أحاديث متفرقة - الدرس : 015 - إحفظ الله يحفظك .… - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 015 - إحفظ الله يحفظك .…


1990-08-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... في الدرس الماضي كان الحديث الشريف حديثاً جامعاً، محوره تلك العلاقات الاجتماعية بين المؤمنين، من يذكر منكم بعض فقرات الحديث ؟

(( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ))

 يعني لا تبني موقفاً، ولا تتخذ قراراً، ولا تفعل شيئاً، ولا تتهم إنساناً قبل أن تستقصي الحقائق، لأن الظن أكذب الحديث.
 فقرةٌ ثانية من فقرات الحديث ؟

 

(( ولا تحسسوا ولا تجسسوا ))

 ما الفرق بين التحسس والتجسس ؟ التحسس تتبع الأخبار الطيبة، والتجسس تتبع الأخبار السيئة، النبي الكريم نهى عن تتبع الأخبار الطيبة والسيئة، يعني طوبى من شغله عيبه عن عيوب الناس، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.
أيضاً ؟
 " ولا تنافسوا..."
 الحياة ينبغي أن تبنى على التعاون لا على التنافس ؛ في المهن، والحرف، والعلم، على التعاون لا على التنافس، ولكن حينما أمرنا الله بالتنافس ماذا يقصد ؟ التنافس في الطاعة.

 

 

(( ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخواناً كما أمركم الله ))

 التحاسد، والتباغض، تحاسَدَ وزن الفعل مفاعلة، من معاني المفاعلة المشاركة، لا تحسد أخيك على شيءٍ متعه الله به، ولا يحسدك أخوك على شيءٍ متعك الله به.

 

 

(( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى ها هنا، التقوى ها هنا التقوى ها هنا، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم ))

 ماذا يستفاد من هذه الفقرة في الحديث ؟ لو إنسان بقي ساكتاً في نفسه احتقر أخاه المسلم، لماذا هو مخطئ ؟ ما تعليل هذا النهي، لماذا هو مخطئ ؟ لأن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، فإذا اتهمهم واحتقرهم فقد خالف نص الحديث، أيضاً لأن هذا الذي تحتقره قد يكون أكبر عند الله منك، وقد يكون أعلى مرتبةً عند الله منك، وإذا كنت تراه الآن أقل منك لعله يسبقك في المستقبل، هذا هو السر.
* * * * *
 الحديث اليوم... الحقيقة أحياناً الإنسان يقرأ حديث لرسول الله عليه الصلاة والسلام، هناك بعض الأحاديث الشريفة تترك في حياة الإنسان انعطافاً خطيراً، الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه بلغه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه:

 

 

(( من طلب العلم تكفل الله له برزقه))

 

( من الدر المنثور )

 هذا الحديث أحدث في نفس أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه انعطافاً خطيراً في حياته، فجعل طلب العلم شغله الشاغل.
 حديث آخر، حديث شريف ترك آثاراً خطيرةً في حياتك، مَن يذكر شيئاً من هذه الأحاديث ؟

 

(( ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه "))

 

( من الجامع لأحكام القرآن )

 هذا الحديث خطير.
 أيضاً ؟

 

((من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى ))

 مبدأ عام في الحياة.
 أيضاً ؟

 

 

(( من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم ))

 

( من أحاديث الإحياء: عن " أنس " )

(( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له طريقاً إلى الجنة ))

( من الجامع لاحكام القرآن: عن " أبي الدرداء " )

 إذاً هذا العلم ينتهي بالجنة، والجنة هي السعادة الأبدية.
 حديث آخر ترك بحياتكم انعطاف خطير ؟
" استقيموا ولن تحصوا ـ الخيرات ـ "

 

( من الدر المنثور: عن " ثوبان " )

 الحقيقة ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ هو في الأصل ضعيف، لكن كثرة الطرق التي ورد فيها قوته:

 

 

(( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة))

 لذلك الإمام النووي ألف كتاب الأربعين النووية، يعني يبدو أن كتاب الأربعين النووية التي ألَّفه الإمام النووي رحمه الله تعالى انطلاقاً من هذا الحديث.

 

 

(( من حفظ على أمتي أربعين حديثاً من السنة كنت له شفيعاً وشهيداً يوم القيامة ))

 إذاً الإنسان أحياناً في عنده انطباعات لكن لا تكفي، لابد من حفظ نص حديث رسول الله لأنك إذا أردت أن تحدث إنساناً حديثاً فيه نفعٌ كبير فعليك بسنة النبي، إذا الإنسان سمع حديث من الأحاديث الحاسمة التي تعد مبادئ ثابتة في الحياة، هذه الأحاديث يجب أن تحفظها.
* * * * *
 الحديث اليوم من وصيته صلى الله عليه وسلم لابن عباس، يبين له فيها ما يجب أن يكون عليه المؤمن مع الله تعالى.
 فسبحان الله !! أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام فيها توفيقٌ كبير، السبب أنك إذا قرأتها شعرت كأن النبي عليه الصلاة والسلام معنا.
روى الترمذي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنه قال: كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوماً فقال لي: " يا غلام إني أعلمك كلمات..."
 قيمة الحديث من قيمة قائله، قيمة الرسول من قيمة مُرسله، فالآن النبي عليه الصلاة والسلام مبعوث العناية الإلهية، أمين وحي السماء، الذي لا ينطق عن الهوى، الخبير من قِبَل الله عزَّ وجل بأحوال النفس يقول:

 

 

(( يا غلام إني أعلمك كلمات ـ أول هذه الكلمات ـ احفظ الله يحفظك ))

 هل يستطيع الإنسان أن يحفظ الله عزَّ وجل ؟ فالله خيرٌ حافظاً ولكن هذا اسمه في اللغة المشاكلة، معنى المشاكلة يعني حفظك لله عزَّ وجل بمعنى أن تحفظ أمره في هذا الموضوع، كقول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

 

( سورة محمد: من آية " 7 " )

 الله عزَّ وجل بحاجةٍ أن تنصره ؟ مستحيل، لكن نصر العبد لربه بمعنى أن يقيم أمره، أن ينفِّذ أمره، أن ينتهي عما عنه نهى. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: احفظ الله يحفظك... إن شئت هذا الحديث بشكلٍ عام لك ذلك، وإن شئت هذا الحديث، أو هذه الفقرة من الحديث بشكلٍ خاص لك ذلك.
 يعني في شأن الزواج ؛ إذا طبقت أمر الله عزَّ وجل في أمر زواجك، في معاملتك لزوجتك، وأولادك، حفظك الله من الزوجة الخائنة، والزوجة المتعبة، لأن أوامر الشرع نتائجها حتمية، يعني إذا طبقت أمر الله عزَّ وجل في كسب المال، حفظ الله لك هذا المال، إذا طبقت أمر الله عزَّ وجل في اختيار الزوجة، وفِّقت في زواجٍ سعيد، أي موضوعٍ، أي شأنٍ، أي جانبٍ، أي جهةٍ، أي قضيةٍ، إذا طبقت فيها أمر الله عزَّ وجل، معنى طبقت أمر الله عزَّ وجل كما قال النبي حفظت الله في هذا الموضوع.
 يعني إذا حفظت بصرك من أن ينطلق إلى حرام، كافأك الله عزَّ وجل بحفظ البصر، ألم يقل له: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر. إذا لم تمتد يدك إلى حرام حفظ الله لك هذه اليد، إذا لم ينطلق لسانك بسوءٍ، حفظ الله لك سمعتك، فالله عزَّ وجل يرينا آياته، ومن آياته أفعاله، أفعاله أن المحسن يجازى على إحسانه في الدنيا، والمسيء يعاقب على إساءته، أما عقاب المسيء في الدنيا عقاب تحذيري، ردعي، ومكافاة المحسن مكافأة تشجيعية، لكن الحساب النهائي يكون يوم القيامة..

 

﴿ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 185 " )

 إذاً: احفظ الله يحفظك... ماذا نعرب يحفظك ؟ احفظ فعل أمر، يحفظك فعل مضارع مجزوم لوقوعه جواباً للطلب، يعني هناك علاقةٌ شرطيةٌ بين أن يحفظك الله عزَّ وجل، وبين حفظك لأمر الله، دائماً العلاقة الشرطية والعلاقة الطلبية علاقة حتمية، مَن يجتهد ينجح، هذه علاقة شرطية، " احفظ الله يحفظ ".. " اتقِ الله حيثما كنت ".. " أتبع السيئة الحسنة تمحوها " دائماً إذا قرأت حديث رسول الله ووجدت في الحديث علاقةً شرطيةً.. "من اتكل على نفسه أوكله الله إياها " من يأتي لنا بحديث شريف فيه علاقة شرطية ؟

 

(( من غشَّ فليس منا ))

 

( من الجامع الصغير )

 يعني لمجرد أن تغش أي إنسان كائناً من كان فلست منا، يعني فليس هذا الغاش من أمة سيدنا محمد، هذه علاقة شرطية.
 حديث آخر فيه علاقة شرطية ؟

 

(( اتقِ الله تكن أعبد الناس وارضَ بما قسم الله لك تكن أغنى الناس))

 

( من الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " )

 " من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله ".
 يعني إذا قرأت حديث شريف ووجدت فيه علاقةً شرطيةٌ، فاعلم أن هذا السبب نتيجته الحتمية هو جواب الطلب.. " احفظ الله يحفظك... هذا كلام النبي تؤكده آياتٌ كثيرة..

 

﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾

 

( سورة السجدة )

﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾

( سورة الجاثية: من آية " 21 " )

﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾

( سورة فصلت: من آية " 30 " )

 دائماً القرآن والسنة شيئان متكاملان." احفظ الله يحفظك " إذا الإنسان فُجِعَ بشيءٍ، أصابه شيءٌ، فليتهم نفسه فهو الأصوب.
 احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك... فما الفرق بين الفقرتين ؟ احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك... هل هناك فرقٌ بينهما ؟ يعني الفقرة الأولى في الحديث إذا حفظت الله عزَّ وجل في شؤون حياتك كلها ؛ في كسب المال، في إنفاق المال، في هذه الحواس الخمس، في أهلك، في أولادك، في بيتك، في تجارتك، احفظ الله يحفظك، يعني أنت في سلام. لكن لو داهمك خطر مفاجئ، وأنت حفظت الله في السابق، تجد الله معك، النبي عليه الصلاة والسلام بماذا استعاذ ؟ استعاذ من فجأة نقمة الله عزَّ وجل، الإنسان يكون معه كل شيء، يفقد كل شيء بساعات، ماذا سماها النبي عليه الصلاة والسلام ؟

(( نعوذ بك من فجأة نقمتك))

( من أحاديث الإحياء: عن " ابن عمر " )

 فأول فقرة في الحديث: إذا طبقت أمر الله في هذا المجال الله عزَّ وجل يحفظك، ويرعاك، ويسلِّمك من كل أخطاره، أما إذا دهمك خطرٌ مفاجئ، وقد عرفت الله في الرخاء فالآن يعرفك في الشدة، وهكذا قال النبي الكريم:

 

(( اعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة ))

 إذاً إذا جاءت المصيبة، إذا جاء شبح مصيبةٍ، إذا دهمك خطرٌ، فالله سبحانه وتعالى تجده تجاهك، أحياناً يشعر الإنسان أن الله معه ؛ بالتوفيق، بالإلهام، بالتيسير، أموره ميسَّرة يقول لك: فلان عقدته ميسرة. طرق الباب فُتح، قدم طلب وافقوا له عليه، اختار بضاعة ربحت، سار بطريق سالك الطريق، صاحب إنسان كان وفي معه، أحياناً يصاحب إنسان يخونه فيفاجأ، يسلك طريق فيجده مغلق، يضع أمله بإنسان يخيِّب ظنه، يتاجر بشيء يخسر أحياناً يجد الله معه، يشعر أن الله معه، وأحياناً يشعر أن الله تخلَّى عنه، هذا معنى تجده تجاهك.
إذاً أول فقرة: احفظ الله يحفظك في تطبيق أمر الله عزَّ وجل، الفقرة الثانية: إذا دهمك الخطر، الله عزَّ وجل معك..

 

 

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 

( سورة الطور: من آية " 48 " )

 لذلك الحقيقة الثابتة أن الإنسان مهما أوتي من الذكاء، ومهما اتخذ من الاحتياطات، ومهما غطَّى الاحتمالات، ذكاؤه وحده لا يكفي، لا يمنعك من الله إلا أن يرضى الله عنك، فإذا كان الله غاضباً، جاءت النقمة فجأةً، مرة سألوا أحد الغزاة الكبار في العهود الوسطى: مَن أنت أيها الغازي ؟ قال: أنا غضبة الرب. يعني أنا أمثل غضب الله عزَّ وجل، أحياناً الإنسان يغضب، ماذا يفعل الإنسان إذا غضب ؟ قد يشتم، قد يضرب، قد يزمجر، قد يُغلق الأبواب بعنف، هذه علامات غضب الإنسان، أما علامات غضب الرحمن، قالوا له: مَن أنت ؟ قال: أنا غضبة الرب. أحياناً الله عزَّ وجل يزلزل الأرض من تحت أقدامهم، أحياناً يرسل عليهم صواعق من السماء، أحياناً..

 

﴿ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

 

( سورة الأنعام: من آية " 65 " )

 هذه فجأة النقمة، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ـ دققوا في هذا الحديث ـ قالوا: أمن قلةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله ؟ قال: لا، بل أنتم كثيرٌ ـ جداً ـ ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، قالوا: ولمَ ؟ قال عليه الصلاة والسلام: يصيبكم الوهن. قيل: وما الوهن ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ))

 

( من زيادة الجامع الصغير )

 المبالغة بالنعيم، المبالغة بالترف، الانغماس بالملذات، هذا يضعف الإنسان، يجعله يحرص على الدنيا حرصاً بالغاً، من شدة حرصه على الدنيا يجبن، ومن جبنه يضعف، لذلك:

 

(( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. قالوا: أمن قلةٍ نحن يومئذٍ يا رسول الله ؟ قال: لا بل أنتم كثيرٌ ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، قالوا: ولمَ ؟ قال عليه الصلاة والسلام: يصيبكم الوهن. قيل: وما الوهن ؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ))

 

( من زيادة الجامع الصغير )

 إذاً: احفظ الله يحفظك... الدعاء الشريف: " متعنا اللهم بأسماعنا بأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا "، يعني أسباب الحفظ ؛ هذه العين تغض عن محارم الله، هذه الأذن لا تستمع إلى الغناء، ولا إلى الغيبة، ولا إلى النميمة. أحد العلماء الكبار كان شيخ الشام، الشيخ بدر الدين، إذا تحدث أحدٌ في مجلسه بكلمة غيبةٍ يقول: يا با اسكت أظلم قلبي. فهذه الأذن إن لم تستمع الغيبة، ولا الغناء، ولا الفُحْش، وهذا اللسان إن لم ينطق إلا بالحق، وهذه اليد حركتها في سبيل الله، وهذه الرجل لا تنطلق إلا إلى المساجد، وإلا إلى الأعمال الصالحة، يعني من باب كرم الله عزَّ وجل الله سبحانه وتعالى يمتعك بسمعك وبصرك وقوتك ما أحياك.
 احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك... فهذه فجأة النقمة، أحياناً الله عزَّ وجل يرخي العنان لهذا الإنسان ؛ فينطلق في شهواته، ينطلق في مسرَّاته، يعلو، يتكبَّر، يستعلي يتيه بماله، يتيه بمكانته، يتيه بقوته، يأخذ ما ليس له، يتجاوز حدوده، يستعلي في الأرض وبثانيةٌ واحدة إذا هو في قبضة الله عزَّ وجل، لا يلوي على شيء، هذه فجأة النقمة، فالإنسان لا يطمئن للدنيا، لا يطمئن لقوته، لصحته، لماله، لمكانته، لثروته، يطمئن لرحمة الله عزَّ وجل، والحديث الشريف:

 

(( إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك ))

 

(( إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله))

(( إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله ))

الآن، إذا سألت فاسأل الله... قال أحد الخلفاء لأحد التابعين في الكعبة:
 ـ سلني حاجتك ؟
 ـ قال له: والله أستحي أن أسأل غير الله في بيت الله.
إلتقاه خارج الكعبة فقال له:
 ـ سلني حاجتك ؟
 ـ قال له: والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها ؟ فلما أصر عليه.
 ـ قال له: نجني من عذاب النار.
 ـ قال له: هذه ليست بيدي.
 ـ قال له: إذاً ليس لي عندك حاجة.
 قال له: فإذا سألت فاسأل الله... فالإنسان أحياناً يتضعضع أمام قوي، أمام غني، يستجديه ماذا قال سيدنا علي ؟ قال: " واللهِ والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصف بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين ـ مستحيل ـ وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليَّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين ". ما هو الذل ؟ أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده.
قال: فإذا سألت فاسأل الله... اسأله في الدجى:

(( إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائلٍ فأجيبه، هل من طالب حاجةٍ فأقضيها له ؟ هل من مستغفرٍ فأغفر له ؟ هل من تائبٍ فأتوب عليه ))

( من الجامع لأحكام القرآن )

 عود نفسك أن تسأل الله، إن الله يحب الملحين في الدعاء، من لا يدعني أغضب عليه، إن الله يحب من عبده أن يسأله شسع نعله إذا انقطع، عوِّد نفسك ؛ إذا أقدمت على عمل قل: يا رب وفقني. أقدمت على زواج، على شراء بيت، أقدمت على مشروع، أقدمت على إلقاء درس مثلاً، على معالجة مريض، على مرافعة قضية أمام القضاء، عود نفسك تكون مفتقر إلى الله عزَّ وجل." إذا سألت فاسأل الله..."
 أما أن تسأل إنسان، فالإنسان ضعيف مثلك مثله. يعني إذا سألت أي إذا كنت سائلاً جهةً ما، فاسأل الله عزَّ وجل، والحقيقة هنا في نقطة مهمة جداً، أحياناً ربنا عزَّ وجل يخلق مشكلة، يخلقها خلق، ويلهمك أن تدعوه، تدعوه فيكشفها عنك، ما الذي يحصل ؟ يحصل شيئان: الشيء الأول: تزداد معرفتك بقدرته، بأنه هو الفعال، إلهٌ في السماء، إلهٌ في الأرض..

 

﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾

 

( سورة الفتح: من آية " 10 " )

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾

( سورة هود: من آية " 56 " )

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

( سورة الأعراف: من آية " 54 " )

﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (26)﴾

( سورة الكهف )

 فإذا لاح لك شبح مصيبةٍ وسألت الله عزَّ وجل أن ينجيك منها، يحدث شيئان ؛ الشيء الأول: تزداد معرفتك بالله عزَّ وجل، أحياناً الإنسان يكون داخل ببرنامجه، داخل في اهتماماته وفي ساحة نفسه زيد وعُبيد، وفلان قوي، وفلان ضعيف، وفلان بيده، وفلان يده طولى، وفلان لا يقدر، وفلا يقدر، والدراهم مراهم، وكل شيء يحل بالنقود ، عايش بشركاء كثيرين، المال شريك لله عزَّ وجل، فلان ابن عمه الفلاني له مركز مرموق عامله شريك لله، أخي على التليفون لا يخيبني أبداً، هذا شريك، فالإنسان بهذا الوضع مبعثر، أما المؤمن: " إذا سألت فاسأل الله.." هو يعرف أن الله هو كل شيء، الحقيقة الأولى والأخيرة، هو الأول والآخر، الظاهر والباطن، بيده كل شيء..

 

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

 

( سورة هود: من آية " 123 " )

 يعني بيده كل الناس ؛ خصومه، أصدقاؤه، أقرباؤه، وأولاده، وزوجته، إذا سألت فاسأل الله... عود نفسك تسأل الله عزَّ وجل، من اتكل على نفسه أوكله الله إياها، قال: ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم.
 وإذا استعنت فاستعن بالله... هو القوي، قل حينما تناجي ربك قل له: يا رب ليس لي إلا أنت، أنا ضعيف، فأجمل ما قاله النبي في الطائف، والنبي كما قلت لكم هو الأسوة، الله أذاقه القهر في الطائف، حتى يعلمنا كيف نكون، أحياناً نكون مستضعفين، مركز ضعيف كثير، ما لك شأن، كل الناس أقوى منك، وممكن يكون مؤمن عند الله كبير كثير، لكن ما موقف الضعيف ؟ أن يقول: رب إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي، ولك العتبى حتى ترضى، لكن عافيتك أوسع لي.
وإذا الله جعلك قوي، وحققت أهدافك الكبرى، حينما دخل مكة فاتحاً دخلها مطأطئ الرأس، حتى لامست ذؤابة عمامته عنق بعيره.
وإذا أذاقك الفقر..
 ـ هل عندكم شيء ؟
 ـ قالوا: لا.
 ـ قال:

(( فإني صائم ))

( من الجامع الصغير: عن " السيدة عائشة " )

وإن أذاقك الغنى..
 ـ لمن هذا الوادي ؟
 ـ قال: هو لك.
 ـ قال: أتهزأ بي ؟
 فالنبي الكريم الله أذاقه موت الولد، أذاقه ترك الوطن، أذاقه زوجة أكبر منه، أذاقه مشكلة بالبيت، غضبت أمكم، غضبت أمكم، كل شيء يصيب الناس أصاب النبي لماذا ؟ ليكون لنا أسوةً حسنة، فـ: " إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله..."
 أما أجمل ما في هذا الحديث التوحيد.. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك... فالحديث الشريف ممكن تبحثوا لي عن آية قرآنية أخذ منها ؟

(( واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك))

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾

( سورة فاطر: من آية " 2 " )

 " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك ". علاقتك مع مَن إذاً ؟ مع الله، الأمة كلها لو اجتمعت على ينفعوك، لا ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، هذا هو التوحيد، يعني إذا أردت أن تضغط الدين كله في كلمات لا إله إلا الله..

 

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25)﴾

 

( سورة الأنبياء )

 هذا هو التوحيد.. وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك رفعت الأقلام وجفت الصحف... طبعاً فهم هذا الحديث سهل، أما أن تعيشه يحتاج لجهد كبير، هنا في فرق، إدراك الفكرة سهلٌ جداً، أما أن تكون في مستواها هذا يحتاج إلى جهد كبير جداً، أن تبقى موحداً ولاسيما في الأزمات، إذا تكاثر الناس عليك، إذا ضاقت الأمور، سدت السُبُل هذه مشكلة، فقال: واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء... ممكن هذا الحديث تفهمه بسرعة، وتحفظه، وتخاف خوف شديد من الناس، معنى هذا أنك فهمت معناه ولست في مستواه، هذا الحديث لا تعيشه ولكن تفهمه، علق في ذاكرتك ولم ينتقل إلى نفسك، لم تمارس هذا الحديث، ما عشت هذه المعاني.
 الإنسان إذا فكَّر في خلق السماوات والأرض، وتابع طاعة الله مرةً بعد مرة، وازداد إقباله على الله عزَّ وجل، واتصل به، كلما نمت معرفته بالله عزَّ وجل يعيش معاني هذا الحديث، يستسلم لله، يرضى بقضاء الله، يشعر أن أمره بيد الله وحده، طبعاً هذا الحديث لا يعني أن الإنسان إذا أصابه ضيم أن يسكت، لا..

 

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39)﴾

 

( سورة الشورى )

 يعني قد يأتي شيء من الله مباشرةً هذا هو القضاء والقدر، وقد يأتي شيء عن طريق إنسان، هذا الشيء ينبغي أن ترد الظلم، وأن ترد الضيم، وأن تأخذ حقك، هذا من صفات المؤمنين.
لكن ما معنى: رفعت الأقلام وجفت الصحف ؟
 " واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لن يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام... "
 أحياناً الإنسان يكتب كتاب، يغلق القلم، ويعلقه في صدره، ينشف الحبر، انتهى الأمر..رفعت الأقلام وجفت الصحف... ماذا يعني ذلك ؟ يعني هذه سنن ثابتة لا تتبدل، ولا تتغير ولا يضاف عليها، ولا يحذف منها، ولا تطوى، ولا تجمَّد، ولا تعطل أبداً، هذه قوانين ثابتة.. احفظ الله يحفظك... قديماً وحديثاً، شرقاً وغرباً، في البلاد الفلانية والفلانية، في السفر وفي الحضر، في الصغر وفي الكبر، في القوة وفي الضعف.
" احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعت على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف "
 فأحياناً الإنسان يبذل قصارى جهده في موضوع، كل طاقته، كل إمكاناته، كل ذكائه، كل خبرته أوصله إلى هذا، الآن يستسلم هنا، أما أن يستسلم وعنده طاقة، وعنده إمكانية، هذا تواكل وكسل، أما بعد أن تستنفذ كل القوى، وقد وصلت إلى هذا المكان، هذه مشيئة الله هكذا المؤمن.
 زاد الإمام أحمد في روايته ـ في عندنا زيادة للحديث ـ:

 

((تعرَّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن الصبر على ما تكره خيرٌ كثير ـ في عندنا استنباط دقيق جداً ـ واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا ))

 معنى هذا أن العسر من أجل اليسر، وأن الكرب من أجل الفرج، وأن الصبر من أجل النصر، إذاً كل ما يسوقه الله تعالى لعباده بهدف أن يرحمهم، وأن يعرفهم بذاته، وأن يكرمهم، وأن يدخلهم الجنة، حديثٌ يبث الأمل في النفوس..
 " تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن الصبر على ما تكره خيرٌ كثير، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع اليسر يسرا ".
* * * * *
 والأن ننتقل إلى فقرةٍ من قصة غزوة الخندق، هذه الفقرة أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما كانت غزوة الخندق، وقد نقض اليهود عهدهم معه، وجاءت الأحزاب من كل جانب، قال عليه الصلاة والسلام: " من يأتينا بخبر القوم ؟ "
 فالنبي الكريم طلب صحابي يذهب إلى معسكر المشركين ويأتيه بأخبارهم، هذه عملية خطيرة جداً، عملية فدائية. " من يأتينا بخبر القوم؟ ألا رجلٌ يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة ".
 الثمن أن يكون هذا الرجل رفيق النبي عليه الصلاة والسلام في الجنة، قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ذلك ثلاث مرات، يبدو أن المهمة صعبةٌ جداً، لأن أحد الأشخاص قال:

 

 

﴿ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12)﴾

 

( سورة الأحزاب )

 أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟
 تقدم الزبير بن العوام رضي الله عنه فقال: أنا يا رسول الله، أنا أذهب. واحد من الصحابة جميعاً، وعدل صلى الله عليه وسلم عن إرسال الزبير، لم يرسله، واختار هو حذيفة بن اليمان لأن الزبير كان عنده حدةٌ وشدة، لا يملك نفسه أن يحدث بالقوم ما سيُنهى عنه حذيفة، لأن أي حركة خلاف الأصول ينكشف فيقتل، فاختار النبي إنسان أعصابه قوية جداً، ولأن حذيفة صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلمه غيره، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان.
قال حذيفة: فلم أجد بداً من القيام حيث فوَّه النبي باسمي، ما في مجال طالبه بالاسم، فجئته صلى الله عليه وسلم فقال:
 ـ تسمع كلامي منذ الليلة ولا تقوم !!
 ـ فقلت: لا والذي بعثك بالحق، ما قدرت ـ أي لم أقدر ـ على ما بي من الجوع والبرد والخوف.
أن سمعت كلامي وما قمت ؟!! في عتاب، سمعت كلامي ولم تقم ؟ قال له:
 ـ والذي بعثك بالحق ما قدرت على ما بي من الجوع والبرد والخوف.
تصور ما أصاب أصحاب رسول الله من الجوع والبرد والخوف، فقال صلى الله عليه وسلم:
 ـ اذهب حفظك الله من أمامك، ومن خلفك، وعن يمينك، وعن شمالك حتى ترجع إلينا. وقال عليه الصلاة والسلام: لا برد عليك حتى ترجع.
 دعا النبي له أن يحفظه من أمامه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، وأن يذهب عنه البرد، يبدو أن أصحاب رسول الله كانوا في أصعب الأحوال ؛ برد شديد، خوف شديد، جوع شديد.
قال حذيفة: فلم يكن لي بدٌ من القيام حتى دعاني، قال صلى الله عليه وسلم: " اذهب فادخل في القوم ".
 يقول حذيفة: فقمت مستبشراً بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني احتملت احتمالاً ـ كأن شخص حملني، صرت خفيف، التعبان، والجائع، والبردان، والخائف يتثاقل، كأني احتملت احتمالاً ـ وذهب عني ما كنت أجد من الخوف والبرد، وعهد إلي ألا أُحْدِث حدثاً، لا أتصرف فقط أراقب. كان رضي الله عنه جاثٍ على ركبتيه، عليه مرطٌ ما يجاوز ركبتيه، فقام وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: والله ما أخشى أن أقتل ولكن أخشى أن أأسر.
 القصة شيء والواقع شيءٌ ثاني، فأن تقول: والله فلان فعل كذا، وذهب، وأن تكون مكانه، فهذا شيء صعب كثير، دائماً الإنسان لا يتصور الأمور سهلة، فهذا الصحابي الجليل قال له: والله ما أخاف أن أقتل ولكن أخشى أن أأسر، فقال عليه الصلاة والسلام: " إنك لن تؤسر " انظر إلى هذا التطمين.
" إنك لن تؤسر، اللهم احفظه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته ".
هذا دعاء النبي اللهم صل عليه.
 يقول حذيفة: فمضيت كأني أمشي في حمَّام، في مكان حار مع شدة البرد، وقد أوصاني النبي عليه الصلاة والسلام ألا أرمي بسهمٍ، ولا حجرٍ، ولا أضرب بسيفٍ حتى آتيهم فجئت إليهم، ودخلت في معسكرهم، فسمعت أبا سفيان يقول: يا معشر قريش ليتعرف كل امرئٍ منكم على جليسه، واحذروا الجواسيس والعيون. معنى هذا انكشف سيدنا حذيفة.
 فقال: فأخذت بيد جليسي عن يميني وقلت: مَن أنت ؟ فقال: معاوية بن أبي سفيان. وقبضت بيدي الأخرى على يساري وقلت: من أنت ؟ قال: أنا عمرو بن العاص، فعلت ذلك خشيت أن يفطن بي، الله عزَّ وجل حفظه وألهمه يبدأ، ألم يقل أبا سفيان: أن كل واحد يتفقد من حوله، من على يمينه، هو بدأ.
 فقال أبو سفيان: يا معشر قريش والله إنكم لستم بدار مقام، ولقد هلك الكراع والخف، واختلفت بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من هذه الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل.
 طبعاً الله عزَّ وجل أصابهم بريحٍ عاتية قلبت قدورهم، واقتلعت خيامهم، وأطفات نارهم وقذف في قلوبهم الرعب.
 ووثب على جمله، فما حلَّ عقال يده إلا وهو قائم، فقال له عكرمة بن أبي جهل: رأس القوم وقائدهم تذهب وتترك الناس ؟!! فاستحي أبو سفيان وأناخ جمله، وأخذ بزمامه وهو يقوده وقال: ارحلوا فجعل الناس يرتحلون وهو قائم، ثم قال لعمرو بن العاص: يا أبا عبد الله نقيم في جريدة من الجبل بإيذاء محمدٍ وأصحابه، فإنا لا نأمن من أن نُطْلَب، فقال عمرو بن العاص: وأنا أقيم، وقال لخالد بن الوليد: ما ترى يا أبا سليمان؟ فقال: أنا أيضاً أقيم، فأقام عمرو وخالد في مائتي فارس، وسار جميع العسكر.
 قال حذيفة: ولولا عهد رسول الله ـ أمرني ألا أفعل شيئاً لا سهم ولا حجر ولا شيء ـ ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حين بعثني ألا أحدث شيئاً لقتلته ـ يعني أبا سفيان ـ بسهمي، وسمعت غطفان بما فعلت قريش، فاشتدوا راجعين إلى بلادهم.
 يقول حذيفة: فدخلت العسكر، فإذا الناس في عسكرهم يقولون: الرحيل الرحيل لا مقام لكم، والريح تقلبهم على بعض أمتعتهم، وتضربهم بالحجارة، والريح لا تجاوز عسكرهم، حتى قال طليحة بن خويلد الأسدي: أما محمد فقد بدأكم بالسحر ـ هذا فعل الله عزَّ وجل ـ فالنجاء النجاء، فانهزموا من غير قتال، فلما انتصف الطريق إذا أنا بنحو عشرين فارساً معتمِّين، فخرج إلي منهم فارسان وقالا: أخبر صاحبك أن الله كفاه القوم، لم عرفهم. لم يعرفهم، فرسان معتمين أخبر صاحبك أي النبي الكريم أن الله كفاه القوم.
 قال حذيفة: ثم أتيت النبي عليه الصلاة والسلام ـ بعد انسحاب المشركين ـ فوجدته قائماً يصلي، فأخبرته برحيل القوم وانسحابهم، وأخبرته بما صنعت الريح التي لا تجاوز عسكر المشركين، وأخبرته بالملائكة جند الله وما عملوه في معسكر الأحزاب، تصديقاً للآية الكريمة:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا﴾

 

( سورة الأحزاب)

 الرياح والجنود..

 

﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً (9)﴾

 فحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأثنى على الله بما هو أهل، ثم ضحك حتى بدت ثناياه في سواد الليل. يقول حذيفة: وعاودني البرد، رجعت بردان، الحقيقة يعلقوا على أن النبي الكريم قال له: " لا بأس عليك من بردٍ حتى ترجع إلي " فرجع، وبعدما رجع يرجع البرد، وعاودني البرد فجعلت أقرقص ـ أتكتك، الرعدة، فأومأ إلي النبي عليه الصلاة والسلام بيده، فدنوت منه فسدل علي من فضل شملته ـ غطاني بثوبه ـ فنمت ولم أزل نائماً حتى الصبح، أي قبل طلوع الفجر، فلما أن أصبحت ودخل وقت الصلاة قال لي.........
 العبرة أن نكون كما يريد الله عزَّ وجل حتى نستحق نصره، لا نستحق نصر الله عزَّ وجل إلا إذا كنا كما يريد، فهذه أرسل رياحاً وأرسل جنوداً، الأمر كان عصيب جداً، فكما قال الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾

 

( سورة محمد: من آية " 7 " )

 ولما النبي دعا لسيدنا حذيفة، إذا الله عزَّ وجل كان معك فمن عليك، قال له: اللهم احفظه من أمامه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته . قال له: بردان، قال له: لا برد عليك حتى تعود.
الحقيقة أنه في منهج لله عزَّ وجل إذا طبق قطفنا ثماره في أي زمانٍ، وفي أي مكانٍ، وفي أي عصرٍ، وفي أي مصرٍ، هذا منهج الله، تطبقون منهج الله تقطفون ثماره.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018