أحاديث قدسية - الدرس : 14 - أنفق يا بن آدم أنفق عليك - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

أحاديث قدسية - الدرس : 14 - أنفق يا بن آدم أنفق عليك


2002-11-19

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الإنفاق يحتاج إلى إيمان بالله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام: أخرج البخاري في صحيحه قال:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ اللَّهُ أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ))

[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 لكن الإنفاق يحتاج إلى إيمان، أنت حينما تؤمن أن الرزاق هو الله تنفق، وقد طمأنك الله عز وجل أن أي شيء تنفقه يعلمه ويعوضه عليك، والمنفق يحتاج لهذين الشرطين، أن يشعر أن الله يعلم وسيعوضه.

((قَالَ اللَّهُ أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ))

[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

أسباب زيادة الرزق :

1 ـ الاستغفار :

 أيها الأخوة: الله عز وجل ذكر في القرآن الكريم أسباباً عدة في زيادة الرزق فقال:

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[ سورة نوح: 10-12 ]

 الاستغفار أحد أسباب الرزق، يبدو أن الاستغفار محاسبة النفس، وأنت حينما تحاسب نفسك وتعود إلى الحق تتوقف المعالجة، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[ سورة النساء : 147]

2 ـ صلة الرحم :

 وأن صلة الرحم تزيد في الرزق، فهذا الذي يعتني بأهله، وأخواته، وبأخوته، وأولاد عمه، وأولاد خالته، وبمن يلوذ به، يتفقد شؤونهم، يمدهم بالمساعدات، هذا يعده الله عز وجل برزق وفير.

3 ـ الإيمان والتقوى :

 ثم إن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾

[ سورة الأعراف : 96 ]

 آمن بالله، واتقى أن يعصيه، واستقام على أمره.

 

4 ـ الاستقامة :

 وآية أخرى:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾

[ سورة الجن: 16-17 ]

 الاستقامة، والإيمان، والتقوى، والاستغفار، وصلة الرحم، هذه كلها تزيد في الرزق.

 

5 ـ أداء الصلاة :

﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً﴾

[سورة طه:132]

 بيت تؤدى فيه العبادات، يقام فيه شرع الله، هذا البيت مرزوق، ومحل تجاري يستقيم على أمر الله، والله قصص كثيرة عن أخوة في أصعب الظروف، لكنهم استقاموا استقامة تامة في تعاملهم، فكأنهم مستثنون في الجو العام، جو الفساد العام.
 ليس إلا الله، فالاستقامة تسبب بحبوحة الرزق، والإيمان يسبب بحبوحة الرزق، والتقوى تسبب بحبوحة الرزق، والاستغفار يسبب بحبوحة الرزق، وأداء الصلوات والعبادات تسبب بحبوحة الرزق، وصلة الرحم تسبب بحبوحة الرزق.

 

6 ـ الأمانة :

 بقي الأمانة، يقول عليه الصلاة والسلام:

((الأَمَانَةُ غِنى))

[ أخرجه القضاعي في مسند الشهاب ]

 الأمين يملك أثمن شيء في الحياة، ثقة الناس به، والأمناء أعمالهم رائجة لأنهم انتزعوا ثقة الناس، بينما الذين يكذبون ويحتالون هؤلاء يفقدون ثقة الناس، وربما فقدوا أرزاقهم وأعمالهم: الأمانة غنى.

 

7 ـ إتقان العمل :

 إتقان العمل أحد أسباب زيادة الرزق، وبعض الأخوة الذين لهم صنعات معينة، المتقنون منهم لا يتوقفون أبداً، بينما الذين لا يتقنون أعمالهم ربما يعملون في أيام الرواج، أما في أيام الكساد فينصرف الناس عنهم، فمن إتقان إلى أمانة إلى استغفار إلى استقامة إلى إيمان واتقاء وصلاة وبقية أسباب وفرة الرزق.

الرزق رزقان؛ كسب ورزق :

 والرزق أيها الأخوة، رزقان كسب ورزق، فالكسب هي الأموال التي جمعتها ولم تنفقها، محاسب عنها كيف جمعتها، لكن الرزق هو الشيء الذي انتفعت به، فالثوب الذي ترتديه هو الرزق، والزوجة التي عندك في البيت هي رزق الله سبحانه وتعالى ساقه إليك، وهدية الله إليك، والبيت الذي تسكنه، والمركبة التي تركبها، والأكل الذي تأكله.... المستهلكات هي الرزق، والمكتسبات هي المال الذي جمعته، فما قولكم بإنسان يجمع ويحاسب ولا ينتفع؟ لذلك أندم الناس من عاش فقيراً ليموت غنياً، والله أذكر أن رجلاً ترك أموالاً طائلة بعد سبعة أيام رأوا ابنه متوجهاً إلى الملهى، فسئل إلى أين أنت ذاهب يا فلان؟ سأذكر عبارته الحرفية قال: ذهب يسكر على روح والده! أندم الناس رجل جمع المال وورثته أنفقوه في الحرام، فهو ورثهم هذا المال بشكل أو بآخر، أندم الناس رجل دخل ورثته بماله الجنة ودخل هو بماله النار، هو جمعه من حرام، وورثته انتقل إليهم حلالاً، هذه قضية تحتاج لتفصيل، لو أن المال حرام ومعروف صاحبه ينبغي أن يرجع لأصحابه، هذا موضوع ثان، أما له دخل حلال ودخل حرام والأمر غير واضح فيأخذونه حلالاً.
 أيها الأخوة، قضية الكسب والرزق مهمة جداً، فالكسب هو المال الذي تجمعه ولا تنتفع به، بينما الرزق هو المال الذي تنتفع به.

المال الذي ينتفع به الإنسان ثلاثة أقسام :

 المال الذي تنتفع به أقسام ثلاثة: بعضه مأكولات هذه تفنى، وبعضه ملبوسات هذه تبلى، والذي يبقى من المال الذي انتفعت به الصدقات والأعمال الطيبة، لذلك:

((عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقْرَأُ أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ قَالَ يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي مَالِي قَالَ وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ ))

[مسلم عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ ]

 وسأضع بين أيديكم نصين الأول أن السيدة عائشة رضي الله عنها كان عليه الصلاة والسلام يوزع شاة فوزع معظمها، ولم يبق من الشاة إلا كتفها فقالت له:

((عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَقِيَ مِنْهَا قَالَتْ مَا بَقِيَ مِنْهَا إِلَّا كَتِفُهَا قَالَ بَقِيَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا))

[الترمذي عَنْ عائشة ]

 الذي أنفقته هو الباقي، الإنسان حينما يغادر الدنيا كل شيء أنفقه هذا الذي يراه في القبر، أما الذي تركه فهذا لا ينتفع به.
 صدقوني أيها الأخوة، في بيتي ما يزيد عن عشر وصايا لم تنفذ ولا واحدة ! بعد أن يموت الأب يبخل أولاده عليه بألف ليرة أوصى بها للفقراء والمساكين، هم أولى من هؤلاء! فهذه نصيحة: ما من وصية أودعت عندي ونفذت، فلذلك درهم تنفقه في حياتك أفضل ألف مرة من درهم ينفق بعد مماتك لأنه لن ينفق.
 ودرهم تنفقه في إخلاص أفضل من مئة ألف درهم ينفق في رياء، الإخلاص الإخلاص، أنفق في حياتك، ولا تكن تحت رحمة الورثة.
 أعرف رجلاً ترك عدة أبنية وطلب أن ينفق على طلاب العلم مئة ألف ليرة، ترك عدة أبنية و أهله والله لم يسمحوا بهذا المبلغ !

 

الله تعالى يكرم من ينفق ماله في سبيله لأنه هو الكريم لا أنت :

 شيء آخر أخواننا الكرام: البخيل العياذ بالله كيف عندنا مرض خبيث، عضال، مدمر، هناك مرض خبيث عضال مدمر يصيب النفس ألا وهو الشح.

﴿ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾

[ سورة الحشر : 9]

 البخيل يتمنى أقرب الناس موته، من المفارقات العجيبة أن البخيل قد يمرض ويأتي أهله بالطبيب، يسألونه بلهفة كيف حال الوالد؟ يقول: جيدة جيداً، ينزعجون! هم يريدون أن تكون الحالة خطيرة ليرتاحوا منه، أما الخيّر المنفق الكريم يتمنى أبعد الناس عنه أن يبقى، ففرق كبير بين أن يتمنى من حولك أن تموت، وبين أن يتمنى لك طول عمرك وبقائك.
 أيها الأخوة الكرام: هذا منطلق نظري في الموضوع، لكن والله أعرف أناساً لا يعدون ولا يحصون يدهم سخية ينفقون، يعطون، الله سبحانه وتعالى يكرمهم أضعاف أضعاف ما ينفقون، لأن الله هو الكريم لا أنت، فإذا أنفقت فالله ينفق عليك:

(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))

[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]

((قَالَ اللَّهُ أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أُنْفِقْ عَلَيْكَ))

[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018