أحاديث قدسية - الدرس : 23 - لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ... - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الدرس : 23 - لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ...


2002-11-28

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

تقييم الأشخاص من شأن الله وحده :

 أيها الأخوة الكرام، أخرج الإمام البخاري في صحيحه من كتاب التوحيد ومن حديث ابن عباس رضي الله عنهما:

((عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ، وَذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ فَقَالَ مُوسَى آدَمُ طُوَالٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، وَقَالَ عِيسَى جَعْدٌ مَرْبُوعٌ، وَذَكَرَ مَالِكًا خَازِنَ النَّارِ، وَذَكَرَ الدَّجَّالَ))

[البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما]

 قد يسأل سائل ما جوهر هذا الحديث؟ هذا الحديث يشف عن عدة حقائق، الحقيقة الأولى أن تقييم الأشخاص من شأن الله وحده، أي إنسان، لا تزكي نفسك ولا تزكي على الله أحداً، قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة النساء : 94 ]

 قضية أن تقييم الإنسان هذا فوق طاقتك، وفوق علمك، وفوق قدرتك، لا يعلم حقيقة البشر إلا الله، أنت لك الظاهر، لكن الله مطلع على السرائر، فمن الأدب مع الله ألا تقيّم أنت، تقول: أظنه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، حتى إن الصديق عليه رضوان الله حينما عيّن عمر بن الخطاب خليفةً له عاتبه بعضهم بأنه شديد، وخوفوه من الله، قال: أتخوفونني من الله؟ لو أن الله سألني لقلت له: يا رب وليت عليهم أرحمهم، هذا علمي به فإن بدّل وغيّر فلا علم لي بالغيب.
 أرأيت إلى هذا الأدب؟ مرةً مدح هذا الخليفة العظيم فبعد أن مدح قال: اللهم أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيراً مما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون.
 مرةً دخل النبي عليه الصلاة والسلام على بعض أصحابه وقد توفاه الله، وكان من إكرامه لأصحابه أنه يلقي عليه النظرة الأخيرة قبل أن يغسل ويدفن، فدخل على بعض أصحابه من كبار الصحابة اسمه أبو السائب، سمع من وراء حجاب امرأة تقول له: هنيئاً لك أبا السائب لقد أكرمك الله، لو أن النبي سكت لكان كلامها صحيحاً، لأن النبي عليه الصلاة والسلام سنته هي أقواله، وأفعاله، وإقراره، وصفاته، لو سكت معنى ذلك أنه أقرها على هذا القول، فقال عليه الصلاة والسلام: ومن أدراك أن الله أكرمه؟ قولي: أرجو الله أن يكرمه وأنا نبي مرسل لا أدري ما يفعل بي ولا بكم.

 

ليس من شأن البشر أن يملكوا نفعاً ولا ضراً :

 هذا الحديث أول رواية:

((... لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ...))

[البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما]

 إنسان لا يصلي ولا يصوم لو عاتبته على ترك هاتين العبادتين لقال: أنا أفضل ممن يصلي ويصوم، أنا إيماني بقلبي، أنا لا أوذي أحداً، هذه المقولة منتشرة بين الناس، لا تصلي ولا تصوم وسافرة وتظهر كل مفاتنها، فإذا عوتبت أو نصحت تقول: أنا أفضل من المحجبة، أفضل ممن تصلي، أفضل ممن تصوم، بل إن بعض الذين شطحوا وفي شطحاتهم خطأ كبير وفاحش قال: فلان خاض بحراً وقف بساحله الأنبياء، هذا كلام فيه وقاحة، وفيه بعد عن الحقيقة، الأنبياء قمم البشر، الأنبياء من مقاماتهم قوله تعالى:

﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا ﴾

[ سورة الجن : 21 ]

 فلأن لا أملك لكم من باب أولى، قال تعالى:

﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 15 ]

 من شطحات هؤلاء الذين شطحوا وأفسدوا في الدين أنه بلغ مرتبة اليقين، عندئذ لا يحتاج إلى طاعة الله، ولا إلى عبادته، سقط عنه التكليف، هذه شطحات زندقة، هناك من يعتقد بها، قال تعالى:

﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينٍُ ﴾

[ سورة الحجر: 99 ]

 حتى الموت.

 

أحبابنا اختاروا المحبة مذهباً وما  خالفوا في مذهب الحب شرعنا
***

 

سنة النبي وحي يوحى :

 أيها الأخوة، يمكن أن يتطاول الإنسان على مقام النبوة، يمكن أن يرى رأياً مخالفاً لسنة النبي، وهو يظن نفسه مفكراً إسلامياً، أي قطع اليد عمل غير مقبول الآن، إن كان الهدف ردع الناس عن السرقة لابد من أن نبحث عن رادع آخر، هذا قيل في ندوات في الفضائيات، وأنا أقول أيها الأخوة: خذوا دينكم عن الأرضيات لا عن الفضائيات، كأنه يقدم بين يدي الله ورسوله اقتراحات، وكأن الله لا يعلم، وكأن النبي لا يوحى إليه، يظن أن سنة النبي من اجتهاده، أو من تصوراته، أو من معطيات بيئته، سنة النبي وحي يوحى.
 إذاً الرواية الأولى:

((لا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى ))

[البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما]

 الرواية الثانية:

((يقول الله تبارك وتعالى لا ينبغي لعبد لي أن يقول انأ خير من يونس بن متى))

 أنا تعود على رسول الله.
 أي أنت لا تستطيع أن توازن بين أشخاص أيهما أكثر إيماناً، هذا من شأن الله فلأن لا تكون مستطيعاً أن توازن بين مؤمنين أنت لا تستطيع الموازنة بين نبيين من باب أولى.

 

فحوى دعوة الأنبياء واحدة :

 لذلك ورد في القرآن الكريم:

﴿ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ﴾

[ سورة البقرة: الآية 285]

 الآية لها معنيان؛ المعنى الأول: أن دعوة الأنبياء واحدة، أن فحوى دعوة الأنبياء واحدة تماماً، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[سورة الأنبياء: الآية 25]

 أما الآية الثانية:

﴿ تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾

[ سورة البقرة: الآية 253]

 الفاعل هنا هو الله، مادام الفاعل هنا هو الله فالله عز وجل هو الجهة الوحيدة التي يمكن أن تعرف حقيقة الإنسان، لأنه مطلع على قلبه، بينما نحن لا نستطيع أن نوازن بين مؤمنين، فأن نكون عاجزين أن نوازن بين نبيين من باب أولى، مثل من واقع الحياة، ممرض عمل بمستشفى منذ شهر، ومهمته تنظيف المرضى، وفي المستشفى جراحان للقلب كبيران جداً، أحدهما درس بدولة أجنبية، والآخر بدولة أخرى، هذا الممرض الذي له في المستشفى شهر معلوماته متواضعة جداً، لا يستطيع أن يميز بين هذين الجراحين، لا يوازن بينهما إلا جراح مثلهما، أما أن يوازن ممرض بين جراحين فهذا مستحيل.

 

الأدب مع الله ألا نفرق بين رسل الله :

 إذاً الأدب مع الله ألا تفرق بين رسل الله، إلا أنه إذا قال الله عز وجل وصف بعض الأنبياء بأنه من أولي العزم، أنا أتقيد بوصف الله له، أو أن الله سبحانه وتعالى أوحى للنبي عليه الصلاة والسلام أنه سيد الخلق فقال: "أنا سيد ولد آدم ولا فخر"، أنا بالنص أتكلم، إذا وصف النبي نفسه أنه سيد الخلق أنا أنقل كلام النبي، وإذا وصف الله نبياً من أنبيائه بأنه من أولي العزم أنا أردد هذه الآية، أما أن أجتهد أنا كمؤمن في التفريق بين الأنبياء بمنحهم ألقاباً معينة فهذا مستحيل، هذا يعلمك الأدب مع الله، تقييم الأنبياء، والمرسلين، و الأولياء، والصالحين، و الناس، والمؤمنين، من شأن الله وحده، لكن هذا قد يقودنا إلى فكر متطرف، تجد إنساناً لا يصلي، شارب خمر، لا تعرف لعله يكون ولياً، لا هذه أيضاً سحبات، إنسان متلبس بمعصية لا يصلي، لا يصوم، يشرب الخمر، لا يكون ولياً لله عز وجل، أما أن تقول: مصيره إلى النار، لعله يتوب ويسبقك، العبرة في نهاية حياته لعل الله سبحانه وتعالى يسوق له من الشدائد ما يحمله على التوبة، والله أيها الأخوة في تاريخ هذه الدعوة المتواضعة ما يزيد عن ربع قرن عدة أشخاص يزيدون عن عشرة يقول لي أحدهم: ما من معصية تتصورها إلا وارتكبتها ثم تاب الله عليه، وأصبح من المؤمنين العاملين.
حتى من كبار العلماء السابقين كانوا قطاعاً للطرق وكانوا مجرمين ثم تاب الله عليهم.
 أنا حينما أرى عاصياً أقول: هذا عاص، وهذه معصية لكن لا أجزم بخاتمته، خاتمته بيد الله عز وجل، وحينما أرى مؤمناً لا يمكن أن أقرر أنه من أهل الجنة، ومن أدراك؟ يوجد في الهند عالم بلغ من شأنه ومن تفوقه أن من أتباعه ما يزيد عن مئة ألف ثم ادعى الألوهية في النهاية فالمشكلة كبيرة جداً.

التأدب بأدب القرآن الكريم :

 العبرة أن تتأدب بأدب القرآن، أنا لا يوجد عندي إنسان سيدخل الجنة حتماً إلا العشرة الذين بشرهم النبي عليهم الصلاة والسلام، ومع ذلك هذا الخليفة العملاق سيدنا عمر بن الخطاب يأتي سيدنا حذيفة، وكان أمين سر رسول الله، وقد أسرّ إليه بأسماء المنافقين يقول عمر لحذيفة: يا حذيفة بربك اسمي مع المنافقين وقد بشره رسول الله، ما تفسير ذلك؟ من شدة خوفه من الله نسي بشارة النبي. المبشر بالجنة يسأل حذيفة بن اليمان بربك أنا مع المنافقين؟ وإنسان لا يصلي ولا يصوم يقول لك: عندي إيمان أعظم من أبي بكر، كلام إبليس، فهناك تبجح، غارق بالمعاصي كلها، ويدّعي أنه مؤمن، ويدّعي أنه يحب الله ورسوله، ولا تجد في عمله ما يؤكد ذلك.
فلذلك الدعوة كثيرة جداً، قال بعضهم عن أشخاص منافقين خاضوا بحار الهوى دعوة وما ابتلوا، قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾

[ سورة مريم: الآية 59]

من يتكلم بكلام مناقض لما يعلم من الدين بالضرورة فقد اختلت عقيدته :

 هذا الموضوع دقيق جداً متعلق بالعقيدة، هناك من يوزع الألقاب على الناس، هذا مبتدع، هذا مشرك، هذا كافر، هذا فاجر، وهو مرتاح يوزع الألقاب على الناس، من كفّر الناس فهو أكفرهم، أي فهو أشدهم كفراً، ومن كفّر الناس فهو أكفرهم، هو الذي حملهم على أن يكفروا، هم ليسوا كذلك، عود نفسك ألا تقيّم إنساناً، دعه لله، لكن قل: من قال كذا فقد كفر، من أدب المسلم أنه لا يكفر بالتعيين، يقول: من قال كذا فقد كفر، من قال الوحي مستمر فقد كفر، من قال إن النبي غير معصوم فقد كفر، كفر بعصمة النبي، وهذا الموضوع له بحث طويل.
 على كلّ حينما تتكلم بكلام مناقض لما يعلم من الدين بالضرورة فقد اختلت عقيدتك، حينما تتكلم بكلام مخالف لما ينبغي أن يعلم من الدين بالضرورة، إن لم تعتقد أن قطع اليد حق غير معقول أنت ترد آيةً قرآنية، أي حينما تقطع يد أو يدان في أمة تزيد عن عشرين مليوناً في العام، والإنسان يأمن على ماله، ولو كان في قارعة الطريق، كلكم يعلم أنه من حج بيت الله الحرام قديماً كان الصراف على باب المسجد يدع العملة الصعبة في صندوق ويذهب ليصلي، ولا يجرؤ إنسان أن يأخذ منه شيئاً، القصص التي كانت ترد يوم كان هذا الحكم مطبقاً بشكل جاد لا تصدق، من يصدق أن رواتب أضخم محافظة في جنوب الحجاز توضع في شاحنة مكشوفة بأكياس كبيرة، وتنتقل من الرياض إلى أبها، ألا تحتاج لحراسة أمن؟ قضية قطع اليد قضية دقيقة، لأنه لم يعد هناك قطع يد يخرج السارق بكفالة، أكبر مشكلة تعاني منها المجتمعات في الأرض السرقة والزنا، لذلك حد الزنا ردعي وحد السرقة ردعي، تقطع يد لكن هذه تمنع مئة ألف إنسان أن يسرق:

يد بخمس مئين عسجد وديت  ما بالها قطعت بربع دينار
***

 أجاب الإمام الشافعي:

عز الأمانة أغلاها وأرخصها  ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
***

 عندما كانت أمينة كانت ثمينة فلما خانت هانت.

 

أنواع الكفر :

 أيها الأخوة: هذا بحث في العقيدة، أرح نفسك ولا تقيّم أحداً، لكن قل: من قال: كذا فقد كفر، من فعل هذا فقد كفر، من ألقى المصحف على الأرض احتقاراً له فقد كفر، هناك كفر اعتقادي، وكفر سلوكي، وكفر قولي، من قال: لماذا قطع اليد؟ فقد كفر، لأنه رد ما علم من الدين بالضرورة، فلا توازن نفسك مع أحد، ولا مع الصالحين، ولا مع أولياء الله، ودع هذا لله عز وجل، وهذا دائماً وأبداً موقف أولاً علمي، وموقف أخلاقي، أنا لا أقيّم أحداً، لكن أنا لست من السذاجة أن أتصور أن الذي لا يصلي ولا يصوم من أولياء الله الصالحين، تعريف الولي قال تعالى:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[سورة يونس: الآية 62- 63]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018