أحاديث قدسية - الدرس : 19 - ثواب القرآن الكريم- يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الدرس : 19 - ثواب القرآن الكريم- يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة.


2002-11-24

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الله تعالى خلق السموات والأرض ونورهما بالشمس :

 أيها الأخوة الكرام، مما يستفاد من قوله تعالى:

﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة النور: 35 ]

 أي أن الله خلق السموات والأرض، ونورهما بالشمس، والمعنى الأقوى: ونورها بالوحي، فأنت في حياة دنيا، الله عز وجل تفضل على عباده، وبين لهم علة وجودهم وغاية وجودهم، وماذا بعد الموت، وماذا في الماضي السحيق، بيّن لهم كل شيء، فالله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم نور الحياة، لذلك ورد اسم القرآن الكريم بأنه نور قال تعالى:

﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا ﴾

[ سورة النساء: 174 ]

 وفضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه، أي ما من كتاب في حياة الإنسان يعلو على القرآن، ما من كتاب حقائقه قطعية مئة بالمئة إلا القرآن، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ما من كتاب من دفته إلى دفته هو صدق وعدل، لا تزيد آيات القرآن على أن تكون خبراً فهي صادقة، وعن أن تكون أمراً فهي عادلة.

 

القرآن الكريم من أي جانب أخذه الإنسان يسعد :

 لذلك ورد في بعض الأحاديث القدسية فيما أخرجه ابن ماجه في سننه في باب ثواب القرآن الكريم:

((يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ إِذَا دَخَلَ الْجَنَّةَ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فَيَقْرَأُ وَيَصْعَدُ بِكُلِّ آيَةٍ دَرَجَةً حَتَّى يَقْرَأَ آخِرَ شَيْءٍ مَعَهُ))

[ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري]

 وفي رواية: اقرأ و ارقَ. من أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقّر ما عظمه الله.
 أيها الأخوة، هذا القرآن الكريم من أي جانب أخذته تسعد، إن أخذت القرآن من تجويده وتلاوته يرفع الله لك شأنك في الحياة، إن أخذته من باب فهم معانيه وتفسيره، إن أخذته من تدبره وتطبيقه، من أية زاوية أخذت القرآن هو لك نور وضياء ودرجات علا في الجنة، إذاً: يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: اقرأ واصعد، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه.
 الحقيقة أن الناس - وهذه مشكلة كبيرة - مخزونها غير قرآني وغير نبوي، مخزون أخبار، أخبار الفنانين والفنانات، الأحياء منهم والأموات، مخزون حوادث، مخزون صناعة، مخزون مخترعات، يحدثك ساعات طويلة على أنواع السيارات، وميزات كل سيارة، و ينبهك هذه وإن كانت ألمانية لم تصنع في ألمانيا صنعت في البرازيل، فالأخ مستوعب كل أمور السيارات، أو مستوعب كل أمور لعبة الكرة واللاعبين، ودخل اللاعبين، وانتقال اللاعبين من فريق إلى فريق، ويتابع أخبار الرياضة وكأنها دين قد يستوعب كل الفنانين والممثلين، هذه مشكلة، هذا الوعاء بما ملئ؟ المؤمن يملأ من القرآن، مستوعب آيات القرآن، وأحكام القرآن، وقصص القرآن، ومواعظ القرآن، والآيات الكونية في القرآن، والحلال الذي أحله القرآن، والحرام الذي حرمه القرآن، وكل آية له منها بحث ودرس، فجوف الإنسان إذا ملئ قرآناً كان من سعداء الدنيا والآخرة، أما أن يملأ من السخافات، والضلالات، والشبهات، والشهوات، وما يشغل الناس، فقد خسر.

 

القرآن ربيع القلوب و منهج الإنسان :

 أخوتنا الكرام، إن شعرت بالغربة فأنت مؤمن ورب الكعبة، لأن:

(( إِنَّ الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ ))

[ سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِك ]

 إن شعرت أنك غريب عمن حولك فأنت مهتم بالقرآن، مهتم بهذا المنهج القويم الذي جاء به النبي الكريم، مهتم بآخرتك، مهتم بمكارم الأخلاق، مهتم بهموم المسلمين، تتمنى لهم الفوز والنصر، وآخرون مهتمون بموضوعات أرضية، قال تعالى:

﴿ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ﴾

[ سورة الأعراف: 176 ]

 أيها الأخوة، الحديث عن القرآن حديث طويل، على كلٍّ:

(( من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت))

[ ورد في الأثر]

 التقيت بابن أحد علماء مصر في مؤتمر في المغرب قال لي: والدي كان شيخ الأزهر، عمر أبي عندما مات كان مئة وثلاثين عاماً وكان متمتعاً بكل قواه العقلية والجسمية، وجوارحه وحواسه:

(( من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت))

[ ورد في الأثر]

 هذا القرآن ربيع القلوب، منهج الإنسان، ما من كتاب تقرأه فتعبد الله كالقرآن، يقرأ تعبداً، ومستحيل وألف ألف مستحيل لجوف حوى القرآن أن يحوي معه الغناء مستحيل:

(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ ))

[ سنن أبي داود عن أبي سعيد ]

 والمؤمن يطرب لسماع القرآن كما يطرب أشد الناس تعلقاً بأغنية يحبونها، أي طرب المؤمن بالقرآن الكريم يفوق ملايين المرات طرب أشد الناس تعلقاً بالقرآن.

 

الابن هو صدقة جارية لأبيه إلى يوم القيامة :

 حديث آخر هذا الحديث رواه ابن ماجه في سننه في باب بر الوالدين:

(( إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول أنا هذا فيقال باستغفار ولدك لك))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 صار معنا حديثان؛ الأول: أنك ترقى بكل آية تقرأها، وتحفظها، وتتقن تلاوتها، وتفهمها، وتتدبرها، وتطبقها، كل آية ترقى درجة، الآن ابنك الذي من صلبك الذي ربيته على كتاب الله، ربيته على قيم الدين، ربيته على العقيدة الصحيحة، ربيته على الوجود في المساجد، ربيته على إعمار المساجد، هذا الابن هو صدقة جارية لك إلى يوم القيامة.
 صدقوا أيها الأخوة، ما من عمل - وأنا أعني ما أقول- يفوق عند الله كعمل أن يكون ابنك امتداداً لك، أن تربي ابنك على ما أنت مؤمن به، ما أنت مهتم له، ما أنت ساع من أجله.

(( إن الرجل لترفع درجته في الجنة فيقول أنا هذا فيقال باستغفار ولدك لك))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 حدثني أخ قال لي: أنا نشأت في أسرة متفلتة أشد التفلت، بل تبيع الخمر، جدي وأبي وأنا نبيع الخمر، يكسبون أرزاقهم من المقاصف، ومن النوادي الليلية، والمراقص، والملاهي، وما إلى ذلك، هذا الأب الذي حدثني تاب الله عليه، وتاب إلى الله عز وجل، قبل أن يتوب على الله له ابن صالح، كل معطيات البيئة لا تدعو أن يكون ابنه صالحاً، ولكن الابن كره بيئة أسرته، وهذا الانحراف، وهذا البيع للخمر، وهذه المقاصف، وما فيها من معاص وآثام، أقسم لي بالله أن ابنه كان يصلي الليل بالقرآن، وكان ولياً في بيئة من أشد البيئات انحطاطاً، قال لي: كلما كان يصلي أضربه، هو يبيع الخمر لماذا الصلاة ؟ كلما رآه يصلي يضربه، والابن ساكت إلى أن تاب الله على الأب، فكان عند الابن توبة الأب عيد، وكان هذا الابن بأخلاقه واستقامته وتطبيقه لمنهج الله عز وجل أحد أسباب توبة والده.
 قصة ثانية:
 امرأة أيضاً متفلتة جداً من ملهى إلى ملهى، ابنها يقيم في أمريكا، تزوج امرأةً من أمريكا مسلمة، فجاءت هذه المرأة إلى الشام، ما الذي حمل الأم على أن تتوب من الفن ومن التمثيل ومن الاختلاط والسهر حتى الفجر في الملاهي؟ رأت هذه الإنسانة المسلمة الأمريكية تصلي الليل، تتحجب، تتصدق، فصغرت أمامها.
 مبدئياً أنت حينما تقدم للمجتمع ابناً صالحاً هذا عمل يفوق كل شيء، وإذا توفى الله الإنسان كلما عمل ابنه عملاً صالحاً ارتقى درجة في الجنة، ممَ هذا يا رب؟ يقول له: من استغفار ولدك لك، لكن بالمقابل الولد الصالح يمكن أن يكون سبباً لهداية والديه.

 

المؤمن في الجنة يرقى بالقرآن ويرقى بتربية أولاده :

 أنا أوجه الكلام الآن إلى نموذجين؛ إلى ابن صالح بالإحسان، والصبر، والحلم، وامتصاص الغضب، والخدمة المخلصة، يمكن أن تأخذ بيد أمك وأبيك إلى طريق الحق، وأنت إذا ربيت ولداً صالحاً فكل أعماله في صحيفتك.
شيء يلفت النظر أن المؤمن في الجنة يرقى بالقرآن آية آية، ويرقى بتربية أولاده موقفاً موقفاً، ويوماً بيوم، فاحرصوا على تربية أولادكم.
 ككلمة أخيرة لم يبقَ - وكلامي دقيق- في أيدينا نحن المسلمون من ورقة رابحة إلا أولادنا، أي فقدنا كل شيء؛ بقي ، وأولادنا يعني مستقبلنا، مستقبلنا هو من صنع أولادنا، أنا أذكر قصة بشكل سريع؛ أخ من أخواننا تربى في هذا المسجد، وربى أولاده في هذا المسجد، أحد الأولاد فتح له معملاً صغيراً في مصر لأسباب معينة، فهذا الابن يقود مركبة في الليل، كان متعباً اصطدم بمركبة أمامه اصطداماً بسيطاً جداً، يبدو في المركبة التي أمامه كان هناك رجل كبير في السن، فوق التسعين من الصدمة توفي فوراً، فاتصل بمدير أعماله من مصر، فهذا اتصل بأقرب مخفر قال له: تعال بعد ساعة إلى المخفر الفلاني، جاء هذا الأخ الكريم ليرى ماذا حدث، فإذا كل شيء على ما يرام، الضبط مكتوب والحق على المركبة الأولى، و أن المركبة الأولى هي التي صدمته، أي عكس الأمر، فقال له: هذا لم يقع هذا عكس ما وقع، قال له: وقّع وانتهي، قال له: لا أوقع، قال له: لمَ لا توقع ؟ قال: هذا الذي حدث غير هذا الذي كتب، هذا فيه ظلم، أنا الذي تسببت بموت هذا الإنسان، وأنا لا أوقع هذا الضبط، فقال الضابط: أنا لم يمر بي إنسان أنا أريد أن أخلصه وهو يوقع نفسه، دفع ديته وعيّن أولاده في المعمل.
 أنا أعتز بهذا الطالب، ما قبل أن يتسبب بقتل إنسان، ويصير هناك تواطؤ، ويُكتب ضبط خلاف الواقع أبداً، أنا حينما أربي أولادي على الصدق والأمانة والمسؤولية، حينما أربي أولادي على عقيدة صحيحة وقيم إسلامية، أنا أكون قد عملت شيئاً عظيماً.
 ممكن أن يكون هناك طبيب و هناك حادث تسميم أي قتل عن طريق السم، وقد يعطى الطبيب عشرة ملايين على أن يكتب أن الوفاة طبيعية، وقد يكون الطبيب في أمس الحاجة إلى مئة ألف لا إلى مليون، فيكتب أن في الوفاة جريمةً، أنت حينما تنتج طبيباً ومدرساً وتاجراً ومهندساً لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يحابون أحداً، هم مع الحق، نكون قد قوينا على أعدائنا.
 قلت اليوم في ندوة: هذا النصر كما يتوهم الناس مستحيل؛ نحن قاعدون مرتاحون لا نفعل شيئاً، غارقون في الشهوات، نبحث عن متع لنا، مصالحنا فوق كل شيء، ونرجو الله أن ينصرنا؟! لأننا مسلمون هذا أبعد من السماء إلى الأرض، النصر يحتاج إلى قيم، إلى مبادئ صحيحة.
 الحديثان: ترقى درجة بتلاوة القرآن، وإتقانه، وفهمه، وتطبيقه، وترقى درجة بتربية أولادك.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018