الخطبة : 0849 - محكمات الكتاب4 - الإغراق في الجزئيات 2 - انشغال المسلمين بالجزئيات - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0849 - محكمات الكتاب4 - الإغراق في الجزئيات 2 - انشغال المسلمين بالجزئيات


2002-08-30

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق و البشر ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أمثلة منتزعة من واقع المسلمين حول انشغال المسلمين بالجزئيات :

1 ـ الانشغال بالماضي :

 أيها الأخوة المؤمنون، هذه الخطبة الرابعة عقب خطبة إذاعية كان عنوانها: عالمية الإسلام وعولمة الغرب، هذه الخطبة أيها الأخوة تتحدث عن أمثلة منتزعة من واقع المسلمين حول انشغال المسلمين بالجزئيات بشكل غير معقول وإغفالهم الكليات ومقاصد الشريعة وحكم التشريع.
أيها الأخوة الكرام، من هذه الأمثلة الانشغال بالماضي، نعود إلى الماضي فنستورد منه مشكلات تكون سبباً في فرقتنا، تكون سبباً في خصومتنا، تكون سبباً في تناحرنا، قضية وقعت قبل ألف وأربعمئة عام لا تزال حيةً تؤجج المشاعر، وتستهلك الطاقات، وتقيم حواجز بين الفئات، وتقود إلى الضعف والتشتت والتشرذم، آية واحدة تريح صدورنا:

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة البقرة: 134]

 انتهى الأمر، كون ينطق بوجود الله ووحدانيته وكماله، كون ينطق بأن لهذا الكون خالقاً عظيماً، ورباً حكيماً، ومسيراً عظيماً، وهناك منهج كلي هو القرآن الكريم، ومنهج تفصيلي هو السنة الصحيحة، فمعك ما يدل على وجوده، وكماله، ووحدانيته، ومعك أمره ونهيه، معك افعل ولا تفعل، ماذا يعنينا الماضي؟ لماذا نضيع طاقتنا وقدرتنا وما نملك في خصومات لا تنتهي؟ إحدى مشكلات المسلمين أن ما بينهم من خصومات جاءتنا من التاريخ، وأقول لكم كلمة حق: لم يتح للتاريخ الإسلامي ما أتيح للسنة المطهرة من رجال عكفوا على تمحيصه، فكم من رواية لا أصل لها، تروي بعض الروايات أن هناك أحقاداً قديمة في الجاهلية بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وبين خالد بن الوليد فلما تسلم عمر عزله فوراً، وشفى صدره من حقد قديم، أهذا تاريخ؟
 يا أمير المؤمنين لِمَ عزلتني؟ سيدنا خالد سأل سيدنا عمراً، قال: والله إني أحبك يا أبا سليمان، قال: يا أمير المؤمنين لِمَ عزلتني؟ قال: والله إني أحبك يا أبا سليمان، قال: يا أمير المؤمنين لم عزلتني للمرة الثالثة؟ قال: والله ما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله، عزله إنقاذاً للتوحيد، الناس لضعفهم ربطوا النصر بخالد بن الوليد، والأمة إذا استحقت أسباب النصر ينصرها الله عز وجل مهما يكن قائدها، فعزله ليؤكد للناس أن النصر بيد الله عز وجل، وأن الناصر هو الله، وأن خالد بن الوليد هو عبد الناصر، وليس هو الناصر.
 من أخطر شيء أن نسحب قيم الشرع المعاصر، قيمه المهترئة ونقيس بها التاريخ العظيم، هم أناس أكرمهم الله رضي الله عنهم، إذا كان الله رضي عن هؤلاء الذين بايعوا تحت الشجرة بنص القرآن الكريم من يجرؤ ألا يرضى عنهم وكان فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي؟ إذا رضي الله عنهم في محكم الكتاب من الذي يستطيع ألا يرضى عنهم؟ ما بال المسلمين يستقدمون من التاريخ مشكلات بعضها لا أصل له، بعضها منحول، وبعضها مكذوب، وتكون هذه المشكلات سبباً لفرقتهم، وضياعهم، وتشرذمهم، واستهلاك جهدهم ووقتهم مما لا طائل منه، اجعل هذه الآية حسماً للموضوعات كلها:

﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾

[ سورة البقرة: 134]

 لو أن واحداً من رجال التاريخ كان مصيباً أو مخطئاً أنت ماذا يصيبك من ذلك؟ أنت ما علاقتك بذلك؟ لو أنه مصيب هل ترقى عند الله؟ لا أبداً، لو أنه مخطئ هل ترقى عند الله؟ " يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكم من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم، وتأتوني بأنسابكم، من يبطئ به عمله لم يسرع به نسبه".
 آن الأوان أن تحسم هذه القضايا كلها، آن الأوان أن نلتفت إلى الله، آن الأوان أن نعمل لنصرة المسلمين، آن الأوان أن نلغي كل فكرة تفرق بيننا.

 

2 ـ الانشغال بالوسائل على حساب الغايات :

 أيها الأخوة الكرام، موضوع آخر قد ينشغل بعض المسلمين أو طلاب العلم أو بعض الدعاة بالوسائل على حساب الغايات، فقد نمضي عمراً مديداً في العلم الحديث، وعلم الحديث ضروري جداً، لكن ننسى الحديث، ننسى متن الأحاديث، ننسى منهج رسول الله في الأحاديث، يعنينا علم الحديث على حساب نص الحديث، وعلى حساب توجيهات النبي في الحديث، لابد من أن نجمع بين علم الحديث وبين متن الحديث، لابد من أن نجمع بين علم الحديث وبين منهج النبي في الحديث.
 قد نعنى بأصول الفقه وننسى الفقه، ثم ننسى تطبيق أحكام الفقه، فهذا الذي أخذ جانباً واستغرق فيه، وانغمس فيه حتى قمة رأسه، ونسي الجوانب الأخرى هذا ما أفلح، لأنه انشغل بشيء عن شيء، وقد ينشغل بشيء أقل أهمية عن شيء أكثر أهمية.
 أيها الأخوة الكرام، أنا مع الجزئيات، ومع تفحص الجزئيات، ومع العناية بالجزئيات، لأنها من الدين، ولن أقول غير ذلك، لكن أنا لا أرضى أن نكتفي بالجزئيات، وننسى كليات الدين، ننسى المشكلات الكبرى التي يعاني منها المسلمون، ننسى كيف نقاوم عولمة الغرب، ننسى كيف نتبرأ من المشركين، ننسى كيف نحكم الإسلام في حياتنا، في بيوتنا، في أعمالنا، ننسى كل هذه الأمور، ننسى أن نصحح عقيدتنا، هناك أوهام وضلالات متحكمة في عقولنا منها عقيدة الجبر. ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له: إيّاك إِيّاك أن تبتل بالماء، يظن بعض المسلمين أن الحسنات والسيئات قدر من الله عز وجل لا حيلة لهم في ذلك، سيدنا عمر رضي الله عنه جاءه شارب خمر فقال: أقيموا عليه الحد، فقال: والله يا أمير المؤمنين إن الله قدّر عليّ ذلك، فقال: أقيموا عليه الحد مرتين مرةً لأنه شرب الخمر، ومرةً لأنه افترى على الله، قال: ويحك يا هذا إن قضاء الله لم يخرج من الاختيار إلى الاضطرار.
 ينبغي أن نصحح عقائدنا، ينبغي أن نعمق توحيدنا، ينبغي أن نرى، ينبغي أن نرى أن الله في السماء إله وفي الأرض إله، ينبغي أن نرى أن العطاء والمنع بيد الله، ينبغي أن نرى أن العز والذّل بيد الله، ينبغي أن نوحد، أما أن نشتغل بالجزئيات، ونقتصر عليها، ونكتفي بها ولا نعبأ بغيرها فهذا ليس من الدين في شيء.
 أيها الأخوة الكرام، حتى في أمورنا المدنية أحياناً ينسى الموظف أن هذا النظام من أجل الإنسان، فقد يتفنن في إيقاع الأذى بالإنسان، والنظام من أجل الإنسان، أن هذه القوانين لخدمة الإنسان، وليست عبئاً على الإنسان، فحينما نفهم حتى الأمور المدنية فهماً قاصراً نعنى بالجزئيات، ونضحي بالكليات قد تنشأ مشكلة يخسر فيها المواطن والوطن مئات الملايين لجزئية لا تقدم ولا تؤخر، عقلية محدودة متشنجة، عقل متكلس يمنع الخير عن الوطن، وعن المواطنين لسبب تافه، وينسى أن هذا القانون في الأصل لخدمة المواطن، هذا لا ينسحب على أمور الدين فحسب، بل ينسحب على أمور الدنيا.

3 ـ الانشغال بخصومات لا تنتهي في وسائل الدعوة :

 أيها الأخوة الكرام، ننشغل بخصومات لا تنتهي في وسائل الدعوة، وننسى أن ندعو إلى الله، نؤلف كتباً حول مشروعية التمثيل في الدعوة، وحول مشروعية الأناشيد في الدعوة، وننسى أن ندعو إلى الله عز وجل، جعلنا من عدة قضايا في الدعوة، من وسائل الدعوة الجزئية التي يستغنى عنها جعلنا منها قضايا كبرى واختصمنا حولها، وألفنا الكتب، وأشغلنا الناس، والدعوة إلى الله في غفلة، وتقصير وإحباط.
 أيها الأخوة الكرام، هل تصدقون أن هناك من يهتم، ويعنى، ويحلل، ويدرس، ويخاصم في قضايا لا وجود لها إطلاقاً؟ يتحدث عن الرق، وعن أحكام الرق والرقيق، وما يتعلق بالرق، وعن مسائل الأمة، وعورة الأمة، ويطول، ويسهم، ويفصل، وأين الأمة يا أخي؟ أين الرق؟ الآن هناك رق شعوب، واستعباد شعوب، بدل أن تفكر في تحرير الشعب المسلم من سيطرة الغرب، ومن عولمة الغرب، ومن إباحية الغرب، لا تفكر في أحكام الأمة التي لا وجود لها الآن، ولا تفكر في أحكام الرق التي لا وجود له إطلاقاً، كيف تدعو إلى الله حول موضوعات ليست موجودة؟ إذاً لا أحد يهتم بها إطلاقاً.
 مرةً كنت في بلد إسلامي، وحضرت درس علم، فكان موضوع الدرس: إعتاق العبيد، يا إلهي هل في العالم الإسلامي الآن عبد يمكن أن تعتقه؟ الأمة الإسلامية بأكملها مستعبدة لحضارة الغرب، ينبغي أن تنتقل من إعتاق عبد إلى إعتاق أمة، وهل الإنسان إذا اتبع شهوته إلا عبداً لشهوته، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ وَالْقَطِيفَةِ وَالْخَمِيصَةِ إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْض))

[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 بدل أن تفكر في إعتاق العبيد في عصر لا عبودية فيه فكر في إعتاق نفسك من النار.

 

4 ـ الاهتمام بالموضوعات الافتراضية التي لا وجود لها إطلاقاً :

 أيها الأخوة الكرام، وصدقوا أيضاً أن هناك من يؤلف، ومن يتعب، ومن يحلل، ومن يدرس موضوعات افتراضية لا وجود لها إطلاقاً، لو أن إنساناً عاش على كوكب، واليوم فيه مئة عام كيف يصلي؟ وكيف يستقبل القبلة؟ وما أحكام الحيض والنفاس هناك؟ عندنا أربعون يوماً، هناك اليوم مئة عام كيف نقيس الأيام هناك؟ أيعقل أن يستخدم الإنسان وقته وجهده في موضوع لسنا بحاجة إليه إطلاقاً؟ ولو شئت أن أضرب لكم الأمثلة من كتب الفقه حول الموضوعات الافتراضية التي لا يمكن أن تقع في المليون سنة مرة لوجدتم العجب العجاب، أليس هذا استهلاكاً لأوقاتنا وجهدنا في موضوعات لا تقدم و لا تؤخر؟ أحد الصحابة سئل عن موضوع قال: أوقع؟ قالوا: لا، قال: نفتي به حينما يقع.
 أيها الأخوة الكرام، هناك موضوعات نعيشها، ولكن هناك موضوعات أهم منها، فقد نجادل بعضنا بعضاً في حكم أخذ الأجر على القرآن الكريم، وهل هو جائز أو غير جائز؟ هناك من يعترض، هناك من يرفض، هناك من يتشنج، لو أنك وزير تربية وتحتاج إلى عدد كبير من مدرسي التربية الإسلامية ليملؤوا ساعات التدريس أيجوز لهؤلاء المدرسين أن يتقاضوا أجراً؟ من أين يعيشون إذاً؟ هؤلاء تفرغوا لتدريس التربية الدينية، ندخل في نقاش عقيم، وفي حوار سقيم، وفي متاهات لا تنتهي، بدل أن تفكر في مثل هذه الموضوعات حاول أن تؤسس معاهد لتحفيظ القرآن الكريم، حاول أن تدعو الناس إلى القرآن، حاول أن تحملهم على طاعة الرحمن، حاول أن تبين لهم عظمة القرآن، لازلنا في موضوعات جزئية تستهلك أوقاتنا وجهدنا.
 أيها الأخوة الكرام، وقد تجد من يناقش، ويقول: ما حكم أن يتلقى مسلم على مشارف الموت فقراً وعلى مشارف الموت تشرداً إعانة من مشرك أو من فاسق؟ أيضاً قد تصرف مبالغ طائلة على مناقشة هذا الموضوع، مع أن المسلم قد يكون في أمس الحاجة إلى درهم يقيم به أوده.
 أيها الأخوة الكرام، هناك من يناقش في موضوع مع أن هناك موضوعاً أهم منه قد نقصر الزكاة في سبيل الله، قال تعالى:

﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[ سورة التوبة: 60]

 فقد نختار بنداً واحداً، ونصب فيه كل جهودنا وهذا من خطأ الاختيار، ينبغي أن تتنوع مصارف الزكاة، وينبغي أن نعطي كل ذي حق حقه.

 

5 ـ العناية بالموضوعات الممنوعة :

 أيها الأخوة، وهناك من يعنى بموضوعات ممنوعة أصلاً، هناك من يحرص على نقد الناس، ولولا أن هذه الظاهرة أيها الأخوة متفشية تفشياً وبائياً في العالم الإسلامي في أي جلسة، في أي لقاء، بدل أن نقرأ القرآن، أن نتفهم معاني هذه الآيات، أن نتدبرها، زيد ليس في عمله إخلاص، من أنت؟ هل أنت مطلع على قلبه؟ لا يمكن أن ينجو إنسان من لسان هؤلاء.
 فلو قيل له: فلان ما شاء الله، رجل طيب، إنسان صالح، طالب علم، قال: المهم العمل، أسقط مكانته بكلمة، لكن المهم هو العمل، حاول أن يلفت نظرك إلى ما يعتقد أنه عيب موجود فيه، أما هو فبريء من كل عيب، المهم هو العمل. ثم نقول: فلان رجل تقي نقي عابد عامل صالح زاهد ورع داعية، يقول لك: المهم الإخلاص، وطعنه وافترى عليه وأشار إلى ضعف إخلاصه وكأنه ناج من كل نقيصة، هذا في النموذج أيها الأخوة خطير جداً في المجتمع، لا يكاد يخلو مجلس، ولا لقاء، ولا ندوة، ولا سهرة، ولا دور كما يقولون إلا وفيه حديث عن الناس، ولا سيما أعلام الناس، ولا سيما الدعاة إلى الله، فلذلك لو قلت له: إنه تقي نقي عابد عالم صالح زاهد ورع داعية يقول لك: المهم الإخلاص، هل اطلعت على قلبه؟ هل أنت إله حتى تكتشف ما في قلبه. وقد يقال له: ظاهره الإخلاص، لكن يقول: فلان ظاهره الإخلاص، ولكن ينقصه العلم، العلم الصحيح، مرة المهم العمل، مرة المهم الإخلاص، مرة المهم العلم الصحيح.
 لا يمكن أن يدع لإنسان فضلاً، هو استكمل كل الفضائل، وتلافى كل النقائص، أما كل من يذكر أمامه لابد من أن يغمز من قناته، لابد من أن يطعن فيه، لابد من أن يشير إلى بعض العيوب، أهكذا الإنسان؟ المؤمن الصادق يبحث عن إيجابيات كل إنسان، ويتغافل عن سلبياته، فإن كانت سلبياته صارخةً نصحه فيما بينه وبينه.
 أيها الأخوة الكرام، أو أن إنساناً ليلاً نهاراً يستمع إلى الأخبار ليلاً ونهاراً، يحلل المواقف ولو في موضوعات بعيدة عنا كلياً، ولو في بلاد لا يعنينا لا أمرها، ولا أمر تقدمها، ولا أمر تخلفها، ولا أمر تحررها، بلاد في قارات أخرى يصغي، ويحلل، ويدرس، ويبحث، ويأتي بآراء، ويخاطب الآخرين، ماذا ينوي هذا البلد أن يفعل بهذا البلد؟ ولا أحد يهتم برأيه، ولا أحد يأخذ برأيه، ولا أحد يهتم به، إذاً مضيعة للوقت، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، بربكم لو أنك على مشارف امتحان خطير مصيري في الامتحان الأخير في السنة الرابعة - سنة التخرج- وفي مكتبتك آلاف الكتب، وبعد يومين أضخم مادة في الامتحان، ولها كتاب مقرر، وهذه المكتبة زاخرة بأجمل الكتب والقصص والمسرحيات وما إلى ذلك، أيعقل أن تدع الكتاب المقرر، وأن تقرأ قصة؟ أليس هذا من الحمق الشديد؟ لا يستطيع الإنسان أن يحيط بكل شيء، بل إن الباطل متعدد، لا يستطيع واحد منا ولا ألف واحد منا ولا مليون واحد منا لو أمضى كل حياته في استيعاب الباطل لا يستوعبه، الباطل متعدد، يكفي أن تستوعب الحق، فإن استوعبت الحق كان الحق مقياساً لك على كل ما يعرض عليك.

6 ـ ربط أحداث حياتنا بالصهيونية العالمية :

 أيها الأخوة الكرام، أيضاً هناك من يعتقد أن الصهيونية العالمية تهيمن على الكون، توزع على الناس الهواء الذي يتنفسونه، والماء الذي يشربونه، والطعام الذي يقتاتون به، وهي التي تطبع لهم الكتب، وتفعل لهم كل شيء، صارت شبحاً مخيفاً، هذا تأليه من صنع المسلمين، من صنع ضعافهم، هم بشر يهزمون، ويخطئون، تزل أقدامهم، ويهزمون ويشقون، هم بشر، المسلم لضعفه رسم هالةً كبيرة، ما من حدث يقع في حياتنا إلا ويربطه بالصهيونية العالمية، هناك آلاف آلاف الأحداث من صنعنا، ومن أخطائنا، ومن تقصيرنا، ومن جهلنا، أما هذا الإنسان الذي يعطي لهذه الجهة الماكرة الحاقدة العدوة الجبارة يعطيها أكبر هالة فهذا خطأ أيها الأخوة، هناك مشكلات صنعناها نحن، وبإمكاننا أن نتلافاها، بل حتى من يعيش مع هؤلاء الأقوياء يتوهم أنهم يفعلون ما يريدون، وأنهم يوقعون الأذى بمن يريدون، وأنه لا راد لحكمهم، هذا تأليه لهم أيها الأخوة، واعتداء على ألوهية الإله.
 وكنت أقول دائماً لو أن جهةً قويةً طاغية جبارة كما ترون في أقاصي البلاد تتحكم في الكرة الأرضية وحدها، وتملي على كل الشعوب إرادتها، وثقافتها، وإباحيتها، وظلمها، وتعنتها، وجبروتها، هذه القوة الطاغية أن ترسم خططاً على المدى البعيد، وتنجح هذه الخطط إن هذا يتناقض مع وجود الله. أنا أضعك بين خيارين صعبين إما أن تؤمن بإله فعال بيده مقاليد كل شيء:

﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾

[سورة الزمر: 63]

﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾

[ سورة هود: 123]

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾

[ سورة الكهف: 26]

﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾

[ سورة الأعراف: 54]

﴿ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾

[ سورة الزمر: 62]

﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾

[ سورة فاطر: 2]

 إما أن تؤمن بهذا الإله العظيم الذي لا يغفل ولا ينام، قال تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾

[ سورة إبراهيم: 42]

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[ سورة آل عمران : 196-197]

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾

[ سورة إبراهيم:46 ]

﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾

[ سورة إبراهيم:47 ]

 اقرأ القرآن:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾

[ سورة الأنعام: 44]

 اقرأ القرآن، القرآن شفاء للقلوب، شفاء للنفوس، إما أن تسبغ صفات الألوهية على جهة قوية وتخنع أمامها وتذل أمامها وهذا من ضعف الإيمان ومن ضعف التوحيد، لا تخلع صفات القدرة المطلقة على الصهيونية، ولا على الغرب إنهم بشر يصيبون ويخطئون، يقعون في شر أعمالهم، يبتليهم الله عز وجل بكل المحن، ذلك أن عاداً لم يكن بينها وبين الله أحداً، لأن الله ما تكلم عن أمة وقد أهلكها إلا ذكرها بأنه أهلك من أشد منها قوة، أما حينما حدثنا عن عاد فقال تعالى:

﴿أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾

[ سورة فصلت: 15]

﴿لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾

[ سورة الفجر: 8]

﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

[ سورة فصلت: 15]

﴿وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾

[ سورة العنكبوت: 38]

﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آَيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ﴾

[ سورة الشعراء: 128-130]

 الذين طغوا في البلاد بقصف المدن والمنشآت، فأكثروا فيها الفساد بأفعالهم الإباحية، فصب عليهم ربك سوط عذاب، إن ربك لبالمرصاد.
 لا تعني أن تكون قوياً أن تكون عند الله مقبولاً، هناك افتراق في القرآن بين صفات الإيمان والرقي والسمو وبين صفات القوة والغلبة، هذه لا تعني أن القوي هو الحق، يقولون في هذه البلاد البعيدة: أنت قوي إذاً أنت على حق، القوة تعني الحق، ولكن عند المسلم الحق ما جاء به الوحيان ويحتاج إلى قوة.

 

7 ـ العناية بالأسماء :

 أيها الأخوة الكرام، قد يعنى المسلمون بالأسماء، أسماء رائعة لو اطلعت على بعض أسماء المدارس الأندلس، المحبة، الحكمة، أسماء براقة رائعة جداً، قد لا تجد لا محبة، ولا حكمةً، ولا أنساً، ولا نداءً، ولا شيء من هذا القبيل، نتخاصم على تسمية أولادنا، وقد يفضي الخصام إلى الطلاق، ثم لا نربي أولادنا، ليس الكامل كاملاً، ولا السعيد سعيداً، ولا العابدة عابدةً، ولا الرابعة رابعةً، مسافة كبيرة جداً بين الأسماء وبين الصفات، الأسماء في واد والصفات في واد.

الابتعاد عن شقّ صفوف المسلمين :

 أيها الأخوة الكرام، هذا غيض من فيض مما ابتلي به المسلمون في إغرائهم في الجزئيات وترك الكليات، إغراقهم بالفروع وتركهم الأصول، إغراقهم في الحالات النادرة وتركهم الحالات الكلية، مثلاً قد نخاصم الناس في وضع اليد في الصلاة أين يضعها على صدره فوق صرته؟ تحت صرته؟ كيف يتشهد؟ ما حكم دخول الصبي المسجد؟ كم ركعة نصلي بالتراويح؟ هذه القضايا كبرت، وكبرت، وكبرت إلى أن أصبحت مقياس الالتزام بالسنة، إلى أن أصبحت موضوع الخصومات بين المسلمين، الأعداء يذبحوننا من الوريد إلى الوريد ونحن نهتم بمكان وضع اليدين على الصدر أعلى أم أدنى، لاشك أننا ينبغي أن نصلي كما صلى رسول الله، لكن لا أن نكبر هذه القضية إلى درجة نشق بها صفوف المسلمين، لك أن تصلي، ولك أن تقتنع بدليل، هذا من حقك، أما أن تجعل من قضية فرعية جداً قضيةً كلية وتجعلها مقياساً لمن يتبع السنة ولمن يخالفها فهذا الشيء ما أنزل الله به من سلطان.
 مسألة الهوي إلى الأرض على اليدين أم على الركبتين؟ تسعة كتب ألفت في هذا الموضوع، تبدأ بركبتيك أم بيديك؟ لاشك أنه لابد من تحري السنة ولابد من إدراك كيف صلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أن نجعل هذه القضايا هي الدين، أن نجعلها كل همنا، وغاية بحثنا، ومنتهى خصومتنا، ليس هذا من الدين في شيء.

8 ـ إغفال فقه المعاملات و التفوق بفقه العبادات :

 أيها الأخوة الكرام، نعتني أحياناً بفقه العبادات، والقضية سهلة جداً، ذلك لأن أحكام العبادات واضحة جداً وضوح الشمس، وأي إنسان يستوعبها، ويتفوق فيها، أما قضايا المعاملات كيف نحل مشكلة القرض الحسن؟ هل نؤسس مؤسسةً للقرض الحسن؟ لا، كيف نحل مشكلة الإيداع؟ كيف نحل مشكلة الاستيراد؟ هناك مشكلات لا تعد ولا تحصى، المسلمون في أشدّ الحاجة إلى أحكام فقهية فيها، نغفل عن فقه المعاملات، ونتفوق بفقه العبادات، المعاملات في نظر بعضهم خطيرة جداً، إنك إن وقعت في الحرام حجبت عن الواحد الديان، فهناك آلاف القضايا المعلقة لا بحث ولا درس ولا اجتهاد ولا تقصي، التقصي وحده في أمور العبادات مع أن الدين عبادات ومعاملات، ومن لم تصح علاقته بالناس قد يحجب عن رب الناس.

9 ـ تخاصم الناس حول القضايا الخلافية :

 أيها الأخوة الكرام، هناك موضوع آخر من مشكلات المسلمين أن هناك من يرى هذا الشيء ينبغي ألا يفعله الناس، جيد وهو ليس محرماً فيأتي بقصص، ويأتي بأدلة اجتماعية ونفسية حتى يحمل هذا الإنسان على ألا يفعله، ولا يستطيع أن يقول حرام، هذه المبالغات ما دامت القضية خلافية، ما دام هناك من الأئمة العظماء من أجازها بدليل قوي، وهناك من جعلها مكروهة بدليل، اجعل هذا الموضوع خلافياً، أبقه خلافياً، لا تأخذ حالةً حادة في هذا الموضوع، وتخاصم الناس وتحمل الناس على ما لا يريدون.
 أيها الأخوة الكرام، ما من قصة أروع من أن النبي عليه الصلاة والسلام بلغه أن صحابيين وقعا في أسر مسيلمة الكذاب، قال مسيلمة لأحد الصحابيين: أتشهد أني رسول الله؟ فقال الأول: ما سمعت شيئاً، فقطع رأسه فوراً، لما رأى الثاني أن الأول قطع رأسه قال الثاني: أشهد أنك رسول الله، فماذا قال النبي عن هذين الصحابيين؟ قال عليه الصلاة والسلام: " أما الأول فقد أعز دين الله فأعزه الله- نخشى على الثاني الآن- وأما الثاني فقد قبل رخصة الله" ما كلفه فوق ما لا يطيق.
 أرأيتم إلى عظمة الدين!! هناك حد أدنى إجباري، وحد أقصى اختياري، العدل إجباري والإحسان تطوعي، ما حملك ما لا تطيق، بمعظم القضايا يوجد حد أدنى وحد أقصى، وهناك مشكلة كبيرة أنك كلما تفوقت في جانب تريد أن تحمل الناس جميعاً على هذا الجانب، ومن لم يكن مثلك فهو فاسق مبتدع مشرك. هذه مشكلة، مادام في الإسلام بحبوحة، الذي وقف في الحد الأدنى ينبغي ألا تؤاخذه، والذي وقف في الحد الأعلى ينبغي أن تثني عليه، لذلك قال بعضهم: بعض العوام أشد حماساً للمسائل الخلافية من العلماء، يخاصم ويقاتل.

الدّين كليات ثلاث معرفية و سلوكية و جمالية :

 أيها الأخوة الكرام، الذي أتمناه أن ننشغل بالكليات والجزئيات معاً، بالأصول والفروع معاً، بمقاصد الشريعة وتفاصيل الشريعة معاً، ألا يشغلنا أصل عن فرع، ولا فرع عن أصل، ولا جزئية عن كلية، ولا كلية عن جزئية، وأن نجمع بين العلم والعمل والاتصال بالله، فالعبادة طاعة طوعية أساسها معرفة يقينية تفضي إلى سعادة أبدية.
 لابد من أن نفهم الدين أنه كليات ثلاث، كلية معرفية فلابد من طلب العلم، وكلية سلوكية التزام، وكلية جمالية سعادة بالله عز وجل، ومن اقتصر على كلية واحدة مشى أعرج ولم يفلح، وأي دعوة تقتصر على إحدى هذه الكليات و لا تعنى بالكليتين التاليتين هي دعوة عرجاء لا تنجح ولا تجدي، ينبغي أن تدعو إلى الله كما دعا النبي عليه الصلاة والسلام إلى الله، قال تعالى:

﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ﴾

[ سورة الجمعة: 2]

 آياته الكونية :

﴿ وَيُزَكِّيهِمْ ﴾

[ سورة الجمعة: 2]

 لابد من أن تزكو النفوس، لابد من أن يكون المؤمن كريماً عفواً صادقاً أميناً عفيفاً مستقيماً ورعاً.

﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾

[ سورة الجمعة: 2]

 لابد أن تعرف الله من خلال خلقه، ولا بد من أن تعرف إراداته من خلال الوحيين، ولا بد من أن تسمو نفسك إليه، هكذا دعا النبي عليه الصلاة والسلام، اهتم بالجانب العلمي والجانب العملي والجانب النفسي، طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم فيا فوز المستغفرين.

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

تغرير الشيطان بالإنسان :

 من أروع الآيات الكريمة التي تخاطب العقل والقلب معاً في نص واحد، قوله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾

[ سورة الانفطار: 6]

 الله عز وجل يقول في آية أخرى:

﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾

[ سورة فاطر: 5]

 أي لا ترونها بحجم أكبر من حجمها، ولا يغرنكم بالله الغرور هو الشيطان يقول لكم: الله عز وجل لن يحاسبكم، تتوب في آخر الحياة، هذا تغرير من الشيطان، قال الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ﴾

[ سورة الانفطار: 6]

 ما الذي خدعك حتى عصيت الواحد القهار؟ ما الذي خدعك فاقترفت الآثام بالليل والنهار؟ ما الذي خدعك ففرطت في حدود الله؟ ما الذي خدعك فتهاونت في الصلاة؟ ما الذي خدعك فأطلقت بصرك في الحرام؟ ما الذي خدعك فلم تخشَ الله كما كنت تخشى الأنام؟ أهي الدنيا؟ أما تعلم أنها دار فناء وقد فنيت، أهي الشهوات؟ أما تعلم أنها إلى زوال وقد زالت، أم هو الشيطان؟ أما علمت أنه لك عدو مبين؟ إذاً ما الذي خدعك؟

﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ ﴾

[ سورة الانفطار: 6-8]

إلى متى وأنت باللذات مشغول  وأنت عن كل مـا قدمت مسؤول
***
تعصي الإله وأنت تظهر حبـه  ذاك لعمري في المقال شنيـع
لو كان حبك صادقاً لأطعتـــــه  إن المـحب لمن يحب يطيـع
***

﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾

[ سورة الحديد: 16]

أطع أمرنا نرفع لأجلـك حجبنـــــــــــــا  فإنا منحنا بالرضا من أحبنـــــــــــــــــــــا
و لذ بحمانا و احتـمِ بجنابنـــــــــــــــا  لنحميك مما فيه أشرار خلقـــنــــــــــــــا
و عن ذكرنا لا يشغلنك شاغــــــــــل  وأخلص لنا تلقى المسرة و الهـنــــــــا
و سلم إلينا الأمر في كل ما يكـن  فمـــا القرب و الإبعاد إلا بأمرنــــــــــــا
فيا خجلي منه إذا هو قال لـــــــــي  أيــــا عبدنـــــــــــــــا ما قرأت كتابنــــــــــا؟
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى؟  أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـــــا؟
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً  و تنظـــــــــــــــــــر ما به جاء وعدنـــــا؟
فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـــــــــاً  وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا
***

 أيها الأخوة الكرام، نحن في أمس الحاجة إلى مراجعة لعقائدنا، و نحن في أمس الحاجة إلى توازن بين الكليات و الجزئيات، و الأصول و الفروع، و المقاصد و التفصيلات، و نحن في أمس الحاجة إلى أن نفر إلى الله، و أن نصطلح معه، و أن نتوب إليه، فلعل الله جل جلاله يغير ما بنا من سوء.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمنا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسنا ذكرك يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذلّ الشرك والمشركين، اللهم دمر أعداءك أعداء الدين، اللهم شتت شملهم واجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم بفضلك ورحمتك وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها إلى ما تحب وترضى، اجمعهم على الحق والخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018