف قلبه فجأةً، أي إن كل آمال الإنسان أساسها سيولة الدم في الدماغ ولو كنت ملكاً، دمٌ تجمد في الدماغ انتهى كل شيء، فهل أنت مالكٌ أن مملوك ؟ إنك مملوك.

 

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾

(سورة آل عمران )

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾

(سورة الملك: آية " 1 " )

 طاعة الله خير للإنسان من ذكائه و ماله:

 لا تملك شيئاً، ولا تملك أن تبقى في مكانك ولا دقيقة، الإنسان يكون بعقله وبرأسه، حكى لي شخص عن رجل فقد عقله مؤقتاً، باع كل أمواله بثمنٍ بخس والآن لا يملك درهماً في الحياة (رجع إليه عقله) أي أن هذا المرض جاء وذهب، جاء فباع كل أملاكه ولا يعرف أحدٌ كيف أنفقها والآن لا يملك بيتاً يسكنه، ولا تملك عقلك، وإذا الإنسان فقد عقله أولاده يتوسطوا لدى أعلى مستوى بمحلٍ في مستشفى الأمراض العقيلة لأبوهم الذي اشترى البيت وجَّهزه لهم، فأنت لا تملك شيئاً، لا تملك إلا أن يرحمك الله عزّ وجل، ومع الله عزّ وجل لا ينفعك ذكاؤك، ولا ينفعك مالك ولكن تنفعك طاعتك له.

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾

(سورة الأحزاب )

﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (43) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آَنٍ (44) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 و في الدرس القادم إن شاء الله نتابع..

﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018