أحاديث قدسية - الدرس : 30 - هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ… - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الدرس : 30 - هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ…


2002-12-04

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

المؤمن لا يطرب إلا إذا شعر أن الله يحبه :

 أيها الأخوة الكرام، قد يعجب الإنسان من هذه المقامات الرفيعة التي نالها أصحاب رسول الله، فيما أخرج البخاري رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ))

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

 إله عظيم، خالق الكون، يبشر امرأة كانت دعماً للنبي عليه الصلاة والسلام، ما معنى قول بعضهم: ابتغوا الرفعة عند الله، الإنسان عنده دافع قوي لتأكيد الذات، قد يتخذ رفعة عند قوي، أو عند غني، أو عند حاكم، أو عند جماعة، أو عند فئة، لا بد من أن يؤكد ذاته، هل من تأكيد للذات يفوق أن تكون قريباً من الله؟ يفوق أن تأتيك بشرى من الله؟ " بشر خديجة ببيت من قصب لا صخب فيها ولا نصب "، معظم الناس إذا بش في وجوههم قوي أو غني يطربون، ويشعرون بالسعادة والتفوق، وهذا من الشرك، لكن المؤمن لا يطرب إلا إذا شعر أن الله يحبه، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾

[ سورة مريم : 96 ]

 فمن المودة هذه البشرى، وهناك حديث آخر في المعنى نفسه قال:

 

((... أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ))

 

[متفق عليه عن أبي هريرة ]

الله عز وجل غني عن الشرك :

 المسلمون اليوم يصلون، ويصومون، ويحجون، ويزكون، ولهم مساجدهم ومكتباتهم، ولهم مشاعرهم، لكن لماذا هم بعيدون جداً عن أن يكونوا في مستوى هؤلاء الأعلام؟ أقول لكم الجواب: إنه الإخلاص، والإخلاص يقودنا إلى حديثين أو ثلاثة عن الشرك ينخلع لهما القلب، الحديث الأول:

(( أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ ))

[مسلم عن أبي هريرة ]

 أنت لاحظ نفسك لماذا تأتي إلى المسجد؟ لماذا تصلي؟ لماذا تتبرع من مالك؟ أحياناً هناك مزلق الشرك والرياء، فلاحظ قلبك دائماً، الفرق بين المؤمنين - وقد يفعلون الأفعال نفسها- هو الإخلاص، فمن عمل عملاً يبتغي به غير الله وكله الله إليه، والله عز وجل غني عن الشرك، لذلك العمل المشترك لا يقبله الله، والقلب المشترك لا يقبل عليه الله، لذلك نحن بحاجة ماسة من حين إلى آخر إلى التأمل في نوايانا، في مقاصدنا، لماذا أتقن الصلاة في هذا المكان ولا أتقنها في هذا المكان؟ لماذا تحدثنا حديثاً في الدين في هذا المكان وحديثاً آخر في ذاك المكان؟ هناك مشكلة دقيقة جداً لخصها الإمام علي كرم الله وجهه فقال: "الشرك أخفى من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور وأن تبغض على عدل"، إنسان لك معه مصلحة، جاءك منه خير، مقصر قد يدع بعض الصلوات، لا تنصحه، ولا تهتم لذلك، مصلحتك معه محققة، هذا نوع من الشرك الخفي، أو إنسان بأدب عال نصحك فأخذتك العزة، لم تقبل النصيحة، هذا شرك أيضاً، فالمؤمن كيف أن الأكحال لانت فصار مقرها في الأعين، المؤمن لين، لا يتشبث، لا يتكبر، لا يركب رأسه أبداً، لا يتحامق، وقاف عند حدود الله، راجع إلى الصواب دائماً، إن شعر أنه أخطأ يعتذر ويستغفر.

 

(( أنا أغْنى الشُّركاء عن الشِّركِ، مَنْ عَمِل عَمَلا أشرك فيه مَعي غيري تركتهُ وشِرْكَهُ ))

 

[مسلم عن أبي هريرة ]

من أشرك مع الله أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله :

 الحقيقة الحديث الذي ينخلع له القلب أنه يؤتى بمن تعلم العلم يقول: يا ربي علمت العلم في سبيلك؟ يقول له: كذبت علمت ليقال عنك عالم وقد قيل، خذوه إلى النار، ويؤتى قارئ القرآن يقول: قرأت القرآن في سبيلك يقول له: كذبت، قرأت ليقال عنك قارئ وقد قيل، خذوه إلى النار.
 لذلك مرة إنسان صلى صلاة الفجر وراء الإمام أربعين عاماً، في يوم غلبه النعاس فلم ينزل إلى صلاة الفجر فقال: ماذا يقول الناس عني اليوم؟ وكأن هذه الصلوات في هذا العمر المديد يصليها ليكسب ثقة الناس ومكانة عندهم، فلما غلبته عينه قال: ماذا يقول الناس عني اليوم؟ هذا شرك أيضاً.
 هناك من يشرك نفسه، هناك من يشرك غيره، هناك من يتضعضع أمام غني، أو يتذلل أمام قوي، هذا أيضاً شرك، ترى أن الأمر بيده، وأن رضاه عنك ثمين جداً، وأن غضبه خطير جداً.
 هناك رواية ثانية: عن أبي سعد بن أبي فضالة وكان من الصحابة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:

((إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى مناد: من كان أشرك في عمل عمله لله عز وجل أحداً فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك))

[ابن ماجه عن أبي سعد بن أبي فضالة ]

تجنب المزالق الكثيرة التي تبعد الإنسان عن الإخلاص و التوحيد :

 إذاً نحتاج إلى تأمل، وإلى تحرير للعمل، وإلى متابعة لمجريات النفس، لأنها قد تغدر، وقد تنزلق إلى الانحراف والشرك، ثم أن الله سبحانه وتعالى حينما قال:

﴿ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾

[ سورة الإسراء: 80 ]

 الإنسان قد يدخل مخلصاً ولا يخرج مخلصاً، هناك مزالق أقدام كثيرة حتى في العمل الديني، حتى في حقل الدعوة، حتى وأنت في المسجد، هناك زعامات، ورئاسات، و عنعنات، وعنجهيات، واستقطاب، ومحاور، وهؤلاء شلة فلان، وهؤلاء شلة فلان، فهذا التحزب، وهذا التمزق، وهذا التشرذم، بين أخوة المسجد الواحد هذا من الشرك، وأخطاء القريب منك لا تراها، وأخطاء البعيد تكبرها، هذا من الشرك، تتعامى عن أخطاء من يلوذ بك، وتكبر أخطاء من لا يلوذ بك، تريد أن تغيظه، والله أيها الأخوة والله أكاد أقول أحياناً إن معظم الناس عندهم أمراض نفسية بشكل أو بآخر، وبدرجة أو بأخرى، لكن هذه الأمراض نابعة من الشرك، أقول لك ما علامات الإخلاص والتوحيد؟ علامات الإخلاص أن تكون خلوتك كجلوتك، وسريرتك كعلانيتك، وسرك كجهرك، ما من مسافة بينهما، الآن علامة إخلاصك أنك إن عملت عملاً طيباً أردت به وجه الله شعرت بالسعادة، هذه السعادة تغنيك عن انتزاع الإعجاب وطلب الثناء من الناس، وكم من إنسان لأنه تلقى رد فعل سيئ من إنسان أقسم ألا يفعل خيراً إذاً هو لا يفعله لله، من عرف نفسه ما ضرته مقالة الناس به.

 

من يعمل عملاً يبتغي به وجه الله يقبله الله ويلقي في قلبه سكينة و طمأنينة :

 فيا أيها الأخوة، نحن على أبواب بعد رمضان، لابد من أن تلاحظ أنك تأتي إلى المسجد لله، وتصل لله، وتقطع لله، وتعطي لله، وتمنع لله، وترضى لله، وتغضب لله، وكل علاقاتك ينبغي أن تكون في سبيل الله، الحب في الله عين التوحيد، والحب مع الله عين الشرك.
 الله عز وجل في هذه الأحاديث الثلاثة كان يقول: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، من أشرك في عمله تركته له، وكلته إلى نفسه، ولا يرقَ بك إلى الله إلا الإخلاص، الإخلاص ثمرة من ثمار الجهد الكبير، ثمرة من ثمار الجهاد والهوى، أي أنت حينما تصلي الليل ولا تذكر لأحد ذلك هل يستطيع الشيطان أن يقول لك: إنك منافق أو مراء؟ مستحيل، أنت حينما تنفق نفقة ولا تبين ذلك لأحد أيضاً هذا من التوحيد.
 فيا أيها الأخوة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون التوحيد إحدى ثمرات هذا الشهر الكريم، وأنت حينما تقبل على الله لا تنتظر ثناء، ولا مديحاً، ولا تقريظاً، ولا رسالة شكر، ولا اتصالاً هاتفياً، ولا تنويهاً بالجريدة، هذا الطبيب ماهر جداً، ولا تريد قطعة رخام توضع في أسفل المئذنة أن المحسن الفلاني ساهم في إشادة هذا البناء، هناك من يعطي ولا توضع له لوحة رخامية.
 حدثني أخ كان في بلد إسلامي في شمالنا، فبلغه أن إنساناً تبرع بثلاثمئة مليون دولار فاشتهى أن يراه، فدعي في اليوم التالي إلى طعام إفطار، وجاء الذي تمنى أن يراه، لم يأتِ هذا المحسن الكبير فسأل أحدهم: أين فلان؟ فأجابه: جاء قبلك بنصف ساعة هو جالس هنا، من جلسته المتواضعة، ومن تطامنه، ظنه إنساناً عادياً، هو توقع هذا الذي دفع ثلاثمئة مليون دولار له مكانة كبيرة، وله شأن، وله عظمة، وحوله هالة كبيرة، فوجد إنساناً عادياً، فالإنسان كلما ازداد عند الله قرباً تواضع، أحياناً الإنسان يقدم شيئاً لا قيمة له إطلاقاً، يطلب تنويهاً، ويطلب وصلاً، ويطلب شكراً، ويطلب رخامة توضع، هذا كله من المراءاة، أنت حينما تعمل عملاً تبتغي به وجه الله يقبله الله، ويلقي في قلبك سكينة هي من علامات الإخلاص.

علامات القرب من الله عز وجل :

 إذاً العلامة الأولى: عدم اختلاف وضعك، وعبادتك، واستقامتك بين خلوتك وجلوتك، وبين سرك وعلانيتك، وبين قلبك ولسانك، وبين إقامتك وسفرك.
 العلامة الثانية: أنك إذا عملت عملاً تبتغي به وجه الله تشعر براحة، لأن الله عز وجل قَبِل هذا العمل، وأعطاك ثوابه، ثاب رجع، أعطاك ثوابه، ارتفع عملك إلى الله مخلصاً فعاد ثوابه سكينة، وسعادة، وراحة، وأمناً، وطمأنينة.
 العلامة الثالثة: أنك إذا كنت مخلصاً لا يزداد عملك بالمديح، ولا يضعف بعدم المديح، عملك لا يتأثر بالمديح، ولا بعدم المديح، هذه من علامات الصدق.
 السكينة في قلبك، وعدم ربط العمل بالمديح وعدم المديح، ثالثاً: لا تتغير في أحوالك كلها، لا إذا كنت في خلوة، ولا إذا في جلوة، ولا يختلف لسانك عما في قلبك، وهذا من علامات القرب من الله عز وجل.
 وهذا الحديث كما قلت أيها الأخوة مخيف، الشرك أخف من دبيب النملة السمراء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018