الدرس : 3 - سورة التحريم - تفسير الآيتان 6 ـ 7 - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 3 - سورة التحريم - تفسير الآيتان 6 ـ 7


1997-02-14

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
 أيها الإخوة الكرام، مع الدرس الثالث من سورة التحريم، ومع الآية السادسة، وهي قوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾

 يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ

أيها الإخوة الكرام.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا ﴾

 1 ـ قُوا

 هذا فعل أمر من وقى، هناك يومٌ آخر، وهناك حسابٌ دقيق، وهناك جزاءٌ، وهناك مصيرٌ ؛ إما إلى جنةٍ يدوم نعيمها أو إلى نارٍ لا ينفد عذابها، فالنار التي ذكرها الله في القرآن الكريم حق، وكل إنسانٍ شرد عن الله، وعصاه، وأوقع الأذى في عباده فلابدَّ من أن يدخل النار، فلذلك ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

 أي إياكم أن تفعلوا فعلاً يوجب لكم النار.
 القضية خطيرة جداً، الإنسان وهو في الدنيا يعيش مع الأفكار وكأنها أفكارٌ ليس غير، لكنه يوم القيامة هذه الأفكار تنقلب إلى حقائق، هذا الذي قرأه في القرآن الكريم يراه واقعاً أمامه، فلذلك علامة الندم باديةٌ على وجوه الذين شردوا عن الله عزَّ وجل، الله جلَّ جلاله يقول:

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾

 

 لابد من يوم تُسَوَّى فيه الحسابات:

 يا من آمنتم بي، يا من آمنتم بوجودي، يا من آمنتم بوحدانيتي، يا من آمنتم بكمالي، بعدالتي، بربوبيتي، أنتم في حياةٍ دنيا، أنتم في دار ابتلاء، أنتم في دار امتحان، لابدَّ من يومٍ آخر، هذا اليوم تسوّى فيه الحسابات، يؤخذ للمظلوم من الظالم، يؤخذ من القوي للضعيف، يدفع الإنسان ثمن انحرافه، وثمن خطئه، وثمن شروده، وثمن معصيته..

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ﴾

 الحقيقة مركز الثقَلِ في الآية عند كلمة:

﴿ وَأَهْلِيكُمْ ﴾

 2ـ أَهْلِيكُمْ

 الأهل الزوجة، والأولاد، ومن يلوذ بك، ومن تنفق عليه، ومن تتولَّى أمره، هؤلاء أهلك..

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ﴾

 كيف تقي نفسَك وأهلكَ النارَ ؟

 العلماء لهم عند هذه الآية وقفةٌ متأنِّية، قوا أنفسكم بالطاعة، وقوا أهليكم بالنصيحة، بالأمر والنهي، أولادك أهلك، زوجتك أهلك، أخواتك اللواتي في بيتك أهلك، والدتك أهلك، والدك أهلك..

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ﴾

 أنت لا تستطيع أن تكون وصيّاً على الآخرين، لأن النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق قال الله تعالى له:

 

﴿ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ ﴾

 

( سورة هود )

﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ ﴾

( سورة ق: الآية 45 )

﴿ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ﴾

( سورة الزمر )

﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ ﴾

( سورة البقرة: الآية 272 )

﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾

( سورة الرعد )

 ومع ذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمر عشيرته الأقربين، يقول الله عزَّ وجل:

﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215) ﴾

( سورة الشعراء )

 لابد من الدعوة إلى الله بين الأهل والأقارب:

 أنا لا أصدِّق أن مؤمناً أنار الله قلبه، وعرَّفه الحقيقةَ، وكان على بيّنةٍ من أمره، وآتاه الله رحمةً من عنده ثم يسكت، يرى مَن حوله في شرود وهو ساكت، يرى مَن حوله في انحراف وهو ساكت، يرى أقرب الناس إليه يقيم على معصية الله وهو ساكت، يرى زوجته تخرج بطريقةٍ لا ترضي الله وهو ساكت، يرى بناته شارداتٍ عن الله وهو ساكت، يرى أولاده لا يصلّون وهو ساكت، هذا الشيء مستحيل لا يتناسب مع الإيمان إطلاقا، لا يمكن أن يُقبَل من مؤمن أودع الله في قلبه الإيمان، ونوّر قلبه وبصيرته أنه لا يأمر أقرب الناس إليه ؛ زوجته، أولاده، أخواته البنات، إخوته الذكور، والده إذا كان يقبل النصيحة، والدته، هؤلاء أهلك..

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ﴾

 أيها الإخوة الكرام، الإمام مجاهد يقول: " قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيتكم ".
 ماذا تملك مع أختك إلا أن تنصحها ؟ إلا أن تبيِّن لها ؟ إلا أن تقنعها ؟ إلا أن تسمعها الحق ؟ إلا أن ترشدها إلى سواء السبيل ؟ إلا أن تقدِّم لها خدمةً في دنياها من أجل أن تستميل قلبها ؟ هكذا افعلوا مع أخواتكم، ومع إخوتكم، ومع أولادكم، ومع زوجاتكم، ومع آبائكم، ومع أمَّهاتكم، هؤلاء الذين هم حولك أوكلك الله بهم، هذا معنى:

(( فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ الْعَوَامَّ ))

 فلا يوجد واحد منَّا إلا و له أم، له أب، له زوجة، له أخ، له أخت، له ابن أخ، ابن أخت، جار، قريب، صديق، زميل، هؤلاء الذين حولك لا ينبغي أن تنساهم من الهدى الذي أكرمك الله به، كيف كنت شارداً، تائهاً، بعيداً عن الحق، منغمساً في المعاصي والآثام، وجاء رجل، وأحسن الظن بك، ودلَّك على الله، وأخذ بيدك إليه، وعاونك على طاعته، زارك مرَّةً، وأقنعك مرَّةً، وقدَّم لك هديةً مرَّةً، واستمال قلبك مرَّةً، وتلطَّف معك مرَّةً إلى أن ملت إلى الحق ؟ كيف فُعِل بك افعل مع الآخرين ؟

﴿ كَذَلِكَ كُنتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾

( سورة النساء: الآية 94 )

 أيها الإخوة الكرام، الحقيقة أن المؤمن الصادق شُغْلُه الشاغل من يلوذ به ؛ إخوته، أخواته، والإنسان عبد الإحسان..
 " يا داود، ذكِّر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جُبِلت على حبِّ من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها ".
 بإمكانك أن تستعبد الأحرار بإحسانك، بإمكانك أن تستعبدهم، بمعنى أن تجعلهم يميلون إليك، بإحسانك، لماذا أنت مكتوف اليدين ؟ ماذا تنتظر ؟ زوجتك أحسن إليها بالكلمة الطيّبة، والحركة الطيِّبة، والإيناس، والتلطّف، أولادك إن رأوك حريصاً عليهم، على مستقبلهم، على مكانتهم، على عملهم، على دنياهم، على زواجهم، على استقرارهم يميلون إليك، و لن تستطيع أن تهدي الناس وأنت قاسِ، لن تستطيع أن تهدي الناس وأنت عليهم.. كما يقولون: جبَّار، لن تستطيع أن تهديهم إلا إذا فتحت قلوبهم، لذلك الإحسان قبل البيان، والقدوة قبل الدعوة، والأصول قبل الفروع، والتربية لا التعرية، هذا كُلَّها من مبادئ الدعوة إلى الله.
 أيها الإخوة الكرام، صَدِّقوا والله شهيدٌ على ما أقول: ما من عملٍ أعظم بعد أن تؤمن بالله عزَّ وجل من الدعوة إليه، ما من عملٍ أعظم بعد أن شرَّف الله قلبك بالهدى، وملأ قلبك إيماناً ونوراً، وعرَّفك بذاته وبمنهجه، ما من عملٍ أعظم من أن تشكر الله بهداية خلقه إليه، كيف أن الله سبحانه وتعالى حَلُم عليك، وانتظرك، وأرسل لك من يبلِّغك، ومن يهديك، ومن يبين لك، واستجبت مرَّةً، ولم تستجب مرَّةً، قصَّرت وتَعَسَّرت، قمت وقعدت، والله سبحانه وتعالى حليمٌ عليك ؟ كيف عاملك الله عزَّ وجل ؟ أنت مكلَّفٌ أن تعامل عباده الشاردين كما عاملك يوم كنت شارداً، من هم أقرب الناس إليك ؟ أهلك، وأولادك، أيعقل أن يظهر خيرك في الآخرين، وأقرب الناس إليك محرومٌ من هذا الخير ؟!!

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ﴾

 أنا لا أتصوَّر مؤمنًا قد هداه الله وحده وهو يهمل أولاده، وزوجته، وأصدقاءه، بل إن إخوةً كثيرين جزاهم الله عنَّا خيراً، أصحابهم في الجاهلية يأخذون بيدهم واحداً واحدا إلى طريق الحق، زملاءهم في العمل، جيرانهم، أصدقاءهم، كلَّما ازداد الإيمان في قلبك توَسَّعت دائرة نشاطك، فمن زوجتك وأولادك إلى إخوتك وأخواتك، إلى عمَّاتك وخالاتك، إلى أولاد عمِّك وبنات عمِّك، إلى جيرانك، إلى زملائك، إلى أصدقائك، إلى الأصدقاء السابقين، هؤلاء كما منَّ الله عليك بالهدى، كما أنعم الله عليك بنعمة الهدى، كما نوّر الله قلبك بالهدى، كما عرَّفك بذاته وبمنهجه، كما حملك على طاعته، كما عرَّفك بأهل الحق، لماذا أنت مكتوف اليدين ؟ ماذا تنتظر ؟ تحرَّك، قم بزيارةٍ لهذا الصديق، أسمعه الحق، اذكر له ما سمعت في درسٍ معيّن، اذكر له ملخَّص خطبةٍ سمعتها، أعطه شريطًا، تفقَّده من حينٍ إلى آخر، جاء العيد قدِّم له هدية، جاءه مولود بارك له بهذا المولود، قدِّم له هديةً لتستميل قلبه شيئاً فشيئاً، فإذا أنعم الله عليك بأن جعل هداه على يديك فهذه أعظم تجارةٍ على الإطلاق، ماذا أقول لكم والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لعلي رضي الله عنه:

 

(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ ))

 

[ متفق عليه ]

(( خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس ))

(( خيرٌ لك من الدنيا وما فيها ))

 إن أيّ عطاءٍ تأخذه من الله في الدنيا ينتهي عند الموت، لو كنت أغنى أغنياء الأرض، لو سكنت في أجمل بيتٍ في الأرض، لو كانت عندك أجمل زوجةٍ على الإطلاق، لو أنك ارتقيت إلى أعلى منصبٍ في الأرض، يأتي الموت فيأخذ كل هذا منك في ثانيةٍ واحدة، أما العمل الذي عملته لهداية الخلق فهذا الذي يُرافقك إلى أبد الآبدين، هذا الذي تسعد به يوم الدين، هذا الذي ترقى به عند رب العالمين، هذا الذي يرفعك إلى أعلى علِّيّين، لذلك المؤمن الصادق شغله الشاغل هداية من حوله، فمن أقرب الناس إليه ؟ زوجته، أولاده، إخوته وأخواته، عمَّاته وخالاته، جيرانه وأصدقاءه، زملاءه، كلمة طيّبة، كلمة مؤنسة، زيارة خالصة لوجه الله، حديث طيّب، تفسير آية، تفسير حديث، شريط، افعل شيئاً، تحرَّك، اخرج من ذاتك..
 ذكرت من قبل أن الإنسان حينما يتيه عن منهج ربه ينتمي إلى ذاته فقط، لا يعنيه إلا أمر نفسه، لا تعنيه إلا ذاته، لا يعنيه إلا بيته، هذا يعيش لذاته، هذا ليس له عند الله أدنى قيمة، لأنه شرد عن منهج الله، لأن الله عزَّ وجل يقول:

﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾

( سورة المائدة )

 حينما ترى أن بضعة أشخاصٍ اصطلحوا مع الله على يديك، وتابوا إلى الله بجهدٍ منك، وأقاموا أمر الله في بيوتهم بتوجيهٍ منك، واستطاعوا أن يستقيموا كما تريد، وأن يلتفتوا إلى الله كما تتمنَّى، ما شعورك وأنت قد رددت خلق الله إلى الله ؟
الأب الذي له ولدٌ شاردٌ عنه، إذا جاءه رجل صديق فعثر على ابنه شارداً، فعلَّمه وهذَّبه، وأقنعه بوالده، وأطعمه وسقاه، وردَّه إلى أبيه، ماذا يقول الأبُ لهذا الصديق ؟ يقول له: فعلت معي معروفاً لا أنساه حتى الموت، الله يُحبُّ خلقه جميعاً، هو الذي خلقك، محبَّتنا كلَّها مُسْتَقاةٌ من محبة الله لعباده، هو خلقهم، هو أرحم بهم من أنفسهم.
 حينما تتبرَّع أيها الأخُ الكريم فتأخذ بيد إنسانٍ إلى طريق الحق، تُقنِعه بأن يستقيم على أمر الله، تدلَّه على الله، تُعينه على الإقبال على الله، تبيِّن له طريق الجنَّة والسعادة فالله سبحانه وتعالى سيشكرك، وإذا شكرك الله فحدِّث ولا حرج، خالق الكون يَشْكُرك على عملك، خالق الكون قدَّمت له عبداً تائهاً فصار مطيعاً منيباً إليه..

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

 أنا وسَّعت الدائرة قليلاً، الآية هي:

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

 أقرب الناس إليك أهلك الذين هم في بيتك، أولادك، بناتك.
 أيها الإخوة، من يصدِّق أن معظم البيوت فيها بنات، البيت الذي فيه بنتٌ واحدة يمكن أن تكون ضمانةً لدخول الجنَّة لأبويها..
 عَن عُقْبَةَ بْن عَامِرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

 

(( مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ، وَأَطْعَمَهُنَّ، وَسَقَاهُنَّ، وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

 

[ أحمد ]

 البيت موضع لأعمال صالحة كثيرة:

 بنت واحدة ألا تستطيع أن تستميل قلبها ؟ ألا تستطيع أن تقدِّم لها شيئاً يسرَّها ؟ ألا تستطيع أن تحملها على طاعة الله ؟ ألا تستطيع أن تأمرها بالصلاة ؟ ألا تستطيع أن تُحَجِّبها ؟ ألا تستطيع أن تعلِّمها أحكام دينها ؟ ألا تستطيع أن تكون ليِّناً معها ؟ أن تميل إليك، وأن تميل إلى اتجاهك وإلى سلوكك !! بنتك الوحيدة في البيت يمكن أن تكون طريقاً إلى الجنة، أبواك اللذان هم في البيت ببرِّهما يمكن أن تكسب الجنة بسببهما.
 أيها الإخوة الكرام، هذه آيةٌ دقيقةٌ جداً، يخاطبنا ربنا عزَّ وجل فيقول:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ﴾

 أنت مكلَّفٌ أن تهديهم إلى الله، مكلَّفٌ أن تحببهم بالله عزَّ وجل، ورد في بعض الأحاديث القدسية:

 

(( يا رب، أيّ عبادك أحبُّ إليك حتى أحبَّه بحبِّك ؟ قال: أحبَّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبَّني، وأحبَّ من أحبَّني، وحبَّبني إلى خلقي، قال: يا رب، إنك تعلم أني أحبُّك، وأحبُّ من يحّبك، فكيف أحبِّبك إلى خلقك ؟ قال: ذكِّرهم بآلائي ونَعْمائي وبلائي ))

 

ادخل إلى بيتك تجد هناك آلاف الأعمال الصالحة ؛ أولادك، بناتك، الكلمة الطيّبة، الكلمة المؤنسة، الابتسامة، الهدية، الشيء الذي يفرحهم إن فعلته استملت قلوبَهم، ودللتهم على الله، أهلك زادك إلى الجنة، وكما قال عليه الصلاة والسلام:

(( خير كسب الرجل ولده ))

[ الجامع الصغير عن أبي بردة ]

 أهلُ الرجل قرةُ عينه:

 على الإطلاق خير كسب الرجل ولده، بل إن هداية الأهل لها جزاءٌ معجَّلٌ في الدنيا قبل الآخرة، فما جزاؤها في الدنيا ؟ أن يكون الأولاد قرَّة عينٍ لآبائهم، والآباء يعلمون هذه الحقيقة، فشعور الأب حينما يرى ابنه يُصَلِّي، ويغضَّ بصره، ويتكلَّم الحق، شعور الأب وهو يرى زوجته تصلّي مثله، وتحبّ الله مثله، وترعى حقوق دينها مثله، حينما يرى الزوج زوجته حريصةً على صلاتها وصيامها وزكاتها وطاعتها لله عزَّ وجل، وهي تعينه على أمر دينه فإن قلبه يمتلئُ سكينةٌ لا توصف، وهذا ما ذكرته الآية الكريمة:

﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾

( سورة الفرقان )

 حينما تصل إلى الدار الآخرة تُسأل: ماذا فعلت بأولادك ؟ جعلك الله قيماً عليهم، جعل الإنفاق عليهم بيدك، جعل أمرهم إليك، جعلهم أبناءك فماذا فعلت بهم ؟ هل قصَّرت في حقِّهم ؟

 لابد من رعاية تامة ومراقبة صارمة للبيت:

 أيها الإخوة، أنا أدعوكم لتكون بيوتكم جنَّةً بتوجيه أولادكم، أما إذا كان في البيت ملهيات فإنهم لا يرونك إطلاقاً، فمن أنت ؟ يتابعون هذا المُسَلْسَل، كن أنت مَحَطَّ أنظارهم، كن أنت الموجِّه لهم، اجعل بيتك بيتاً فيه القرآن يُتلى، اجعل بيتك بيتاً فيه الصلوات تؤدَّى، اجعل بيتك مسجداً، ولا تجعله ملهى، وهذا باختيارك أنت، فإذا قلت: هكذا الأمر، فماذا نفعل ؟ هذا لا يُقبل عند الله عزَّ وجل..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

 أجمل قول في هذه الآية قول الإمام مجاهد: " قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصيَّتكم ".
 ينبغي أنى لا تسكت، ينبغي أن تتكلَّم، ينبغي أن تأمر، وأن تنهى، ينبغي أن تتغاضب أحياناً، ينبغي أن تغضب، ينبغي أن يَرَوْكَ ليناً في أمر الدنيا شديداً في أمر الآخرة، ليناً جداً في أمر الدنيا شديداً جداً في أمر الآخرة، لكن بعض الآباء بالعكس، هم أشدَّاء جداً في أمر الدنيا، ليّنون جداً في أمر الآخرة، إذا انتهكت حرمات الله عزَّ وجل لا يبالون، لا يدقِّقون، تخرج ابنته إلى الشرفة بثيابٍ فاضحة فلا يتكلَّم ولا كلمة، أما إذا كُسِرَ طبقٌ من الصحون تقوم الدنيا ولا تقعد، لن تستطيع أن تربيهم إلا إذا كنت عكس ذلك، ليناً متسامحاً في أمور الدنيا، شديداً شدَّةً كبيرةً في أمور الآخرة، إذاً: " قوا أنفسكم بأفعالكم، وقوا أهليكم بوصَّيتكم ".

 كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ:

 يقول عليه الصلاة والسلام:

(( وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))

[ متفق عليه عن ابن عمر ]

 أسوق هذه الكلمة للآباء: إنَّ فساد الزمان لا يُعفي الآباء من المسؤولية، أنت تقول: الزمان فاسد ماذا أفعل ؟ أنت مسؤولٌ عن أولادك شئت أم أبيت، في أي ظرفٍ، وفي أي عصرٍ، وفي أي مصرٍ، وفي أي بيئةٍ، أنت مسؤول، بإمكانك أن تفعل المستحيل لو أردت، لذلك:

 

(( يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ))

 هناك نمط جديد، الأب في المسجد وفي الصف الأول، وابنته تنطلق سافرةً بأبهى زينةٍ، وهو لا يتكلَّم كلمة، لو سألته ماذا يقول ؟ يقول: والله نصحتها ولم تنتصح، انتهى أمرك ؟ نصحتها مرَّةً، ثم سكتت، وانتهى الأمر ؟ أليس هناك أساليب كثيرة ومحاولات متكرَّرة ؟ تضييق أحياناً، ترغيب أحياناً، أن تكون معها دائماً، أن تقنعها كثيراً، الإمام الحسن يقول:

 

 

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ﴾

 

 من معاني: قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ

" يأمرهم وينهاهم ".
وقال بعض العلماء: " قوا أنفسكم دخل فيه الأولاد، لأن الولد بعضٌ من الإنسان، وجزءٌ منه "، فالزوجة أهل، والأولاد في الدرجة الأولى، الزوجة والأولاد في الدرجة الأولى، ثم الإخوة والأخوات، ثم الأب والأم، ثم العمَّات والخالات، ثم الجيران، ثم الأقارب، ثم الأصدقاء، ثم الزملاء، هؤلاء الذين هم حولك، وقد نوّرك الله بالهدى، هؤلاء الذين تتعامل معهم كل يوم، هؤلاء الذين تلتقي بهم، هؤلاء الذين مكَّنك الله من أن تكون مشرفاً عليهم، هؤلاء الذين أناط الله أمرهم إليك، هؤلاء من أهلك.
 الآية الكريمة:

﴿ وَلَا عَلَى أَنفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ ﴾

( سورة النور )

 بيوت أولادكم سمَّاها الله بيوتكم، فلأن تكون أنت مكلَّفًا بهداية الابن من باب أولى، لك أن تأكل من طعامه من دون إذنه، فكيف بهدايته إلى الله عزَّ وجل ؟ ما معنى:

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ﴾

 قال: يُعَلِّمه الحلال والحرام، ويجنِّبه المعاصي والآثام إلى غير ذلك من الأحكام، وقال عليه الصلاة والسلام:

 

(( حق الولد على الوالد أن يُحسِن اسمه، وأن يعلِّمه الكتابة، وأن يزوِّجه إذا بلغ ))

 

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة، وفي سنده ضعف ]

 هذا من حق الولد على الوالد، هؤلاء الآباء الذين يقولون: أنا كنت عِصامياً يا بني، ولتكن أنت كذلك، قد يأتي زمانٌ هذا الكلام لا يصح فيه، لا يستطيع الابن الآن أن يكون عصامياً لأن الحياة معقدةٌ جداً، لا يستطيع أن يبني ذاته بذاته من دون دعمٍ خارجي، فإن زلَّت قدمه وانحرفت أخلاقه فالأب مسؤولٌ عنه، وكل أبٍ وأنا أعني ما أقول: كل أبٍ إذا كان بإمكانه أن يزوِّج ابنه، وأن يُحَصِّنه ولم يفعل، وزلَّت قدم الابن فالأب مسؤولٌ عن زلَّة ابنه، إلى درجة أنه يوم القيامة قد يقول الابن لأبيه، أو قد يقول البنت لأبيها: " يا رب لا أدخل النار حتى أُدخِل أبي قبلي ".

 حصِّنوا أولادكم بالزواج:

 أيها الإخوة، بعض الآيات التي قد يَحارُ فيها الإنسان:

﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ ﴾

( سورة النور: الآية 33 )

 بربكم أيعقل أن تجِدوا في الأرض كلَّها مؤمناً واحداً يجبر ابنته على الزنا من أجل أن يكسب منها ؟ أنا لا أُصدِّق أن يوجد في الأرض كلَّها، في شتَّى بِقاعها، في كل قارَّاتها مؤمنٌ واحد يجبر ابنته على الزنا من أجل أن يكسب منها مالاً، فما معنى الآية، والآية موجَّهةٌ للمؤمنين ؟

 

﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾

 إذا جاء خاطب فلا تضع العراقيل أمامه، لا تبحث عن إنسانٍ يسدّ حاجاتك، يحلّ مشكلاتك، ابحث عن إنسانٍ كُفء لابنتك، وانتهى الأمر، هذه نقطة دقيقة جداً، إنك إن رددت الخاطبين بلا سببٍ وجيه فكأنك قَوَّيت فيها الشهوة، فإن زلَّت قدمها فأنت المسؤول، أنت لا ترضى ولا ترغب، ولا يعقل أن تفكِّر في هذا الاتجاه، ولكن تعنُّتك وإعضال ابنتك، ووضع العراقيل أمام خُطَّابها من أجل أن تصل إلى مستوىً يدغدغ طموحك فإن هذا وحده ربَّما كان إكراهاً لابنتك على الانحراف، وأنا أعرف إنساناً كلَّما جاء خاطب بحث عن أحسن، إلى أن هربت ابنته مع صديق، وتزوَّجها كرهاً وقهراً عن أبيها، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

 

 

﴿ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾

 أي إن وضعتم العراقيل، وضعتم الشروط التعجيزية أمام خطَّاب بناتكم فربّما أدَّى ذلك إلى أن ينحرفن، وأن تزل أقدامهن.

 

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

 يقول عليه الصلاة والسلام:

 

(( حق الولد على الوالد أن يُحسِن اسمه، ويعلّمه الكتاية، ويزوجه إذا بلغ ))

 

[ الجامع الصغير عن أبي هريرة، وفي سنده ضعف ]

 حينما تزوجه تحصِّنه، ومن تزوج فقد ملك نصف دينه، فليتق الله في النصف الآخر، لذلك أي أب بإمكانه أن يزوج أولاده ولا يفعل فهو عند الله آثم.
 وأقول لكم كلمة أخرى، واسمحوا لي أن أقولها: أيّ أبٍ إذا وَهَبَ لابنته بيتاً صغيراً يأتيه أفضل خاطبٌ لها، إذا كان زواج ابنته متوقفاً على أن يؤمِّن لها بيتاً يختار من بين الخطَّاب ما يشاء، البيت مشكلة كبيرة جداً، فأن تهب لها بيتاً في حياتك، وأن يكون هذا البيت سبباً في زواجها فإن هذا عملٌ طيّبٌ جداً، والعبرة أن لا تغادر الدنيا إلا وقد قرَّت عينك بأولادك ذكوراً وإناثاً، وحينما تزوج ابنك قطعت عليه تسعة أعشار طريق الانحراف.. " من تزوج فقد ملك نصف دينه فليتقي الله في النصف الآخر ".. هذا تعلقي على قول النبي عليه الصلاة والسلام:

 

(( وليزوجه إذا بلغ ))

 أنا الآن أقول لكم: أنا من أنصار الزواج المُبَكِّر، لأن وضع العالم فسادٌ عريض، نساءٌ كاسياتٌ عاريات، مائلاتٌ مميلات.. فلابدَّ من أن تحصِّنوا شبابكم بالزواج، لابدَّ من أن نفكِّر تفكيراً جمعياً بتأمين بيتٍ صغير، غرفةٍ ومنافعها، يجب أن نفكِّر تفكيرا جديا في تأمين البيوت للشباب، أنا والله كلَّما أرى أباً باع بيتاً في دمشق، وسكن هو وأولاده خارج دمشق من أجل أن يزوِّجَهُم، أنا أراه بطلاً، أعرف أناساً كثيرين يسكن في أرقى أحياء دمشق، باع بيته واشترى أربعة بيوت بثمن بيته، وزوّج أولاده، هذا عند الله بطل، لأنه أحصنهم جميعاً، هؤلاء الأولاد حينما يرون أباهم حريصاً هذا الحرص يحترمونه احتراماً لا حدود له، أما إذا تنعَّم الأبُ بيتٍ واسع، وأكل أطيّب الطعام، وشرب أطيّب الشراب، وارتدى أجمل الثياب، وأولاده يحتاجون إلى غرفة يتزوجون فيها، ولا يعنيه أمرهم فهؤلاء الأبناء يتمنون موت أبيهم، إذا جاء الطبيب إليه، وقال لهم: قضيته بسيطة جداً عرضية، فإنهم يتألَّمون ويقولون: ليتها كانت غير عرضية..

 

﴿ يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ ﴾

( سورة الحاقة )

 لذلك إن أردت أن يحبك أولادك، وأن يتمنَّوا بقاءك فوقهم فكن محسناً إليهم، هذه مسؤولية الآباء..
 أقول لكم هذه الكلمة أيها الإخوة: لو لم يكن لك من عملٍ على الإطلاق إلا أنك ربِّيت أولادك، وحصَّنتهم بالزواج، والله الذي لا إله إلا هو هذا العمل وحده كافٍ لدخولك الجنَّة، ليس لك عملٌ آخر إلا أن أولادك ذكوراً وإناثاً رَبَّيتهم، وعرَّفتهم بربهم، وحصَّنتهم بالزواج، ثم غادرت الدنيا، فإن هذا العمل ليس له جزاءٌ إلا الجنة.. انتبهوا.. إن دخلت البيت فهناك ألف طريقٍ يوصلك إلى الله وأنت في بيتك، قبل أن تخرج إلى السوق وأنت في البيت، الإنسان جنَّته بيته، وأهله أولاده وزوجته، فإذا كان حريصاً على دينهم، على استقامتهم، على صلاتهم، على تفقيههم أمر دينهم، على تعليمهم القرآن، على حملهم على طاعة الواحد الديَّان، إذا كان كذلك فالطريق إلى الله سالك.

 تربية الأولاد على الدين:

 ويقول عليه الصلاة والسلام:

(( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ ))

[ الترمذي عن عمرو بن سعيد بن العاص، وهو مرسَل ]

 هذا كلَّه ينطوي تحت قوله تعالى:

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ﴾

 أي آن الأوان أن تخرج من ذاتك إلى خدمة الخَلق، ومن أقرب الناس إليك ؟ أهلك الذين في البيت، أقول لكم هذه الكلمة: الآخرون أنت لهم وغيرك لهم، أما أهلك وأولادك فمن لهم غيرك ؟ الآخرون أنت لهم وغيرُك لهم، فإن لم تتقدَّم أنت تقدَّم غيرك، إن لم تعاون أنت عاوَن غيرك، أما هؤلاء الذين في البيت فمن لهم غيرك ؟ من يعرفهم إلا أنت ؟..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

 لا يُقبَل منك أن تنجو بنفسك من النار، وهذا ليس من الوفاء أن تعاشر امرأةً أربعين عاماً، قد اهتديت إلى الله، وأدِّيت الصلوات الخمس، وأقبلت على الله، ولم تبال بدينها، لا تصلي، أيعقل أن تراها لا تصلي وأنت ساكت ؟ أيعقل أن تراها متبذِّلةً وأنت ساكت ؟ أيعقل أنها تُقيمُ على معصيةٍ أمامك وأنت ساكت ؟ أهذا وفاءٌ مع زوجتك ؟ هذه التي عاشت معك أربعين عاماً تدعها إلى النار ؟ لذلك الأمر الإلهي:

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾

 نريد بيوتا مسلمة، أنا أقول لك هذه الكلمة: أنت في دائرتين ملِكٌ فيهما ؛ بيتك وعملك، لو أن كل مسلمٍ أقام الإسلام في بيته وفي عمله لكنَّا في حالٍ غير هذا الحال، بيتك وعملك أقم فيهما الإسلام، وتنتهي مهمتك، ولست مكلَّفاً أكثر من ذلك، هؤلاء الذين جعلهم الله تحت يدك، وتحت توجيهك، هؤلاء الذين أناطهم الله بك، وجعل إنفاقهم عليك، هؤلاء الذين أهلك وخاصَّتك..

(( فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ الْعَوَامَّ ))

 ورد في الحديث الشريف:

 

(( حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا، وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ، وَدَعْ الْعَوَامَّ ))

 

[ الترمذي عن أبي ثعلبة الخشني ]

 من هم خاصَّة نفسك ؟ أهلك وأولادك، وإخوتك وأخواتك، وأبوك وأمك، وعمَّاتك وخالاتك، وجيرانك وأقرباؤك، وأصدقاؤك وزملاؤك، هؤلاء خاصَّة نفسك، لذلك الدعوة إلى الله فرض عين على من ؟ فرض عينٍ على كل مسلم من دون استثناء، الدليل:

 

﴿ وَالْعَصْرِ(1)إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ(2)إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾

 

( سورة العصر )

 التواصي بالحق أحد أركان النجاة، لا تنجو من الخسارة المحقَّقة إلا بالتواصي بالحق، إنك إن تواصيت بالحق وَسَّعْتَ دوائر الحق، وضَيَّقْتَ دوائر الباطل، أما إذا سكتت نما الباطل، وضيّق على الحق.
 شيءٌ آخر.

﴿ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي ﴾

( سورة يوسف: الآية 108)

 إن كنت متبعاً لرسول الله فإنك تدعوا إلى الله على بصيرة، الدعوة المتاحة الآن لك خاصَّة نفسك.
 عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ))

 

[ أبو داود ]  يا الله، هذا كلامٌ مختصرٌ مفيد..

(( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ ))

 وفي حديثٍ آخر عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الرَّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

 

(( مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ إِذَا بَلَغَ سَبْعَ سِنِينَ، وَإِذَا بَلَغَ عَشْرَ سِنِينَ فَاضْرِبُوهُ عَلَيْهَا ))

 لذلك:

 

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾

( سورة طه )

 البيت بين نسمات الرزق والرحمة وأخطبوط الخيانات والفتن:

 

 ما علاقة الأمر بالصلاة والرزق ؟ العلماء استنبطوا أن البيت الذي يُصلي أهله مرزوق، وأن البيت الذي يؤْمَر أهله بالصلاة مرزوق، وأن البيت الذي تقام فيه شعائر الدين مرزوق، وأن البيت تكون فيه الأعمال الصالحة مرزوق، وأن الأب إذا انشغل بالأمر بالصلاة لأولاده فإن الله يتكفَّل له برزقه، هذه بِشارة:

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ ﴾

 والله سمعت عن أسرة نرجو الله أن نكون مثلها، يستيقظون قبل الفجر جميعاً يصلون قيام الليل، ثم يؤذِّن الفجر فيصلون الفجر جماعةً، ثم لهم أورادٌ يذكرون الله فيها، وبعدها ينطلق كلٌ إلى عمله، البيت ينتهي الساعة السابعة تنظيفاً وترتيباً، الطعام يُعَد الساعة السابعة والنصف ينطلق كل أفراد الأسرة.. طبعاً الذكور.. إلى أعمالهم، وقد أدوا ما عليهم من قيام الليل، ومن صلاة الفجر، ومن الذكر، ومن الأعمال الطيّبة، مثل هذا البيت ماذا تتوقَّع أن يكون فيه ؟ جنَّة، بيتٌ تؤدَّى فيه الصلوات، أما إلى الساعة الثانية مسلسلات، فهذا صار شيئا آخر، ودخلنا في عالمٍ آخر..
 قال لي مرَّة أحدهم: هناك مسلسل واحد فيه ثلاثة عشر خيانة زوجية، ماذا يتعلَّم الناس من هذه المسلسلات ؟ الخيانات، الانحراف، الاختلاط، التبذُّل، لذلك البيت الذي لا يُقرأ فيه القرآن، ولا تؤدَّى فيه الصلوات هذا بيتٌ خرِب، هذا بيتٌ عشعش فيه الشيطان، لذلك بلا سبب مبرر ترى مشكلات في البيت لا تنتهي ؛ خصومات، تصرُّفات قاسية جداً، دائماً المشاحنات، البغضاء، الخصومة، لأتفه سبب تُطَلَّق المرأة، لأتفه سبب تُضرَب المرأة، الزوج في واد، والزوجة في واد، والأولاد في واد، هذا بيتٌ يسكنه الشيطان، لا تؤدَّى فيه الصلوات، لا يُتلى فيه القرآن، اجعل بيتك مسجداً، اقرأ القرآن، أذكر الله عزَّ وجل..
 أنا أذكر أنَّ بعض الإخوة المؤمنين يأتون إلى بيوتهم كما يقولون: دخولهم إلى البيت عيد، والتفاف أولادهم حولهم عيد، والوفاق الذي بينهم وبين زوجاتهم عيد، هذا هو العيد، أن تسعد بأهلك، أنا أركِّز على هذا..
 آية اليوم..

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾

 معنى: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ

﴿ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾

 لها معانٍ كثيرة..
 أن هذه الأصنام التي تعبدونها من دون الله.. في الجاهلية يوم جاء النبي عليه الصلاة والسلام بالإسلام فرأى قومه يعكفون على أصنامٍ لهم.. قال:

(( هذه النار وقودها الناس والحجارة، هذه الأصنام في النار ))

 

﴿ إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ ﴾

( سورة الأنبياء )

 أراد الله جلَّ جلاله أن يبيِّن لنا شدَّة النار، كلكم يعلم أن الأفران كلَّها تُصنَع من حجر أسود، أرض الفرن حجر أسود، فما قولك بهذا الحجر إذا ذاب من شدَّة الحر ؟ إذاً: ما حرارة هذه النار ؟ أنا سمعت أن الرصاص يذوب في درجة مائة، أما الحديد فلا يذوب إلا في درجة ألف وخمسمائة، أما حجر البازلت الأسود فلا يذوب إلا في ثلاثة آلاف درجة، هل تصدِّق أن ترى حجراً أسوداً يسيل كالماء من شدّة الحر ؟ هذا معنى قول الله عزَّ وجل:

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾

 أنا أريد أن يقف الإنسان موقفاً واضحاً، هذا كلام الله، إذا كنت مصدِّقاً لما فيه كيف تعصي الله ؟ هذا كلام حقيقي أم تخويف ؟ قف موقفاً واضحاً، هذا الكلام حقيقي أم تخويف ؟ هل يليق بالله أن يخوِّفنا دون أن يفعل شيئاً ؟ هذا لا يليق بمقام الله عزَّ وجل، هذا كلام الله، هذا مصير كل عاصٍ أو كل كافرٍ..

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾

 حقيقة مهمة:

 

 أيها الإخوة الكرام... هذه المشاهد.. مشاهد يوم القيامة.. لها حكمةٌ بالغة، الذي سيكون وَضَّحُهُ الله لنا قبل أن يكون لنكون على بينةٍ من أمرنا، هذا مشهد من مشاهد يوم القيامة.
أختم هذا الدرس بهذه الحقيقة وأنا ذكرتها مئات المرَّات: مهما بلغت من درجات العلو في الدنيا، فما هي الأشياء المستحيلة ؟ أن تكون أغنى أغنياء العالم ؟ أن تكون أقوى أقوياء العالم ؟ أن تحتلّ أرفع منصبٍ في العالم ؟ صَدِّق أو لا تصدِّق إن كان أولادك أشقياء تشقى بشقائهم، ولو بلغت قمَّة المجد في العالم، ولن تسعد إلا بأولادٍ أتقياء أطهار، وهذا يحتاج إلى جهدٍ كبير، ليكن ابنك معك دائماً، ائت به إلى المسجد، راقب أصدقاءه، راقب أين يذهب، ومن يصاحب، ممن تعلَّم هذه القصَّة، أين سهر هذه الليلة، لابدَّ من أن تراقبه لأن إثمه متعلِّقٌ بك، لذلك تسعد بسعادة أولادك، تشقى بشقائهم، وهذا الكلام دقيق جداً، وأنا أقوله كثيراً، لأنه جزء أساسي من إيمانك تربية أولادك، ليكونوا امتداداً لك، ليكونوا استمراراً لك، فالأولاد أفلاذ الأكباد، فإن شقوا شقي الآباء بشقائهم.
 أيها الإخوة... تكفينا هذه الآية، ولتكن منهجاً لنا في حياتنا، ليلتفت كلٌ منَّا إلى بيته، إلى زوجته، إلى أولاده، ليُقِم الإسلام في بيته، وفي عمله، وعلى الله الباقي، لا نطالبكم إلا بهذا، أقم الإسلام في بيتك، ودع عنك أمر العامَّة، أقمه في عملك، ودع عنك أمر العامَّة، لو فعلنا هذا لكنَّا في حالٍ غير هذا الحال إن شاء الله تعالى، وبإمكانك أن تصل إلى الجنة من خلال بيتك، من بيتك فقط بإمكانك أن تصل إلى أعلى مراتب الجنَّة إذا كنت أباً صالحاً، أو زوجةً وفيةً مخلصةً، أو ابناً بارَّاً، أو أخاً يعين إخوته على طاعة الله عزَّ جل.
 وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتابع هذه الآيات:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾

( سورة التحريم: الآية 7 )

 خاتمة:

 حينما أرى إخوتنا الكرام معهم أولادهم الصغار أشعر بسعادةٍ لا توصف، ابنك يجب أن يكون معك، يجب أن يألف المساجد، وهو في سنٍّ صغيرة، يجب أن يرى في المسجد كل تكريم، أنا أتألَّم أشدَّ الألم إذا وقف صبيٌّ في صفٍ من الصفوف، وأرجعه أحدٌ إلى الوراء، أتألَّم أشدَّ الألم، في أيّ صفٍّ وقف يجب أن يبقى في مكانه، ورد عن النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه قُدِّم له شراب، وكان عن يمينه غلامٌ صغير، وعن شماله شيخٌ كبير، فقال:

(( يا غلام، أتأذن لي أن أسقي الشيخ الذي عن شمالي ؟ فقال: لا والله، لا أأذن له إنه حقّي ))

[ ورد في الأثر ]

 أرأيتم إلى هذه التربية ؟ غلامٌ يجلس إلى جنب رسول الله من حقِّه أن يشرب بعده، لم يتنازل عن حقِّه لغيره، الطفل ينبغي أن يكون في المسجد مُعَزَّزا مكرَّما، يجب أن يحبُّ المسجد، يجب أن يأتيه طوعاً، فلو أن الأب كافأه على ذهابه إلى المسجد بهديةٍ أو بشيءٍ محبِّبٍ يكون قد ساهم في هدايته وهو لا يدري، يجب أن تكرِّمه إذا كان في المسجد.
 أنا أعلم أُناساً كثيرين إذا جاء ابنهم إلى المسجد يقيمون عليه النكير، أما إذا ذهب إلى الملاهي، وفعل الموبقات فلا شيء عليه، يقولون: هو يعيش وقته، أما إذا عرف الله في المسجد خافوا عليه عندئذٍ، خافوا عليه أن يستقيم، ولم يخافوا عليه أن ينحرف.
بالمناسبة هذا كلام خطير: الأب الذي يظهر من أولاده صلاحٌ وهداية، وليس راضياً عن هدايتهم وصلاحهم فليس له أجرٌ إطلاقاً في صلاحهم، لأنه ما أراده لهم، أراد عكس ذلك، وليس للإنسان إلا ما سعى، يقال له: أنت لم تسع إلى هذا، أنت رفضت هذا الاتجاه، وما كل أبٍ يثاب على تربية أولاده، فإذا نشأ الابن على طاعة الله، ولم يرض أبوه هذا الاتجاه فليس له أجر إطلاقاً، أما إذا حرص الأب على هداية ابنه، واهتدى ابنه إلى الله فله كل الأجر..

 

﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ﴾

 

( سورة الطور: الآية 21 )

 أي إن أعمال ذريّاتهم ألحقناها بهم.

﴿ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ ﴾

( سورة الطور: الآية 21 )

 نحن أمامنا أبوابٌ واسعةٌ جداً مفتَّحةٌ في بيوتنا إلى الجنة، اعتنوا بأهليكم وأولادكم ومن يلوذ بكم، وليكن شعار كل واحدٍ منَّا أن يكون في المسجد مع أولاده، مع إخوته وأخواته، مع جيرانه وأقربائه، مع شركائه، مع زملائه، مع أصدقائه، كما هداه الله عزَّ وجل فليأخذ بيدهم إلى الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018