أحاديث متفرقة - الدرس : 100 - تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً .… - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 100 - تعرض الفتن على القلوب كالحصير عوداً عوداً .…


2005-01-02

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصداق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تمهيد:

 أيها الإخوة الكرام؛ مع حديث شريف أخرجه الإمام البخاري ومسلم في كتاب إتحاف المسلم بما في الترغيب والترهيب من صحيح البخاري ومسلم.
 من أنكر الفتن أضحى قلبه أبيض لا تضره فتنة
عن حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ))

[ متفق عليه ]

 أيها الإخوة الكرام؛ وجدت هذا الحديث ينطبق أشد الانطباق على آخر الزمان.
 يقول عليه الصلاة والسلام:

((أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم يتبع أولها آخرها))

[أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبو مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم]

 فتن لا تعد ولا تحصى، والفتنة شيء يدعوك إلى معصية فإما أن تنتصر وإما أن تفتن بهذه المعصية، والفتن في الشهوات، وأول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء، واتقوا فتنة النساء، فالمرأة فتنة معنى فتنة يمكن أن تدفعك إلى معصية الله، والمال فتنة يمكن أن يقودك حب المال إلى أن تأكله حراماً، والولد فتنة يمكن من أجل أن تتباهى به أن تدفعه إلى طريق النار، والبنت فتنة يمكن أن تعطيها مرادها من دون محاسبة فتكون طريقاً لك إلى النار، والمكانة فتنة حفاظاً على المكانة قد يسلك الإنسان طريق النار.

 

الفتنة:

 الفتن لا تعد ولا تحصى كل الشهوات التي أودعها الله في الإنسان هي فتن، لكن معنى فتنة بأعمق تفسير امتحان تنجح أو ترسب، تنجح إذا انتصرت على نفسك وترسب إذا أغوتك هذه الفتنة قال تعالى :

﴿ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾

[ سورة طه الآية: 40]

 الفتن امتحان للنفس الناجح من انتصر على نفسه
انتصر سيدنا موسى على نفسه، فإذاً كل الناس ممتحنون، كل الناس يفتنون، كل الناس يبتلون، فإما أن ينجحوا وإما أن يسقطوا، إما أن ينتصروا على أنفسهم وإما أن تغلبهم شهواتهم فيسقطوا من عين الله، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع أحدكم دينه بعرض من الدنيا قليل))

[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط عن حذيفة بن اليمان]

 ونحن في زمن الفتن وسلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته، إن مشيت في الطريق فأنت في فتنة، وإن طالعت مجلة من دون تدقيق فأنت في فتنة، وإن فتحت موقعاً معلوماتياً فقد تقع في فتنة، وإن شاهدت محطة قد تقع في فتنة، إن كل شيء حول الإنسان اليوم فيه فتنة، فيه ما يصرفه عن طاعة الله، فيه ما يرغبه بمعصية الله، فيه ما يدفعه إلى الهلاك، فيه ما يزين له الدنيا، فيه من يضع أمامه العقبات، نحن في زمن الفتن، والبطل هو الذي ينجو من الفتن، هو الذي يتوفاه الله على إيمان، نحن في زمن الفتنة وسلامة الرجل في الفتنة أن يلزم بيته، هو الحصن الوحيد أن يلزم بيته ومسجده، وقد قال بعض المفسرين:

﴿ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً﴾

[ سورة الكهف الآية: 16]

 ولعل بيتك الذي تعبد الله فيه ولعل مسجدك الذي تتلقى منه العلم ومن إخوانك المودة هو ما يحصن الإنسان من الفتنة.
 عن حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا .... ))

 الفتن اليوم تحيط بنا من كل جانب
هناك فتن في كسب المال، هناك فتن في إنفاقه، هناك فتن في البيع والشراء، هناك فتن في غش المسلمين، والله باب الغش لا يعد ولا يحصى، أنواع الغش كثيرة هناك فتن في وسط البيت وأنت في البيت هناك فتن، هناك فتن في غرفة النوم، هناك فتن في غرفة الجلوس، هناك فتن في غرفة الاستقبال، هناك فتن في الطريق، هناك فتن في مطالعة الكتب، هناك فتن في الشاشة، هناك فتن في المذياع، هناك فتن في كل أحوال الإنسان، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

[ سورة المؤمنون الآية: 30]

 شاءت حكمة الله أن يكون الإنسان مبتلى في الدنيا، والفتنة هي الامتحان وأنت ممتحن دائماً، ممتحن فيما أعطاك، وممتحن فيما زوى عنك، والبطولة أن تنجح في هذه الفتن، المرأة فتنة فإذا استعذت بالله، الله عز وجل يقول:

﴿ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾

[ سورة النساء الآية: 76]

﴿ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾

[ سورة يوسف الآية: 28]

 كيد الشيطان ضعيف وكيد المرأة عظيم، لأن لك حاجة عند المرأة، لأنك مفتقر إلى الطرف الآخر، هذا الافتقار قد يحملك على معصية الله، فلذلك أنت حينما تبتعد عن أسباب الفتنة تنجو منها، أما إذا دخلت في أسبابها في الأعم الأغلب تقع فيها.

 

مثال عن الفتنة:

 يعني تيار كتب عليه من بعيد ممنوع الاقتراب لمسافة عشرة أمتار من التيار عالي التوتر، هذا التيار عالي التوتر، يمكن إذا وصل الإنسان إلى عشرة أمتار قبله أن يجذبه وأن يحرقه، فإذا أردت أن تكون آمناً من هذه الفتنة ينبغي أن تدع بينك وبينه هامش أمان، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾

[ سورة البقرة الآية: 187]

 تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا
أما إذا سولت لك نفسك أن تقتحم حرم هذا الخط الكهربائي عالي التوتر ففي الأعم الأغلب سيأخذك.

(( ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما))

[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن أبو أمامة الباهلي]

 الخلوة بالمرأة تجاوزت الخط الأحمر، الخلوة بالمرأة تجاوزت حرم هذه الفتنة، صحبة الأراذل تجاوزت الخط الأحمر، أن تملأ عينيك من الحرام تجاوزت الخط الأحمر، هناك طرق لا تعد ولا تحصى كلها تجاوزات في الخط الأحمر، ومن تجاوز الخط الأحمر هو معرض لهذه الفتنة، لذلك الآية تأتي أحياناً، قال تعالى:

﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾

[ سورة الإسراء الآية: 32]

 ليس في القرآن نهي عن الزنا بل فيه نهي عن أن نقترب من الزنا، يحميك الله عز وجل ما دمت بعيداً عن الخط الأحمر الذي قبل المعصية، فلذلك في آخر الزمان

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ...))

 فالحصير أحياناً أعواد كثيرة جداً قد تزد عن ألف عود وتشبيه دقيق جداً.

 

الحديث الشريف

((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا ...:

 فتنة في المال، فتنة في القرض بفائدة، فتنة إقراض الإنسان مع انتظار هدية، مع انتظار ميزة، مع انتظار منفعة، هذه فتنة، الاختلاط فتنة، تحب طبعاً يغطى هذا الكلام أن جمع الأسرة جمع شتاتها، في شابات هن أجنبيات بالنسبة إليك، وفي حفل، وفي لقاء أسري، وفي طرف تلقى، وفي تعليقات، وفي غمز ولمز، الاختلاط فتنة، الصحون فتنة، الإذاعة بأغانيها فتنة أحياناً، المجلات بما فيها من صور فتنة، يعني لو ذهبنا نعدد الفتن قد لا ننتهي لكن النبي عليه الصلاة والسلام في أصح الأحاديث فيما أخرجه البخاري ومسلم يبين عليه الصلاة والسلام أن كل الفتن تعرض على القلوب واحدة:

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا ... ))

 تعلق بها، مال إليها، أحبها، استلطفها، ركن إليها، تعلق بها.

(( فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ... ))

 كل فتنة أشربها القلب نكتت فيه نكتة سوداء
صار فيه نقطة سوداء في القلب، هو القلب مجموع نقاط تسود بعضها هذه الفتنة الإنسان لم ينجح بها إذاً نكتت فيه نكتة سوداء.
 بالمناسبة لو أن الإنسان ترك صلاة الجمعة ثلاث مرات متتاليات نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تابع ترك الجمعة ثم يكون الران، ثم تلا النبي عليه الصلاة والسلام قوله تعالى:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

[ سورة المطففين الآية: 14]

 فأي قلب أشربها يعني إذا أشرب فتنة واحدة كل فتنة تحتل في القلب مكان هذا المكان إما أن يكون أبيضاً بتركها وإما أن يكون أسوداً بفعلها.
 المرأة لها مكان في القلب مكان المرأة في القلب نقطة بيضاء منيرة تزوج فقط أخذ من الشهوة ما سمح له منها، بقية الله خير لكم.

(( ... فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ ... ))

 ببعض البلاد المتقدمة مخالفات للسير ما في لكن أي مخالفة تحسب له من إجازة القيادة، نقطة البطاقة كلها اثنتا عشرة نقطة ارتكب مخالفة ثبتت نقطة سوداء، والمخالفة الثانية نقطة إلى أن تملأ ساحة هذه البطاقة بالنقاط السوداء تسحب منه الإجازة ويمنع أن يقود مركبة لمدة ستة أشهر ثم لمدة سنة ثم يمنع أن يقود السيارة كلياً في هذه البلاد.
 القلب فيه نقاط كل فتنة أشربها القلب نكتت فيه نكتة سوداء، لكن في كلام لطيف ببعض البلاد إذا ارتكب مخالفة سير جاءت هذه المخالفة على صحيفته فأي إنسان أراد أن يستخدمه أن يعينه موظفاً يطالبه بصفحته الاجتماعية كل أخطاءه المدنية في هذه الصفحة لكن في مجموعة مخالفات إذا مضى عامان ولم تتكرر تمحى آلياً، يعني إذا إنسان أخطأ ولم ينجح في امتحان بعض الفتن وتاب منها توبة نصوحة أنا أعتقد أن خالق الأكوان يمحوها عنه بعد حين.

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ ... ))

 هذا القلب مجموعة نقاط إما أنها بيضاء منيرة أو سوداء مظلمة، فالفتنة التي تنتصر نفسك عليها نكتة بيضاء متألقة منبع ضوئي، والفتنة التي غلبت عليها مكانها في القلب نقطة سوداء مظلمة، بعد الممارسات والحركة بالحياة والانطلاق إلى العمل والعودة إلى البيت أول يوم وثاني يوم والخميس والجمعة وأول أسبوع وثاني أسبوع وشهر تلو الشهر تتراكم النقاط البيضاء أو تتراكم النقاط السوداء فإذا تراكمت النقاط البيضاء. قال :

(( ... حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا ... ))

 هذا القلب أبيض منور بنور الله يكبر ولا نرى كبره فيتضاءل أمامه كل كبير ويسود وقد لا نرى اسوداده فيتعاظم عليه كل حقير.

(( ... حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ... ))

 سبحان الله الانتصار على النفس يقود إلى انتصار والانهزام أمام النفس يقود إلى انهزام، الإنسان طبيعته حركية ديناميكية وليست سكونية فأول خطوة إيجابية تقوده إلى خطوة إيجابية، هذا المعنى أشار النبي عليه الصلاة والسلام إليه حينما سأله أحد أصحابه:

((عن أبو ذر الغفاري رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا ينجي العبد من النار؟ قال: الإيمان بالله ))

 جاء السؤال الثاني:

(( قال: قلت: يا نبي الله إن مع الإيمان عملا ً، قال: ترضخ مما رزقك الله أو يرضخ مما رزقه الله، قال: قلت: يا نبي الله أرأيت إن كان فقيراً لا يجد ما يرضخ؟ قال : يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال: قلت: يا رسول الله أرأيت إن كان عيياً لا يستطيع أن يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر؟ قال صلى الله عليه وسلم: فليصنع لأخرق، قال: قلت يا رسول الله أرأيت إن كان أخرق لا يحسن أن يصنع؟))

 يعني ليس معقول ولا ميزة له الإنسان كان السؤال صار محرج.

(( قال: فليمسك أذاه عن الناس))

 فجاء السؤال الأشد إحراجاً.

(( قال: قلت: يا نبي الله أرأيت إن فعل هذا ليدخل الجنة؟ قال: ما من مؤمن يصنع خصلة من هذه الخصال إلا أخذت بيده حتى يدخل الجنة))

[أخرجه ابن أبي شيبة في مسنده]

 الإنسان طبيعته حركي يعني إذا كف أذاه عن الناس هذا الكف عمل طيب، نقله إلى أن يعين الناس في حاجاتهم، فإذا أعان الناس في حاجاتهم هذا العمل الطيب، نقله إلى أن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، الآن ما تكلف شيئاً فإذا أمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر هذا العمل ينقله إلى أن يعطي مما أعطاه الله، لذلك خطوة نحو المعصية تقود إلى معصية أشد وخطوة نحو الطاعة تقود إلى طاعة أشد، لذلك ابن القيم رحمه الله تعالى قال:
 الانتصار على النفس يقود إلى انتصار أكبر
من جاءته خاطرة. يعني أضعف شيء ممكن أن يرد إليك خاطرة قال : فإن أهملها انقلبت إلى فكرة ، الفكرة أوضح فإن أهملها انقلبت إلى رغبة ، صار فكرة انتهت إلى رغبة ، فإن أهملها أصبحت شهوة ، الشهوة أقوى فإن أهملها أصبحت إرادة فإن أهملها أصبحت فعلاً فإن تابعه أصبحت عادة.
 هو أصعب شيء أن يدع الإنسان عاداته، لذلك حينما قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾

[ سورة النساء الآية: 17]

 معنى ذلك أنه ينبغي أن تقلع عن المعصية فور وقوعها ولا أن تمهل حتى تنقلب هذه المعصية إلى عادة، هذا المعنى جاء في القرآن الكريم قال تعالى:

﴿ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾

[ سورة الحديد الآية: 16]

 طال عليهم الأمد في المعاصي فقست قلوبهم.

(( ... حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ...))

 يعني الإنسان حينما ينتصر يقوده انتصاره على نفسه إلى انتصار آخر ولا شيء كالنجاح لأنه يقود النجاح إلى نجاح آخر، أحياناً إنسان يفتح محل ينجح نجاحاً كبيراً، فرع ثاني، فرع ثالث، فرع رابع، فرع خامس، في كل مكان في العالم النجاح يقود إلى النجاح والانتصار على الذات يقود إلى انتصار أشد والإنسان حركي وليس سكوني.
 يزداد إيماناً يزداد تألقاً يزداد قوة على نفسه يزداد ثباتاً على الحق فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ.

(( ... أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا ... ))

 يعني لونه كلون الغبرة في ألوان قذرة، في ألوان هي الحقيقة ليست ألوان لكن تراكم التراب مع الطين مع الزيت مع الدخان ترى البناء لونه قذراً، لون منفر، لون مخرش، قضية الألوان قضية مهمة جداً في ألوان توحي بالراحة في ألوان توحي بالاتساع البيت الصغير، قد يطلى بلون سماوي هذا يوحي بالاتساع، والبيت البارد يطلى بلون حار، اللون السكري يوحي بالدفء والإنسان الذي طوله محدود يجب أن لا يلبس مربعات يقصر أكثر، يجب أن يلبس مقلم تقليمة ناعمة فقضية الألوان قضية لها تأثير كبير جداً، القلب الأبيض كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا ...))

 لونه بلون الغبرة قال تعالى:

﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾

[ سورة المطففين الآية: 14]

 وسبحان الله هذا شيء لا يتخذ مقياساً لكن ترى في وجه صافي في وجه مشرق في وجه متألق في وجه عليه غبرة في وجه أسود وبالنهاية في نهاية النهاية.

﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾

[سورة آل عمران الآية: 106]

 لي صديق يعمل قاضياً للتحقيق في قصر العدل مرة زرته وجدت أمامه إنساناً والله له وجه والعياذ بالله أسود كما قال النبي مرباد كان قاتل يحقق معه، فتح الباب ودخل صديق القاضي ومكلفه بخدمة وأنجز له إياها وجه متألق هكذا وازنت بين الوجهين أين الثرى من الثريا.

﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾

[سورة آل عمران الآية: 106]

 لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إِلَّا هَالِكٌ ))

[ الترمذي ، أبو داود ، أحمد ، ابن ماجه]

 البياض لون ثياب أهل الجنة واللون الأسود يوحي أحياناً بالبعد عن الله عز وجل.

(( ... وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا ... ))

 الكوز إناء إذا أملت الإناء الماء يندلق منه فيصبح فارغاً، فلما القلب الذي هو منظر الرب، الذي هو مهبط تجليات الله، الذي هو مكان أنوار الله إذا مال إلى الدنيا، تصور النور خرج منه صار قلب كالكوز مجخياً، ما صفات هذا القلب؟ قال:

(( ...لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا...))

 الفطرة السليمة تعرف المعروف وتنكر المنكر
أيها الإخوة؛ من أروع ما في كلمة معروف أن الفطرة السليمة تعرفه ومن أروع ما تعنيه كلمة المنكر أن الفطرة السليمة تنكره ما دام قلبك ينكر المنكر على سجيته من دون تعليم، ما دام قلبك ينكر المنكر على سجيته فهذه نعمة كبرى، وما دام قلبك يعرف المعروف على سجيته فهذا عمل عظيم، يعني قلبك سليم يعني قلبك لم يشوه يعني فطرتك سليمة لم تطمس مادمت تعرف المعروف معروفاً وتنكر المنكر إنكاراً، لكن كما حدثنا النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر؟))

[ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب]

 المعروف موجود ومعروف أنه معروف لكن في تقصير لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر.

(( قالوا: يا رسول الله ، وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأشدُ ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر))

 المنكر موجود لكنكم أمرتم بالمنكر بدافع من شهواتكم ونهيتم عن المعروف لأن المعروف يقيد حركاتكم.

(( قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن؟ قال: نعم، وأَشدُّ كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكرا والمنكرَ معروفا))

 أخطر حالة رؤية المعروف منكر والمنكر معروف
أخطر حالة هذه الحالة أن تتبدل القيم أنت حينما تحسن تتهم بعقلك، حينما تمتنع عن قبض ورقة يانصيب لأن هذا الدخل حرام تتهم بعقلك، حينما تمتنع عن سفر إلى بلاد يضيع فيها دينك تتهم بعقلك، حينما تمتنع عن أخذ مال تحل به كل مشكلاتك لكن فيه شبهة فتقول معاذ الله إني أخاف الله رب العالمين تتهم بعقلك.
 من هنا أخطر حالة يعيشها المسلمون اليوم أن المنكر معروف والمعروف منكر ومن أدق أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه))

 هذا القلب مهبط تجليات الله كان هذا القلب ممتلئاً بنور الله لأن الطاعة تملأ القلب نوراً، من علامات المعصية أنها تذهب النور من الوجه والقلب فهذا القلب كالكوز مجخياً لما مال إلى الدنيا خرج منه نور الله عز وجل.
الآن ما صفات هذا القلب؟

(( ... لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ...))

 علامة المؤمن أن الذنب عنده كالجبل الجاثم على صدره
يقول لك عادي باللغة الدارجة الفتاة جلست بأبهى زينتها أمام صديق زوجها يقول لك عادي، ممكن أن تفعل المرأة كل شيء عادي، ممكن أن تلتقي بأي إنسان عادي، ممكن أن تأكل كل شيء عادي، يعني إنسان متمسح.

((... لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا ...))

 الآن علامة المؤمن أن الذنب عند المؤمن كالجبل جاثمٍ على صدره علامة المنافق أن ذنبه كالذبابة أمام أنفه.
 الآن الذنب كلما صغر في عين الإنسان كبر عند الله قال تعالى :

﴿ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾

[ سورة النور الآية: 15]

 وكلما كبر عند الإنسان صغر عند الله، العلاقة بين رؤيتك للذنب وبين حجم الذنب عند الله علاقة عكسية يعظم الذنب عندك يصغر عند الله، يصغر عندك يكبر عند الله لهذا قيل: لا صغيرة مع الإصرار ولا كبيرة مع الاستغفار.

(( .. وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ))

 قال تعالى:

﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾

[ سورة الفرقان الآية: 43]

 في سفر بعيد التقيت مع أخ طيب له ابن قال لي هذا الابن أهلكني يا بابا حرام واي حرام، يا بابا هذا عيب واي عيب، هذا كالكوز مجخياً، انتهى.

 

الخلاصة:

 الحقيقة علامة إيمانك علاقتك بالذنب من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

(( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ))

[ أخرجه مسلم عن أبو هريرة رضي الله عنه]

 هل معنى هذا الحديث أن نسارع إلى الذنب؟ مستحيل وألف مستحيل.

(( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ))

 من أقام مع المشركين برأت منه ذمة الله
يعني لو لم تذنبوا، يعني لو لم تحسوا بذنوبكم، فلان لعله مات يأتي الطبيب يضع يده على النبض يقول ما في نبض أبداً معناها مات، في علامة ثانية يأتي بمرآة يضعها أمام أنفه ما في بخار ماء أبداً معنى هذا أنه ميت، في علامة ثالثة يأتي بمصباح شديد ويضعه على بؤبؤ العين ما تقلصت يقول لهم عظم الله أجركم، هذا ميت.
 والحقيقة الإنسان إذا ما أنكر منكراً ولا أمر بالمعروف ما تأثر بمنكر فعل الذنب ولم يتأثر انتهى عند الله عز وجل، هذا معنى الحديث:

(( لَو لَم تُذنِبُوا لَذَهَبَ الله بكُمْ ، وَلَجَاءَ بقوم يُذْنِبُونَ))

 معنى يذنبون إذا أذنبوا يبكون يستغفرون يصححون أخطاءهم، نعيد الحديث مرة أخيرة.
 عن حُذَيْفَةُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

(( تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتْ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَالْآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لَا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلَّا مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ))

[ متفق عليه ]

 ولاحظت ملاحظة أن الإنسان إذا أقام إقامة دائمةً مع المتفلتين مع العصاة مع المذنبين كلما مضى أسبوع يقبل معصية لهم ويهضمها وفي النهاية يفعلها وفي النهاية يدافع عنها وفي النهاية يأمر بها، يقبلها يستحسنها يعذرهم بهذا يفعلها معهم يدافع عن نفسه إذا اتهم ثم يأمر بها لذلك قال تعالى:

﴿ وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾

[ سورة هود الآية: 113]

 لذلك من أقام مع المشركين برأت منه ذمة الله. لأنهم ينقلونك إلى سلوك ليس إسلامياً ولا تألفه أنت.
 أيها الإخوة؛ هذا الحديث لعله ينطبق على المسلمين اليوم أشد الانطباق وما لم يبادروا إلى بيوتهم أو مساجدهم وما لم يلزموا دروس العلم وما لم تشحن نفوسهم شحنة روحية عالية لن يستطيعوا مقاومة الفتن التي في هذا الزمان.

((أتتكم الفتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع أحدكم دينه بعرض من الدنيا قليل))

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018