أحاديث متفرقة - الدرس : 021 - الزهد . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 021 - الزهد .


1990-09-30

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وازدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه، وأدخلنا في رحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون:
في هذه الليلة ذكرى ميلاد النبي عليه الصلاة والسلام، ودروسنا كلها حديثٌ عن علمه، وعن شمائله، وعن أخلاقه، فحينما نعطي شيئاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فنحن ننسجم مع هذه الليلة المباركة التي ولد فيها النبي عليه الصلاة والسلام.
فقد روى ابن ماجه عن سهل ابن سعد الساعدي رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله وأحبني الناس، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( ازهد في الدنيا يحبك الله عز وجل وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس))

[أخرجه الحاكم عن سهل بن سعد]

. الحقيقة كلمة زهد يعني الإنسان قبل أن يتعمق في أبعادها يتوهم أنه حرمان، يعني الذي يزهد إنسان غير طموح، الزاهد إنسان قنوع باليسير، بيته خشن، طعامه خشن، لباسه خشن حياته محدودة، كلمة زهد لا توحي للإنسان بشيء فيه بريق، مع أنكم إذا دققتم، وإذا تعمقتم، وإذا تأملتم وجدتم أن أشد الناس طموحاً هو الزاهد، لماذا؟ لأن الزاهد يزهد في حياةٍ محدودة، ربنا عز وجل قال:

﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ ﴾

[ سورة النحل الآية:96 ]

. يعني إذا الإنسان طمع في الآخرة، وزهد في الدنيا، أنا أقول لكم: هو من أشد الناس طموحاً، من أشدهم تعلقاً بالخير، من أشدهم اتساعاً في الأفق، من أشدهم رغبةً في المزيد، من أكثرهم سعياً وراء صالحه البعيد لا القريب، فلا يحملنكم ما يفهمه الناس، أو ما يفهمه عامة الناس من كلمة الزهد، من أنها تعني الحرمان، وتعني الخشونة، وتعني ضيق الأفق، وتهني القناعة بالشيء اليسير، لا، أشد الناس طموحاً هم الزهاد، يعني زهد في الشيء التافه، والشيء الفاني وطمع في الباقي.
لو فرضنا إنسان يعني بالغ في رفاهيته في الدنيا على حساب عمله الصالح، كلما جمعه في الدنيا، ووظفه لرفاهيته، تأتي ساعةٌ واحدة يغادر الدنيا كلها، يقدم على حياةٍ أبدية طويلةٍ طويلة، وليس معه لهذه الحياة الطويلة نقدٌ صالحٌ لها، وأما الحياة القصيرة فقد استهلكها استهلاكاً رخيصاً.
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يعني هذا الرجل سهل ابن سعدٍ الساعدي قال: يا رسول الله، دلني على عملٍ إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس، فقال:

(( ازهد في الدنيا يحبك الله ))

جواب الطلب، الفعل المضعف إذا جاء مبنياً على السكون يبنى على الفتح في محل جزم دائماً:

(( ازهد في الدنيا يحبك الله ))

الحقيقة الزهد في الدنيا عقل، الزهد في الدنيا رؤية صحيحة، الزهد في الدنيا معرفة ما عند الله، من عرف ما عند الله زهد فيما في الدنيا، من عرف الله زهد فيما سواه من رأى الحياة الأبدية صغرت في عينه الحياة الفانية، من رأى الخير العميم في الدار الآخرة رأى المتعة الرخيصة الآنيَّة في الدنيا:

(( ازهد في الدنيا يحبك الله ))

أنا أقول لكم كلام إن شاء الله يعني أعني ما أقول الزهد في الدنيا مستحيل، طيب كيف يأمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نزهد في الدنيا وهذا شيءٌ مستحيل؟ يعني انظروا الطفل الصغير إذا تعلق في شيء تشبث به، أمسكه في كل قوته، لا يمكن أن يفلت يده إلا إذا أعطيته شيئاً أثمن منه تركه، وهذه النفس البشرية، إن لم ترى شيئاً أثمن من الدنيا لا تدع الدنيا، والله كلما زاد به العمر زاد تعلقه بها، واشتد حرصه عليها، إلى أن يرى أن ما عند الله أفضل:

﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾

[ سورة الضحى ]

إلى أن يوقن:

﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾

[ سورة الضحى ]

إلى أن يتأكد أنه من أثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، إلى أن يوقن أن ما عند الله

﴿ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾

[ سورة الأعلى ]

والدنيا أقل وأشقى، إذاً إذا قال لك النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:

(( ازهد في الدنيا يحبك الله ))

يعني يا عبدي تعرف عليَّ، اعرفني، اعرف ما عندي من إكرام، تيقن بالآخرة عندئذٍ تدع الدنيا بلا جهد، بلا مشادة، بلا مكابرة، بلا تعب، بلا أخذ و رد:

(( وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس))

يعني الآن علاقاتك مع الناس متى تنجح؟ إذا زهدت في ما في أيديهم، ما دمت طامعاً فيما عندهم فهم يتوجسون منك، يحسبون لك ألف حساب، يتجافون عنك، أما إذا أردت أن يحبك الناس، وأن يكثروا من اتصالهم بك فازهد فيما في أيديهم، كلام النبي عليه الصلاة والسلام، كلامٌ جامعٌ مانع، كلامٌ بليغ، كلامٌ فيه كما قال عن نفسه:

(( أوتيت جوامع الكلم ))

[أخرجه أبو يعلى عن عمر بن الخطاب]

 

(( ازهد في الدنيا يحبك الله عز وجل وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس))

مرة سُئل الحسن البصري، وأنا اخترت لكم هذا التابعي الجليل، اخترته لكم في هذا الدرس ليكون هذا التابعي الجليل، يعني سيرته تطبيقٌ عمليٌ لهذا الحديث، الحقيقة قلت مرة في خطبة، أن الإنسان إذا تحدث عن المُثل العليا يتهمه الناس بأنه خيالي حالم، يتكلم عن أشياء غير واقعية، أما إذا تحدث عن الدنيا فهي كالوحول تماماً، ألا ينبغي أن تكون هناك مُثلٌ واقعية، أو واقعٌ مثالي، ألا ينبغي أن نشد الواقع إلى المثل، وأن نجر المثل إلى الواقع، ألا ينبغي أن يكون هذا الإسلام قابلاً للتطبيق، ما قيمة هذا الدين إذا بقي بين دفتي الكتب؟ ما قيمة هذا الدين إذا بقي حبراً على ورق؟ قيمة هذا الدين إذا أصبح متداولاً، إذا أصبح متداولاً، إذا أصبح حياةً نعيشها، واقعاً نلمسه، تجربةً طيبةً نعيشها، إذاً:

 

 

(( ازهد في الدنيا يحبك الله عز وجل وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس))

. حديثٌ على نفس الشاكلة، أو على الشاكلة نفسها، عن سعد ابن أبي وقاصٍ رضي الله عنه قال: جاء رجلٌ إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله أوصيني، يعني أنا أخاف أو أخوف ما أخاف أن تفهموا هذا التوجه النبوي في الزهد في الدنيا، والتعلق في الآخرة أو في الزهد فيما أيدي الناس، أن يفهم هذا التوجيه النبوي على غير ما أر النبي، يعني النبي عليه الصلاة والسلام أرادك أن تكون مؤمناً متفوقاً، لأن التفوق في الدنيا سر النجاح فيها، وسر نيل الآخرة منها، يعني الدنيا مطية الآخرة، ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا من ترك آخرته لدنياه، إلا أن يتزود منهما معاً، فإن الأولى مطيةٌ للثانية، فالحديث الثاني يقول عليه الصلاة والسلام:

 

 

(( عليك بالإياس مما في أيدي الناس وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر وصل صلاتك وأنت مودع وإياك وما تعتذر منه ))

 

[أخرجه الحاكم عن سعد بن أبي وقاص،]

. كثير من السهل جداً أن نقرأ هذين الحديثين، وهذان الحديثان واضحان وضوح الشمس، بل إنهما لا يحتاجان إلى تفسير، الكلام الواضح لا يحتاج إلى تفسير، ولكن نريد أن نعمق فهمنا لهما، كما قلت قبل قليل: لن تدع الدنيا، لن تفرط بها، لن تستغني عنها، لن تجعلها وراء ظهرك، لن تجعلها هامش حياتك، إلا إذا رأيت ما هو أثمن منها، لن تدع هذه الأكلة إلا لأكلةٍ أطيب، لن تدع هذا البيت إلا لبيتٍ أكبر، لن تدع هذه المركبة إلا لمركبةٍ أفخم، هذه طبيعة النفس، فأنت متى تزهد في الدنيا؟ إذا عرفت طرفاً من جلال الله عز وجل، إذا عرفت الآخرة إذا عرفت إكرام الله عز وجل، إذا عرفت ما ينتظرك في الجنة، إذا عرفت أن هذه الدنيا محدودة وأن الآخرة غير محدودة.
يعني كلكم يعلم أن الإنسان في بطن أمه يعيش في رحم حجمه لا يزيد عن سبع مئة وخمسين سنتي متر مكعب بالضبط، إذا خرج إلى الدنيا، وأصبح من أولي الحول والطود أو من أولي المال، من أصحاب المال، يقول لك: سافرت لكندا، ثمانية عشر ساعة طيران هذه الطائرة كم قطعت إلى كندا؟ عشرين ألف كيلو متر بثماني عشر ساعة طيران، معنى هذا أن الجنين كان في الرحم في حجم لا يزيد عن سلة تقريباً أو أقل، فإذا به يطير إلى أقاصي الدنيا، إلى شرقها وإلى غربها، والذين وصلوا إلى القمر، كم قطعوا؟ إذا كان ذهب إلى كندا ثمانية عشر ساعة طيران، الذين وصلوا إلى القمر قطعوا ما يزيد عن ثلاث مئة وستين ألف كيلو متر، وركبوا مركبةً سرعتها أربعين ألف كيلو متر بالساعة، طيب وازن بين الرحم الصغير وبين هذه المسافات الشاسعة التي قطعها رواد الفضاء، أو قطعها أصحاب المال والسلطان في رحلاتهم الطويلة حول العالم، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال:

(( المؤمن يخرج من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة))

 

كما يخرج الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا، فإذا عرفت ما عند الله عرفت الجنة، لا نغص، لا تعب، لا هم، لا حَزن، لا منافسة، لا مرض، لا كِبَر، لا قلق، لا يوجد ولد مزعج لوالده، لا يوجد زوجة مزعجة، لا يوجد مقلقات، لا يوجد شيء يقهرك:

﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾

[ سورة ق ]

إذاً أنا أدعوكم بشكل واقعي، أن أقول لك: دع الدنيا كلام لست واقعي، تزداد عليها تشبثاً، إلا انظر الطفل، ممسك باللعبة، أيام الطفل الصغير تحاول أن تفتح أصابعه لا تقدر، يقول لك: عصبه قوي، أيام الطفل الصغير يكون ممسك بلعبة بكلتا يديه، إذا رأى شيئاً أثمن منها تركها، هكذا طبيعة الناس، فأنت لن تدع الدنيا إلا إلى ما هو خيرٌ منها، الدنيا معروفة بطعامها وشرابها، ونسائها، ونزهاتها، وبيوتها، ومركباتها، وما فيها من وجاهةٍ، ومن ملذاتٍ، ومتعٍ وما إلى ذلك.
أنا أقول للإخوة الكرام، ذقت هذه وذقت هذه، ذق مرةً طعم القرب من الله عز وجل، خض هذه التجربة بالتعبير الجديد، خض هذه التجربة، اقتحم هذا المجال، ذق طعم الإقبال، يعني اجعل حياتك منوعة، فإذا عرفت ما عند المؤمنين من سعادة عذرتهم، كما قال الإمام البورصيري:

فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها إن الطعام يقوي شهوة النهــــم
يا لائمي في الهوى الــعذريِّ معذرةً كُف المُلام فلو أنصفت لم تلمنِ
* * *
لو ذقت ما ذاق المؤمن ما لمته على انصرافه إلى الله والدار الآخرة.

إذاً حقيقة الزهد أن ترى ما عند الله، حقيقة الزهد أن تذوق طعم القرب، حقيقة الزهد أن تشعر بسكينة الإيمان، كما قال أحد العلماء: بالنفس يوجد فراغ لا يملؤه لو قرأت كتب الثقلين لو حصلت أعلى الشهادات في فراغ، أصبحت أديب كبير، شاعر كبير، صحفي كبير مثلاً، تحمل أعلى شهادة في العالم، في فراغ لا يملؤه إلا الإيمان، في وحشة، لو عشت بين ألف إنسان، وحولك المئات يأتمرون بأمرك، هناك وحشة، يعني دائماً أنت في وحشة، إلا إذا آمنت بالله عز وجل، الإيمان بالله يذهب عنك الوحشة، أنت في ضيق لا يفرجه إلا معرفة الله، هذه الفطرة، إذاً:

(( ازهد في الدنيا يحبك الله عز وجل وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس))

ويا رسول الله أوصني، قال:

(( عليك بالإياس مما في أيدي الناس وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر))

طبعاً أنت من خوف الفقر في فقرٍ، ومن خوف المرض في مرضٍ، وتوقع المصيبة مصيبةٍ أكبر منها، الحالة النفسية مهمة جداً، أيام الإنسان يكون محاط بكل وسائل التعظيم، بكل وسائل الرفاه، بكل وسائل البذخ، لكن من الداخل شقي، من الداخل منهار، من الداخل يحتقر ذاته، الازدواجية، المواقف غير الواضحة، المترددة، المواقف التي لها سمعة طيبة أمام الناس، والمواقف المخزية فيما بينك وبين نفسك، هذا يسبب انهيار للنفس، وأحياناً ترى إنساناً يعيش حياةً خشنةً جداً، ومع ذلك يشعر باحترام للذاته، صادق مع ربه، واضح نقي.
على كلٍ عندنا إن شاء الله بعد قليل تطبيقٌ عملي لهذين الحديثين الشريفين، أنا دائماً أحب، الأحاديث والآيات تصف نماذج من المؤمنين، ولكن إن لم تروا في حياتكم، أو في تاريخنا، إن لم نرَ نماذج حقيقية واقعية منتزعة من التاريخ، هذه المعلومات تغدو أقل قيمةً مما لو جاء من يدعمها بالتطبيق:

(( عليك بالإياس مما في أيدي الناس ))

يعني شرف المؤمن قيامه بالليل، وعزه استغناءه عن الناس، والقول المعروف عندكم: احتج إلى الرجل تكن أسيره، واستغني عنه تكن نظيره، وأحسن إليه تكن أميره.

(( ومن جلس إلى غنيٍ فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

قولاً واحداً، وابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير:

(( وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر))

الفقر يعني حالة، نأتي ببعض الأمثلة، لو في واحد في بجيبه ليرة واحدة، لكن له أب لو طلب منه الملايين لأعطاه إياها، وإنسان آخر في بجيبه مئة ليرة، لكن لا يملك إلا هذه المئة ليرة إطلاقاً، أيهما يشعر بالفقر صاحب الليرة، أم صاحب المئة ليرة؟ صاحب المئة ليرة هو الفقير، أما صاحب الليرة صحيح في جيبه ليرة واحدة، ولكن أبوه لو طلب منه الملايين لنقدها إياه، إذاً الغنى شعور داخلي، الغنى ليس موضوع عدد مقدار المبلغ، لا، الغنى شعور أنك أنت عبد لله، وربك هو الغني، وهو يحبك وأنت في طاعته، نعطي مفهومات دقيقة، مفهوم الزهد، كلام الزهد كلام من دون أن ترى ما عند الله كلام فارغ، إذا قلت لك ازهد، يعني انظر ما عند الله انظر إلى الدار الآخرة، عندئذٍ تدع الدنيا، من عرف الله زهد فيما سواه، من عرف الآخرة زهد في الدنيا، من ذاق طعم القرب زهد بالطعوم الأخرى كلها.
المفهوم الثاني: الفقر شعور نفسي يعني أحياناً تكون أنت في مركز المدينة وليس معك مال إطلاقاً يعني لسبب أو لآخر، ونفسك عزيزة، يعن يكبر عليك تقف أمام صديق تقول له: والله أريد منك خمس ليرات أركب بهن في التكسي أو السرفيس، كبرت نفسك، تحس بالحرمان، بيتك بطرف المدينة، ويحتاج أن تسير إليه ساعة أو أكثر مثلاً، في حالات نادرة يكون إنسان أعطاك دفعة كبيرة، لكن نسيتها، لم تبرمجها في ذهنك، بجيبك محفوظة، تخرج طول الطريق مشياً، وتشعر بالحرمان، وليس معك مال، ونفسك عزيزة، ولم تسأل من أحد وفي مال بجيبك، إذاً الفقر شعور داخلي، وليس شعور خارجي، شعور نفسي، أنت معك ألف أعطوك، أعطوك الألف، لم تدخلهم في برنامجك الذهني، متوهم ليس معك مال.
ولو فرضنا إنسان مثل أوضح من هذا، ارتدى معطف، أو ثيابه فيها مبلغ من المال، لكن هو غافل عنه، وهو يعلم ليس معه مبلغ من المال، يشعر بالحرمان والمبلغ بجيبه نعود للمثل، معك ليرة، ولك أب يعطيك ما شئت، معك ألف ليرة، ولا تملك غيرها، أيهما يحس بالفقر، صاحب الألف ليرة، لأنه لا يملك غيرها.
فالإنسان الغني البعيد عن الله عز وجل يعني دائماً في قلق، أما المؤمن الفقير يشعر أن الله عز وجل لا ينساه، هو في عين الله، في رعايته، له رب لا ينساه، هو سعى بكل طاقته، لذلك معنى الزهد، الزهد نتيجة حتمية لرؤية ما عند الله عز وجل، والفقر شعور، قد تجد أغنى الأغنياء يشعر بأنه فقير، وقد تجد فقيراً فعلاً يشعر بأنه غني،

(( الغنى غنى النفس ))

[أخرجه ابن حبان عن أبو هريرة]

هكذا قال النبي:

(( الغنى غنى النفس ))

والغنى والفقر بعد العرض على الله، إذاً:

(( وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر))

يعني واحد عاش حياة، إحدى زوجاته طالبت بميراثها منه سبع مئة مليون، إحدى زوجاته بدعوى، طيب كم هو يملك من المال؟ مال لم يكن غنياً، جمع لغيره، أما الذي يغتني بمعرفة الله عز وجل يغتني بالعلم، يغتني بأنه على منهج الله، يغتني بمرضاة الله، يغتني بأن الله يحبه، يغتني بأن له في الآخرة نصيب، هذا هو الغنى:

(( وصل صلاتك وأنت مودع وإياك وما تعتذر منه ))

 

إذا الإنسان صلى، انظر إذا واحد لا سمح الله ولا قدر شعر بمرض، لكن مرض خطير يقربه من الدار الآخرة، كيف يصلي؟ يتقن صلاته، يغمض عينيه، يشعر أن له بقي صلوات لعل الله يرحمه، النبي الكريم علمنا أن نصلي صلاة مودع:

(( وصل صلاتك وأنت مودع وإياك وما تعتذر منه ))

يعني من هذين الحديثين يجب أن يتضح لدينا مفهومان، مفهوم الزهد، يجب أن تعلم أيها الأخ الكريم أن الزاهد هكذا، هو أشد الناس طموحاً، الزاهد هو أوسع الناس أُفقاً الزاهد هو أكثر الناس تعلقاً بمصلحته الآجلة لا العاجلة، والزهد كلامٌ بكلام إن لم يكن نتيجةً طبيعيةً لرؤية ما عند الله عز وجل، رؤية عظمة الله عز وجل، رؤية فضل الله عز وجل رؤية إكرام الله عز وجل، رؤية ما ينتظر المؤمن من ثوابٍ كبير، رؤية ردية الآخرة ومحدودية الدنيا، هذا هو الزهد، والفقر شعور داخلي.
لذلك قالوا: إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك.
والآن ننتقل إلى التابعي الجليل الحسن البصري، الحسن البصري أقام بالبصرة هو الحسن ابن يسار، لكنه أقام بالبصرة، فعُرف بهذه المدينة التي أقام فيها، فسمي الحسن البصري، البصرة يوم كان فيها الحسن البصري كانت قلعةً من أكبر قلاع العلم في دولة الإسلام، يعني السكنى بالمدن الكبيرة في تلوث، في ضجيج لكن في ميزة كبيرة جداً في حلقات علم، والإنسان يحيا بالعلم، يجوز في بيت بريف، في ضاحية جميلة، يكون هذا البيت أهدأ وأريح وأجمل، ولكن في فقر علمي، لذلك العلم في المدن الكبيرة دائماً، فكانت البصرة وقتها قلعةً من أكبر قلاع العلم في دولة الإسلام، وكان مسجدها العظيم يموج بمن ارتحل إليها من كبار الصحابة، وجلة التابعين، وكانت حلقات العلم على اختلاف ألوانها تعمر باحات المسجد ومصلاه، وقد لزم الحسن البصري المسجد، وانقطع إلى حلقة عبد الله ابن عباس حبر أمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأخذ عنه التفسير، والحديث، والقراءة، النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( اللهم علمه التأويل ))

[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس]

كما أخذ عنه وعن غيره الفقه، واللغة، والأدب، وغيرها وغيرها، حتى غدا عالماً جامعاً، فقيهاً، ثقةً.
أنت لابد من أن تملأ وعائك قبل أن تفيض على الناس، في الحقيقة ثانية، أنَّ لك أن توجه الناس؟ أنَّ لك أن تعلمهم؟ أنَّ لك أن تفقههم إن لم تكن فقيهاً، فاقد الشيء لا يعطيه أنت وعاء، لن يفيض هذا الوعاء إلا إذا امتلأ، إذا امتلأ يفيض، لم يمتلأ لا يفيض، إذا بقي الوعاء فارغاً تتكلم بجهل، لذلك طريق الدعوة إلى الله يحتاج إلى طلب العلم أولاً.
فهذا الحسن البصري لزم حلقة عبد الله ابن عباس، حبر هذه الأمة، والذي دعا له النبي عليه الصلاة والسلام بتعلم التأويل، حتى غدا الحسن البصري عالماً، جامعاً، فقيهاً، ثقةً فأقبل الناس عليه ينهلون من علمه الغزير، والتفوا حوله التفوا إلى مواعظه التي تستلين القلوب القاسية، وتستدر الدموع العاصية، ويعونَّ حكمته التي تخلب الألباب، ويتأسون بسيرته التي كانت من أطيب السير، لقد انتشر أمر الحسن البصري في البلاد، وفشا ذكره بين العباد حتى أن الخلفاء والأمراء تساءلوا عنه، وتسقطوا أخباره، حدث خالد ابن صفوان قال: لقيت مسلمة ابن عبد الملك في الحيرة، فقال لي: أخبرني يا خالد عن حسن البصرة؟ فإني أظن أنك تعرف من أمره ما لا يعرف سواك في مجلسه، وأعلم أهل البصرة به، فقال: هات ما عندك قلت: أنه امرؤٌ سريرته كعلانيته.
يا الله! أروع ما في المؤمن أن سره كعلانيته ازدواجية لا يوجد عنده، موقف معلن، موقف مبطن، أعمال يفعلها في خلوته، أفعال يفعلها أمام الناس، فلاةٌ في المسجد وفراتٌ في البيت، مواقف يبدو فيها ورعاً أمام الناس، وفيما بينه وبين نفسه ليس فيه جنس الورع، هذه الازدواجية أخطر ما في الحياة، هذا هو النفاق، هذا الذي يفتت إيمان المؤمن.
أول صفة أنه امرؤٌ سريرته كعلانيته، وقوله كفعله، لا يوجد عنده كلام للاستهلاك بمواقف خاصة فيه، الذي قضى على الدعوة الإسلامية، هذه الازدواجية، هذه الازدواجية شككت الناس بمصداقية الداعين إلى الله، هذه المصداقية، هذه المساكب بين التطبيق وبين القول، بين السريرة والعلانية، بين القول والفعل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾

[ سورة الصف ]

إذا أمر بمعروفٍ كان أعمل الناس به، وإذا نهى عن منكرٍ كان أترك الناس له ولقد رأيته مستغنياً عن الناس زاهداً فيما في أيديهم، ورأيت الناس محتاجين إليه، طالبين ما عنده، فقال مسلمة: حسبك حسبك يا خالد، كيف يضل قومٌ فيهم مثل هذا؟.
أذكر أنه مرة سئل الحسن البصري قال: يا إمام كيف نلت هذا المقام العظيم؟ مقام العلماء يفوق مقام أي جهة أخرى، يفوق مقام الأمراء أحياناً، قالوا: يا إمام كيف نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس، وحاجتهم إلى علمي، أنا مستغني عن دنياهم وهم محتاجون إلى علمي، أما إذا كان بالعكس، هم زاهدون في علم العالم، وهو محتاجٌ لدنياهم، انتهى العالم، بالوحل أصبح، إذا احتاج إلى دنيا الناس، وزهدوا في علمه أصبح في الوحل، يجب أن يحتاج الناس إلى علمه، وأن يزهد في دنياهم، هذا الموقف الكريم.
لما ولي الحجاج ابن يوسف الثقفي العراق، وطغى في ولايته وتجبر، والحجاج تعلمون من الحجاج قال: إني لأرى رؤوساً قد أينعت، استوت وحان قطافها، وإني لصاحبها وإني أرى العمائم بين الدماء، في الدماء، والله له خطب شهيرة جداً، من أقسى الولاة، يعني قتل الإنسان أهون عليه من قتل ذبابة، لما ولي الحجاج أمر العراق، وطغى وتجبر، وكان الحسن البصري أحد الرجال القلائل الذين تصدوا له، وتكلموا أمامه بكلمة الحق، هذا شيء كبير جداً، فمرة وقف خطيباً في الناس وبين لهم الأخطاء التي يفعلها الحجاج، والتي تخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، في أثناء حديثه أشفق عليه الناس، حتى مال عليه أحد السامعين فقال له: حسبك يا أبا سعيد، حسبك، ماذا قال أبو سعيد الحسن البصري؟ قال: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم:

﴿ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 187 ]

في اليوم التالي دخل الحجاج إلى مجلسه، وهو يتميز من الغيظ، وقال لجلاسه تباً لكم وسحقاً، يقوم عبدٌ من عبيد البصرة، ويقول فينا ما شاء أن يقول، ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه! والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء، ثم أمر بالسيف، والنطع، النطع يعني باللغة الدارجة مشمع، إذا كانوا قطعوا رأس الإنسان حتى الدم لا يلوث الفُرش الوثيرة، هذا مشمع كبير يقف عليه من يقطع رأسه، فالدم ينزل على هذا الخوان، هذا النطع اسمه، ثم أمر بالسيف والنطع فأحضر، ودعا بالجلاد، فمثل واقفاً بين يديه، ثم وجه إلى الحسن بعض شُرطه، هاتوه، وأمرهم أن يأتوه به، وما هو إلا قليلٌ حتى جاء الحسن، فشخصت نحوه الأبصار فوجفت عليه القلوب، قلما رأى الحسن السيف، والنطع، والجلاد، حرك شفتيه، لكن لم يفهم عليه أحد مما قال، ثم أقبل على الحجاج، وعليه جلال المؤمن، وعزة المسلم، ووقار الداعية إلى الله، فلما رآه الحجاج على حاله هذه، هابه أشد الهيبة، وقال له: ها هنا يا أبا سعيد، اجلس ها هنا، ثم ما زال يوسع له، ويقول: ها هنا والناس مشدوهون، ينظرون إليه في دهشة، واستغرابٍ حتى أجلسه على فراشه، مكانه جلس، ولما أحذ الحسن مجلسه، التفت إليه الحجاج، وجعل يسأله عن بعض أمور الدين، والحسن يجيبه عن كل مسألةٍ بجنانٍ ثابتٍ، وبيانٍ ساحرٍ، وعلمٍ واسع، قال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم دعا بغاليةٍ من أفخر أنواع الطيب، وطيب له بها لحيته، وودعه، ولما خرج الحسن من عنده، تبعه حاجب الحجاج هذا الحاجب سيجن، وجد السيف، والنطع، والجلاد، كل جاهز للقتل فلما دخل ماذا حدث للحجاج؟ تبعه، قال: يا أبا سعيد لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك، دعاك ليقتلك، لكن فعل معك أن أكرمك، وإني رأيتك عندما أقبلت، ورأيت السيف والنطع قد حركت شفتيك، فماذا قلت؟ ماذا حصل؟ فقال الحسن: لقد قلت: يا ولي نعمتي، يعني يا ربي، وملاذي عند كربتي اجعل نقمته برداً وسلاماً علي، كما جعلت النار برداً وسلاما على إبراهيم، هذا الدعاء الأمر بيد الله عز وجل، الدعاء سلاح المؤمن:

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾

[ سورة الطور الآية: 48 ]

الله عز وجل لا يتخلى عن المؤمن، لا يسلمه لخصمه، يدافع عنه، أنت وليه.
ولقد كثرت مواقف الحسن البصري هذه مع الولاة والأمراء، فكان يخرج من كلٍ منها عظيماً في أعين ذوي السلطان، عزيزاً بالله، محفوظاً بحفظه.
له موقف ثاني جميل، لما انتقل الخليفة الزاهد عمر ابن عبد العزيز إلى جوار ربه، وآلت الخلافة على يزيد ابن عبد الملك، ولىّ على العراق عمر ابن هبيرة الفزاري، ثم زاده بسطةً في السلطان، فأضاف إليه خراسان، وسار يزيد في الناس سيرةً غير سيرة سلفه العظيم، فكان يرسل إلى عمر ابن هبيرة بالكتاب كل الكتاب، ويأمره بإنفاذ ما فيها، ولو كان مجافياً للحق أحياناً، يعني في توجيهات غير صحيحة وغير شرعية، ولا ترضي الله عز وجل، فدعا عمر ابن هبيرة، وهذا الوالي على العراق وخراسان، يأتيه كتاب من يزيد، افعل كذا، اقتل كذا، توجيهات غير معقولة فيها ظلم، فيها مخالفة للشرع، ماذا يفعل؟ بساعة من ساعات ضيقه دعا الحسن البصري، وعامر ابن شرحبيل، وقال لهما قال: إن أمير المؤمنين يزيد ابن عبد الملك قد استخلفه الله على عباده، وأوجب طاعته على الناس، وقد ولاني ما ترون من أمر العراق، ثم زادني فولاني فارس،وهو يرسل إليَّ أحياناً كتباً يأمرني فيها بإنفاذ ما لا أطمئن إلى عدالته، فهل تجدان لي في متابعتي إياه، وإنفاذ أوامره مخرجاً لي في الدين عندكم فتوة يعني، أنا آثم عند ربي؟ أنا عبد مأمور يا أخي، هكذا يقول المثل، أنا عبد مأمور أنا آثم؟ لا أنا ليس لي علاقة، هكذا تقول الأوامر، الشعبي يقولوا: أجاب جواباً فيه ملاطفةً للخليفة، ومسايرةً للوالي، كلام ليس فيه مواقف حازمة، والحسن صامت، والتفت عمر ابن هبيرة إلى الحسن وقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟ يعني أجبني، أنا آثم، عليَّ ذنب؟ فقال: يا ابن هبيرة، اسمعوا ماذا قال الحسن لعمر ابن أبي هبيرة، يا ابن هبيرة: خف الله في يزيد، ولا تخف يزيد في الله، وأعلم أن الله جل وعز يمنعك من يزيد، ولكن يزيد لا يمنعك من الله، يا ابن هبيرة: إنه يوشك أن ينزل بك ملكٌ غليظٌ، شديدٌ، لا يعصي الله ما أمره، فيزيلك عن سريرك هذا، وينقلك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك، حيث لا تجد هناك يزيد، وإنما تجد عملك الذي خالفت فيه رب يزيد، كلام دقيق جداً، يا ابن هبيرة: إنك إن تك مع الله تعالى وفي طاعته، يكفك بائقة يزيد ابن عبد الملك في الدنيا والآخرة، وإن تك مع يزيد في معصية الله تعالى، فإن الله يكلك إلى يزيد، واعلم يا ابن هبيرة أنه لا طاعة لمخلوقٍ كائناً من كان في معصية الخالق عز وجل، فبكى عمر ابن هبيرة، حتى بللت دموعه لحيته، ومال عن الشعبي إلى الحسن، وبالغ في إعظامه وإكرامه، فلما خرجا من عنده توجها إلى المسجد، فاجتمع عليهما الناس، وجعلوا يسألونهما عن خبرهما مع أمير العراقين، فالتفت الشعبي فقال: أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله عز وجل على خلقه في كل مقامٍ فليفعل، هو الذي نفسي بيده، ما قال الحسن لعمر ابن هبيرة قولاً أجهله، ولكنني أردت فيما قلته وجه ابن هبيرة وأراد الحسن فيما قاله وجه الله، أيام تحكي تريد عبد الله، وإنسان يريد الله عز وجل، أيام تتكلم كلاماً تبتغي به وجه الله، وأحياناً تتكلم كلاماً تبتغي به وجه عبد الله، قال: فأقصاني الله من ابن هبيرة، وأدناه منه، وحببه إليه، لهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:

(( كلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تقرب أجلاً ))

عاش الحسن البصري ثمانين عاماً، ملأ الدنيا خلالها علماً، وحكمةً، وفقهاً، وكان من أجل ما ورثه للأجيال رقائقه التي ظلت على الأيام ربيعاً للقلوب، له كلمات رائعة.
واحد سأله عن الدنيا والآخرة، اسمعوا ماذا قال، قال: إن مثل الدنيا والآخرة كمثل المشرق والمغرب، متى ازددت من أحدهما قرباً، ازددت من الآخر بعداً، الدنيا بالشرق والآخرة بالغرب، مشيت نحو الشرق، بعدت عن الغرب، ماذا قال النبي؟

(( من أحب دنياه أضر بآخرته ومن أحب آخرته أضر بدنياه ))

[أخرجه الطبراني، والبزار، والإمام أحمد، وابن حبان، والحاكم عن أبو موسى الأشعري]

فالدنيا والآخرة كالشرق والغرب، كلما اقتربت من أحدهما أزدت بعداً عن الآخر فقال له هذا السائل: صف لي هذه الدار، يعني الدنيا، فقال: ماذا أصف لك من دارٍ أولها عناء وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من استغنى فيها فُتن، ومن افتقر فيها حزن وصفٌ بليغ، أولها عناء، آخرها فناء، حلالها حساب، حرامها عقاب، من استغنى فيها فُتن من افتقر فيها حزن، الغني مفتون، والفقير حزين، وأولها عناء، وآخرها فناء، وحلالها حساب وحرامها عقاب، هذه الدنيا.
ويحنا ماذا فعلنا بأنفسنا؟ لقد أهزلنا ديننا، وثمنَّ دنيانا، أخلقنا أخلاقنا وجددنا فرشنا وثيابنا، يتكأ أحدنا على شماله، ويأكل من مال غيره، طعامه غصبٌ، وخدمته سخرةٌ بالقهر يعني، يدعو بحلوٌ بعد حامض، وبحارٍ بعد بارد، وبرطبٍ بعد يابس، ألوان النعيم ساعة عصير، ساعة فواكه، ساعة حلويات، ساعة حلوٍ بعد حامض، حارٍ بعد بارد، رطبٍ بعد يابس، طعامه غصبٌ، خدمته سخرةٌ، حتى إذا أخذته القبضة تجشأ من البشم من التخمة، ثم قال: يا غلام هاتِ هاضوماً، نريد شيئاً كازوز يعني، هات هاضوماً يهضم الطعام، قال يا أُحيمق، والله لن تهضم إلا دينك، أين جارك المحتاج؟ أين يتيم قومك الجائع؟ أين مسكينك الذي ينظر إليك؟ أين ما وصاك به الله عز وجل؟ ليتك تعلم أنك عدد، أنت عدد، وأنه كلما غابت عنك شمس يومٍ نقص شيءٍ من عددك، ومضى بعضك معه، أنت عدد، كلما غربت شمس يومٍ نقص منك شيء.
توفي هذا التابعي الجليل يوم الجمعة، ولبى نداء ربه، فلما أصبح الناس وشاع فيهم نعيه، ارتجت البصرة لموته رجاً، فغُسل وكفن وصليَّ عليه بعد الجمعة، في الجامع الذي قضى في رحابه جلّ حياته، عالماً ومعلماً، وداعياً إلى الله، ثم تبع الناس جميعاً جنازته، قال العلماء: فلم تقم صلاة العصر ذلك اليوم، لأول مرة في تاريخ بناء هذا المسجد لم تقم فيه الصلاة، لأنه لم يكن فيه واحدٌ إلا وتبع الجنازة، لم يبق أحد، ولا يُعلمُ أن الصلاة عطلت في جامع البصرة منذ ابتنيَّ، إلا في ذلك اليوم، يوم انتقال الحسن البصري إلى جوار ربه، هذه بطولة، قالوا في ذلك:

﴿ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾

[ سورة المطففين ]

﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾

[ سورة الصافات ]

إنسان دخل وخرج، دخل للدنيا فقير، وسيخرج منها فقيراً، لكن إنسان دخل للدنيا وعرف الله، فترك آثار طيبة، ترك آثار، ترك علم، ترك مؤمنين طيبين، ترك أناس مهتدين إلى الله عز وجل، ترك أعمال خيرة، ترك آثار في القلوب، هذا هو العلم، لذلك أعلى عطاء تناله من الله أن تكون عالماً، والعطاء الذي لا قيمة له أن تكون صاحب أموالٍ طائلة، لأنها إذا استخدمتها في طاعة الله فهذا شيءٌ عظيم، أما إذا اكتفيت بجمع المال من دون أن تنفقه في طاعة الله عز وجل، فهذا شيءٌ فاني، ينتهي مع الدنيا، يعني أنا أردت من هذه القصة أن تكون تجسيداً لهذا الحديث الشريف:

(( ازهد في الدنيا يحبك الله عز وجل وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس)).

هذا ملخص الحديث، والحسن البصري رضي الله عنه، مرة قيل له: يا إمام إن السماء لا تمطر، جاءه رجل قال له: السماء لا تمطر، قال: استغفر الله، جاءه شخص قال له: إن زوجتي لا تنجب، فقال: استغفر الله، جاءه شخصٌ ثالث، شكا له، قال له: استغفر الله ففي واحد استغرب، قال له: أوكلما جاءك إنسان تقول له: استغفر الله، قال له: ألم تسمع قوله تعالى:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[ سورة نوح ]

نسمع كنا كل صيفية خمسة ستة غرقوا في نهر بردى بالهامة، لم يغرق أحد هذه السنة، ولا واحد غرق في النهر، لأنه لا يوجد ماء يغرق فيها:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾

[ سورة نوح ]

يعني أنا ألخص لكم الموضوع كله بكلمتين، هان الله على الناي فهانوا على الله يعني معصيته كطاعته، وأمره كنهيه، يقول لك: لا تدقق، اتركها لربك، لا أحد يطبق أحد أمر الله عز وجل، الأنهار جافة، الينابيع جافة، الأشجار مهددة باليباس، يعني أقول لكم مرة ثانية: كلام دقيق، تقنين العبد تقنين عجزٍ، لكن تقنين الرب تقنين تأديب، ليس عجز، يعني بنفس الوقت تجد فيضانات بمحلات ثانية، فيضانات، وسيول، وكوارث من جراء كثرة المياه معناها موضوع مدروس، موضوع تأديب ليس موضوع عجز، والدليل:

﴿ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ ﴾

[ سورة الحجر الآية: 21 ]

نرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهمنا رشدنا.

 

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد اللهم أعطنا ولا تحرمنا، وأكرمنا ولا تُهنا، وأثرنا ولا تؤثر علينا، وأرضنا وأرضى عنا، أغننا بالعلم، وزينا بالحلم، وأكرمنا بالتقوى، وجملنا بالعافية، وطهر قلوبنا من النفاق وأعمالنا من الرياء، وألسنتنا من الكذب، وأعيننا من الخيانة، فإنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، اللهم اجعل جمعنا هذا جمعاً مباركاً مرحوماً، واجعل تفرقنا من بعده تفرقاً معصوماً ولا تجعل فينا ولا منا ولا معنا شقياً ولا محروماً، وصلى الله على سيدنا محمد النبيِّ الأميِّ وعلى آله وصحبه وسلم.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018