الخطبة : 0680 - الطفولة والأسرة - تأثير التلفاز في المنزل . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0680 - الطفولة والأسرة - تأثير التلفاز في المنزل .


1998-10-30

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنـا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغامـاً لمن جحد به وكفر. وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر أو سمعت أذن بخبر. اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرِنا الحــق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممــــن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الله تعالى هو الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها :

 أيها الأخوة الكرام: موضوع الخطبة اليوم حول الطفولة والأسرة، وهما من أخطر ما في حياتنا الاجتماعية والدينية، ولهذا الموضوع مقدمة لابد من وضعها بين أيديكم.
 في القرآن توجيهات وقائية حكيمة لكل ما يؤذي الأسرة
نحن أمة - أيها الأخوة - شرفنا الله بالإسلام، وكرمنا به، وأعزنا به، ولهذه الأمة كتاب هو وحي السماء إلى الأرض، هو كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وكما تعلمون فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه. في هذا الكتاب توجيهات وقائية حكيمة لكل ما يؤذي الأسرة ويقوض دعائمها، وفي هذا الكتاب أدوية علاجية فعالة لكل أمراض الأسرة، وإذا صحّ أن يكون الإنسان - كما يقول بعض العلماء - أعقد آلة في الكون، فإنه يصح أيضاً أن تكون هذه التوجيهات القرآنية، وتلك الأدوية التي هي في القرآن الكريم تعليمات الصانع لهذه الآلة، وكما تعلمون بالبديهة أن الجهة الصانعة هي الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تتبع تعليماتها، لأنها الجهة الخبيرة، قال تعالى:

﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر : 14]

 وما من إنسان عنده آلة بالغة التعقيد، حاسوب أصابه خلل، وإلى جانبه جار طيب جداً، يبيع الخضراوات، لا يمكن أن يدفع إليه هذا الكومبيوتر، مستحيل، يبحث عن الخبير الذي يعلم دقائق هذا الجهاز، إنك لا تسلم آلة إلا غير الخبير، أفتسلم أسرتك وأولادك إلى غير الخبير؟

 

تعريف الحق :

 شيء آخر ؛ الناس يبحثون عن الحق، ما الحق؟.. قال بعض العلماء: الحق لابس خلق السموات والأرض:

﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة الأحقاف : 3]

 أي لابس الحق خلق السموات والأرض، ما الحق؟ نكشفه من كتاب الله:

﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة الأحقاف : 3]

 الحق هو الشيء الهادف
ما خلقناهما إلا بالحق.. أما الباطل فهو الشيء الزائل، والحق نقيض الباطل، إذاً الحق هو الشيء الثابت، الدائم، المستمر، والجدار الذي تبنيه من دون أسس علمية لا يستمر، يقع، أما إذا بنيت الجدار وفق أسس علمية بشاقول، وبمواد أساسية، وبأساس جيد، فهذا الجدار لا يتقوض، بني ليبقى، لأنه وفق الحق، فكل شيء بني وفق الحق يستمر، وكل شيء بني خلاف الحق ينهار.
 التعريف الثاني للحق:

﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة الأحقاف : 3]

 الحق نقيض اللعب.. أيحسب الإنسان أن يترك سدى..

﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾

[سورة المؤمنون: 115-116]

 فالحق هو الشيء الهادف، لا الشيء العابث، هذا الحق الذي يبحث عنه الناس جميعاً، يقول لك: الحقيقة، الحق.. الحق: هو ما نقل عن الله عز وجل، هو القرآن، قطعي الثبوت، والسنة الصحيحة وفق التفسير الأصولي، هذا هو الحق، والعقل الصريح ليس العقل التبريري، والفطرة السليمة، ليست الفطرة المشوهة، والواقع الموضوعي، ليس الواقع غير الموضوعي المزور، فالحق تتقاطع فيه خطوط النقل الصحيح، مع التأويل الصحيح، وخطوط العقل الصريح، وخطوط الفطرة السليمة، وخطوط الواقع الموضوعي؛ لأن النقل كلامه، ولأن الكون خلقه، ولأن العقل مقياس أودعه فينا من عنده، ولأن الفطرة جبلة جبلنا عليها. لابد من هذا التطابق، وهذا الحق هذا مقياسه.

 

الأطفال هم الجيل الصاعد الذي تعلق عليه الأمة آمالها :

 الآن نعود إلى الأطفال.. الأطفال - أيها الأخوة - غراس الحياة، قطوف الأمل، قرة عين الإنسان، زهور الأمة المتألقة، والمتفتحة، هم الجيل الصاعد الذي تعلق عليه الأمة أملين كبيرين، هما أخص واجبات الحفاظ على مكاسب الأمة في شتى الميادين، وتحقيق مكاسب جديدة، كي تحقق الأمة الرسالة التي شرفها الله بها، قال تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[سورة البقرة : 143]

 ولكن هذه الواجبات الملقاة على عاتق الجيل الصاعد لن تتحقق إلا إذا بذلت الأمة لأبنائها كل عناية واهتمام، وكل غال ورخيص، وكل نفس ونفيس، وقد وجه الإسلام عنايته إلى تربية الأطفال حتى يسعد بهم المجتمع، ويسعدوا هم بالمجتمع، ولكن الشيء الذي يحير ويلفت النظر إعجاباً، هو أن الإسلام لم يأمر بالعناية بالطفل من يوم مولده بل رعاه فكرةً، واحتضنه غيباً، وخطط لمستقبله، ولم يزل أمنية هائمة في ضمير الغيب، لأن الأسرة في الإسلام لها خطورتها ومكانتها، لهذا لابد للإسلام من أن يصحح أول لبنة من لبناته ألا وهي الطفل.
 أيها الأخوة: سئل عملاق الإسلام سيدنا عمر رضي الله عنه: ما حق الولد على أبيه ؟.. فأجاب إجابةً رائعة، قال: أن يحسن انتقاء أمه، هذا أول واجب على الآباء تجاه الأبناء، أول حق للأبناء على الآباء أن يحسن اختيار أمه، وأن يحسن اسمه، وأن يعلمه القرآن، كيف لا والطفل هو العنصر الأول في بناء الأسرة، وهو الذي يسعد أهله ويشقيهم، يسعدون باستقامته، وسلامته، وسعادته، وتوفيقه، ويشقون بانحرافه، وإخفاقه، وانحرافه، وشذوذه، وكنت أقول دائماً أيها الأخوة: لو أن الوالد وصل إلى أعلى مركز اجتماعي، أعلى مركز إداري، أعلى حجم اقتصادي، أعلى مكانة علمية، ولم يكن ابنه كما يتمنى فهو أشقى الناس .

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾

[سورة طه : 117]

 بحسب قواعد اللغة المفروض أن تكون الكلمة فتشقيا، أما الآية ليست كذلك:

﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى ﴾

[سورة طه : 117]

 لماذا ؟ قال: لأن شقاء الزوج شقاء حكمي للزوجة، والبلاغة في الإيجاز، يقاس على هذه الآية: إذا شقي الابن شقي الأب حكماً، فالذي يعتني بأولاده يبحث عن راحته، وعن سلامته، وعن سعادته.

 

الأطفال هم المودة و الرحمة :

 أيها الأخوة الكرام: الأطفال بادئ ذي بدء هم المودة بين الزوجين، كما أن الله خلق السموات والأرض، لتكون هذه السموات والأرض آية دالة على عظمته:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الروم: 21]

 وكما أن الله خلق الشمس والقمر ليكونا آيتين على عظمته:

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 23]

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾

[ سورة فصلت : 37]

﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾

[ سورة الروم: 21]

 الأطفال هم المودة والرحمة بين الزوجين
بادئ ذي بدء المودة والرحمة بين الزوجين من خلق الله عز وجل، أما معنى الرحمة فقد تنقطع المصلحة بين الزوجين، قد يفتقر الزوج، قد يصاب بمرض عضال، قد تمرض الزوجة، إن توقفت المصلحة بينهما تلك التي هي سبب المودة حلِّت الرحمة مكان المودة، فهذه الأسرة أسست لتبقى، إما بحكم المودة، وإما بحكم الرحمة، أو بكليهما، ولكن بعض المفسرين جزاه الله خيراً لفت النظر إلى أن قوله تعالى: وجعل بينكم مودة ورحمة، الأطفال، هم الذين يزيدون المودة بين الزوجين، إذاً الأطفال هم المودة والرحمة، الأطفال يقوون العلاقة الحميمة بين الأبوين، ويجعلون هذه العلاقة أكثر أمناً واستقراراً، والأطفال هم البشرى، قال تعالى:

﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيّاً﴾

[سورة مريم:7]

 والأطفال هم قرة العين.

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾

[ سورة الفرقان: 74]

 والأطفال هم زينة الحياة الدنيا:

﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾

[ سورة الكهف: 46]

 وأما في السنة القولية مما ورد في الأدب المفرد للبخاري:

(( أن أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))

[ الأدب المفرد للبخاري ]

 الحكم الشرعي من حق الزوجة التي مات عنها زوجها أن تتزوج ولا شيء عليها إطلاقاً، هذا موقف شخصي، لكنها تُكافأ مكافأة كبيرة إن لم تفعل، نريد من هذا الحديث أن نعرف كم هي عظيمة عند الله تربية الأولاد، هذه التي تنازع النبي الكريم دخول الجنة لأنها ربت أولادها، وقدمت للمجتمع عناصر سليمة.

 

رحمة الله و رسوله بالصغار :

 ومن زاوية أخرى كم تحتاج تربية الأولاد إلى تضحيات جسام؟ إلى بذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، وفي الحديث:

(( الأطفال دعاميص الجنة ))

[مسلم عن أَبِي هُرَيْرَة]

 والدعاميص نوع من الفراشات الجميلة، هم أحباب الله، وقرة أعين الآباء، وفي حديث آخر تعرفونه جميعاً:

(( لولا أطفال رضع، وشيوخ ركع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صباً))

[مسند أبي يعلى الموصلي، وسنن البيهقي الكبرى، والطبراني في المعجم الأوسط عن أبي هريرة]

 فكأن الصغار يدرؤون عن آبائهم العذاب الذي يستحقونه. وقد أمرنا أن نأخذ أقوال النبي لأنه المعصوم، ولأنه المشرع، وقد أمرنا أن نتأسى به، بأفعاله، لأنه المعصوم، ولأنه المشرع، ولأن السنة في تعريفها الدقيق: ما أثر عن النبي من قول أو عمل أو إقرار أو صفة فماذا عن سنته العملية؟

(( صعد المنبر ذات يوم يخطب الناس، ورأى الحسن والحسين يجريان ويتعثران، فقطع خطبته، ونزل فاستقبل الطفلين وحملهما على ذراعيه، ثم صعد المنبر وقال: صَدَقَ اللَّهُ ( إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ) فَنَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا ))

[ الترمذي عن عبد الله بن بريدة ]

 وكان يصلي بأصحابه ذات يوم فأقبل الحسن والحسين فركبا ظهره، وهو ساجد فأطال السجود ثم أطال السجود، ولم يرض أن يعجِّل بنزولهما حتى نزلا، وحين سلم سأله أصحابه: لقد أطلت السجود يا رسول الله فقال:

((...وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ))

[النسائي وأحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ]

 من شدة رحمته بالصغار أنه كان يعجل صلاته إذا سمع بكاء طفل وكأن هذا الطفل ينادي أمه ببكائه، كان يصلي بأصحابه ذات يوم صلاة الفجر، ومن سنته الشريفة أنه كان يطيل القراءة في صلاة الفجر، ذكر بعض شارحي الحديث أنه قرأ الإخلاص، فعجب أصحابه من هذه السرعة الشديدة في أداء صلاة الفجر، فقال:

(( إني لأقوم إلى الصلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشق على أمه ))

[البخاري عن أبي قتادة ]

 هذه رحمته بالصغار، وكان يمرُّ ذات صباح على بيت فاطمة فبلغ مسمعه بكاء الحسين فشق عليه ذلك فقال لفاطمة بعد أن انتهرها:

((أو ما علمت أن بكاءه يؤذيني ))

الابتعاد عن خطبة المرأة السيئة صوناً للأسرة :

 أيها الأخوة: صوناً للأسرة من أن تتصدع وتنهار فيدفع الصغار باهظ الأثمان حذر النبي حينما يخطب الإنسان المرأة السيئة:

(( تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة]

 وفي بعض الروايات من تزوج المرأة لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءة، ومن تزوجها لدينها أكرمه الله.

 

ضرورة تساهل أولياء الفتيات مع الشباب أثناء الخطبة :

 وهناك توجيه آخر من النبي عليه الصلاة والسلام إلى أولياء الفتيات:

((إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ قَالَ إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ))

[ انفرد به الترمذي عن أبي حاتم المزني]

 والذي أقوله -ـ أيها الأخوة - إما أن نتساهل مع خاطبي فتياتنا وإما أن يحل السفاح محل النكاح، ماذا قال سيدنا شعيب لسيدنا موسى خاطب ابنته قال:

((وما أريد أن أشق عليك))

، إذا تساهلنا حفظنا مجتمعنا، حفظنا أعراضنا، حفظنا مستقبلنا.

 

نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القرابة القريبة :

 أيها الأخوة الكرام: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القرابة القريبة، ليكون النسل قوياً ففي الحديث الموقوف على سيدنا عمر:" اغتربوا لا تضووا " لأن هذا الضعف يتكرس، إذا كانت القرابة شديدة، ولأن الطفل أيها الأخوة يحمل عناصر الأبوة والعمومة وخصائص الخوؤلة فلابد للإسلام من أن يحفظ نقاء الطفل ووراثته، ليخرج للناس لا تشوبه شائبة، ولا يشينه ما يشين، أو يحط من قدره سلوك، أو يلحق به سوءات الآباء والأجداد، فمن التوجيهات: تخيروا لنطفكم فإن العرق دساس .
 يجب أن تفتخر بآبائك وأجدادك، لا افتخار الجاهلية، ولكن افتخار الطهر والعفاف والتربية.

العدل بين الأولاد :

 أمر الإسلام بالعدل بين الأبناء والتسوية بينهم في العطاء
وحفاظاً على التفاف الأولاد حول آبائهم، وعلى حسن العلاقة فيما بينهم، أمر الإسلام الآباء بالعدل بين الأولاد والتسوية بينهم في العطية، وقصة الصحابي الجليل النعمان بن البشير الذي أراد أن يشهد النبي عليه الصلاة والسلام على نحلة نحلها ابنه، من دون إخوته، فقال له عليه الصلاة والسلام: أشهد غيري فإني لا أشهد على جور.
 ونظر النبي عليه الصلاة والسلام إلى رجل له ولدان فقبل أحدهما وترك الآخر، فقال له: مهلاً، هلا ساويت بينهما؟ اعدلوا بين أولادكم ولو في القبل .
 وبما أن الأنثى مساوية للذكر في التكليف والتشريف والمسؤولية، وبما أن الله كرمه كما كرمها، لذلك لا يقر الإسلام أن يُنظر إلى الأنثى نظرةً دون الذكر، وكل من ينظر هذه النظرة فهو جاهلي بعيد عن روح الإسلام، وكنت أقول - أيها الأخوة - والله قلامة ظفر فتاة مؤمنة طيبة طاهرة، تحسن تبعل زوجها وأولادها، خير من ألف رجل شارد عن الله عز وجل.

تخصيص الإناث ببعض الآيات في القرآن الكريم :

 أيها الأخوة: أي أمر في القرآن الكريم موجه للذكور يعني الذكور والإناث من باب التغليب، وفضلاً عن ذلك، خص الله الإناث ببعض الآيات، قال:

﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾

[سورة آل عمران : 195]

﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾

[ سورة الأحزاب : 35]

 عند الله سواء. يقول عليه الصلاة والسلام: " نعم الولد البناء". وفي حديث آخر وحينما بُشر النبي عليه الصلاة والسلام بفاطمة رضي الله عنها قال: "ريحانة أشمها وعلى الله رزقها " وقال أيضاً: " من دخل السوق فاشترى تحفة فحملها إلى عياله كان كحامل صدقة إلى قوم محاويج وليبدأ بالإناث قبل الذكور ".
 واستثنى الفقهاء من التماثيل اللعب الصغيرة، التي يفرح بها الصغار.

 

تأثير البيئة في عقيدة الطفل و مبادئه :

 ومن الثابت أن للبيئة التي ينشأ فيها الطفل أثراً فعالاً في عقيدته ومبادئه، وفي طباعه وأخلاقه، ويتأثر الطفل أول ما يتأثر بالأبوين اللذين يتخذهما مثلاً أعلى في سلوكه، لذلك وجب على الوالدين ألا يظهرا أمام طفلهما إلا بالمظهر الحسن والخلق القويم، وأن يضربا أمامه أكرم الأمثلة في الأقوال والأفعال..
أمرأة قالت لابنها في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام: تعال هاك – لأعطيك- فقال عليه الصلاة والسلام: ماذا أردت أن تعطيه؟ قالت تمرة، فقال لها عليه الصلاة والسلام: " أو إن لم تفعلي ذلك لعدت عليك كذبة" . وقد وجه الإسلام إلى الوالدين إرشادات سامية إذ أمر الوالدين بالعناية بهم العناية الكاملة، أحبوا الصبيان، وارحموهم، فإذا وعدتموهم فوفوا لهم، فإنهم لا يرون إلا أنكم ترزقونهم .

تأديب الرجل ابنه و لزومه دائماً :

 وجزء أساسي جداً في تربية الأولاد هو أن يلزم الوالدان أولادهم وأن يكون أولادهم معهم في أكثر الأوقات، وهذا يساعد على غرس القيم والعادات الصحيحة، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:

ترك الأولاد دون متابعة يدفعهم إلى رفقاء السوء

 

(( الزموا أولادكم ))

 

[ ابن ماجة عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ]

 أي لا تتركوهم هملاً دون رعاية، أو لا تتركوهم للشاردين والتائهين ورفقاء السوء، الزموا أولادكم، وحينما يؤدب الرجل ولده فإنما يدفع إلى المجتمع لبنة صالحة، وعنصراً خيراً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ أَوْ أَحَدُكُمْ وَلَدَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ كُلَّ يَوْمٍ بِنِصْفِ صَاعٍ))

[ أحمد عن جابر بن سمرة]

 له أجر كبير، وكأن النبي عليه الصلاة والسلام حثنا على تربية الأولاد بما في هذا العمل من أجر عظيم، وعلى كل فكل أمر قطعي الدلالة في السنة النبوية الصحيحة يقتضي الوجوب، قال عليه الصلاة والسلام:

(( أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ ))

[ ابن ماجة عن أَنَس بْنِ مَالِكٍ]

 الآخرون أنت لهم، وغيرك لهم، أما أولادك فمن لهم غيرك ؟ وكفى بالمرء أثماً أن يضيع من يقوت، هو يطعمه لكن ضيعه أهمل دينه وأخلاقه.

 

أسس التّربية الاستقلاليّة :

 في الإسلام توجيهات رائعة، في علم النفس التربوي، وعلم الاجتماع، وعلم التربية، حينما يصل الإنسان إلى ما قاله النبي نثني عليه، نثني على العلم، هناك مسلمون يقعون في تناقض عجيب، إذا رؤوا شيئاً في الإسلام يتوافق مع العلم يثنون على الإسلام وكأن العلم هو الأصل، لا، الأصل هو الدين، الأصل هو وحي السماء إذا رأيت في بعض العلوم ما يطابق القرآن والسنة، نقول: هذا العلم صحيح لأنه طابق القرآن والسنة.
 التربية الحديثة تعنى بالتربية الاستقلالية، التربية الاستقلالية تقوم على احترام الطفل، تقوم على احترام شخصية الطفل، تقوم على منحه بعض الثقة، تقوم على مشاركة الصغير في إبداء الرأي مهما يكن رأيه ضعيفاً، تقوم على أخذ رأي الصغير في حلّ بعض المشكلات وإن بدا حله غير واقعي، تقوم على توضيح ما في الرأي من خطأ أو ضعف ثم عرض الرأي الصحيح عليه، هذه أسس التربية الاستقلالية، هذه الطريقة تصوغ شخصية الطفل صياغة سليمة وتوجهه الوجهة الصحيحة. هناك آباء لا يسمحون لأولادهم أن يفعلوا شيئاً، هناك أمهات لا يسمحن لبناتهن أن يفعلن شيئاً، ينشأ هذا الطفل اتكالي، ضعيف الشخصية، لا يواجه الأمور، لا يحل مشكلة، اتكالي، أما الأب الذي يزج ابنه في الحياة مع المراقبة، الذي يعتني به، يمنحه بعض الثقة، يستشيره، يسأله، يأخذ برأيه، فينمي شخصيته، ويكسبه قدرةً على مواجهة مشكلات الحياة. ورد في الأثر :

(( لاعب ولدك سبعاً، وأدبه سبعاً، وصاحبه سبعاً ثم اجعل حبله على غاربه ))

[ ورد في الأثر ]

 اجعله صديقك بعد الواحد والعشرين، أما ما ورد في السنة من التربية الاستقلالية التي أرادها النبي صلى الله عليه وسلم والتي علم الناشئة من الصحابة عليها، وعودهم على إبداء آرائهم ما حدث لعبد الله بن عمر، عندما سأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه:

(( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا وَهِيَ مَثَلُ الْمُسْلِمِ حَدِّثُونِي مَا هِيَ فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ الْبَادِيَةِ وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَاسْتَحْيَيْتُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنَا بِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ النَّخْلَةُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي فَقَالَ لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا ))

[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ]

 اسأل.. أحياناً مدرس يسأل سؤالاً صعباً لا يجيب الطالب فيتهمه بالغباء، كلمة اجلس يا غبي، هذه الكلمة تحطمه لخمسين عاماً. الطالب الضعيف اسأله سؤالاً سهلاً، وارفع له معنوياته، اسأله سؤالاً مقبولاً، يستطيع أن يجيب عليه، ثم شجعه وأثن عليه، تعطيه ثقة بنفسه، فقال عمر:

(( .....لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا))

.

 

العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة :

 ثم إن العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة والمجتمع الذي ينشئ أفراده على الوعي والمعرفة، وعلى الهدى والبصيرة، والثقافة والعلم، هو المجتمع الحق الذي ينهض به أفراده وينهض هو بأفراده، من أجل ذلك دعا الإسلام إلى العلم الذي يحقق الفائدة للمجتمع، وللفرد، والسلامة للعالم، قال تعالى:

﴿ الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ﴾

[ سورة الرحمن : 1-4]

 أيعقل أن يعلم الله الإنسان القرآن قبل أن يخلق؟ قال علماء التفسير: ليس ترتيب هذه الكلمات ترتيباً زمنياً بل هو ترتيب رتبي، بمعنى أنه لا معنى لوجود الإنسان من دون منهج يسير عليه.

 

قبول الآباء التطور و المتغيرات المتعلقة بالدنيا فقط :

 شيء آخر لفت النبي عليه الصلاة والسلام إليه نظر الآباء، قال:" علموا أولادكم فإنهم مخلوقون لزمن غير زمنكم"، يجب أن يقبل الأب التطور، هناك ثوابت بالإنسان، و هناك متغيرات، فالثوابت فوق المكان والزمان، ما غطتها النصوص قطعية الدلالة، أما المتغيرات فلا يتأثر الدين بها، لا تقترب من الدين، متعلقة بالدنيا، فالأب الناضج لابد من أن يقبل المتغيرات : " علموا أولادكم فإنهم مخلوقون لزمن غير زمنكم" .
 أنت نشأت بالخمسينات، ابنك الآن بالتسعينات، هناك تطور غريب بأنماط الحياة، وأنماط الدخل والعمل والسلوك. ينبغي أن نعلمهم ما ينبغي أن يُعلم من الدين بالضرورة، وأن هذا العلم فرض عين، أما بقية العلوم فهي فرض كفاية، إذا قام بها البعض سقطت عن الآخرين.
 أيها الأخوة الكرام حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تأثير التلفاز على شرائح المجتمع :

 التقى بي أخٌ البارحة، وقال: سألتنا عن ضيف دخل بيوتنا فأكرمناه فقوض دعائمنا، وما عرفت من هو هذا الضيف، قال لي أدق من ذلك، قال: ما عرفت من هو هذا الضيف أو ما عرفت ما هذا الضيف، لعله عاقل أو غير عاقل، حتى كنت في نزهة في جبل قاسيون، فنظرت إلى سطوح البيوت فعرفت من هو هذا الضيف، قلت له: وسأضيف على ذلك إضافة: مؤتمر عُقد حول الأسرة والطفولة في بلد عربي، ودعي إليه كبار علماء الاجتماع والنفس والمعنيون بشؤون الأسرة، وقد ألقي بحث حول هذا الضيف، فكان من فقرات هذا البحث:
 التلفاز له تأثيرات سيئة جدا على شريحة الأطفال
يسهم هذا الضيف بشكل أو بآخر عن قصد أو عن غير قصد في تدمير القيم الاجتماعية، ونشر وتكريس التفاهة، وسلب الحساسية، وقتل الإبداع، وتشكيل عقبة كؤود أمام التربية والتعليم، ونسف ومسح المكتسبات والمنجزات الاجتماعية والتربوية والتعليمية، التي تمّ الحصول عليها، وإنجازها بصعوبة بالغة، كذلك فإن أصابع الاتهام تشير إلى أن هذه الأشكال الثقافية التي يصدرها الغرب إلى البلاد النامية، تشجع على السلبية، والانعزال، وتعطي الأولوية لثقافة الهروب القائمة على الخمول، والانفصال عن الواقع، والفردية المناهضة لروح الجماعة، والعمل الجماعي، وبخاصة على الشريحة التي يسهل التأثير عليها.
هذا أخطر شيء، هذا الضيف يؤثر على شريحة في مجتمعنا كبيرة جداً يسهل التأثير عليها، هي شريحة الأطفال، والحقيقة يوجد إحصاء دقيق أن نسب الأطفال في العالم العربي خمسة وأربعون بالمئة من مجموع السكان، فهذا الضيف يفعل كل هذه الأفعال في هذا الجيل، فإذا أردنا أن ننتصر على أعدائنا، وأن نقف على قدمينا، وأن نثق بالمستقبل، فلابد من محاسبة هذا الضيف.

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك. اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، ودنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك. اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين. اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، وآمنا في أوطاننا، واجعل هذا البلد آمناً سخياً رخياً، وسائر بلاد المسلمين. اللهم إنا نعوذ بك من الخوف إلا منك، ومن الفقر إلا إليك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك يا رب العالمين. اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا ما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب.
اللهم بفضلك وبرحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018