أحاديث متفرقة - الدرس : 012 - الخلق الحسن2 - تتمة وصايا النبي لأبي ذر . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث متفرقة - الدرس : 012 - الخلق الحسن2 - تتمة وصايا النبي لأبي ذر .


1990-07-15

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة المؤمنون... نتابع شرح الحديث الشريف الذي بدأناه في الدرس الماضي.
 فعن أبي ذرٍ رضي الله عنه أنه قال:
 ـ قلت: يا رسول الله أوصني.
 ـ قال عليه الصلاة والسلام: أوصيك بتقوى الله فإنها زينٌ لأمرك كله.
 وفي رواية ابن حبان: " فإنها رأس الأمر كله ".
 ـ قلت: يا رسول الله زدني.
 ـ قال: " عليك بتلاوة القرآن، وذكر الله عزَّ وجل فإنه ـ أي تلاوة القرآن ـ ذكرٌ لك في السماء ونورٌ لك في الأرض ".
 ـ قلت: يا رسول الله زدني.
 ـ قال: " عليك بطول الصمت فإنه مطردةٌ للشيطان وعونٌ لك على أمر دينك ".
 ـ قلت: يا رسول الله زدني.
 ـ قال: إياكم وكثرة الضحك فإنه يميت القلب ويذهب بنور الوجه ". إلى هنا وصلنا في الدرس الماضي.
 ـ قلت: يا رسول الله زدني.
 ـ قال عليه الصلاة والسلام: " قل الحق وإن كان مراً ".
 الحقيقة المؤمن الصادق يوضع في أحايين كثيرة في ظروفٍ صعبة، لو أنه قال الباطل، لسلم، لو أنه قال الباطل، لاستراح فيما يبدو له، ولكنه إذا قال الحق يتصوَّر أنه سيعاني مشكلاتٍ كثيرة، ولكن المؤمن مع الحق يدور معه حيثما دار، قلت لكم مرةً: سيدنا عمر كان مع نفر من أصحابه، قال له أحدهم مادحاً: " والله يا أمير المؤمنين ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله ". هذا الكلام !! أين سيدنا الصديق، هذا الصحابي الجليل الذي وصفه النبي عليه الصلاة والسلام فقال:

(( سدوا كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أخي أبي بكر ))

( من الدر المنثور: عن " ابن عباس " )

 هذا الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( ما طلعت شمسٌ على رجلٍ بعد نبيٍ أفضل من أبي بكر ))

 هذا الذي ورد ذكره في القرآن الكريم، هذا الذي تحدث عنه النبي عليه الصلاة والسلام الشيء الكثير..

 

 

(( ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر ))

 

( من مختصر تفسير ابن كثير )

 هذا الذي قال: " والله يا أمير المؤمنين ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله ". أين سيدنا الصديق ؟! سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان يخطب على المنبر كان يقف على أعلى درجة، فلما جاء بعده الصديق وقف على درجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هاله الأمر، فنزل درجة، فقال: " ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام رسول الله " سيدنا عمر قال: " ما كان الله ليراني أن أرى نفسي في مقام أبي بكر " ونزل درجة. إذاً فلما قال هذا الرجل أنه: " والله ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله ". هذا الكلام غير صحيح، سيدنا عمر دقق فيهم جميعاً، إلى أن قال أحدهم:
 ـ لا والله لقد رأينا خيراً منه.
 ـ قال: مَن هو ؟
 ـ قال: أبو بكر.
 ـ فعندها قال سيدنا عمر: كذبتم جميعاً وصدقت.
 خاطب هذا الذي قال الحق، يبدو أن الأول رأى أو توهَّم أن هذه الكلمة ربما ارتاح لها سيدنا عمر، أو ربما أعجبته، حينما قالها ما كان يعرف مَن هو عمر رضي الله عنه، سيدنا عمر أبى إلا الحق، قال: "كنت أضل من بعيري وكان أبا بكرٍ أطيب من ريح المسك " هذا الحق.
 في البيع والشراء، قد يقول لك: انصحني. تفضل قل الحق، إذا قلت الباطل نفِقَت سلعتك، وإذا قلت الحق كسدت، قد تحكَّم بين اثنين ؛ واحدٌ عظيم والثاني غير عظيم، واحدٌ يلوذ بك والآخر لا يلوذ بك، واحدٌ يسعدك أن ترضيه والآخر لا تعلق كبير أهمية على إرضائه، تحكَّم بينهما، بماذا تحكم ؟ قل الحق وإن كان مراً، في التحكيم، في القضاء، في البيع، في الشراء، في العلاقات الاجتماعية، في كل أمر قل الحق وإن كان مراً لأن الله عزَّ وجل هو الحق، فإذا قلت الحق فأنت مع الحق، وإذا قلت الباطل فأنت مع الباطل، والباطل زائل، والذي يربط مصيره بالحق هذا يسعد في الدنيا والآخرة، لأن الحق ثابت، أما الباطل متغير، فلو الإنسان تكلم الباطل.
* * * * *
 بالمناسبة هناك حديثان شريفان، لهما أهميةٌ كبيرةٌ جداً في علاقة الإنسان مع ربه ومع الناس.
 الحديث الأول:

 

(( من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى ))

 لو ابتغيت أمراً بمعصية، والكذب معصية، وأن تقول الباطل معصية، وأن تتوسل إلى هذا الغرض عن طريق مخالفة قناعاتك فهذا معصية " فمن ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى ".
الحديث الآخر:
 " ما ترك عبدٌ شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ".

 

 

( من الجامع الصغير: عن " ابن عمر " )

 لو أن الناس تمثلوا هذين الحديثين الشريفين، واستوعبوا مضمونهما، وطبقوهما في حياتهم اليومية، لسعدوا وأسعدوا.
* * * * *
 ـ فقلت: يا رسول الله زدني.
 ـ قال: " قل الحق وإن كان مراً ".
 فالإنصاف من صفات المؤمن، ينصف الناس، فهو يقول ما له وما عليه، لما الإنسان يغفل ما له ويبرز ما عليه، ما أنصف ظلم، حتى لو كان خصمك يجب أن تقول الحق ولو كان مراً، حتى لو حملك الحق على أن تمدح خصمك، وعلى أن تذم صديقك. ماذا قال سيدنا عمر: " ما ترك الحق لك صاحباً يا عمر " أنت مع الحق.
 والقصة الشهيرة التي جرت في عهد المنصور حيث كان عنده أبو حنيفة النعمان رضي الله عنه، وكان عند المنصور الخليفة العباسي قاضٍ من أعتى القضاة، ومن أشدهم خصومةً لأبي حنيفة النعمان. هذا القاضي أراد أن يحرج أبا حنيفة فقال له:
 ـ يا إمام، إذا أمرني الخليفة بقتل امرئٍ أأقتله أم أتريث فلعله مظلوم ؟
 ـ فقال أبو حنيفة: الخليفة على الحق أم على الباطل ؟ سأله سؤال، صار القاضي محرج جداً، إن قال له: على الباطل قطع رقبته.
 ـ فقال: الخليفة على الحق.
 ـ فقال أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى: كن مع الحق، مادام الخليفة مع الحق كن مع الحق. فلما خرج قال: أراد أن يقيدني فربطته.
 المؤمن كيسٌ فطنٌ حذر، والمؤمن كما قال سيدنا عمر: " لست بالخب ولا الخب يخدعني ". يعني من صفات المؤمن أنه حكيم، وفي عنده فطنة، وفي عنده ذكاء، وفي عنده حرص، وفي عنده يقظة، وفي عنده حسن تصرف.
 ذكرت هذه القصة لقول أبي حنيفة: كن مع الحق ؟ أيام يتشاجر ابنك مع ابن صديقك، يجب أن تكون مع الحق، أما الجاهل مع ابنه على باطل، والنبي عليه الصلاة والسلام عندما قال:

 

 

(( انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً ، قالوا: يا رسول الله ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً ؟ قال: بالأخذ على يده ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن )

 والقصص التي تتحدث عن القضاة المسلمين في عهد ازدهار الإسلام أكثر من أن تحصى، يعني أن أحد القضاة، جاءته هديةٌ في بواكير الرُطَب، وكان معروفاً عند أهل البلدة أنه يحب الرطب كثيراً، طرق بابه وجاءته هديةٌ طبق من الرطب في بواكيره، فسأل الغلام: مَن جاء بهذا الطبق يا بني ؟ فقال له: شخصٌ صفته كيت وكيت. فعلم القاضي أن هذا الذي قدم هذا الطبق إنه أحد الخصوم عنده، فردَّ الطبق، وبعد أيام قدم إلى الخليفة طلباً كي يعفيه من هذا العمل، فلما سأله الخليفة:
ـ لمَ ذلك ؟
ـ قال: والله جاءني طبق رطب من أحد الخصمين ورددته، وفي اليوم التالي تمنَّيت أن يكون الحق مع هذا الذي قدم لي هذا الطبق. تمنيت فشعرت أنني بهذا التمني سقطت من عين الله عزَّ وجل ؟ هكذا الحق..

 

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

 

( سورة المائدة: من آية " 8 " )

 قد تعدل بين طفلين صغيرين إذا كنت معلماً، وقد تعدل بين موظفين اثنين إذا كنت مديراً، وقد تعدل بين زبائنك، وقد تعدل بين زوجتين، وقد تعدل بين أخوين، بين شريكين، العدل من صفات المؤمن، الإنصاف، النبي عليه الصلاة والسلام في أثناء استعراض الأسرى رأى صهره،، وهو مشرك جاء ليقاتل النبي، فقال عليه الصلاة والسلام:
" والله ما ذممناه صهراً ".
 إذاً: " قل الحق وإن كان مراً " وأكثر هذا في البيع والشراء، يعني طلب قطعة تبديل لمركبة، بحاجة ماسَّة لها، وليست متوافرة إلا في هذا المحل، قال لك: هذه القطعة أصلية ؟ لا يا أخي ليست أصلية، قل الحق هذه ليست أصلية، وإن كان مراً، وإذا قال: لكن لا أريدها. خير إن شاء الله، أكثر شيء بالبيع والشراء إذا واحد حكى الباطل قد يظن أن السلعة تروج.
ـ " قل الحق وإن كان مراً ".
ـ قلت: زدني يا رسول الله.
ـ قال: " لا تخف في الله لومة لائم ".
 لأنه من علامات ضعف الشخصية أن تعلق كبير أهميةٍ على كلام الناس، وعلى رأي الناس، لأنه من استطاع أن يرضي الناس كلهم فهو منافق، من سابع المستحيلات أن ترضي الناس كلهم، حتى الأنبياء الأطهار المعصومون هؤلاء لهم خصوم، فهل في البشر مَن هو أكمل من النبي عليه الصلاة والسلام ؟ له أعداء ألِدَّاء، وله خصوم، هناك من بغضه، هناك من حاربه، هناك من مكر به، هناك من سعى لقتله، هناك من أخرجه من مكة، له خصوم، فيعني كن مع الحق، لابد من أن يكون لك خصوم، لأن الناس لا يرضهم الحق بل يرضهم الباطل، وقد قال أحد الشعراء:
إن نصف الناس أعداءٌ لمَن ولي الأحكام هذا إن عدل
* * *
 إذا أنت كنت قاضي مثلاً، توليت القضاء، وحكمت في قضية حكماً عادلاً، فقد يرضى مَن كان الحكم له وقد لا يرضى من كان الحكم عليه، لذلك من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به، فأحد مقومات شخصية المؤمن أن لا يعلق كبير أهميةٍ على رأي الناس فيه، هو الإنسان رحم الله عبداً جبَّ المغيبة عن نفسه، فسمعة الإنسان الطيبة بين الناس رأسمالٍ كبير لاشك، أما حينما يبتغي السمعة على حساب طاعته لله عزَّ وجل، أو على حساب مبادئه، أو قناعاته، لا كانت هذه السمعة، ولا كان هذا الذكاء الاجتماعي، ولا كانت هذه المرونة، دائماً الحقيقة الإنسان بحاجة إلى عملية موازنة دقيقة جداً، يعني أنا أسعى إلى أن يرضى الناس عني، أسعى أن يكون لي سمعةٌ طيبة بين الناس، أسعى إلى أن أجب المغيبة عن نفسي، ولكن لا على حساب مبادئي، وديني، وطاعتي لله عزَّ وجل، فإذا تعارضت سمعتي مع طاعة الله عزَّ وجل، أنا مع طاعة الله ولا أعلق كبير أهميةٍ على سمعتي.
 ولكن الذي يحصل أن الذي يضحي بمكانته إرضاءً لله عزَّ وجل، الشيء العجيب الذي هو خلاف ما يظنه الناس، أو الذي هو خلاف ما يتوهَّمه الناس، أن الله سبحانه وتعالى يرضى عنه ويرضي عنه الناس، هؤلاء الذين أسخطهم وأرضى الله عزَّ وجل. النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " لا تخف في الله لومة لائم ". كن مع الحق ولا تبالي..

 

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)﴾

 

( سورة النمل )

 يعني هذا الإله العظيم الذي أمرك أن تعبده، لاشك أنه ضامن، أما أنك لو توجهت إلى إنسان واستشرته، وأطعته، هذا الإنسان ليس ضامناً، أما ربنا عزَّ وجل ضامن، فحينما قال الله عزَّ وجل:

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ﴾

 

( سورة هود: من آية " 123 " )

 أمرك أن تعبده بعد أن طمأنك بأن الأمر كله عائدٌ إليه..

 

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

 والإله الذي لا يستطيع أن يحمي عبده المؤمن هذا ليس إلهاً..

 

 

﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾

 

( سورة الطور: من آية " 48 " )

﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)﴾

( سورة طه )

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾

( سورة الحج: من آية " 38 " )

 النبي عليه الصلاة والسلام أصيب بمرض قبيل وفاته، فعالجوه بدواءٍ لمرضٍ خطير هو ذات الجَنْب، فقال عليه الصلاة والسلام قولاً لطيفاً جداً، قال:
" ذلك مرضٌ ما كان الله ليصيبني به "
 يعني المؤمن له دالة على الله عزَّ وجل، يشعر أنه أثيرٌ عند الله، يشعر أن الله يحبه، أن الله يعالجه دائماً، ولكن لا يسلمه لخصومه..

 

﴿ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (141)﴾

 

( سورة النساء )

 المؤمن يعالج، ولكن معالجة لطيفة، الله عزَّ وجل لطيف بالمؤمن، يعني يعالجه فيما بينه وبين نفسه، أما في عذاب مهين في الأرض، في عذاب أليم، في عذاب عظيم، في آلام لا تحتمل، هذه المؤمن له ظنٌ بالله حسن، يعني..
" ذلك مرضٌ ما كان الله ليصيبني به "
لابد أن يكون لك شيء من حسن الظن بالله عزَّ وجل، شيء من الدالة على الله، شيء من التوكل، لأن ربنا عزَّ وجل يقول عن سيدنا يونس:

 

﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 

( سورة الأنبياء )

 هذا صار قانون، مادمت مؤمناً بالله عزَّ وجل..

 

﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (88)﴾

 

 فالإنسان يخاف على حياته وعلى رزقه، هذه من أدق التعبيرات، أخشى ما يخشاه الإنسان حياته ورزقه، وينبغي أن يطمئن إلى أن حياته بيد الله ورزقه بيد الله، وكلمة الحق لا تقرِّب أجلاً ولا تقطع رزقاً، هذا الشيء الثابت، يعني قد تقف موقف فيه جُرأة، أو فيه مواجهة إرضاءً لله عزَّ وجل، المراقبون يظنون أنك أهلكت نفسك، هذا الذي يظنه الناس بحسب قواعد استنبطوها خطأً من بعض الحوادث، ولكن الذي يحصل أن هذا الذي جابهته، وابتغيت بهذه المجابهة وجه الله عزَّ وجل، وقلت الحق، وكان الحق مراً، وعرضت نفسك للخطر، هذا الذي جابهته في سبيل الله، لا تدري ماذا يلقي الله في قلبه عندما جابهته، يلقي هيبتك، يلقي الشعور بالتهيُّب، لذلك الإنسان كن مع الله ولا تبالي..
كن مع الله ترى الله معك واترك الكل وحاذر طمعك
وإذا أعطاك من يمنعه ؟ ثم من يعطي إذا ما منعك ؟
* * *
 لا أنسى قول أحد التابعين رضي الله عنهم، حينما كان عند أحد الولاة، التابعين ليزيد بن معاوية، هذا الوالي جاءته رسالة من الخليفة، يبدو أن فيها أمر قد لا يرضي الله عزَّ وجل الوالي وقع في حيرة وصراع، ماذا أفعل علي أن أنفذ هذا الأمر إرضاءً ليزيد، ولكن الله لا يرضى مني إذا فعلت هذا الأمر، فكان عنده هذا التابعي، أظنه الحسن البصري ـ على كلٍ ـ قال له هذا التابعي كلمة تكتب بماء الذهب، ويمكن أن تستخدمها أنت دائماً، يمكن أن تجيَّر لكل مسلم، قال له هذا التابعي: "إن الله يمنعك من يزيد ولكن يزيد لا يمنعك من الله ".
 لو الواحد أراد أن يرضي إنسان في معصية الله، هذا الإنسان مهما علا شأنه لا يمنعك من تأديب الله لك، ولكنه إذا غضب الله عزَّ وجل يمنعه منك، قاعدة دقيقة جداً، لذلك: " لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ". المؤمن رجل ذو مبدأ ومتوكل على الله عزَّ وجل، فأنت ماشي مع خالق الكون ولست ماشي مع إنسان، ما لك ماشي مع جهة وجودها مقلقل، ما لك ماشي مع جماعة على حق أو على باطل، أنت ماشي مع خالق الكون، لذلك:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)﴾

( سورة يونس )

 لا خوفٌ لهم لما هم قادمون عليه، ولا هم يحزنون لما فاتهم..

 

﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (79)﴾

 

( سورة النمل )

 النبي عليه الصلاة والسلام في غار ثور أخذ كل الاحتياطات، وأخذ بكل الأسباب، وغطَّى كل الاحتمالات، وأغلق كل الثغرات، ومع ذلك شاءت حكمة الله عزَّ وجل أن يصل المطاردون إلى باب الغار، سيدنا الصديق ليس نبياً، ارتعدت فرائصه وقال:
ـ لقد رأونا، قال: لو أن أحدهم نظر إلى موطئ قدمنا لرآنا.
ـ قال

((يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))

( من الجامع لأحكام القرآن )

 مرحلة أخرى، وقعت عين أحد المطاردين على عين سيدنا الصديق قال: لقد رأونا.
ـ قال: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى:

 

﴿ وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (198)﴾

 

( سورة الأعراف )

 هذه الثقة، على مشارف الغار، الإسلام ساعة أو نصف ساعة، دقائق وانتهى الإسلام كله، أما النبي عليه الصلاة والسلام واثقٌ من نصر الله عزَّ وجل، وربنا أحياناً يؤخر النصر حتى يتزلزل المؤمنون..

 

﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً (11) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً (12)﴾

 

( سورة الأحزاب )

 ربنا أيام تستقيم استقامة تامة، يوقف دخلك نهائياً، والذي غرقان بالمعاصي يعيش ببحبوحة، وأنت المستقيم شغلك واقف، تعال حل هذه، طبعاً الله لا يريد منتفعين ولكنه يريد محبين، المنتفع يظهر في هذا الموقف، هو يتصور الدين في بحبوحة، وغنى، وإقبال الناس على الشراء من محلك، وتوفيق، وبعد ما استقام استقامة تامة لم يوجد شيء من هذا، الأمور صعبة، هذا امتحان ؛ لئلا تكون الاستقامة تجارةً رابحةً..
من أحــبنا أحببناه ومـن طــلب مـنا أعـطيناه
ومـن اكتـفى بـنا عمـا لــنا كـنا لـه وما لنا
* * *
 فربنا أحياناً مع أن المستقيم له معاملة خاصة، وربنا عزَّ وجل أشار بآيات كثيرة للمستقيم، لكن لما الإنسان يتخذ الاستقامة تجارة رابحة لا حباً بالله ولكن حباً بمكاسبها وثمارها، ربنا قد يمتحنه، قد يضيِّق عليه وهو مستقيم لينظر ماذا يقول في نفسه ؟ ماذا فعلت لله حتى أوقع بي ما أوقع ؟! لذلك الإنسان يجب أن ينزِّه طاعته لله عزَّ وجل عن أي غرض، هذا التنزيه، هذا الإخلاص، يعني:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدلٌ وإن عدلوا
والله وإن فتـتوا في حبهم كبدي باقٍ على حبهم راضٍ بما فعلوا
* * *
 البطولة أن تقول: يا رب لك الحمد. وأنت في بعض حالات الضيق، وأنت في عُسر، وأنت في إخفاق، وأنت في مشكلة، وأنت في ورطة، وأنت أمام شبح مصيبة، وأنت بوضع عسير، أن تقول: يا ربِّ لك الحمد.
 إذاً: " لا تخف في الله لومة لائم ". هذا هو المؤمن، فالمؤمن يظنه الناس أنه صلى وصام، من شاء صام ومن شاء صلى، المؤمن إنسان شخصية فذة، إنسان ذو مبادئ، ذو صحة نفسية، معنوياته عالية كثيراً..

 

﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139)﴾

 

( سورة آل عمران )

 إذا كان الله معك فمَن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ وإذا وجدت الله فماذا فقدت ؟ وإذا فقدت الله فماذا وجدت ؟ أحياناً تكون والدته كثير قاسية، وشاهد أنه في إنسانة معها مظلومة، قد يتملَّق، هذه المظلومة إذا أنت كذلك أجحفت في حقها، سحقتها سحق، أحياناً تكون زوجة شابة ساكنة مع أهل الزوج، في ضغط عليها شديد، إذا انحاز الزوج لأهله، سحقها لزوجته، المؤمن منصف، متعبة جداً، مرهقة بالأعمال، وضغط اجتماعي، ولوم، وتعنيف، وجاء الزوج مساءً ؛ الأم صبت كل غضبها على زوجته، والأب كذلك، وهذه ليس لها أحد غيره، أنت منصف ومؤمن يجب أن تقف إلى جانب المظلوم، كل إنسان له حق.
 أحياناً إذا كان إنسان مظلوم وقفت إلى جانبه بالحق، والله هذا العمل خيرٌ من عبادة سنة ساعة عدل، كما قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( عدل ساعة خيرٌ من عبادة سنة ))

 

( من الجامع لأحكام القرآن )

 ساعة موقف فيه عدل، فهذا الحجر الذي ضج إلى الله بالشكوى فقال:
ـ يا رب عبدك خمسين عاماً ثم تضعني في أس كنيف ؟
 ـ قال له: تأدب يا حجر إذ لم أجعلك في مجلس قاضٍ ظالم. يعني أن تكون في الكنيف أشرف لك ألف مرة من أن تكون في مجلس قاضٍ ظالم.
 وفي إنسان مرة روى حديث عن رسول الله لكن عمل تعديل طفيف ما انتبهت له أنا قال: " أنه في آخر الزمان قاضٍ إلى جهنم وقاضٍ إلى النار " إذا كان القضاة أجحفوا بحق الأطراف المتخاصمة، إذا الإنسان ما رأى الحق وحكم بجهل فهو إلى النار، يأتي على القاضي العدل ساعة يتمنى لو لم يقضي بين اثنين في تمرة، الحديث:

 

(( قاضٍ إلى الجنة وقاضيان إلى النار ))

 

( من مختصر تفسير ابن كثير )

 هذه على كلمة:" لا تخف في الله لومة لائم ". الله مع الحق، كن مع الحق ولا تبالي.
* * * * *
 ـ قلت: يا رسول الله زدني.
 ـ قال: " ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك ".
 الحقيقة هذه اللقطة من الحديث دقيقة جداً، يعني أشد العيوب في الإنسان التناقض، حديث شريف يقوله عليه الصلاة والسلام:

 

(( عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ))

 أحياناً يكون في بيتك زوجة ابنك، يجب أن تعاملها كما تحب أن تعامل ابنتك في بيت أهل زوجها، عندك صانع بالمحل، تحب أن تعامله كما تحب أن يعامل ابنك في محلٍ آخر، هذا مقياس ـ شهد الله ـ من أدق المقاييس، لكن هو حديث شريف، ولكثرة ترداده الناس يقولونه بلا وعي، أما:

 

 

(( عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ))

 أسباب عفة الشباب أحياناً أنه هو لا يحتمل أن تسمع أخته في الطريق كلمة نابية من شاب، فإذا كان هو لا يرضى لأخته أن تسمع كلمةً من شاب، أيستطيع هو أن يقول كلمةً ؟ هذا الموقف الصحيح، لذلك الناس حينما يتناقضون، حينما يفعلون شيئاً ويحرِّمونه على الناس، وقعوا في تناقض.
 هنا النبي الكريم يقول: ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك. يعني كن منصف، مثلاً: في محلك التجاري في صانع وفي ابنك، إذا ابنك حمل غرض ثقيل تقول له: بابا، إياك أن تحمل من أجل ظهرك، فهذا حرص، ماشي الحال، أما إذا الصانع حمل: احمل كمان أنت شاب، فلماذا هذا شاب وهذا من أجل ظهرك يا ابني ؟! هذا تناقض بعينه، إذا كان زوج ابنتها جاء بآلة كهربائية لابنتها تقول: الله يرضى عليه، الله يوفقه فلان، كلام طيب أثنت عليه، أما إذا ابنها جاء لزوجته بالآلة نفسها، هي لا تريد هذه الآلة هذه الغسالة، أنت تطمعها وتدللها، هذا موقف متناقض، فأبشع شيء بالإنسان أن يقف موقفين متناقضين، الواحد يلاحظ نفسه أحياناً لا ينتبه، تجده ينحاز لابنه، ينحاز لابنته، ينحاز لأقرباؤه، ينحاز لجماعته وهو لا يدري، ويتهم الآخرين بالنقص، والنقص فيه، فهذا عيب بالإنسان كبير.
 اللهم صلِ عليه قال: ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك. يعني أن ترى الشوكة في عين أخيك ولا ترى الجذع في عينك !! تحاسب أخوك على غلطة بسيطة، ولا تحاسب نفسك على غلطة كبيرة !! تفتي للناس بالأشياء الصعبة ولنفسك الأشياء السهلة !! هذا الموقف المعتدل أن تقيس الناس، وأن تقيس نفسك بمقياسٍ واحد، ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك.
 ودائماً الإنسان لا ينصح إلا إذا مطبق، وإلا كلامه ليس له معنى، والقصة التي تعرفونها عن هذا العبد الذي سأل شيخ سيده على أن يعتقه، أول مرة، ثاني مرة، شهر، شهران، سنة، إلى أن أعطى الشيخ توجيه للسيد بإعتاق عبده، فالعبد في بباله سؤال:
ـ أنه لمَ هذا التأخر ما دامت القضية تحل بكلمة ؟
ـ قال له: يا بني لقد أرهقتني، أنا وفرت مصروفي حتى جمعت مبلغ أعتقت به عبد، فلما أمرت سيدك أن يعتقك استجاب لي.
 يعني أنت ادفع زكاة مالك واحكي عن الزكاة يا عيني، لك كلامٌ كالسحر، غض بصرك تماماً واحكي على غض البصر، تؤثر في الناس، كن مع الحق دائماً ووجه الناس لهذا التوجيه، كلامك مؤثر، أما الناس أذكياء جداً، من ظن أن الناس أغبياء هو الغبي لحاله، الناس متبصرون، الأمور كلها واضحة مكشوفة، فإذا وجهت الناس توجيه أنت مقصر فيه صار في تناقض. ليحجزك عن الناس ما تعلم من نفسك، لا تراعِ نفسك وتشدد على الناس، إذا تساهلت معها تساهل معهم، شددت معها، شد عليهم.
* * * * *
ـ قلت: يا رسول الله زدني. هذا سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه طموح جداً. قلت: زدني.
ـ قال عليه الصلاة والسلام: " عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي ".
 يعني الجهاد فيه جُهد، والتكليف فيه كُلفة، ومن طلب العلى سهر الليالي، ألا إن سلعة الله غالية، طلب الجنة من دون عملٍ ذنبٌ من الذنوب، يعني أن تظن جنة عرضها السماوات والأرض إلى الأبد، تأتي بركعتين وليرتين ؟! هذه هي الشغلة ؟ هذا كلام فيه سخف..

 

 

﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142)﴾

 

( سورة آل عمران )

 والله في امتحانات يومية، امتحانات صعبة جداً، أنت طالب طلب كبير، وهذا الطلب الكبير يحتاج لجهد كبير، يحتاج لمؤاثرة..

 

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40)﴾

 

( سورة النازعات )

 الحقيقة الإنسان لا يتمكن يجاهد الجهاد الأصغر إلا إذا جاهد الجهاد الأكبر ؛ جهاد النفس والهوى، والنبي هكذا قال في بعض ما روي عنه:

 

(( رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ))

 

( من أحاديث الإحياء: عن " جابر " )

 فغض البصر من الجهاد، وضبط اللسان من الجهاد، الغيبة محببة، مجلس الحديث عن الناس ممتع، لذلك ضبط اللسان من الجهاد، ضبط العين من الجهاد، ضبط الأذن ألا تسمع شيء لا يرضي الله من الجهاد، أن تكون مع الحق هذا من الجهاد.
 إذاً: عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي. والحقيقة الإمام الغزالي له كلمة: " جاهد تشاهد " يعني العلم في علم بالله، وعلم بخلق الله، وعلم بأمر الله، العلم بالله ثمنه الجهاد، أن تعرف الله عزَّ وجل، أن تعرفه حق المعرفة، أما أن تعرف أمره هذا شيء يحتاج لمدارسة، أن تعرف خلق الله عزَّ وجل يحتاج لجامعات، تحتاج لفيزياء، كيمياء، رياضيات، تاريخ، جغرافيا، هذه فروع في الجامعة فيها علم بخلق الله، وإذا أردت أن تعرف أمر الله عزَّ وجل أيضاً هذه معلومات دقيقة لها كتب، ولها أساتذة، أما إذا أردت أن تعرف الله عزَّ وجل هذه المعرفة ثمنها المشاهدة، جاهد تشاهد.
 الله عزَّ وجل لا يتجلى على قلبك، لا يمنحك شيئاً من أنواره وأنت في البحبوحة، وأنت في الرخاء، وأنت في الرخص، وأنت في الأشياء اللطيفة في الدنيا، تؤتي نفسك هواها والله سبحانه وتعالى تتمنى أن يكون لك كما تريد ؟! إذاً: " عليك بالجهاد فإنه رهبانية أمتي ".
* * * * *
ـ قلت: يا رسول الله زدني.
ـ قال: أحب المساكين وجالسهم ".
 النبي عليه الصلاة والسلام ماشي في الطريق فاستوقفته امرأةٌ ضعيفة، توقف معها طويلاً تكلمه في حاجتها، دخل عليك رجل أصابته رعدة، فقال له:

 

(( هون عليك إنما أنا من امرأةٍ من قريش كانت تأكل القديد في هذه البطحاء ))

 

( من الدر المنثور: عن " جرير " )

الدعاء الشريف:

(( واحشرنا مع المساكين))

 المسكين الإنسان لما ينظر لنفسه أنه من طبقة أعلى من الناس، وقع في غلط كبير، هذا الكبر أساساً، النبي كان متواضع، كانت الجارية ـ الطفلة الصغيرة ـ تقوده من يده إلى حيث شاءت، يعني أحب المساكين وجالسهم، يمكن المسكين إذا جلست معه، فهذا الشيء يمنحه معنويات عالية كثير، أما إذا جلست مع واحد أعلى، متكبر، يزعجك، ماذا قال النبي الكريم ؟ قال:

 

(( لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له ))

 إذا كان شخص مترف، من دخل على الأغنياء ـ طبعاً غير المؤمنين ـ خرج من عندهم وهو على الله ساخط، قال:

 

 

(( يا عائشة إذا أردت اللحوق بي فليكفكِ من الدنيا كزاد الراكب ولا تستخلقي ثوباً حتى ترقعيه وإياك والدخول على الأغنياء))

 

( من الدر المنثور: عن " السيدة عائشة " )

 لأن الغني غير المؤمن لا يعرف الله عزَّ وجل، متكبر، مستعلي، ينظر للناس على أنهم دونه، أما الغني المؤمن تشتهي الغنى منه، لتواضعه ولسخائه.
 أحب المساكين وجالسهم. فإذا صاحبت إنسان لا يرى لك من الفضل مثلما ترى له شيء متعب، أنت تتقرب وهو يتباعد، أما إذا صاحبت إنسان يرى لك فضلاً، فأنت تغذي له مشاعره، وتعطيه دفع نفسي كبير، وترقى عند الله عزَّ وجل.
* * * * *
ـ قلت: يا رسول الله زدني.
ـ قال

((انظر إلى من هو تحتك ولا تنظر إلى من هو فوقك، فإنه أجدر ألا تحتقر نعمة الله عليك ))

 الآن إذا الإنسان صاحب طبقة أعلى من طبقته يتعب كثير، وإذا تزوج امرأة أعلى منه يتعيب كثير في المصاحبة وفي الزواج، إذا تزوج امرأة من مستواه أو دونه بقليل يسعد بها وتسعد به، أما إذا أخذها أعلى منه بكثير، كل حياته شقاء، هي بمستوى وهو بمستوى دائماً في ازدراء، لذلك الفقهاء قالوا بموضوع الكفاءة، الكفاءة تناسب الزوجين.
 لا تنظر إلى من هو فوقك. الحقيقة هذا الموضوع دقيق، أنت في عندك موضوعين، في أمر الآخرة عليك أن تنظر إلى من هو فوقك، لو نظرت بالآخرة لمن هو دونك رأيت المجرمين، والزناة، معنى هذا أنت ولي كامل مكمل، لا شربت خمر، ولا زنيت، ولا سرقت، ترى نفسك ما في أحسن منك، تبرك، ما بقي فيك حركة أبداً، في أمر الآخرة يجب أن تنظر إلى مَن هو فوقك، اجعل النبي عليه الصلاة والسلام قدوةً لك، اجعل أصحاب النبي في جهادهم، وعبادتهم، وتهجدهم، وإخلاصهم، وبذلهم، وتضحياتهم، اجعل كبار المؤمنين قدوةً لك في أمر الآخرة، أما في أمر الدنيا فانظر إلى أمر من هو أدنى منك، أنت عندك بيت مائة متر وغيرك عنده غرفة يسكن فيها هو وأولاده، أنت عندك زوجة وغيرك ما عنده زوجة، أنت عندك ولدان غيرك ما عنده أولاد، أنت لك دخل غيرك قاعد بدون شغل، يعني بكل موضوع في من هو أدنى منك، فإذا نظرت إلى من هو أدنى منك ترى نعمة الله عليك، تحب الله عزَّ وجل، والمؤمن دائماً من صفاته أنه يحدِّث نفسه بنعم الله.

(( أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا آل بيتي لحبي ))

( من الجامع الصغير: عن " ابن عباس " )

 فكلما الإنسان ذكر صحته، رأى إنسان مبتلى فيما بينه وبين نفسه قال: الحمد لله الذي عافيتني مما ابتليت به كثيراً من خلقك. رأى إنسان ماشي كفيف البصر، إنسان ماشي على عكاز، إنسان ملقى في الطريق يتسوَّل، فهل أنت أذكى منه ؟ قد يكون هو أذكى منك، لكن شاءت حكمة الله أن تكون أنت في هذا المكان. مرة شخص قال عن المؤمن: أنك تنكة معبأة ذهب، فإذا أنت ظنيت نفسك ذهب أنت غلطان، لأنك تنكة لكن معبأة ذهب، وإذا ظن الإنسان حالة ذهب، وهذا الذهب أفرغوه من التنكة فرجع تنكة. هذا التواضع ليس موضوع تواضع بل هو موضوع حقيقة، كنت لا شيء فأصبحت به خير شيءٍ، استيقظ وراقب صباحك، ما دمت ترى فضل الله عزَّ وجل فأنت شاكر، فإذا عزوت النعم إلى ذاتك فهذا هو البعد عن الله عزَّ وجل.

(( ولا تنظر إلى من هو فوقك فإنه أجدر أن لا تزدري نعمة الله عندك ))

* * * * *
 ـ قلت: يا رسول الله زدني.
ـ قال

((كفى بك عيباً أن تعرف من الناس ما تجهله من نفسك))

 أكبر عيب أن تكشف للناس عيوبهم، وأن تنسى عيوبك، وهذا أكبر عيب في الإنسان، التناقض أيضاً.
هذا الحديث انتهى
* * * *
 ومن شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، هذا الموضوع الذي نحن في أمس الحاجة إليه
 من شمائله صلى الله عليه وسلم مشاورته لأصحابه، هو نبي، رسول، معصوم، يوحى إليه، ومع ذلك الله سبحانه وتعالى قال له:

 

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 159 " )

 إذاً المؤمن يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام ويشاور في كل أموره " من استشار الرجال استعار عقولهم ".
 أول شيء بالمشاورة قال: إن بالمشاورة تطيباً في نفوس أصحابه. فإذا واحد أمر ابنه بأمر، وأخذ رأيه: أن هذا العمل مفيد ؟ قال له: بابا مفيد. إذا سنفعله، صار الطفل يفعل هذا العمل بمحض اختياره، بقناعته، برضاه، هذا أعون، فالقائد الناجح دائماً إذا أحب أن يصدر أمر يأخذ رأي من هم دونه في هذا الأمر، فإذا وافقوا على ذلك، ونفذوا الأمر، كان هذا التنفيذ بناءً على رغبتهم، وعلى قناعتهم، هذا أعون في التنفيذ، فلذلك مدير مدرسة مثلاً مدير مستشفى، قائد قطعة مثلاً، إذا أراد أن يعلل الأمر لمرءوسيه، ويستمزج رأيهم في ذلك، فإنه أعون على تنفيذ هذا الأمر، ربنا عزَّ وجل خالق الكون أمره نافذ، أمره لا يحتاج لمناقشة ومع ذلك قال:

 

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾

 انتهى الأمر. ولكن لماذا قال:

 

 

﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾

 

( سورة التوبة: من آية " 103 " )

 لماذا قال:

 

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

 

( سورة العنكبوت: من آية " 45 " )

 فربنا عزَّ وجل حينما يأمر يعلل، والتعليل رحمةً بالخلق. المشاورة بالنسبة لإنسان يقود بمجموعة، إذا شاورهم واستمزج آراءهم، وفهم وجهة نظرهم، فكانت هذه الوجهة مطابقةً لوجهته، فإذا أمرهم الآن هذا الأمر صار متبنى من قبل هؤلاء، أقوم، وأعون، وأجدى، هذا بند.
 قال: الاستظهار برأيهم. بمعنى أن رأيهم الموافق لرأيه صلى الله عليه وسلم يزداد به النبي قوةً، فقال عليه الصلاة والسلام يخاطب أبا بكرٍ وعمر:

 

(( لو اجتمعتما في مشورةٍ ما خالفتكما ))

 

( من الدر المنثور: عن " عبد الرحمن بن غنم " )

 لو اجتمعتما ـ يا أبا بكر ويا عمر ـ في مشورةٍ ما خالفتكما، هذا منتهى التواضع.
 والحقيقة البليغة أن هذا الأمر الموجَّه من الله عزَّ وجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام، هو ليكون سنةً. ألم أقل من قبل أن النبي عندما صلى الظهر ركعتان وقال بعض أصحابه:
 ـ يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة ؟
 ـ فقال عليه الصلاة والسلام: كل هذا لم يكن.
ـ قال بعضهم: بعضه قد كان.
 فالنبي طلب التواتر فسأل أصحابه الآخرين فقالوا: ركعتين، فقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( إنما نسيت كي أسن ))

 هو النبي قدوة، الأمر مستمر، فإذا النبي الكريم على علو قدره، وعلى رفعة شأنه، وعلى أنه المخلوق الأول، والمعصوم، وعلى أنه الذي يوحى إليه، أُمر أن يشاور أصحابه فأنت أيها المؤمن من باب أولى أن تشاور، أنت لست معصوماً، ولا يوحى إليك، ومركَّب من غلط، فأنت من باب أولى، إذا كان النبي وهو ما هو عليه من الرفعة والعظمة والعصمة مأمورٌ أن يشاور، فمَن أنت ؟ هذه النقطة الثالثة.
يعني حينما أمر الله نبيه أن يشاور، أراد أن يكون قدوةً حسنة لأتباعه من بعد، كي لا يتأثروا في نفوسهم.
 والنبي صلى الله عليه وسلم أنه لما نزل قوله تعالى:

 

 

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾

 

( سورة آل عمران: من آية " 159 " )

 قال عليه الصلاة والسلام:

 

(( أما إن الله ورسوله لغنيان عنهما، ولكن جعلها الله تعالى رحمةً لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشداً، ومن تركها لم يعدم غياً ))

 

( من الدر المنثور: عن " ابن عباس " )

 من ترك المشاورة وقع في الغي والظلال، ومن استشار أصاب الرشد والهدى، هذا حديث عن رسول الله .
 شيءٌ آخر: الإمام الشافعي روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: " ما رأيت أحداً أكثر مشاورةً لأصحابه من النبي صلى الله عليه وسلم ". وهو في قمة المجتمع ما رأيت أحداً أكثر مشاورةً لأصحابه من النبي، موضوع الشورى الله عزَّ وجل وصف المؤمنين بأن أمرهم..

 

﴿ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾

 

( سورة الشورى: من آية " 38 " )

 هذا وصف ثابت لهم، وأمر النبي بالشورى ؟ إذاً الاستشارة لأهل الخبرة، لأهل الصلاح لأهل العلم في كل شؤون حياتك، هذا يضفي عليك توفيقاً وسعادةً، بل إنك تستعير عقل إنسان كبير بسؤال، أنت خذ منهم آراءهم، وفكر فيما تشاء.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018