الخطبة : 0650 - أين الخلل ؟ - سمك السلمون . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0650 - أين الخلل ؟ - سمك السلمون .


1998-03-13

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، و نستعين به و نسترشده، و نعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلَّ له، و من يضلل فلن تجد له وليّا مرشداً، و أشهد أن لا إله إلا الله و حده لا شريك له إقراراً بربوبيته، و إرغاماً لمن جحد به و كفر، و أشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه و سلم رسول الله، سيد الخلق و البشر، ما اتَّصلت عينٌ بنظر، أو سمعت أذنٌ بخبر، اللهم صلِّ وسلِّم و بارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذرِّيته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا، و أرنا الحق حقاً، وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، و ارزقنا اجتنابه، و اجعلنا ممن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنه، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

حال المسلمين اليوم مع الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، العالم الإسلامي في مجموعه ليس كما كان في عصور ازدهاره، وليس كما ينبغي أن يكون وهو يحمل الحق من السماء، وليس كما نتمنى أن يكون فأين الخلل ؟
 أيها الأخوة الكرام لا أقصد بلداً إسلامياً بعينه بل مجموع العالم الإسلامي الذي يمتد من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، والذي يعد أكثر من ألف ومئتي مليون.
 أيها الأخوة الكرام، أضع مثلاً بين أيديكم؛ لو أن المركبة كما تعلمون مبنية على علم متطور، وفيها أجهزة وتوصيلات بالغة الدقة والتعقيد، فإن توقفت هذه المركبة عن السير فلا بد من أن نعكف على دراسة مبادئ الحركة، ونظام التوصيلات، وأن نراقب سلامة الأجهزة حتى نكتشف موطن الخلل تمهيداً لإصلاحه، اكتشاف الخلل، ثم سد الخلل، أما إذا وقفنا إلى جانب المركبة وملأنا السماء صياحاً، وضجيجاً، وبكاءً، وعويلاً، ودعاءً، فما الذي يحصل ؟ لا يحصل شيء وتبقى المركبة معطلة، وهكذا حالنا مع الله، لابد من أن نعكف على دراسة السنن الثابتة التي سنها الله بتحديد موطن الخلل ثم إصلاحه.
 أيها الأخوة الكرام، لنبدأ إصلاح أنفسنا، لنبدأ معرفة الخلل بأنفسنا، ثم معرفة الخلل في أسرنا، ثم بأعمالنا، ثم لنحاول إصلاح هذا الخلل، فلعل الله سبحانه وتعالى ينظر إلينا نظرة رحمة ونصر وتأييد.

 

غيبة الوعي الإسلامي و فقدان الهوية الإسلامية سبب تأخر المسلمين :

 أيها الأخوة الكرام: المشكلة هل نبحث عن الخلل لنسده أم نعرف الخلل ولا نعرف كيف نسده ؟ هل المشكلة في صعوبة التشخيص أم في وصف العلاج أم في الإيمان به والصبر على تناوله ؟ أي هل تتجسد مشكلاتنا في عدم وجود الطبيب القادر على التشخيص أم في عدم وجود الدواء النافع في اقتلاع الداء ؟ أم أن المريض نفسه لا يتجاوب مع العلاج ؟ أين ؟. المشكلة أن نعرف الخلل أم أن نبحث عن العلاج أم أن نقنع المريض بأن هناك خللاً ولابد من العلاج ؟ هذه من أكبر قضايا المسلمين في هذا العصر.
 أيها الأخوة الكرام: ويبدو أن المشكلة أكبر من ذلك، فكلمة خلل تعني أن الغاية واضحة، وأن الطريق إليها سالكة، وأن الوسيلة مهيأة، ولكن خللاً أصابها، كلمة خلل تعني أن القضية صغيرة، لعل القضية أكبر من ذلك. غيبة الوعي الإسلامي، فقدان الهوية الإسلامية، اختفاء الطريق، فقد الوسيلة، هذا حجم المشكلة، لا أتحدث عن بلد إسلامي بعينه، أتحدث عن مجموع المسلمين، في شتى أقطارهم، لأن أعداء الإسلام يضعون كل المسلمين في خندق واحد.

 

الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر علة خيريتنا :

 أيها الأخوة الكرام: الأمة في منظور القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 110]

 علة هذه الخيرية

﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾

 فإذا تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهما الفريضة السادسة لم نبق خير أمة أخرجت للناس، كنا أمة كغيرها من الأمم، وهذا الذي حصل مع أهل الكتاب، قال تعالى:

﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾

[سورة المائدة: 18]

 لذلك قال العلماء: هناك أمة الاستجابة وهي خير أمة أخرجت للناس، وهناك أمة التبليغ وهي أمة كغيرها من الأمم، فأنت من أية أمة ؟ ممن استجاب لله ورسوله أم ممن بلغك الإسلام ولم تستجب له ؟
 أيها الأخوة الكرام: الأمة في منظور القرآن الكريم أمتنا هي خير أمة أخرجت للناس، ولكن بسبب تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننه عن المنكر، إن أصبح المعروف عندنا منكراً، والمنكر معروفاً، بل إن أمرنا بالمنكر ونهينا عن المعروف، فأين موقعنا من هذه الأمة التي وصفها الله عز وجل بالخيرية؟

 

وحدتنا سبب قوتنا و تفرقنا سبب ضعفنا :

 أية أخرى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾

[ سورة البقرة : 143]

 الكمال في الوسط، والاعتدال في الوسط، والحق في الوسط، والفضيلة في الوسط، والتوازن في الوسط، والوسط قوة، ملنا يميناً ويساراً وشرقاً وغرباً ولم نكن وسطاً.
 أيها الأخوة الكرام: منظور الأمة في القرآن الكريم، قال تعالى:

﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الأنبياء: 92]

 وحدتها سبب قوتها، فإذا تفرقنا شيعاً، وفرقاً، وطوائف، واتجاهات، وانتماءات، ونوازع، تشتت شملنا، وذهبت ريحنا، وضعفنا، فالأمة في القرآن الكريم خير أمة، وأمة وسط، وأمة واحدة، أما حينما تركنا معرفة الله، وخرجنا عن منهجه، قال تعالى:

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾

[ سورة الحشر : 19]

 نسيانهم لله عز وجل أنساهم أنفسهم، أنساهم أهدافهم السامية، أنساهم هويتهم، أنساهم سر وجودهم، أنساهم صلاح أمرهم.
 أيها الأخوة الكرام: الحقيقة المرة خير ألف مرة من الوهم المريح، الحقيقة المرة، وأنت حينما تعرف حقيقتك تنطلق إلى إصلاح نفسك، أما إذا عشت في أوهام وتوهمت أشياء لا أصل لها، كانت خيبة الأمل أشد مرارة مما لو عرفت الحقيقة في وقتها المناسب.

 

الوقت و العلم و العمل :

 أيها الأخوة الكرام: المسلمون بميزان التقدم المادي أرخص شيء عندهم هو الوقت، والوقت هو الإنسان، ورأسمال الإنسان هو الوقت، والوقت وعاء العمل، والوقت سبب التقدم، فأرخص شيء عند المسلمين في عصور غفلتهم هو الوقت، وأثقل شيء عليهم هو العمل، قال تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 132]

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

 فالوقت رخيص، والعمل ثقيل، وأقل الثروات قيمة عندهم هو الإنسان، وهو أصل كل شيء وهدف كل شيء.
 أيها الأخوة الكرام: نقلد ولا نجتهد، نحاكي ولا نبتدع، ننقل ولا نبتكر، نحفظ ولا نفكر، نستخدم تفكير غيرنا لحل مشكلاتنا، فتأتي الحلول مضحكة، إن أول آية نزلت في القرآن الكريم: " اقرأ " ونحن لا نقرأ، وإذا قرأنا قد لا نفهم، وإذا فهمنا قد لا نستفيد مما فهمنا، وإذا استفدنا مما فهمنا لا نستمر على هذا العمل، فأساس التقدم في الدنيا هو العلم، إن أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإن أردتهما معاً فعليك بالعلم، العلم هو الذي يرفع شأنك من الحياة البهيمية إلى مستوى الحياة الإنسانية. ينبغي أن نطلب العلم، ينبغي أن نطلب العلم الشمولي، أن تعرف الله، أن تعرف منهجه، أن تعرف سر وجوده، أن تتحرك وفق هذا المنهج القويم.

روح الدين الاقتداء والاتباع وروح الدنيا الابتكار والابتداع :

 أيها الأخوة الكرام، ابتدعنا في دين الله، والابتداع في الدين ضلالة، وجمدنا في شؤون الدنيا والجمود في الدنيا جهالة، عكسنا الآية، كان ابتداعنا في الدين وتقليدنا في الدنيا، وكان الأولى أن نعكس الآية، أن نتبع في أمر الدين، وأن نبتدع في أمر الدنيا، فروح الدين الاقتداء والاتباع، وروح الدنيا الابتكار والابتداع.
 أيها الأخوة الكرام، لقد خلقنا الله ليبلونا أينا أحسن عملاً، ولو تأملنا هذه الآية لأخذنا العجب العجاب، في هذه الآية تعبير دقيق جداً، وعميق جداً، فنحن نبتلى لا ليتميز العمل السيئ من العمل الحسن، ينبغي أن يكون عملنا جميعاً حسناً، ولكن نُبتلى ليُتبين أينا أحسن عملاً، الأصل أن يكون العمل صالحاً، ولكن الابتلاء لدرجات الحسن، لا للسوء والحسن.
 أيها الأخوة الكرام، المؤمن والمسلم مطالب بعمل الآخرة إلى آخر رمق في حياته: حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ زَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ))

[ أحمد عن أَنَس بْن مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها]

 وإني أرى الرجل ليس له عمل فيسقط من عيني كما قال عمر، وقد أمسك النبي عليه الصلاة والسلام بيد ابن مسعود وكانت خشنة من العمل أمسكها ورفعها وقال: إن هذه اليد يحبها الله ورسوله، المسلم مطالب بالعمل إلى آخر رمق في حياته، والعمل في الإسلام عبادة، ولو كان لصلاح الدنيا، إذا كان العمل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، وابتغيت منه كفاية نفسك وأهلك، ولم يشغلك عن طاعة، ولا عن واجب، وابتغيت به خدمة المسلمين انقلب علمك إلى عبادة.
 أيها الأخوة الكرام: الذي نخشاه أن تكون الأمة الإسلامية أقل الأمم عطاءً وعملاً، وأكثرها كلاماً وجدلاً، نتكلم كثيراً، ونعمل قليلاً، وكثيراً ما نعمل غير المهم، وندع المهم، بل قد نعمل غير النافع وندع النافع، أحد الكتاب المعاصرين وصف أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كان قرآناً يسعى على قدمين، وقد وُصف النبي صلى الله عليه وسلم بأنه قرآن يمشي.. مجموعة قيم، مجموعة مبادئ، مجموعة أسس تتحرك، قال بعض الحكماء: الكلام يُذم إذا كان أكثر من العمل، ويذم أكثر إذا كان بلا عمل، ويُذم أكثر وأكثر إذا كان مناقضاً للعمل .
 فإذا كان كلام المسلمين في واد وعملهم في واد، ولسانهم في واد وسلوكهم في واد، فكيف ينظر الله إلينا نظرة عطف؟ وكيف ينظر الله إلينا نظرة رعاية؟

 

تحكم المنتج بمصير المستهلك :

 أيها الأخوة الكرام: تعيش الأمة الإسلامية في أهم بلاد الله موقعاً، وأطيبها بقعة، وأخصبها أرضاً، وأحفلها بالمعادن والثروات، ولكن المسلمين بمجموعهم لم يستغلوا ثرواتهم، ولم يزرعوا كل أرضهم، ولم يصنعوا كل معادنهم.
 نحن أحياناً بخطأ منا نحول الأرض الخضراء إلى صحارى إسمنتية، بينما الآخرون يحولون الصحارى إلى أرض خضراء، إحياء الموات جزء من ديننا، أحياء الموات:

(( من أحيا أرضاً مَيْتَةً فهي له ))

[ البخاري عن عمر بن الخطاب]

 نميت الأرض الحية، ولا نحيي الأرض الميتة، هذا في مجموع المسلمين نستهلك ولا ننتج، نستورد ولا نصنع، سيدنا عمر عملاق الإسلام زار بلدة فرأى أكثر الفعاليات الاقتصادية في يد غير المسلمين فعنفهم أشدّ التعنيف فقالوا: لقد سخرهم الله لنا؟ فبالغ في تعنيفهم وقال: " كيف بكم إذا أصبحتم عبيداً عندهم ؟"، أدرك هذا الخليفة الراشد، أدرك عملاق الإسلام أن المنتج قوي، وأن المستهلك ضعيف، لذلك المنتج يتحكم في مصائر المستهلك، يفرض عليه ثقافته، يفرض عليه عاداته وتقاليده، يفرض عليه إرادته.
 أيها الأخوة الكرام، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه:

((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُمَّ: إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 توجيه آخر، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلا تَعْجَزْ وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 حديث ثالث، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ:

((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

[ أبو داود عن عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ]

إساءة المسلمين فهم الدين الذي هو روح وجودنا وسرّ بقائنا :

 أيها الأخوة الكرام، أما هذا العدد الضخم، مليار ومئتا مليون مسلم أي خمس سكان الأرض، عدد كبير، ينبغي أن تكون كلمة هؤلاء هي العليا، قال تعالى:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾

[ سورة الأنعام: 153]

 اتّباع السبل المتناقضة والمتعددة يضعف هذه الكثرة، فالتفرّق يُضعف الكثرة والاتحاد يقوي القلة، ينبغي أن نتكامل في اقتصادنا، ينبغي أن نتعاون، ينبغي أن نعد العدد السكاني ثروة، في ميزان الإيجابيات لا في ميزان السلبيات. أراد أعداؤنا أن نحدد نسلنا، وأن نقلل عددنا، ولكن الله سبحانه وتعالى أرادنا أمة قوية، ينبغي أن نعتني بنوعية الفرد، ينبغي أن نعلمه، ينبغي أن نجعله حراً في حركته كي يغدو في ميزان الإيجابيات .
 يا أيها الأخوة الكرام: أما طاقاتنا الروحية فقد طغت المادة على الروح، والحاجات على القيم، والمصالح على المبادئ، والاهتمام بالدنيا على الآخرة، أعلينا الطين والحمأ المسنون على نفخة الروح فينا، قال تعالى:

﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾

[سورة الحجر : 28]

 فأنت قبضة من حمأ مسنون، ونفخة من روح الله، فلماذا طغت هذه القبضة على روح الله ؟ لماذا ؟ هبت رياح المعصية، فأطفأت شموع الخشية، طال علينا الأمد فقست قلوبنا من بعد، أيها الأخوة الكرام: أصبحت كالحجارة أو أشد قسوة. لم تساعدنا مناهجنا التعليمية على أن نرسخ المعاني الربانية في أنفسنا، أسأنا فهم الدين الذي هو روح وجودنا، وسر بقائنا، وتميزنا، حتى شُغلنا بالشكل عن المضمون، وبالقالب عن القلب، قال تعالى:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9]

أخطر شيء في حياة المسلمين أن يصبح الدين لهواً و اللهو ديناً :

 أيها الأخوة الكرام، ربنا عز وجل يقول:

﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾

[ سورة الرعد: 11]

 فإن لم نغير ما بأنفسنا لا يغير الله ما بنا من حال، أخطر شيء في حياة المسلمين أن يصبح الدين فيهم لهواً، وأن يصبح اللهو فيهم ديناً، أي احتفال فيه نشيد، ومع النشيد طرب، هذا هو الدين، إذا أصبح اللهو ديناً، والدين لهواً، فنحن في أسوأ حال.
 نزين جدراننا بالقرآن، ولا نزين حياتنا بالعمل به، نقرأه على الأموات ولا نحكمه في الأحياء، نجعل البركة لمجرد حمله وتلاوته، إن البركة الحقيقية في اتباعه وتحكيمه، قال تعالى:

﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ ﴾

[سورة الأنعام: 92]

 شرّعنا في بعض بلاد المسلمين تشريعات تناقض شرع الله عز وجل، ففي بعض البلاد الإسلامية في شمال إفريقيا ألغوا قانون الأحوال الشخصية الإسلامية، وأصبحوا على النظام الغربي، فإذا طلق الرجل امرأته استحقت نصف دخله، هذا شيء واقع، لم نعبأ بشرع ربنا، هل أنتم أعلم أم الله ؟

﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾

[سورة الملك: 14]

 عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ))

[ أبو داود عَنْ ثَوْبَانَ]

مهمة كلّ مسلم في هذه الأيام :

 أيها الأخوة الكرام، لعلي قسوت عليكم، وعلى مفهوماتنا عن المسلمين، الحقيقة المرة أهون ألف مرة من الوهم المريح، ينبغي ألا نعيش في أوهام، نحن أمة جعلنا الله وسطاً بين الأمم، أمتنا أمة واحدة، لأن إلهنا واحد، ونبينا واحد، وكتابنا واحد، نحن فرقنا أنفسنا، نحن مزقنا أنفسنا، فيا أيها الأخوة الكرام لا يقل أحدكم: أنا ماذا أفعل؟ اجعل من بيتك بيتاً إسلامياً، ومن عملك عملاً إسلامياً، وانتهت مهمتك، هذا الذي عليك، عليك أن تفعل هذا، وعلى الله جل جلاله أن ينظر إلينا كما وعدنا بعين الرعاية والنصر.
 أيها الأخوة الكرام، الآن شخصّنا الداء، وفي خطبة قادمة إن شاء الله نبحث عن الدواء فلا بد من تشخيص الداء ووصف الدواء، ولا أعني بلداً إسلامياً بعينه بل مجموع المسلمين، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، عندنا إيجابيات كثيرة جداً والحمد لله في هذا البلد الطيب، أعني مجموع المسلمين، لأن أعداء الإسلام يضعون كل المسلمين في خندق واحد.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سمك السلمون من الآيات الدالة على عظمة الله :

 أيها الأخوة الكرام، من الآيات الدالة على عظمة الله جل جلاله سمك اسمه سمك السلمون، وله اسم آخر عند علماء البحار اسمه حوت سليمان، هذه الأسماك لها سلوك حير العلماء، ولا يمكن أن يفسر إلا في ضوء القرآن الكريم لقوله تعالى:

﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[ سورة طه: 50]

 هذه الأسماك تُولد في ينابيع الأنهار التي تنبع في أمريكا، وتهاجر هذه الأسماك من منابع الأنهار إلى مصباتها، ومن مصباتها من الساحل الأطلسي الشرقي لأمريكا، إلى الساحل الأطلسي الغربي لأوربا، تقطع المحيط الأطلسي كله، تمكث في هذه البحار في غرب أوربا فترة من الزمن، ثم تعود أدراجها إلى ينابيع الأنهار كي تولد وتموت هناك.
 لا تظنوا أن هذا الكلام وهم، إن بحوثاً علمية استغرقت عشرات السنين هناك، وضع في بعض الأنهار مركز إحصاء، أحصى مليوني سمكة من نوع السلمون تعود إلى مسقط رأسها كل يوم، مليونا سمكة ولمدة شهرين، وهذا السمك وضعت عليه قطعة معدنية فيها تاريخ هجرته. ثمة بحث كلف الملايين، سمكة تنتقل من ينابيع الأنهار في أمريكا إلى مصباتها، ومن مصباتها إلى غربي أوربا، ثم تعود كل يوم مليونا سمكة إلى رؤوس الأنهار حيث تولد وتموت هناك.
 أيها الأخوة الكرام، كيف رجع هذا السمك من المحيط الأطلسي إلى مصب النهر؟ لو أتينا بأحد علماء البحار، وأركبناه قارباً وله عينان مبصرتان، وقلنا له: اتجه وأنت على ساحل فرنسا إلى مصب الأمازون في أمريكا، هذا العالم الكبير لا يستطيع أن يتجه بكل علمه إلى مصب هذا النهر، لو أن هذا السمك أخطأ درجة واحدة في اتجاهه لجاء في مصب آخر، لو أخطأ ثلاث درجات لاتجه من أمريكا الشمالية إلى الجنوبية، فمن الذي يهديه ويصوب حركته حتى يصل إلى مصب النهر الذي خرج منه؟ هذا شيء لا يُصدق إلا أن يهديه الله عز وجل.
 الآن بواخر، بواخر عملاقة، وفيها علماء، ومعها لاسلكي ورادار، ومعها اتصالات مع الفضاء، واتصالات مع الموانئ، وفيها بوصلة وإحداثيات، وقد تضل الطريق، أما سمكة في أعماق المحيط تتجه من فرنسا إلى مصب نهر في أمريكا، لو حادت درجة واحدة لجاءت في نهر آخر، قال تعالى:

﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[سورة طه: 49-50]

 هذا السمك صوره العلماء وهو يصعد الشلال، سمك السلمون يصعد الشلال مصراً على أن يصل إلى ينابيع النهر، هناك يولد ويموت، هذه الرحلة الطويلة من غربي أمريكا إلى ساحلها الشرقي إلى غربي أوربا ثم العودة أعظم ما في هذه الآية، من الذي يهدي هذا السمك في ظلمات البحر؟ من يهديه في الظلمات والبحر ظلمات؟
 من يهدي الأطيار إلى أعشاشها وهي تهاجر سبعة عشر ألف كيلو متر ؟ من يهدي ثعابين الأنهار من ينابيع النيل إلى مصب النيل إلى البحر المتوسط إلى بحر الشمال حيث يعود هذه الرحلة مرة ثانية إلى مصبات النيل؟ من يهدي هذه الأسماك وهذه الثعابين في ظلمات البحر ويوجهها ؟ ذلكم الله رب العالمين.
 أيها الأخوة الكرام، يقول الله عز وجل:

﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

[سورة آل عمران: 190-191]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا.
 اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
 اللهم أكرمنا بكرامة القرآن، اللهم علمنا منه ما جهلنا، اللهم أعطنا سؤلنا يا أعز مسؤول، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018