أحاديث متفرقة - الدرس : 077 - حقيقة الحياء. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 077 - حقيقة الحياء.


1997-09-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
 أحاديث كثيرة جداً تتحدث عن الحياء: وكيف قورن بالإيمان فإذا رفع أحدهما رفع الآخر، من علامة الإيمان الحياء، الحياء يدل على الإيمان، الحياء أن تستحي من معصية، أن تستحي من نقيصة، أن تستحي من أكل مال الآخرين، أما الخجل هو لا تستطيع أن تطالب بحقك
أن لا تبوح بسرك،
أيها الإخوة الكرام من أجمع الأحاديث الشريفة في هذا الموضوع قول النبي عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ، قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، قَالَ لَيْسَ ذَاكَ، وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى، وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى، وَلْتَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ))

اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ :
 من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وماحوى، وليذكر الموتى والبلا، ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياة، وردت كلمة حق في عدة آيات من القرآن

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102)﴾

(سورة آل عمران)

 قال العلماء: حق تقاته أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تشكره فلا تكفره، وأن تذكره فلا تنساه، الإنسان يستحي من الله، لكن قد يستحي من الله، ليس الحياء الحق الذي أراده النبي عليه الصلاة والسلام، استحي من الله حق الحياء، قيل: وما حق الحياء يا رسول الله ؟ قال: أن تحفظ الرأس وما وعى، في هذا الرأس عينان، فمن أطلقهما ليتعرف على آيات الله في الآفاق وفي النفس فقد استعملهما وفق ما أراد الله عز وجل، أما إذا أطلق العينين في العورات ونظر إلى ما حرم الله، قال عليه الصلاة والسلام:

 

(("من ملأ عينيه من الحرام ملأه الله من جمر جهنم))

 وقال عليه الصلاة والسلام :

 

 

((النظرة سهم مسموم من سهام إبليس))

 وغض البصر مدرسة، والإنسان يؤخذ من نقطتين: من نقطة النساء، ونقطة المال، فإذا حصنت نفسك من النساء بغض البصر، ومن المال بالعفة، فقد استطعت أن تنجو من اي فساد، فاستحي من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس وما وعى، هذه العين ينبغي أن تبكي من خشية الله، ينبغي أن تحرس في سبيل الله، ينبغي أن تنظر إلى آلاء الله، ينبغي أن تكون نافذة لك إلى الكون، إلى مخلوقات الله، أما إذا استخدمتها في المعصية ، ماله هواية في الصيف بيته في المزة ينتقل إلى الصالحية ليتجول في هذا الطريق مرتين أو ثلاث مرات يملأ عينيه من الحسناوات ولا يفعل شيء بعد حين أصيب بمرض نادر اسمه " ارتخاء الجفون" لا يستطيع أن يرى إلا ليمسك الجفن بيده ويرفعه، الله عز وجل يجعل العقاب من جنس الذنب، ليعرف الإنسان أن هذا جزاء الذنب الذي اقترفه الله عز وجل قال: من يؤمن بالله ما أصاب من مصيبة إلا في الكتاب، ومن يؤمن بالله يهدي قلبه، إذا آمن أن الله لا يفعل بعذابنا إن شكرنا أو آمنا يهدي قلبه إلى سر المصيبة إما أن يلقي في روعه أن هذه المصيبة من أجل كذا وإما أن تأتي المصيبة متناسبة مع الذنب، فمن أطلق بصره في الحرام لا يدري ماذا سيكون في عينيه في المستقبل، العبرة ليس في شباب الإنسان بل في خريف العمر، وخريف العمر متعلق بشباب الإنسان، كيف أمضيت هذا الشباب ؟ كيف استعملت الجوارح ؟ فأن تستحي من الله حق الحياء أي أن تحفظ الرأس وما وعى، في الرأس عينان، يجب أن تغضهما عن محارم الله، في الرأس أذنان ينبغي أن لا تستمع بهما إلا إلى الحق لا إلى الكذب ولا إلى الغيبة ، ولا إلى الفجور ولا إلى البهتان ولا إلى القصص المكشوفة، ولا إلى المزاح الرخيص، هذه الإذن ينبغي أن تستمع بها إلى الحق، في الرأس فم ولسان ، أو نؤاخذ بما نقول ؟ قال: ويحك يا معاذ وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ! إذا إنسان ضبط عينه وضبط أذنه وضبط لسانه، قطع مرحلة كبيرة جداً إذا ضبط عينه من أن تملأ من الحرام، وإذا ضبط أذنه من أن يستمع إلى ما يرضي الله من غناء أو غيبة أو نميمة أو فاحشة أو ما شاكل ذلك،وضبط لسانه بحيث لا ينطق إلا بالحق، لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، فضبط اللسان شيء من الدين وضبط العين وضبط الأذن، الخواطر: الدماغ ويوجد به خيالات وتصورات ، فمن استعاذ بالله من الشيطان الرجيم من كل خاطر ووسواس وفكر لا يرضي الله عز وجل فقد استحيا من الله حق الحياء،حفظ سمعه وبصره ولسانه وتفكيره، حديث جامع مانع " فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى " ماذا يدخل إلى هذا البطن ؟ أيدخل طعام اشتريته بمال حرام ؟ ما معنى قول النبي الكريم: "ياسعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة " لعلك تفهم من أطب مطعمك أن يكون الطعام طيباً ؟ لا أن يكون الطعام قد اشتريته بمال حلال، والمال الحلال هو المال الذي اكتسبته من طريق مشروع، سليم من الغش والكذب والاحتيال والاحتكار والاستغلال ولا ضغط ولا إيهام ولا شراء من بائع مضطر، إذا كان شرائك وبيعك حلالاَ كما قال عليه الصلاة والسلام:
 "إن أطيب الكسب كسب التجار الذين:إذا حدّثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا،وإذا أؤتمنوا لم يخونوا، وإذا اشتروا لم يذموا، و إذا باعوا لم يطروا، وإذا كان لهم لم يعسروا،وإذا كان عليهم لم ينقذوا " حديث جامع مانع، هذا الرأس، دماغ، عينان، أذنان، لسان، فإذا طهرت دماغك من الخواطر الشيطانية والوساوس، وإذا طهرت عينك من النظر بها للحرام، وإذا طهرت أذنك من أن تستمع إلى ما لا يرضي الله عز وجل، وإذا طهرت لسانك من معاصي اللسان وما أكثرها من غيبة ونميمة وفحش وافتراء وسخرية وتقليد ومحاكاة وكذب وإذا طهرت الدماغ والعين والأذن واللسان فقد ضمنت القسم الأعلى.
 أما البطن: ورد في كتب الفقه أن هناك أشياء تسقط العدالة إنسان له صفتان: صفة الضبط، وصفة العدالة، الضبط صفة عقلية، والعدالة صفة نفسية، فالمؤمن ضبطٌ عدلٌ العدالة تسقط متى؟" من عامل الناس فلم يظلمهم،وحدثهم فلم يكذبهم،ووعدهم فلم يخلفهم،فهو من من كملت مروءئه،وظهرت عدالته،ووجبت أخوته، وحرمت غيبته" فإذا كذب الإنسان سقطت عدالته، ولا تقبل شهادته، إذا ظلم سقطت عدالته، ولا تقبل شهادته، إذا وعد وأخلف سقطت عدالته، ولا تقبل شهادته، إلا أن هناك أشياء لا تسقط العدالة ولكن تجرحها فيمكن أن تأتي بإبريق بلّور وتأتي بمطرقة تجعله ضحياً هذا سقوط العدالة، وقد تأتي بإبريق فيصاب بشعر أصبح نخباً ثانياً، كان ثمنه ألف أصبح ثمنه خمسة، لكن لم يكسر نهائياً يستعمل استعمال خفيف هذا جرحت عدالته، ويجرح العدالة أن تأكل في الطريق، يجرح العدالة أن تبول في الطريق، ويجرح العدالة أن تسير عاري القدمين، يجرح العالة أن تتنزه في الطرقات، يجرح العدالة أن تتحدث عن النساء، يجرح العدالة أن تطفف بتمرة، يجرح العدالة أن تأكل لقمة من حرام،كم الكيلو ؟ ولا تنوي الشراء ذقت اللبن دون أن تنوي شراء اللبن هذه لقمة من حرام، يجرح العدالة أن تطلق لفرسك العنان، يجرح العدالة أن تقود برذوناً،(حيوان مخيف أو كلب متوحش) يجرح العدالة أن يعلو صوتك في البيت، هذه تجرح العدالة فاستحي من الله حق الحياء، قال: وما حق الحياء ؟ قال: أن تحفظ الرأس وما يعلوه، وأن تحفظ البطن وما حوى، لي صديق في العيد والده حي يرزق فدخل والده قال لي: أنا عمري ست وتسعون عاماً وأجريت قبل يومين تحليلاً شاملاً فلم يكن في جسمي شيء غير طبيعي ثم أقسم هذا الرجل أنه لم يأكل في حياته درهم واحد حرام، ولا يعرف الحرام، إذاً الله عز وجل حفظه أن "تحفظ البطن وما حوى، أن لا تأكل حراماً أي أن لا تكسب حراماً أي أن لا تستخدم طريقة لكسب المال غير صحيحة، فإذا كان أحدهم تجارته أساسها الغش والتزوير والكذب والأيمان الكاذبة وان يأتي ببضاعة من مصدر لها غلاف أو ماركة من مصدر آخر، قماش تايواني عليه حاشية ميد إن فرانس، غالي الثمن جداً ووضعت هذه الحاشية بالمكواة فقط هذا غش، فالربح أصبح مالاً حراماً، معنى الأكل أصبح خبيثاً ، معناه الدعاء غير مستجاب شيء كبير جداً.
 لذلك لماذا المرأة إذا صلت خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، وحفظت نفسها، دخلت جنة ربها ؟ فالمرأة دينها سهلاً أما الرجل أكثر من مائتين معصية في البيع والشراء، أحدها الحلف الكاذب، اليمين الفاجرة منفقة للسلعة منحقة للبرق، يحلفون بالأمانة، والله وكيلك وديني وإسلامي، لا نربح كلفتها أكثر، كلام كذب غير صحيح، يا أخي بالصلاة لا أشعر بشيء لأن طريقك مسدود، لا تشعر بشيء، لأن أيمانك كاذبة، شيء آخر تطري وتثني على هذه البضاعة بما ليس فيها أفضل نوع أحسن من هذا لا تجد، حتى أنا أرتدي منه فإذا أردت أنت أن تروج القماش وفصلت منه بنطالاً هل يعني أن القماش جيد ؟ جاء دلال يريد بيع بيت البيت شمالي والزبون راهن قال لهم: أريد صلاة العشاء فأخذ السجادة ليصلي باتجاه الشمال اطمأنوا الجماعة، إذاً فالبيت قبلي، كل النوافذ هكذا، فاشتروه فاكتشفوا باليوم الثاني أن البيت شمالي، الغش متفشي تنعدم به البركة والربح والسرور،
 "وليحفظ البطن وما حوى وليذكر الموتى والبلى" فالموت يسبب الردع،الإنسان الغبي يعيد الماضي ويعيد نفسه، قال: ألهى بني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمر ابن كلثوم، والإنسان الأقل ذكاء يعيش حاضره، والإنسان الذكي يعيش مستقبله، يا ترى ما أخطر حدث في حياة الإنسان ؟ الموت مصير كل حي هل يستطيع أحد من الحاضرين أن يقول أنا لن أموت ؟ لي صديق وأخ مدرس، ذكي، رشيق، ونحيل الجسم وقوا م، بيته متوازن، أكله قليل، حركته كثيرة، لا يحمل هم، لا يدخن، جلس بمجلس مع أصدقائه قال لهم: أنا موتي بعيد جداً سألوه لماذا ؟ قال لأن طعامي قليل، فأنا أمشي ورياضي ولا أدخن ولا أحمل هموم إطلاقاً، هذا الكلام قاله يوم السبت مساءً في السبت القادم كان تحت الأرض، والله الذي لا إله إلا هو فالغبي يعيش الماضي ، الأقل ذكاء يعيش الحاضر، الذكي العاقل يعيش المستقبل، ما أخطر حدث في هذا المستقبل ؟ الموت: الذي ينقلك من المالكي على باب صغير، من بيت ثمنه مائة وخمسون مليون إلى حفرة لها باب صغير لها حفر على الجرذان ممكن، نقلة مخيفة جداً هذا واقع،إقرأوا النعوات كلها وسيشيع إلى مثواه الأخير، ما المثوى الحالي الذي هو بيتك فمهما اعتنيت بالبيت وزينته وزخرفته ووسعته ومهما جعلته مطلاً على منظر جميل وهيأت له التكييف والتدفئة والأثاث الفاخر، فهو مثوى مؤقت." وليذكروا الموتى والبلا " النبي عليه الصلاة والسلام قال: "أكثروا ذكر هذه اللذات،مفرق الأحباب مشتت الجماعات عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارق واعمل ما شئت فإنك مجزي به "هذا الحديث يا إخوان من أصول الأحاديث:"أن تحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى وأن تذكر الموت والبلا "اضمن لي أن تضبط سمعك ولسانك ودماغك وأن تضبط طعامك من حلال وأن تذكر الموت والبلى كل يوم فإذا أنت على المنهج المستقيم، على الصراط المستقيم، فإذا أنت مع الصدِّيقين والشهداء والصالحين، فإذا أنت في جنة، وإذا أنت في بحبوحة،وإذا أنت في أمن وأنت في سرور، وإذا أنت في ثقة، وإذا أنت في سعادة،الرأس وماوعى،والبطن وما حوى وأن تذكر الموت والبلا، أضبط لسانك وسمعك، وبصرك، أما من أغنية لأخرى، ومن قصة لقصة، ومن فقش لفقش، والنظر من عورة لعورة، وهي مثل أختي نوهي مثل عمتي، نحن لاتوجد بيننا التكلفة، وأهلية محلية، هل هي آية أم حديث ؟ لا آية ولا حديث، ولكن إذا كان إطلاق البصر، وإصغاء للاغاني، وكذب، وغيبة، ونميمة، ودخل مشبوه تجسد بطعام حرام، قال له:" عظني ولاتطل قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قال أريد أخف من ذلك قال إذاً فاستعد للبلاء "هذا الكلام مفيد ومختصر.
فإذا حفظنا الرأس وما وعت وبطوننا وما حوت وذكرنا الموت والبلا فقد استحيينا من الله حق الحياء. والحمد لله رب العالمين.
 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا،أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا و ارضَ عنا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018