الخطبة : 0782 - مفهوم الهجرة . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0782 - مفهوم الهجرة .


2001-03-23

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، و نستعين به و نسترشده، و نعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، و من يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لك، إقراراً بربوبيته و إرغاماً لمن جحد به و كفر، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم و بارك على سيدنا محمد و على آله و أصحابه و ذريته و من تبعه بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

هجرة النبي أخطر حدث في تاريخ هذه الأمة بعد البعثة النبوية :


 أيها الأخوة الكرام: نحن على مشارف رأس السنة الهجرية، وهذه المناسبات الدينية ينبغي أن نقف عندها وقفة متأنية لأن فيها معاني كبيرة نحن في أمس الحاجة إليها.
 إن أخطر حدث ألمّ بالأمة العربية هو بعثة النبي عليه الصلاة و السلام أصبحنا نحن العرب بهذه البعثة خير أمة أخرجت للناس.

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 أي أصبحتم خير أمة أخرجت للناس.

﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 المؤمن حركته لله وحده
و علة هذه الخيرية الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بعد الإيمان بالله، فلو أننا اقتصرنا على تأمين حاجاتنا و كان انتماؤنا إلى ذواتنا، و كان هدفنا تحقيق مصالحنا، فقد تخلينا عن رسالة ربنا، عندئذ لسنا خير أمة أخرجت للناس، عندئذ نحن أمة كأية أمة:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾

[ سورة المائدة: 18]

 إن تخلينا عن الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، إن تخلينا عن نقل هذه الرسالة إلى العالمين الشرقي و الغربي فقد فقدنا خيريتنا، و كنا أمة كغيرنا من الأمم، هان أمر الله علينا فهنا على الله، و ما من فترة في تاريخ أمتنا نحن في أمس الحاجة إلى أن نعود إلى ديننا، و أن نصطلح مع ربنا، و أن نقيم أمر الله في الحد الأدنى في بيوتنا و في عملنا حتى يرضى الله عنا، لأن الله عز وجل يقول:

﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾

[ سورة مريم: 59]

 و قد لقي المسلمون ذلك الغي، إن أخطر حدث في تاريخ هذه الأمة بعد البعثة هو هجرة النبي عليه الصلاة و السلام، البعثة حقيقة و الهجرة حركة، لابد من أن تعرف الحقيقة أولاً و لابد من أن تتحرك وفق هذه الحقيقة ثانياً:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 ما لم تأخذ موقفاً عملياً، ما لم تدع لله، ما لم تأخذ لله، ما لم تعط لله، ما لم تمنع لله، ما لم تتحرك لله، ما لم تسافر لله، ما لم تُقم لله، ما لم تغضب لله، ما لم ترض لله، ما لم تأخذ موقفاً بحسب دينك، ما لم تتحرك حركة وفق إيمانك فأنت لست مؤمناً:

﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة الأنفال: 72]

 لست مؤمناً بمعنى لست مؤمناً الإيمان الذي ينجيك، أما أي مخلوق آمن بأن لهذا الكون خالقاً فهو مؤمن، بأوسع معاني هذه الكلمة، و لكن هذا الإيمان لا ينجي صاحبه.

 

البعثة حقيقة و الهجرة حركة :

 أيها الأخوة الكرام: آية ثانية:

﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾

[ سورة النساء: 89]

 لقاء الله عز وجل ثمنه العمل
لو أن كل إنسان منا سأل نفسه ما الذي فعلته بعد أن عرفت الله؟ ما الشيء الذي تركته؟ ما الصديق الذي هجرته؟ ما الإنسان الذي واليته؟ ما المكان الذي قصدته؟ ما المكان الذي ابتعدت عنه؟ لابد من حركة، البعثة حقيقة و الهجرة حركة:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً﴾

[ سورة الكهف: 110]

 لقاء الله عز وجل ثمنه عمل، قد تكون الهجرة في معانيها المحدودة أن تنتقل من مكان إلى مكان، من مكة إلى المدينة، أو من أية مدينتين يشبهان مكة و المدينة إلى آخر الزمن، و لكن الهجرة بمعناها الواسع أن تنتقل من عمل إلى عمل، أن تكون في عمل لا يرضي الله فتختار عملاً يرضي الله، أن تنتقل من بيئة إلى بيئة، من مجموعة أصدقاء إلى مجموعة أصدقاء، لابد من حركة من إلى، بل إن عبادة الله في الهرج هجرة إليه، وسعنا معنى الهجرة، و قد ورد عن رسول الله في الحديث الصحيح فيما يرويه عن ربه:

(( الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[ مسلم عن معقل بن يسار ]

 أنت إن أقمت أمر الله في بيتك و في عملك و دفعت الثمن قد يقل زبائنك، و قد ينصرف الناس عنك بسبب إيمانك هذه هي الهجرة، أن تعبد الله في أي ظرف.

 

الحركة نوعان ؛ حركة نحو الله و حركة نحو الشيطان :

 أيها الأخوة الكرام: لأن الإنسان مخير فكل شيء بين يديه حيادي، إن صحّ أن الهجرة حركة فهناك حركة نحو الله:

أنت مخير في حركتك

﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾

[ سورة العنكبوت: 26]

 و هناك حركة نحو الشيطان، ما الذي يضبط هذه الحركة؟ النية، يقول النبي عليه الصلاة و السلام في الحديث المتواتر:

(( إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَإِنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[متفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]

 في عهد النبي عليه الصلاة و السلام رجل سماه الصحابة مهاجر أم قيس لأن أم قيس اشترطت عليه كي يتزوجها أن يهاجر من مكة إلى المدينة فهاجر من أجلها:

(( ...وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))

[متفق عليه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ]

حقائق حول الهجرة :

 أيها الأخوة الكرام ، نحن في ذكرى الهجرة، و الهجرة غيرت مجرى التاريخ، و صححت مسيرة الإنسانية، ففي المدينة انطلقت الدعوة، و تأسست الدعوة، و تكونت الأمة، انطلقت الدعوة إلى الأبيض و الأسود، و الأحمر و الأصفر حتى غدا الإسلام ديناً يعتنقه مليار و ثلث في العالم، و أضحى الإسلام أكثر الأديان انتشاراً في الأرض، على الرغم من ضعف أبنائه، تأسست دولة خرجت من أكنافها دول عظمى، سادت الأرض قروناً، تكونت أمة تحولت بالهجرة من رعاة للغنم إلى قادة للأمم، أخرجت البشرية من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، من ضيق الدنيا إلى سعتها، من جور الأديان إلى عدل الإسلام.
 الحقيقة الثانية أن محبة الأرض التي ولدت فيها طبع مركب بالإنسان، هذه حقيقة ثابتة في كل مكان و زمان، قال تعالى:

﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾

[ سورة النساء: 66]

 المسلم يهاجر ليضمن دينه ودين أولاده
النبي عليه الصلاة و السلام و هو سيد الخلق و حبيب الحق يخاطب مكة: "أما إنكّ لأحب بلاد الله إلى الله، و أحبّ بلاد الله إلّي، و لولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت" بل إن بعض الصحابة بعد أن هاجر وصف للنبي الكريم مكة في الربيع، فدمعت عيناه و قال: يا أصيل لا تشوقنا، إذاً محبة الأرض التي ولدت فيها طبع مركب بالإنسان، و لكن معك تكليفاً أن تبحث عن أرض تعبد الله فيها، أن تبحث عن أرض تكون عزيزاً فيها، أن تبحث عن أرض تضمن فيها سلامة أولادك، و أولاد أولادك، و أولاد أولاد أولادك.
 أيها الأخوة الكرام: الحركة كما قلت قبل قليل إما أن تكون في سبيل الله، في سبيل سلامة الدين، في سبيل طلب العلم، في سبيل نشر الحق، في سبيل تحصيل الرزق إن انقطع الرزق، أو أن تكون حركة في سبيل الشيطان لمزيد من المال، لمزيد من المتع، لمزيد من الرفاه على حساب الدين، و على حساب دين الأهل، و على حساب دين الأولاد، و على حساب مستقبل دين الأولاد، و على حساب ذرية الأولاد.
 أيها الأخوة الكرام: الهجرة حركة إما أن تكون في سبيل الرحمن، و إما أن تكون في سبيل الشيطان، و ما أكثر هجرة المسلمين في سبيل الشيطان، حصلوا بعضاً من الدنيا و ضيعوا دينهم و دين زوجاتهم و دين أولادهم و دين ذرياتهم و دين ذريات ذريات ذرياتهم، فيوم القيامة حينما يوقف الله هذا الإنسان من أجل الرفاه، من أجل مزيد من المال، من أجل التمتع بمباهج الحياة الدنيا، يسأله لم خرجت من بلد تقيم فيه شعائر الله تأمن على دينك و دين أولادك؟ ضيعت كل شيء و لم تأخذ شيئاً.

 

الهجرة من سنن الأنبياء :

 أيها الأخوة الكرام: يبدو أن الهجرة من سنن الأنبياء، فسيدنا إبراهيم عليه السلام هاجر و ترك زوجته في واد غير ذي زرع، و سيدنا لوط هاجر إلى الله عز وجل:

﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾

[ سورة العنكبوت: 26]

 و سيدنا موسى هاجر، و النبي عليه الصلاة و السلام هاجر، و المؤمنون الصادقون و أصحابه الكرام هاجروا، تركوا بلادهم و مدينتهم و أرزاقهم و مكانتهم و كل ميزات بلدهم إلى بلد هم فيه غرباء.
 أيها الأخوة الكرام: قصة الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما خذله أبناء قريش، و حينما تصدوا لهذه الدعوة بكل أساليب العدوان و التنكيل و التعذيب و التكذيب، عرض نفسه على القبائل، هذه القبائل قالت له: إذا مت هل يكون لنا الأمر من بعدك؟ إن أردت ذلك فاكتب لنا، ثم عرض الأمر على أبناء المدينة قبل ستة أشخاص، و في العام القادم قبل اثني عشر، و في العام الذي يليه قبل أن يمنعوه قبل ثلاثة و سبعين رجلاً و امرأتين، من هنا بدأت الهجرة، قال بعضهم: أتعرفون على ماذا تبايعون الرجل؟ تبايعونه على حرب الأحمر و الأسود، كلهم سيقفون ضدكم و سيرمونكم عن قوس واحد:

(( جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة و السلام قال: و الله إني لأحبك، قال: انظر ما تقول، قال: و الله إني لأحبك، قال: انظر ما تقول، قال: و الله إني لأحبك، قال: إن كنت صادقاً فيما تقول للفقر أقرب إليك من شرك نعليك ))

[ ورد في الأثر]

 شرح الحديث دقيق هذا فقر الإنفاق، أكبر وسام شرف تنفقه أنك أنفقت مالك في سبيل الله، و هناك فقر القدر صاحبه معذور، و هناك فقر الكسل صاحبه مذموم، هناك فقر القدر، و هناك فقر الكسل، و هناك فقر الإنفاق، إنك إن عرفت الله عز وجل ينبغي أن تقدم من أجله الغالي و الرخيص و النفس و النفيس.

 

الهجرة فرز للمؤمنين :

 يا أيها الأخوة: معنى آخر من معاني الهجرة، الهجرة فرز للمؤمنين:

﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾

[ سورة آل عمران: 179]

 الهجرة فرز للمؤمنين
هؤلاء المؤمنون سيكونون بعد قليل نواة أمة، نواة دولة، نواة مجتمع متكامل، متعاون، متعاضد لا بد من فرزهم، لابد من تمحيصهم، لابد من أن يمتحنوا، الذي كان مستعداً أن يضحي ببيته و ماله و تجارته و مكانته و من حوله ليذهب إلى المدينة المنورة غريباً، جائعاً، مشرداً، ليس له إلا الله، إن نجح في هذا الامتحان معنى ذلك أنه سينجح في أي امتحان، لماذا في فحص القيادة يضعون الممتحن في أسوأ وضع؟ في أدق حركة في القيادة؟ إن نجح في هذه الحركة فكل حركة قادمة سهلة عليه، الهجرة فرز للمؤمنين.
 أيها الأخوة الكرام، النبي عليه الصلاة و السلام بمكة تصرف على أنه نبي و رسول مبلغ عن ربه، لكن في المدينة فضلاً عن أنه نبي و رسول على أنه ولي أمر المسلمين، كان الإمام الأعظم، والقائد الأحكم، والقاضي الأعدل، والمفتي الأعلى، يقول عليه الصلاة و السلام:

(( مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ ))

[ أحمد عن جابر ]

 هذا تبليغ عن ولي أمر المسلمين، قال أبو حنيفة النعمان رحمه الله تعالى: قال النبي هذا الكلام - من أحيا أرضاً ميتة فهي له- باعتباره إماماً، و قد فسر بعض المفسرين قوله تعالى:

﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾

[سورة التوبة: الآية 103]

 قال بعض المفسرين خوطب النبي بهذه الآية لا على أنه نبي و رسول بل على أنه ولي أمر المسلمين، مال الزكاة يؤخذ أخذاً ولا يؤمر صاحبها أن يدفعها دفعاً لأن مال الزكاة يتعلق به مصالح الأمة.

 

الحكمة من إلغاء الهجرة بعد الفتح :

 أيها الأخوة الأكارم: الهجرة قبل الفتح كانت واجبة وهي بعد الفتح قد ألغيت، لا هجرة بعد الفتح، ما حكمة ذلك؟ هذا الذي آمن لابد من أن يدعم المؤمنين، لابد من أن يكثر سوادهم، لابد من أن يقوي شوكتهم، فالذي يمتنع عن نصرة المؤمنين ليس مؤمناً، الذي يمتنع عن دعمهم وتعزيز مكانتهم وترسيخ قيمهم ليس مؤمناً، ثم إنه في بيئة ذاب فيها، البيئة الشاردة بيئة الطرف الآخر، بيئة تدعو إلى المعصية، بيئة تغري بالدنيا، بيئة تدفع إلى الشهوة، وهذا حال المسلمين في مهاجرهم، كل شيء في هذه البلاد التي لجؤوا إليها وهاجروا إليها من أجل الدنيا، كل شيء يدعو إلى المعصية. سيارة فيها شباب وشابات من مدرسة معينة دخلت إلى حديقة في البلد الذي كنت فيه، الذي جرى بين الشباب والشابات والذي رآه الناس من حولهم من شرف بيوتهم لا يصدق هو ما يجري بين الزوجين فقط، بين الشباب والشابات، فلو كان المرء مهاجراً في هذه البلاد مقيماً فيها وابنه أحد طلاب هذه المدرسة ماذا جرى؟ أين دين ابنه؟ أين دين ابنته؟
 أنزه هذا المنبر العظيم عن ذكر أشياء لا ترضي الله عز وجل في بلاد مهاجر المسلمين، هؤلاء الذين تركوا بلادهم وفيهم أن يقيموا فيها شعائر الله، وفيهم أن يضمنوا دين أولادهم ودين أولاد أولادهم، أرادوا الدنيا فقط فدفعوا الثمن كبيراً، ليس هذا من باب التعميم فالتعميم من العمى، و لكن هذا ما يغلب على معظمهم.
 أيها الأخوة الكرام: الهجرة واجب من أجل أن تسلم بدينك، طبعاً إلى الله و رسوله، و الهجرة واجبة من أجل أن تدعم أبناء دينك، و لكن بعد أن فتحت مكة خرج منها النبي عليه الصلاة و السلام مطارداً و عاد إليها فاتحاً، خرج منها ليلاً و عاد إليها نهاراً، بعد أن فتحت مكة و دخل الناس في دين الله أفواجاً و ملك النبي عليه الصلاة و السلام الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها قال عليه الصلاة و السلام:

(( لا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ....))

[متفق عليه عن ابن عباس رضي الله عنه ]

 أي بطلت نية الهجرة، أي هل يعقل أن أحدنا إذا سافر إلى بلاد الحجاز و انتقل من مكة إلى المدينة يعد مهاجراً؟ و لكن العلماء يقولون: الهجرة باقية إلى يوم القيامة، مادام في الأرض مدينتان تشبهان مكة و المدينة، أية مدينة تضطهد فيها، فيها ضغط يخرجك عن طاعة الله، و أي بلد آخر فيه رخاء و إغراءات تخرجك عن طاعة الله، النتيجة واحدة، ضغط لا يحتمل يخرجك عن طاعة الله ينبغي أن تهاجر، و إغراء لا يحتمل يخرجك أو يخرج أهلك و أولادك عن طاعة الله ينبغي أن تغادر، لأنك مخلوق لعبادة الله، لأن عبادة الله علة وجودك.

 

على الإنسان مغادرة البلد الذي حال بينه و بين عبادته لله :

 أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل:

﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾

[ سورة العنكبوت: 56]

 الهجرة واجبة إلى البلد الذي يقيم شعائر الله
آية بليغة، محكمة، واضحة، يا عبادي الذين آمنوا، يا من آمنتم بي، علة وجودكم في الأرض أن تعبدوني، فإن حال بينكم و بين عبادتي مكان ينبغي أن تغادروه لأن أرضي واسعة، بل إن الذي يهاجر في سبيل الله وعده الله بشيء لا يصدق، وعده برزق وفير، أقسم لي أحد الأخوة أنه فرّ بدينه من بلاد إسلامية تقع في شمال سورية، فر بدينه مشياً على الأقدام هو و أولاده بدينه، قال لي: أنا في الشام الآن أملك خمسة و ثلاثين بيتاً، أقسم لي بالله، أي:

﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً﴾

[ سورة النساء: 100]

 بل إن أحد الأخوة الكرام كان في بلد بعيد جداً عن أن يطيع الله فيه واستمع إلى بعض الدروس, فاتخذ قراراً أن يعود إلى بلده حفاظاً على دينه، وصل إلى الشام و بعد أيام مات بحادث، يقول الله عز وجل:

﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾

[ سورة النساء: 100]

 الإنسان لا يعطي إلا بعد الإنجاز، لكن الواحد الديان يعطي على النية فقط، نوى أن يعود إلى بلده و ما إن استقر أياماً في هذا البلد حتى وافته المنية فقد وقع أجره على الله.
 أيها الأخوة الكرام: حينما يدخل الناس في دين الله أفواجاً، و حينما يستتب الأمر للمسلمين في كل بقاع الأرض، لا هجرة بعد الفتح و لكن ما دام هناك بلدتان تشبهان مكة و المدينة لا بد من أن تغادر البلدة التي تشبه مكة إلى البلدة التي تشبه المدينة.
 أيها الأخوة الكرام: بعد فتح مكة ماذا ردد المسلمون؟ لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، و نصر عبده، و أعز جنده، و هزم الأحزاب وحده، لا شيء قبله و لا شيء بعده.

 

أنواع الجهاد :

 يا أيها الأخوة: يقول عليه الصلاة و السلام:

((من مات و لم يغز و لم ينو الغزو مات ميتة جاهلية ))

 و في حديث آخر:

(( مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 

و هناك جهاد النفس و الهوى، هذا هو الأول، لن تستطيع أن تقنع طفلاً إن كنت مهزوماً أمام نفسك، لابد من أن تجاهد نفسك و هواك، ثم لابد من أن تجاهد في نشر الحق، قال تعالى:

﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾

[ سورة الفرقان: 52]

 سمى الله الجهاد الدعوي جهاد تعليم القرآن و تعليم أحكام الدين جهاداً كبيراً، و إذا أتيح للمسلمين في وقت ما الجهاد القتالي ينبغي أن يجاهدوا أيضاً.

 

من لم يضمن دين ابن ابنه فعليه ترك المكان الذي هو فيه :


 يا أيها الأخوة الكرام، مرة ثانية: الضغوط التي تخرجك عن طاعة الله و كذلك الإغراءات التي تخرجك عن طاعة الله هي في النتيجة سواء، فإذا كنت في بلد تتمتع بحريات لا توصف لكنك لا تستطيع أن تحمل أولادك على معرفة ربهم، و لا على طاعة ربهم، و قد قطعوا عن تاريخ أمتهم، و عن دينهم، هذا البلد ينبغي أن تغادره بل إن لبعض العلماء كلمة سمعتها في مؤتمر سابق أنه إن لم تضمن سلامة دين أولادك و أولاد أولادك و أولاد أولاد أولادك ينبغي أن تغادر البلد فوراً.
يا أيها الأخوة الكرام: يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾

[ سورة النساء: 97]

 و الله أيها الأخوة هذه الآية التي سأتلوها عليكم و الله تقصم الظهر:

﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً * وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوّاً مُبِيناً﴾

[ سورة النساء:100-101]

من هاجر لسبب مشروع و عذر مقبول عند الله فلينو الدعوة :

 شيء آخر أيها الأخوة: إذا هاجرت لسبب مشروع و عذر مقبول عند الله، قال العلماء: ينبغي أن تنوي الدعوة ؟ لماذا؟ لأن الدعوة فرض عين على كل مسلم، و إلا فأنت لست متبعاً لرسول الله، تأتي آية أخرى تقول:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾

[ سورة آل عمران: 31]

 معنى ذلك الذي لا يدعو إلى الله على بصيرة الدعوة التي هي فرض عين ليس متبعاً لرسول الله و لا يحب الله هكذا الآية:

﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾

[ سورة آل عمران: 31]

 فمن هاجر بأسباب مقبولة عند الله، من هاجر لأسباب يرضاها رسول الله، و أقام في بلد ينبغي أن ينوي الدعوة إلى الله، النتيجة أن أكبر قطر إسلامي في الأرض سبب إسلام أبنائه الذين هاجروا إليه؛ إندونيسيا، ماليزيا، بنغلادش، باكستان، كل هذه البلاد لم تصلها الجيوش الإسلامية إنما وصل إليها التجار، حينما استقروا في هذه البلاد، وحينما دعوا إلى الله عز وجل كانوا مشاعل نور لهذه الأمم الشاردة.

 

الهجرة المعاكسة :

 أيها الأخوة الكرام: حقيقة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يعينني في خطبة قادمة على الخوض فيها والحديث عن دقائقها الهجرة المعاكسة، وكأن هذا الموضوع نحن في أمس الحاجة إليه، ما من شاب إلا في ذهنه أن يسافر، ما من تاجر إلا في ذهنه أن يهاجر ولا يدري ماذا هناك، لا يدري أنه تأتي عليه ساعة يذوب فيها من الألم، والله دخلت إلى مدرسة بناؤها وأجهزتها شيء لا يصدق بمئات الملايين أردت أن ألقي كلمةً على أبنائها كلهم أبناء المسلمين فوجئت أنهم لم يفهموا عليّ أية كلمة، إلى أن جاء المترجم، قلت: سبحان الله! أنا في مدرسة لأبناء الجالية الإسلامية العربية بالضبط، ما منهم طالب يحسن أن يفهم كلمةً واحدة لأن اللغة العربية ساعة واحدة في اليوم وثلاث وعشرون ساعة يتكلم باللغة الإنكليزية.
 إذا أردت إنفاذ أمر فتدبر عاقبته
قطع عن أمته، عن دينه، عن قرآنه، عن سنة نبيه، وهؤلاء أفضل الفئات هناك فكيف بالشاردين عن الله؟ إذا أردت إنفاذ أمر فتدبر عاقبته، عد إلى المليار قبل أن تقرر مغادرة بلد مسلم، هناك فساد، فساد في كل مكان حتى أكون واقعياً، لكن إمكاناتك على مقاومة الفساد هنا أكبر بمليون مرة من إمكاناتك على أن تقاوم الفساد هناك، فالهجرة موضوع مصيري، نحن في حركة إلى الله عز وجل، إما أن تكون حركة إلى الله إني مهاجر إلى ربي، وإما أن تكون حركة إلى الدنيا، إلى مزيد من المال، أما حينما ينقطع الرزق كلياً فهناك بحث آخر، أما إذا كنت في بلد مسلم يمكن أن تعيش فيه حياةً معتدلة أو متقشفة فهناك ميزات لا يعلمها إلا الله ولا تعرفها إلا إذا غادرت البلد الإسلامي، لا تعرفها.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا لغيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني..

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018