الدرس : 2 - سورة الرحمن - تفسير الآيات1-8 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 2 - سورة الرحمن - تفسير الآيات1-8


1995-12-15

 الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الأخوة الكرام: مع الدرس الثاني من سورة الرحمن.

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

 سورة الرحمن حديث عن نعم الله العظمى:

 ذكرت في الدرس الماضي أن الله سبحانه وتعالى أسماؤه حُسنى وصفاتُه فُضلى، والرحمن اسمٌ جامعٌ لمعظم أسماء الله تعالى، فهذا الكون خُلِقَ من أجل الرحمة، وخلق الله الإنسان ليرحمه، وخلقه لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، وإذا بدا للإنسان شيءٌ في توهُّمه خلاف الرحمة فهو في الحقيقة رحمةٌ باطلة، لأن الله سبحانه وتعالى كلُّ أفعاله تنطلق من حرصه على سلامة الإنسان وعلى سعادته..

﴿ الرَّحْمَنُ﴾

 لأن هذه السورة في كل آياتها وتفاصيلها حديثٌ عن نعم الله العُظمى، فالرحمن مصدر كل خير ومصدر كل رحمة، وما من رحمةٍ في الأرض إلا مشتقةٌ من الله عزّ وجل، ولعل من أعظم هذه الرَحَمات هذا الكتاب الكريم الذي بين أيدينا.

 نعمة الهداية من أعظم النعم التي وهبها الله للإنسان:

 هذا الكتاب الكريم سبب سعادة الدنيا والآخرة، أما النعم المادية من طعامٍ وشراب هذه نعمٌ تنتهي عند الموت، أما هذا الكتاب إذا قرأناه وفهمنا مضمونه واتبعنا أحكامه فهو سبب سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، فالنعمة التي تنقضي عند الموت نعمة، لكنها إذا قيست بنعمةٍ تبدأ بعد الموت وإلى أبد الآبدين فهذه النعمة العُظمى، لذلك تُعَدُّ نعمة الهداية أعظم النعم على الإطلاق، فأن نأكل، وأن نشرب، أن نتنفَّس، وأن ننام، وأن نتزوَّج، وأن ننجب الأولاد، وأن نستمتع بمباهج الدنيا هذه كلها نعمٌ ولا شك، ولكن هذه النعم تنتهي عند الموت تنقطع انقطاعاً حاداً، بينما إذا عرف الإنسان ربَّه من خلال هذا القرآن الكريم الذي هو وحي السماء إلى الأرض، الذي في هذا القرآن الكريم نواميس ربنا عزّ وجل (قوانينه) فحينما تقرأ كتاب الله عزّ وجل ينوَّر قلبك ويبصر عقلك، فلذلك ربنا عزّ وجل بدأ هذه السورة باسمه الرحمن.

 أولى عطاءات الله للإنسان:

 1 ـ القرآن الكريم:

 من أولى عطاءاته التي هي سبب أساس رحمته هذا القرآن الكريم.

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾

 معنى علَّمه أي أنزله بلسانٍ عربيٍّ مبين، معنى علَّمه أي يَسَّرَ ذكره، معنى عَلَّمه أي ألقى في روع رجالٍ كثيرين عَبْرَ العصور أن يقفوا على دراسته، وتلاوته، وتفسيره، وحفظه، والعناية به، فعلَّمه أي يَسَّره للتعليم، علَّمه أي بينه وجعله قطعي الثبوت، فالإنسان إذا قرأ القرآن يطمئن، هذا الذي أُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم هو نفسه الذي بين أيدينا لأن الله جلَّ جلاله تولَّى في عليائه حفظ هذا القرآن، فأنت مطمئن لكنك مع أي كتابٍ آخر لست مطمئناً، لست متأكداً ما إذا كان هذا النَصُّ هو الأصلي أم أصابه تحريفٌ وتبديل، إن هذا القرآن الكريم قطعي الثبوت وقد نُقِلَ إلينا بالتواتر عن الجمع الغفير إلى الجمع الغفير إلى أيامنا هذه.

 عَلَّمَ الْقُرْآَنَ آية لها معاني عدة:

 1 ـ إنزاله بلسان عربي مبين:

﴿ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾

 2 ـ حفظه من أي تحريف:

 حفِظه.

﴿ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾

 3 ـ تيسير ذكره:
 يسره.

﴿ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾

 4 ـ جعل تعلمه و تعليمه من أعلى المراتب:

 أثاب عليه.

﴿ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾

 أي جعل تعلُّمَه وتعليمه من أعلى المراتب البشرية لقول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))

 

( من صحيح البخاري: عن " عثمان " )

 علَّم القرآن، لذلك هذا الكتاب هو الكتاب المقرر فيه نبأ من قبلنا وخبر من بعدنا، فيه الحلال، فيه الحرام، فيه الخير، فيه نهيٌّ عن طريق الشر، فيه نبأ الأقوام السابقين، فيه مستقبل البشرية، فيه الماضي السحيق، فيه المستقبل البعيد، فيه وصفٌ للجنة والنار.

 

القرآن سر نجاح الإنسان في حياته :

 

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾

 القرآن كتابنا المُقَرر وهو غنىً لا فقر بعده ولا غنىً دونه، القرآن ربيع القلوب، القرآن منهج الحياة،

القرآن سِرُّ نجاح الإنسان في حياته لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

(سورة الإسراء: آية " 9 ")

 في أي مجالٍ طبَّقته يهديك للتي هي أقوم، طبِّقه على زواجك ينجح زواجك، طبِّق أحكامه على تجارتك تنجح تجارتك، طبِّق أحكامه على علاقاتك تنجح علاقاتك.

 

﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

 

 القرآن الكريم قانون الله في الأرض:

 إن هذا القرآن إن قرأته وتدبَّرته وعملت به لا يضل عقلك ولا تشقى نفسك، عقلك يستنير ونفسك تسعد.

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾

 هو أجلُّ نعمةٌ على الإطلاق، الله سبحانه وتعالى من أسمائه العُظمى اسم الله الأعظم هو الرحمن ومن أَجَلِّ نعمه التي هي إحدى ثمرات رحمته هذا القرآن، أي أن الله عزّ وجل خلق ونوَّر، خلق وأرشد، خلق وبيَّن، وحي السماء إلى الأرض، ناموس الله عزّ وجل، قوانينه في هذا الكتاب:

﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾

( سورة البقرة )

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾

(سورة طه )

 القرآن الكريم سر سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾

 أي علَّمه، يسَّره، بيَّنه، وضَّحه، أثاب عليه، رد الفعل أقبِل عليه، أقبِل عليه تلاوةً، أقبِل عليه حفظاً، أقبِل عليه فهماً، أقبِل عليه تطبيقاً، حينما قال الله عزّ وجل، وصف المؤمنين بأنَّهم:

﴿ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾

(سورة البقرة: آية " 121 " )

 أي يتلونه وَفْقَ أحكامه الصحيحة، ويفهمون معانيه، ويعملون بأحكامه، وحينما تُطَبِّقُ هذا القرآن تسعد به وهو سر نجاح الإنسان وسعادته في الدنيا والآخرة.

 2 ـ نعمة الوجود:

﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾

(سورة الرحمن: آية " 3 " )

 أي نحن بعقولنا ربما نوازن بين شيءٍ وشيء، بين بيتٍ وبيت، بين عملٍ وعمل، تجارةٍ وتجارة، صديقٍ وصديق، لكن عقولنا ليست مؤهلةً للموازنة بين الوجود والعدم، فالله سبحانه وتعالى امتنَّ علينا بنعمة الوجود، نحن جميعاً موجودون، والدليل: أنه في وقتٍ مضى لم نكن شيئاً مذكوراً إطلاقاً.

 

﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾

 

(سورة الإنسان)

 فهذه النعمة (نعمة الوجود) خلَقَ الإنسان، امتن عليك بنعمة الوجود، خلق الإنسان وسخَّر له الكون، منحه نعمة العقل، أعطاه فطرةً سليمة، أنزل على أنبيائه الشرائع، أنزل على نبيِّه الكريم هذا القرآن الكريم، أعطاه حرية الاختيار، أودع فيه الشهوات، الإنسان موجود.

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾

(سورة الأحزاب )

 وجود الإنسان لا معنى له بدون منهج يسير عليه:

 أنت تتمتع بنعمة الوجود، أنت موجود، وهذه النعمة (نعمة الوجود) فرصةٌ كي تُثَمِّر هذا الوجود، أنت موجود، الله عزّ وجل شاء لك أن توجَد، شاء لك أن تكون على وجه الأرض، ماذا ينبغي أن تعمل ؟ أن تحقق وجودك وفق الهدف الذي خُلِقت من أجله، أنت موجود، هناك إنسان وجوده تافه ؛ يعيش ليأكل، يعيش لينغمس في الملذَّات المحرّمة، يعيش على هامش الحياة، يعيش لا يعبأ به أحد ولا يلفت نظر أحد، إيَّاك أيها الإنسان الكريم أن يكون وجودك تافهاً، أنت موجود، امتن الله عليك بنعمة الوجود، أعطاك هذا الوجود، حقق هذا الوجود، فكر لماذا أنت موجود ؟ ولماذا امتنَّ الله عليك بنعمة الوجود ؟ ولماذا منحك نعمة العقل ونعمة السمع والبصر والفؤاد ؟ لماذا منحك هذا الكون ؟

﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾

 ولا تنسوا أنني ذكرت في الدرس الماضي أن تعليم القرآن قُدِّم في هذه الآية على خلق الإنسان لبيان أن وجود الإنسان لا معنى له من دون منهجٍ يسير عليه، إن هذا المنهج مقدمٌ على وجودك، أما إذا كنت موجوداً وفهمت هذا المنهج فقد كمَّلت وجودك، فأنت بالقرآن تكمِّل وجودك، بلا قرآن وجودك وجود بهيمي حيواني، دقق في حيوان ؛ يتحرك، يأكل، يشرب، ينام، يتناكح، يتناسل، يعمل، حياة الإنسان ؛ طعام وشراب، نوم وعمل، تكاثر، فهذه حياة بهيمية، ما الذي يعطيك وجودك الإنساني ؟ القرآن.

 لا يتحقق كمال وجود الإنسان إلا بالتعرف إلى الله:

﴿ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾

 أنت إنسان، أنت أرقى من كل حيوان، أنت سَيِّد المخلوقات، أنت المخلوق الأول..

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾

(سورة الأحزاب )

 أنت المخلوق الأول، سيدنا رسول الله وجِدَ وتوفَّاه الله عزّ وجل ولكن آثره (دقق في آثره) مِليار ومئتي مسلم، اذهب إلى المدينة المنوَّرة وقِفْ أمام قبره الشريف، انظر هذه الملايين كيف تقف أمامه تبكي، هذا وجود، النبي وجِد لكن كمَّل وجوده حينما تعرَّف إلى ربه ونشر الحق.

 أنواع الوجود:

 إخوانا الكرام: هناك وجود، كل واحد منَّا موجود، لكن هناك وجود هامشي، هناك وجود تافه، يوجد وجود شرير، يوجد وجود مخيف، فأحياناً يكون الأب بخيل جداً، أحياناً يكون شريك شحيح فيتمنى شريكه موته، فيوجد وجود شرير، ويوجد وجود تافه، يوجد وجود هامشي، لكن هناك وجود صارخ، فإيَّاك أن تكون موجوداً وجوداً هامشياً، وجوداً تافهاً، وجوداً سَلْبياً، وجوداً منسحباً، لا.

﴿ خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾

 نعم الله على الإنسان:

 العقل ـ الفطرة ـ الاختيار ـ الشهوة ـ القوة:

 أنت مخلوق وأنعم الله عليك بنعمٍ عظمى أولها نعمة العقل نعمة الفطرة، نعمة الاختيار، نعمة الشهوة بها ترقى إلى الله، نعمة القوة منحك قوة تحقق بها اختيارك. فهناك وجود بهيمي وهناك وجود إنساني، أنت بالقرآن موجودٌ إنساناً ومن دون قرآن كريم موجودٌ بهيمةً، لذلك:

﴿ الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآَنَ (2) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾

 الآن من أجل تفاعلك مع هذا القرآن، من أجل أن تقرأه، من أجل أن تفهمه، من أجل أن تُقْرِأَهُ، من أجل أن تكتب تفسيره، من أجل أن تقرأ تفسيره، من أجل أن تسعد به، علَّمك البيان.

 3 ـ نعمة البيان:

 الأصل أن الله منحك نعمة الوجود، ثانياً: تفضَّل عليك بأجلّ نعمةٍ وهي القرآن، أعطاك وسيلة فهمه، وسيلة تعليمه، وسيلة نشره، وسيلة الاستفادة منه وهي:

﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

 فالإنسان أحياناً النعم التي يألفُها قد لا ينتبه إليها، هذه نعمة البيان من أعظم النِعَم على الإنسان لكن لأنه يتكلم، ويفهم، ويسأل، ويجيب، ويعبِّر عن حاجته وعن مشاعره، وقد يحضر مجلس علم، يحضر خطبة ويفهم الخطيب ماذا تكلَّم، قد يقرأ كتاباً في الفقه، في التفسير، في الحديث، هذه النعمة العظمى (نعمة البيان) نعمةٌ لا تُقَدَّر بثمن، لذلك هذه السورة المباركة بدأت باسم الله الأعظم:

﴿ الرَّحْمَنُ﴾

 ثمَّ بأجلِّ نعمةٍ على الإطلاق:

﴿ عَلَّمَ الْقُرْآَنَ﴾

 ثمَّ بنعمة الوجود، ثمَّ بنعمة الواسِطَة التي بها تتعرف إلى القرآن وتنشر القرآن (نعمة البيان).

 على الإنسان أن يستخدم نعمة البيان لما خلقت له:

 الإنسان كما قلت قبل قليل: لا ينبغي أن يكون وجوده تافهاً، وجوده ثانوياً، وجوده هامشياً، كذلك لا ينبغي أن يكون هذا البيان الذي أعطاه إياه بياناً مسخَّراً لتوافه الأمور:

((إن الله يحب معالي الأمور، ويكوه سفسافها و دنيها ))

(الجامع الصغير )

 إن الله يحبّك أن تستخدم البيان لمعرفة الواحد الديَّان، يحبك أن تستخدم البيان لفهم قرآنه الكريم، يحب أن تستخدم البيان لنشر تعاليمه نبيِّه صلى الله عليه وسلم، يحب أن تُلقي السمع إلى مجالس العلم، يحب أن تنطق بالحق، أن تذكر الله عزّ وجل، فهذه نعمة البيان أجلُّ نعمةٍ على الإطلاق أيضاً لا ينبغي أن تسخر لغير ما خُلِقت له، لذلك كما أن الوجود قد يكون تافهاً كذلك البيان قد يكون تافهاً.

 

((إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))

 

( مسند أحمد عن أبي هريرة )

 الكلمة الطيبة يعم خيرها البلاد والعباد:

 كما أن اللسان به ترقى الأمم، الأنبياء بماذا جاءوا ؟ جاءوا بالكلمة فقط، الأنبياء العظام هل جاءوا بأسلحةٍ فتَّاكة ؟ هل جاءوا بأجهزة متطورة جداً ؟ لا. جاءوا بكلمة، لذلك قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾

( سورة إبراهيم )

 فالكلمة إما أن تكون طيبة تنتشر في الآفاق ويعمُّ خيرها البلاد والعباد، وأما أن تكون كلمةً خبيثةً ضالةً مضلَّةً تنتشر فتفْسد، وتنتشر فتُشكك في القيم الثابتة، الكلمة الطيبة تنتشر والكلمة الخبيثة تنتشر.
 فلذلك: طوبى لمن سخَّر هذا البيان لمعرفة الله وتعريف عباده به، والويل لمن سخَّر هذا البيان لإفساد أخلاق الناس، أليس هناك كُتَّاب قصةٍ يكتبون القصص ليثيروا الشهوات ؟ ليحركوا الجزء الأسفل من الإنسان ؟ أليس هناك كُتَّابٌ كبار أيقظوا المشاعر النبيلة والأفكار السامية ؟

 4 ـ الكون:

 الآن: من النعم العُظمى القرآن من أجل هذه النعم، ووجود الإنسان هو النعمة الأولى بالنسبة للإنسان، والبيان به تتعرف إلى القرآن، قال: إن هناك نعمةٌ (نعمة الكون) هذا الكون المسخَّر للإنسان.

 الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ:آية لها معاني عدة:

 1 ـ حساب الوقت:

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾

(سورة الرحمن )

 تصوَّر ليس هناك شمسٌ ولا قمر، ولا أرضٌ تدور حول نفسها في اليوم دورة، ولا حول الشمس في السنة دورة، وليس هناك أبراجٌ نتعرَّفها أثناء انتقال الأرض من مكانٍ إلى مكان، وليس هناك قمرٌ نُحْصي به الأيام والشهور، فكيف نحسب أعمارنا ؟ كيف نحسب الوقت ؟ قال بعض علماء التفسير:

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾

 كيف نعرف أن الوقت ضُحى ؟ الوقت الظهر، العصر، المغرب غابت الشمس، العشاء، عن طريق حركة الأرض حول الشمس.

 2 ـ معرفة الفصول:

 نحن الآن في فصل الشتاء أو قادمون على فصل الشتاء، نحن في الخريف، في الربيع، في الصيف، فكيف نعرف الفصول ؟ لولا حركة الأرض حول الشمس، ولولا ميل المحور، ولولا القمر الذي يدور حول الأرض، يبدأ هلالاً إلى أن يصبح بدراً، قال:

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾

 هذا المعنى الثاني.

 3 ـ حساب كل شيء من خلال القمر و الشمس:

 المعنى الثالث: أنَّك من خلال الشمس والقمر تحسب كل شيء، يقول لك: القرن العشرين، القرن التاسع عشر، القرن الثامن عشر، يقول لك ألف وتسعمئة وخمسة وتسعين، ستة وتسعين، أربعة وتسعين، هذه السنوات، الشهور، الأسابيع، الأيام، الساعات كيف نحسبها لولا نظام الشمس والقمر ؟

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾

 الشمس والقمروالآرض صنع خبير عليم:

 4 ـ حركة

 وفي معنى آخر ذكرته الدرس الماضي: أن هذه الشمس بحجمها وبلهيبها، وبحرارتها، وبضوئها، وببعدها عن الأرض، وأن هذه الأرض بحجمها، وبشكلها، وبنسبة السطوح المائية فيها، وبنسبة اليابسة فيها، وبدورتها، وسرعتها، وكل خصائصها بحسبانٍ دقيق من صنع عليمٍ قدير، حكيمٍ خبير.

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾

 الشمس والقمر آيتان من آيات الله الدالَّة على عظمته، لكن الشعوب البدائية، الشعوب الجاهلة الشاردة عَبَدَت الشمس من دون الله.

﴿ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾

( سورة فصِّلت )

 الآيات الدالة على وجود الله و عظمته:

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾

 1 ـ الشمس و القمر:

 يمكن أن تكون الشمس والقمر آيتان خالدتان تُشيران إلى وجود الله وإلى عظمته وإلى وحدانيته وإلى كماله، لذلك دقق: هذه الشمس إن أشرقت تستطيع أن تملِّك النظر فيها، من صمَّمها هذا التصميم ؟ إنك لا تستطيع أن تحدِّق في قرص الشمس في رابعة النهار، ومن حدَّق في قرص الشمس في رابعة النهار ربما ضعف بصره وربما أصابه الانبهار، الشمس حينما تكون في قبة السماء فهي بعيدةٌ عن مستوى النظر، لكنك إذا رأيتها تشرق أو تغيب تراها قرصاً برتقاليَّ اللون، من صمَّم هذا التصميم ؟ لو أنها تبقى متألقةً متوهجةً في أثناء الغروب أو عند الشروق إنها تُبهر الأبصار.
 من جعل هذه الأشعة عند الغروب وعند الشروق مائلة ؟ ومعنى أنها مائلة أي أنها تقطع مسافاتٍ طويلة من طبقات الهواء، لذلك هذه الطبقات تخفف من شدة أشعتها فتبدو قرصاً أحمر اللون (برتقالي اللون) أما حينما تكون عمودية في كبد السماء تقلُّ الطبقة الهوائية التي بيننا وبينها عندئذِ يبدو قرصها متوهجاً، من صمَّم هذا التصميم ؟ قالوا: واحد من عشرين مليون جزء من أشعة الشمس يصلنا إلى الأرض، لو أنها أكثر ؟

 2 ـ الأرض:

 الآن وبسبب كثرة المركبات في الأرض، والمعامل، والآلات، بسبب حَرْق النفط في المعامل والسيارات وما إلى ذلك، غاز ثاني أكسيد الكربون ترتفع نسبته في الأرض ومع ارتفاع هذا الغاز تزداد الحرارة، الأرض الآن حرارتها أعلى من معدِّلها بدرجتين، فلو ارتفعت الحرارة أكثر من ذلك، هناك خطر أن تذوب الكُتَل الثلجية في القطبين وإن ذابت ارتفعت البحار سبعين متراً، أي أن أكثر المدن الساحلية تُغمر بمياه البحر، دقة بالغة، هذه الشمس تأتينا الحرارة المناسبة، لو اقتربت الشمس أكثر من ذلك لارتفعت حرارة الأرض خمس درجات لم تبقَ مدينةٌ ساحليةٌ على الإطلاق في العالم كله، بحسبان، الأشعة بحسبان.

 3 ـ طبقة الأوزون:

 من خلق هذه الطبقة (طبقة الأوزون) الآن هي مخلخلة، والآن أمراض سرطان الجلد في العالم الغربي سبعين بالمئة زيادة عن ذي قبل، السبب أن هذه الطبقة (طبقة الأوزون) تمنع الجزء المؤذي من أشعة الشمس، من جعل هذا السقف المحفوظ ؟ الله جلَّ جلاله، والآن البشرية في حيرة كيف تُرَمَّم هذه الطبقة ؟ ليس هناك حلٌ حتى الآن، وهذا الخرق يتسع، وهذا التخلخل يتسع في طبقة الأوزون، من جعل السماء سقفاً محفوظاً ؟ الله جلَّ جلاله، حينما غيَّرنا خلق الله، حينما لوَّثنا البيئة، حينما استخدمنا المواد استخداماً عشوائياً غير مقنَن، غير مدروس، الحقيقة إن الإسراف من أخطر تصرُّفات الإنسان في العصر الحديث، مجتمع الاستهلاك، مجتمع التنافس، هذا سبب استهلاك عنيف للمواد الأولية في الأرض، الاستهلاك العنيف رافقه حَرْق طاقة كبيرة جداً، هذا الحرق في الطاقة الكبيرة سبب خلخلة في طبقة الأوزون وسبب ارتفاع الحرارة، الآن تغير الطقس، انعدام الأمطار، ارتباك الطقس سببه ازدياد غاز ثاني أكسيد الكربون في الجو، فربنا عزّ وجل يقول:

﴿ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) وَالنَّجْمُ﴾

 سجود الكائنات الحية لله تعالى:

 النبات بلا ساق (النجم) في أوجه التفاسير:

﴿ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾

 النباتات كلُّها تسجد لله بمعنى أنها تستمد وجودها منه، من قرر أن النبات يستهلك قليل من الأوكسجين في النهار ويأخذ ثاني أكسيد الكربون ؟ نحن في النهار نستنشق الأوكسجين وفي الليل كذلك ونعطي غاز الفحم، لكن النبات يستنشق غاز الفحم ويعطي الأوكسجين، من صمَّم هذا التصميم ؟ لولا أن النبات متعاكس في احتياجاته مع الإنسان لما توازن الهواء، الهواء نسبه متوازنة وهذا من فضل الله على الإنسان.

﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾

 4 ـ ظاهرة النبات تدل على عظمة الله:

 أيها الأخوة: تكاد تكون ظاهرة النبات أجلَّ ظاهرةٍ تدل على عظمة الله، فنظام البذور أي أن الله عزّ وجل إذا أراد أن يخلق لنا الطعام والشراب بلا نظام بذور تصور هل يوجد نظام آخر ؟ أي هل يخلق لنا مليون طن بندورة ؟ فأين يضعهم، في أية قارَّة ؟ مليار طن، مليار مليار طن قمح ؟ إنها تُستهلك ونجوع بعد ذلك وانتهى الأمر، من قرر نظام البذور ؟ النبات ينبت من خلال بذرة، والثمرة فيها بذرة، نظام البذور وحده أكبر نظام يدل على الله عزّ وجل، تصور نبات بلا بذور إنه ينقرض، الله خلق لنا مليار مليار مليار طن من القمح، بعد أن تستهلك هذه المليارات نموت من الجوع، أما هذا الذي نأكله إذا ألقيناه في الأرض أنبت، فهذا النبات (الرُشيم) بذرة فيها محفظة غذاء، وفيها كائن صغير اسمه رُشَيْم، فيها جُذير، فيها سويق، إذ1 أصابتها الرطوبة وأصابتها حرارة نبتت، هذا الرشيم يتغذى، كيف أن الطفل يتغذَّى من حليب الأم إلى أن تقوى معدته وأسنانه، كذلك هذا الرشيم يتغذى من محفظة الغذاء في البذرة فإذا انتهت امتدت جذوره وأخذ غذاءه من التُربة، من صممم النبات ؟

 روعة تصميم الخالق:

 تجد الجذر له فرع ثم فرع إلى أن يصل إلى هدب تقريباً في رأسه توجد كرة اسمها القُلنسوة هذه تستطيع أن تذيب الصخر بحثاً عن الغذاء، بعض الأشجار تمتد جذورها ثلاثين متراً، الجِذر يبحث عن الغذاء، قد يمتد عرضاً، قد يمتد عُمْقاً، وقد تصل الجذور إلى ثلاثين متراً من أجل أن تأخذ الغذاء، من صمم هذا النظام ؟ من صمم أن الشجرة إذا منعت عنها الماء تستهلك ماء أوراقها أولاً، فإذ1 جَفَّ ماء الأوراق تستهلك ماء أغصانها، فإذا جفّ ماء الأغصان تستهلك ماء فروعها، ثم تستهلك ماء جذعها، وآخر ماءٍ تستهلكه ماء الجذر، لو أن الله عكس الآية، لو أن الفلاح نسي سقي الشجرة مرةً واحدة لماتت، بالعكس حينما تَعْطَش الشجرة تستهلك ماء الأوراق، وحينما تستهلك ماء الأوراق تذبل الأوراق كأنها تقول لك: اسقني أنا عطشى، النبات حينما يعطش تذبل أوراقه كأنه يخاطبك: اسقني أنا في حالة عطشٍ شديد، من صمم هذا التصميم ؟

 5 ـ أنواع الخشب من الآيات الدالة على عظمة الله تعالى:

 النبات غذاء، والنبات دواء، الآن الأدوية الراقية أساسها نباتي، والحقيقة حينما نعود إلى أدوية النبات تنتعش صحَّتنا، أما حينما نستخدم الدواء الكيماوي تنتكس أجسامنا، فالدواء الراقي من النبات، الأصبغة من النبات، الأثاث من النبات، توجد أشجار خشبها للنوافذ فقط، هذا الخشب لا يتأثَّر بأشعة الشمس ولا بالبرد ولا بالرياح أي إنه لا يفسد، يوجد خشب للأثاث الداخلي، يوجد خشب للصناعة السريعة ليِّن، يوجد خشب للزينة، أنواع الأخشاب تزيد عن مئة نوع، يوجد خشب للأساسات، يوجد خشب له منظر جمالي جداً، أنواع الخشب وحدها من آيات الله الدالَّة على عظمته.

 أوراق النبات أعظم معمل في الكون:

 يوجد نبات تأكل جذره، يوجد نبات تأكل زهره، يوجد نبات تأكل أوراقه، يوجد نبات محاصيل تنمو في وقتٍ واحد، في نبات كالفواكه والخضراوات تنمو في مرحلةٍ طويلة، يوجد نبات موسمي، يوجد نبات دائم الخُضرة، يوجد نبات متساقط الأوراق.
 انظر إلى شكل الأوراق (شيء لا ينقضي)، لا تنقضي عجائبه، الورقة وحدها تُعدُّ أعظم معمل في الكون، أعظم معملٍ صنعه الإنسان، هكذا قرأت في موسوعة علمية: أعظم معملٍ صنعه الإنسان على الإطلاق يغدو تافهاً أمام الورقة، كيف يصعد الماء إلى أعلى خلاف الجاذبية الأرضية ؟ الخاصَّة الشَّعرية معقَّدة جداً، كيف يصعد الماء نحو الأعلى ؟ يصعد معه المعادن المُذابة في التربة ؛ المنغنيز، والفوسفات، والفوسفور، والبوتاس، تصعد مذابةٌ في هذا الماء، بالورقة توجد مادة اليخضور و مادة الآزوت و الفوتانات، كيف تصنع الورقة ؟ تصنع مصلاً سائلاً (النسغ النازل وهذا السائل هو سائل موحد) تُصنع منه الجذور، والفروع، والأغصان، والأوراق، والأزهار، والثمار، هل يوجد في حياة الإنسان سائل واحد يصير حديداً، وخشباً، ونحاساً، وفضَّة، وذهباً، وخشباً، ومادة ليَّنة مرنة ؟ هذا النُسُغ النازل هو الذي يُسهم في صنع كل شيء ونحن لا ندري نلقي الحب وننام.

﴿ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾

(سورة الواقعة )

 ظاهرة النبات من ظواهر تكريم الله للإنسان:

 فكِّر في النبات، فكّر في طِباع هذا النبات، أكثر من خمسة آلاف صنف من النبات مصمم خصيصاً داخل البيوت من أجل أن تُمْتِع عينك به (كنباتات الصالونات) فكم نبات الهدف منها فقط هو المنظر والرائحة، الأزهار كم نبات ؟ أليس هذا تكريماً للإنسان ؟ (هذه الشجرة)، توجد أشجار تُعمِّر آلاف الأعوام كالنخل تُعمِّر آلاف الأعوام، توجد شجرات تعمِّر مئات الأعوام مثل الزيتون، هناك نخلٌ على عهد رسول الله في المدينة وإلى الآن موجود، هذه التمرة فيها ستة وأربعين مادّة غذائية فهي صيدلية، هذه النخلة خصائصها، طباعها، ثمراتها، الزيتون.

﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾

(سورة التين )

 التين، أنا لا أذكر أشياء على سبيل الاستقصاء بل على سبيل الاصطفاء، أنا أقول: ظاهرة النبات قفوا عندها، تأمَّلوا فيها، دققوا وابحثوا، فهذه البطيخة كيف تنضج ؟ من يُشعِر جانيها أنها نضجت ؟ قال: حلزون إلى جانب قِمَّتها، حلزون يُمسكُه الجاني فإن كان يابساً فقد نضجت وإن كان طرياً لم تنضج بعد، من أعطاك العلامة ؟

 ظاهرة النبات تدعو إلى التفكر والتأمل:

 أيها الأخوة: ظاهرة النبات تستدعي النظر، تدعونا إلى التفكّر، ظاهرة النبات وحياتك كلَّها نبات، انظر إلى الطعام ؛ الفجل، البصل، البقدونس، الكزبرة، الباذنجان، الكوسا، الملفوف، انظر كل نبات له شكل، له لون، له رائحة، له خصائص، له فوائد، قيل أن الملوخية ترمِم الغشاء المخاطي في الجهاز الهضمي (مرمّمة)، كل نبات يُغَطِّي حاجة من حاجات الجسم، فهو شيءٌ لا يُصدق، تجد هذا النبات يقول لك فيه: حديد، ومنغنيز، وكالسيوم، وفيتامينات، وكل نبات يعطي أعلى درجة من الصيانة والترميم والغذاء للجسم، فلذلك:

﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾

 من الذي يصنع هذه الفواكه والثِمار ؟ الله جلَّ جلاله، يقول لك: أخذت كيلو من التفاح، أنت لم تدفع ثمن التفَّاح بل دفعت ثمن خدمته، الآن تأكلون هذه الحَمضيات من الذي صمّمها ؟ من صمم شكلها، وحجمها، وطعمها، سكَّرها، أقسامها، قشرها، رائحتها العطرة من صممها ؟

 حدود الكون لا يعلمها إلا الخالق تعالى:

﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾

 إلى أين ؟ ذكرت لكم قبل شهرٍ: أن مركبةً أُرسلت إلى المُشتري، أنا ذكرت من أربع سنوات بل هو من ست سنوات، هذه المركبة انطلقت قبل ست سنوات بسرعة أربعين ألف ميل في الساعة، وعليها مرصدٌ عملاق قطر عدسته ثمانية أمتار، واكتشف هذا المرصد وهي إلى جانب المشتري مجرَّة بعدها عنا ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية (المليون ستة أصفار، والبليون تسعة أصفار) ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، مع أنه مسافة أربع سنوات ضوئية تحتاج أن تقطعها بمركبةٍ أرضية إلى خمسين مليون عام، فكم تستغرق الرحلة إلى هذه المجرَّة ؟ ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية.

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا﴾

(سورة الرحمن: آية " 7 " )

 فأين حدود الكون ؟ لا أحد يعلَمها، هذه أحدث مجرّة وأبعد مجرّة، ومعنى أبعد مجرة أنها كانت في هذا المكان الذي أصدرت منه أشعتها إلى المَرصد قبل ثلاثمئة ألف بليون سنة، أين هي الآن ؟ لا يعلم إلا الواحد الديَّان.

 

 القرآن الكريم هو الميزان الأصلي يوزن به كل شيء :

 

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾

 قال بعض العلماء: " الميزان هو القرآن يوزن به كل شيء ". وقال بعضهم: " الميزان هو العقل ". وقال بعضهم: " الميزان هي الفطرة ". وقد تتسع هذه الكلمة لكل هذه المعاني، فالعقل ميزان، والفطرة ميزان، العقل ميزان علمي، والفطرة ميزان نفسي، يقول لك: مرتاح وغير مرتاح، متضايق، شعرت بانقباض، بعد هذا العمل شعرت بكآبة، هذا ميزان فطرة لأن الله عزّ وجل قال:

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾

(سورة الشمس )

 هذا ميزان، الفطرة ميزان، والعقل ميزان، النبي قال:

((عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ))

 فأنت لو لم تعرف الحكم الشرعي ضع نفسك مكان الطرف الثاني أترضى أن يفعل بك ما تفعلُ به ؟ فالعقل ميزان، والفطرة ميزان، أما العقل قد يضل، وقد يطغى، قد يزل، والفطرة قد تنطمس، فالله جعل الميزان الأصلي هو القرآن الكريم (الشرع)، الحَسَنُ ما حسَّنه الشرع والقبيح ما قبَّحه الشرع. فالشرع ميزان، العقل ميزان، والفطرة ميزان، والشرع ميزان، فكلها موازين والويل لمن لم يستخدم هذه الموازين.

 الأحمق من لا يستخدم الشرع و العقل و الفطرة في الوصول إلى الصواب:

 مشكلة الناس إن سأل أي عالم يعطيه الحكم الشرعي، إن قرأ القرآن الآيات الواضحة تسعين بالمئة، تسعين بالمئة من آيات القرآن الكريم واضحة لا تحتاج إلى مُفَسِّر، الحديث الشريف واضح جداً، لو حضر أي مجلس علم فإنه يسمع الحق، لو حَكَّم عقله فإنه يصل إلى الصواب.
 أنا ذكر لي أخ كان في فرنسا، زار فرنسا من حوالي شهر تقريباً، أكثر المحطات الإعلامية كَفَّت عن عرض الأفلام المُنحطَّة (بالعقل) الآن توجد دعوة في أوروبا وأمريكا إلى العفة، إلى تكريس القيم الأخلاقية، لأن المجتمع انتهى، فوصلوا بعقلهم إلى أن هذه الموبقات تُهَدِّمُ البُنيان الاجتماعي.
 مرَّة الدول الشرقية حرَّمت الخمر، العقل ميزان، والفطرة ميزان، والشرع ميزان، والموازين موجودة فما الذي يمنعك أن تأخذ بها ؟
ممكن إنسان يبيع بيته برقم فلكي، ويقبض الثمن بالعملة الصعبة والثمن كلَّه مزوَّر، ومعه في جيبه ميزان (جهاز إلكتروني يكشف العملة المزورة) ألا يستخدمه ؟ أليس أحمقاً ؟! يوجد معك ميزان يكشف لك نوع هذه العملة ومدى زيفها من صحتها دون أن تستخدمه ؟ والعقل نفس الشيء.

 الإنسان السعيد من يستخدم عقله استخداماً صحيحاً:

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾

 لذلك قال بعض العلماء:

 

﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾

 

(سورة الإسراء )

 بعضهم قال: " العقل رسول ". أعطاك عقلاً.

 

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾

 

( سورة الرحمن )

 في الحقيقة الإنسان متى ينجح في حياته ؟ متى يُوفق ؟ إذا صحَّت موازينه، مثلاً: كان ميزانه أنه كلَّما كثر دخلك بأي أسلوب فأنت شاطر، هذا ميزان مختَّل، يجب أن يكون دخلك مشروعاً، هذا الميزان الصحيح، لا تُسمى ذكياً ولا متفوقاً إن أخذت ما ليس لك لأن الله بالمِرصاد، فالإنسان يبحث عن موازينه كيف يزين الأمور ؟ كيف يزين دخله ؟ كيف يزين إنفاقه ؟ كيف يزين علاقاته مع الناس ؟ كيف يزين عطاءه ؟ يزين أخذه ؟ الميزان دقيق جداً، فلذلك الإنسان السعيد الذي يستخدم هذا الميزان، ورد في الأثر أن الله لما خلق العقل قال له:

 

((أقبِل فأقبل، ثم قال له: أدبِر فأدبر، قال: وعزَّتي وجلالي ما خلقتُ خلقاً أحبَّ إليَّ منك، بِكَ أُعطي وبك آخذ ))

 

( ورد في الأثر )

 تعطيل العقل حرمان من السعادة:

 أعطي الإنسان كل السعادة إذا استخدمك، وأحرمه السعادة كلّها إذا عطَّلك، لا تجد إنساناً سعيداً إلا واستخدم الميزان، لا تجد إنساناً شَقياً إلا عطَّل الميزان، وأوضح شيء على ذلك المجرمين تجده يرتكب جريمة ويتوهم أنه سيعيش بهذا المبلغ إلى ما شاء الله، بعد ساعة يُلقى القبض عليه، يودع في السجن، يُحكم بالإعدام، أين عقله ؟ ظهر أنه جاهل وغبي، فبعلم النفس المجرم مصنَّف مع الأغبياء، غبي لأنه وصل إلى طريق مسدود، فأنت تعجب أحياناً إنسان يقتل إنساناً وما وجد في السيارة إلا كاسيت ومئة ليرة فقط، وقع في جريمة قتل من أجل شريط ومئة ليرة، أزهق حياة وأُعْدِم بعد حين لأتفه الأسباب، فالإنسان يسعد إذا استخدم ميزانه، عندك ميزان عقلي في دماغك، عندك ميزان في نفسك، وعندك ميزان الشرع، والله عزّ وجل خلق وأعطى الميزان، لم يُخلق بلا ميزان.

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾

 الإعجاز في خلق الدماغ:

 بعد ذلك لا تنسى التناسب بالعقل، خلق السماوات والأرض في كفَّة والميزان في كفَّة، هذا الميزان (الدماغ) مئة وأربعين مليار خليّة سمراء لم تُعرف وظيفتها بعد، أربع عشرة مليار خليّة قشرية، لا يزال عمل الدماغ مُعجِزاً، لا يزال الدماغ عاجزاًس عن فَهْم ذاته، الإنسان كيف يفكر ؟ كيف يحاكم ؟ كيف يستقري ؟ كيف يستنتج ؟ كيف يتخيَّل ؟ كيف يقرر ؟ كيف يصدر حكماً ؟ كيف يستنبط ؟ كيف ؟

﴿ وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾

 سورة الرحمن من السور الدالة على نعم الله تعالى:

 أنا فاتني بكلمة:

﴿ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾

 نحن نتكلم بكلام لكن كأن هناك قوة تعيننا على الكلام، الحرف الواحد يحتاج إلى تحريك سبع عشرة عضلة، كلمة خمسة أحرف تحتاج لثمانين حركة، لو أن الإنسان هو الذي يتكلم بقوته الذاتية فإذا أراد أن يقول: سعيد، كم عضلة سأحركها ؟ نبدأ بالسين، السين وبعدها العين وبعدها الياء فما هذا الكلام ؟ تتكلم عن بلد لمدة ساعة وأنت غافل عن حركة اللسان، من جعل هذا اللسان ينطلق ؟ من جعل الهواء في الرئتين محبوس يمُر عبر الحنجرة وتوجد حبال صوتية ؟ من يغيِّر الحبال الصوتية ؟ يقول لك: القاف، والدال، والحرف الصفيري والحرف الانفجاري، والحرف المهموس، والحرف من أقصى الحلق ومن الشفتين، ومن الخيشوم، من صمم الحرف هذه ؟ من علَّم البيان ؟
 فلذلك أيها الأخوة هذه سورة مباركة، وهذه سورة مسعدة، وهذه سورة فيها نِعَمُ الله عزّ وجل، لأن بعد قليل:

 

﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 

(سورة الرحمن )

 سورة الرحمن موجهة للمخلوقين المكرمين بالتكليف:

 يا معشر الجن والإنس، فهذه السورة موجَّهة للمخلوقين المكرمين بالتكليف، الله عزّ وجل كلَّفنا حمل الأمانة، والأمانة نفسك التي بين جنبيك ملَّكك إياها وجعلها طوع بنانك:

﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾

( سورة الشمس )

 فيا أيها الأخوة الكرام: هذه السورة قال بعضهم: الكتاب أصحاب المستوى الرفيع تقرأُ إنتاجهم فتبدأ متاعبك، وأما الكتَّاب التافهون تقرأُ إنتاجهم وتتثاءب وتنام بعدها، فالكاتب التافه لا يثير فيك أي مشكلة، أما كلام خالق الكون هذا لازم يضعنا أمام مسؤوليَّاتنا، لازم يضعنا أمام مهمتنا في الحياة، لازم يحرِّك فينا كل مشاعر تعظيم الله عزّ وجل، كل مشاعر تأدية الرسالة، فنحن أمام كتاب الله هذا الكتاب المُعجز، هذا الكتاب الذي جعله الله دليل نبوة النبي إلى أبد الآبدين، لذلك في درسٍ إن شاء الله:

 

﴿ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (9) وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾

 

(سورة الرحمن )

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018