أحاديث قدسية - الدرس : 26 - لما خلق الله الجنة والنار.... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الدرس : 26 - لما خلق الله الجنة والنار....


2002-12-01

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الجنة تحتاج إلى ضبط لأنها حفت بالمكاره :

 أيها الأخوة الكرام، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:

((لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة، فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت إلى أهلها فيها، قال: فجاءها ونظر إليها وإلى ما أعدّ الله إلى أهلها فيها فقال: فرجع إليه، قال: فبعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها - شيء رائع - فأمر بها فحفت بالمكاره))

[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 الجنة تحتاج إلى ضبط، ضبط كسب المال، ضبط إنفاق المال، ضبط العين، ضبط الأذن، ضبط اللسان، ضبط اليد، ضبط المواقف، أن تختار زوجة صالحة، أن تربي أولادك تربية إسلامية، أن تعطي مما أعطاك الله، أن تصلي، أن تجاهد نفسك وهواك.

((فأمر بها فحفت بالمكاره، قال: ارجع إليها فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها، قال: فرجع إليها فإذا هي قد حفت بالمكاره، فرجع إليه، فقال: وعزتك لقد خفت ألا يدخلها أحد))

[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 الجنة رائعة لكن حفت بالمكاره، والناس أميل إلى الأشياء المريحة، إلى الاسترخاء، إلى الطعام والشراب والشهوات والمتع والكسل.

((فقال: وعزتك لقد خفت ألا يدخلها أحد ـ لأنها حفت بالمكاره ـ قال: اذهب إلى النار، فانظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فإذا هي يركب بعضها بعضا، فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات))

[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 النساء الجميلات، والطعام الطيب، والمركبات الفارهة، والمناصب الرفيعة، والسيطرة على العالم كما تسمعون، والعنجهية، والغطرسة، وإذلال الآخرين، قوة، وأضواء الإعلام، والشهرة.

((فرجع إليه فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخلها، فأمر بها فحفت بالشهوات، فقال: ارجع إليها، فرجع إليها، فقال: وعزتك لقد خشيت ألا ينجو منها أحد))

[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

العاقل هو الذي يصل إلى الشيء قبل أن يصل إليه :

 الآن أنت انظر إلى النساء في الطريق الكاسيات العاريات، هذه الأصناف من النساء ماذا ينتظرها عند الله؟ انظر إلى الذين يأكلون الربا أضعافاً مضاعفة، انظر إلى الذين يتاجرون بأعراض النساء، انظر إلى من يفتتح الملاهي ودور اللهو والنوادي الليلية، انظر إلى المقامرين و من يفتتح دور القمار، هناك دخول فلكية من المعاصي، دور القمار والملاهي والربا، هذه كلها طرق إلى النار.

((حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات))

[الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 لذلك العاقل هو الذي يصل إلى الشيء قبل أن يصل إليه، والقاعدة كما قال عليه الصلاة والسلام:

((ألا وإن عمل الجنة حزن بربوة، ألا وإن عمل النار سهل بسهوة))

[البيهقي في شعب الإيمان عن أبي البجير ]

 أي استرخاء، كُلْ ما تشاء، اجتمع مع من تشاء، انظر إلى من تشاء، تكلم ما تشاء، أعطِ كل شهواتك حظوظها، لا تتقيد بشيء حر، أنت واقعي، واقعي وحر، ويجب أن تعرف كل شيء، تعلموا السحر ولا تعملوا به، هذا ليس حديثاً أصلاً، هذا فرية من الشيطان، يحب أن يرى كل شيء، أن يستمع إلى كل شيء، أن ينظر إلى كل شيء، أن يجرب كل شيء:

((ألا وإن عمل الجنة حزن بربوة، ألا وإن عمل النار سهل بسهوة))

[البيهقي في شعب الإيمان عن أبي البجير ]

العبرة بالعاقبة :

 العبرة العاقبة.

﴿ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾

[ سورة القصص: 83]

 لما خرج قارون على قومه بزينته.

﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة القصص: 79]

 لن تكون مؤمناً إلا إذا كان شعورك بالفوز بطاعة الله لا بأموال الدنيا، المال قوام الحياة، لكن إذا وصلك المال لا يختل توازنك، بل وظفه في طاعة ربك.

 

مستويات الجنة :

 أيها الأخوة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((إن الله تعالى يقول لأهل الجنة – يخاطبهم، هم يرون ربهم يوم القيامة - هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا ربي وأي شيئاً أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا))

[البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ]

 معنى هذا أن بالجنة ثلاثة مستويات، في الجنة طعام وشراب:

﴿ فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ ﴾

[ سورة الصافات: 42]

 وهناك:

﴿ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ ﴾

[ سورة الحاقة: 23]

 و:

﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ﴾

[ سورة محمد: 15]

 و:

﴿ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى ﴾

[ سورة محمد: 15]

 و:

﴿ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ﴾

[ سورة فصلت: 31]

 و:

﴿ وَحُورٌ عِينٌ ﴾

[ سورة الواقعة: 22]

 هذا مستوى: المستوى الأعلى النظر إلى وجه الله الكريم:

﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ ﴾

[ سورة يونس: 26]

 الزيادة النظر إلى وجه الله الكريم.

 

مودة الله لأهل الجنة إكرام ما بعده إكرام :

 في الجنة أيها الأخوة المستوى الأول أن تستمتع بما فيها من طعام وشراب وحور عين:

﴿ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ ﴾

[ سورة الواقعة: 23]

 في الجنة نظر إلى وجه الله الكريم:

﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ﴾

[ سورة القيامة: 22]

 ناضرة ؛ متألقة.

﴿ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ ﴾

[ سورة القيامة: 23]

 المستوى الثالث.

﴿ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾

[ سورة التوبة: 72]

 للتقريب، إنسان دخل لبيت، شيء رائع، طعام نفيس، أكل حتى شبع، فواكه طيبة طازجة، شراب نفيس، أرائك مريحة، مناظر جميلة، إطلالة رائعة، لكن لا يوجد أحد في البيت، أكل وشرب، لكن صاحب البيت له شكل يأخذ بالألباب، لون وشكل وجاذب، الآن استمتع فضلاً عن الطعام والشراب بهذه الطلة البهية، لكن لا يوجد حديث بينهما، المرحلة الثالثة: هذا صاحب البيت قال له: يا أهلاً وسهلاً، نحن سعداء بوجودك، الحقيقة مودة صاحب البيت أبلغ من أي إكرام، المودة، مودة الله لأهل الجنة، الله عز وجل يسلم عليهم:

﴿ سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ ﴾

[ سورة يس: 58]

 يسلم على عباده المؤمنين، ينظرون إليه، ويسلم عليهم، ويحفهم بعنايته، لذلك بالجنة ثلاثة مستويات: مستوى المتع الأولى، ثم مستوى النظر إلى وجه الله الكريم، ثم مستوى الرضوان من الله عز وجل.

 

الجنة حفت بالمكاره و النار حفت بالشهوات :

 بقي أيها الأخوة حديث سأرويه رواية فقط: أخرج الإمام الترمذي في جامعه من حديث سعيد بن المسيب أنه لقي أبا هريرة فقال أبو هريرة:

(( أسأل الله أن يجمع بيني وبينك في سوق الجنة - ليس سوق الجمعة في سوق الجنة - فقال سعيد: أفيها سوق؟ - الجنة فيها سوق – قال: نعم، أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل الجنة إذا دخلوها نزلوا فيها بفضل أعمالهم، ثم يؤذن لهم في مقدار يوم الجمعة من أيام الدنيا فيزورون ربهم ويبرز لهم عرشه ويتبدى لهم في روضة من رياض الجنة فتوضع لهم منابر من نور، ومنابر من ذهب، ومنابر من فضة، ويجلس أدناهم وما فيها من دني على كثبان المسك والكافور، وما يرون أن أصحاب الكراسي أفضل منهم مجلساً، قال أبو هريرة: قلت يا رسول الله وهل نرى ربنا؟ قال: نعم، هل تتمارون في رؤية الشمس والقمر ليلة البدر، قلنا لا، قال: كذلك لا تمارون في رؤية ربكم ولا يبقى في ذلك المجلس رجل إلا حاضره الله محاضرة حتى يقول للرجل منهم يا فلان بن فلان أتذكر يوم كذا وكذا فيقول: يا رب أفلم تغفر لي، فيقول: بلى فسعة مغفرة بلغت بك منزلتك هذه، فبينما هم على ذلك غشيتهم سحابة من فوقهم فأمطرت عليهم طيباً لم يجدوا مثل ريحه شيء قط ويقول ربنا تبارك وتعالى: قوموا إلى ما أعددت لكم من الكرامة فخذوا ما اشتهيتم، فنأتي سوقاً قد حفت به الملائكة ما لم تنظر العيون إلى مثله، ولم تسمع الآذان، ولم يخطر على القلوب))

[الترمذي عن سعيد بن المسيب]

 ألم يقل الله عز وجل في الحديث القدسي:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

قال:

((فيحمل لنا ما اشتهيناه ليس يباع فيه شيء، ولا يشتري في ذلك السوق يلقى أهل الجنة بعضهم بعضاً، قال: فيقبل ذو البزة المرتفعة فيلقى من هو دونه وما فيهم دني فيروعه ما يرى عليه من اللباس والهيئة، فما ينقضي آخر حديثه حتى يتمثل عليه أحسن منه، وذلك أنه لا ينبغي لأحد أن يحزن فيها، قال: ثم ننصرف إلى منازلنا فيلقانا أزواجنا فيقلن: مرحبا وأهلا بحبنا لقد جئت وإن بك من الجمال والطيب أفضل مما فارقتنا عليه فيقول إنا جالسنا اليوم ربنا الجبار تبارك وَيَحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا ))

أيها الأخوة الكرام، مرة ثانية يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

(( أَعْدَدْتُ لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

ولكن الجنة حفت بالمكاره وحفت النار بالشهوات.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018