الخطبة : 0826 - أمراض القلب . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0826 - أمراض القلب .


2002-03-01

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته، ومن والاه، ومن تبعه إلى يوم الدين.
 اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

آيات تؤكد أن قلب النفس يمرض :


 أيها الأخوة المؤمنون: وصلنا في الخطبة السابقة إلى حقيقة خطيرة ودقيقة وهي أن المهزوم أمام نفسه، وأمام شهواته، وأمام رغباته، وأمام مصالحه، لا يمكن أن يقابل نملة، لذلك الأصل في الجهاد جهاد النفس والهوى، فإذا صحّ هذا الجهاد يمكن أن تواجه أكبر قوة عاتية في الأرض .
 أيها الأخوة الكرام: من فقرات جهاد النفس والهوى أن تتفحص قلبك وتتعاهده، كمقدمة لهذه الخطبة لماذا يحرص أحدنا أن يكون سليماً في جسمه وهو يتألم أشدّ الألم لخلل أصاب جسمه؟ بل إن كلمة المرض العضال يفزع منها الإنسان وترتعد فرائصه، يقلق أشدّ القلق لظاهرة لم تكن من قبل في عينه، يقلق أشد القلق لخلل في قلبه، ويقلق أشد القلق لخلل في حركته، لماذا يحرص على صحته حرصاً لا حدود له بينما يهمل قلبه؟
 أيها الأخوة: طالبوني بالدليل الله عز وجل يقول:

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾

[ سورة البقرة : 10]

 خالق السموات والأرض ينبئنا أن القلب يمرض، قلب النفس.

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾

[ سورة البقرة : 10]

 آية ثانية:

﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾

[سورة الحج: 53]

 آية ثانية:

﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾

[ سورة الأنفال : 49]

 آية ثانية:

﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾

[ سورة الأحزاب : 60]

 آية ثالثة:

﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾

[ سورة الأحزاب : 12]

 آية رابعة:

﴿وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً﴾

[ سورة المدثر : 31]

 آية خامسة:

﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾

[ سورة يونس : 57]

 كان هناك مرض في الصدر فشفي بهذا القرآن، آية سادسة:

﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾

[ سورة الإسراء : 82]

 آية سابعة:

﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة التوبة : 14]

 آية ثامنة:

﴿وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾

[سورة التوبة : 15]

 مجموع هذه الآيات تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن قلب النفس يمرض.

 

مرض الجسم ينتهي بالموت ومرض القلب يبدأ بعد الموت :

 الآن الموازنة: مرض الجسم ينتهي بالموت، لكن مرض القلب يبدأ بعد الموت، مرض الجسم ولو كان عضالاً ينتهي بالموت، وقد يكون صاحبه في أعلى الجنات، وانتهى الأمر، وا كربتاه يا أبتِ! قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه.
 لكن مرض القلب يبدأ بعد الموت ويشقي صاحبه إلى أبد الآبدين، لو كنا منطقيين لوجدنا أن أخطر أمراض الجسد أثره محدود في الحياة الدنيا، بينما أمراض القلب تشقي صاحبها إلى أبد الآبدين، فلذلك ينبغي أن ترتعد فرائصنا من أمراض القلب لأنه:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[سورة الشعراء : 88-89]

 هذه مقدمة، أمراض الجسد على أنها مميتة - وقاكم الله هذه الأمراض أنتم وأهلكم وأولادكم ومن يلوذ بكم- لكن هذه الأمراض تنتهي بالموت، بينما أمراض القلوب تستمر بعد الموت إلى أبد الآبدين.

 

من أمراض القلب

:

 

1 ـ الفساد في التصور :

 أيها الأخوة: من أمراض القلب فساد في تصوره، يظن أن الدنيا هي كل شيء، هذا مرض، مع أن الدنيا مطية للآخرة، يضع كل ثقله في الدنيا، يسعى لها بكل ما أوتي من قوة.

﴿فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 17]

 أن تتصور أن الدنيا هي كل شيء، أو أن المال والمرأة والمكانة والرفعة في الدنيا هي كل شيء، هذا مرض من أمراض القلوب، فساد في التصور، أو فساد في الاعتقاد، أو ضبابية في الرؤية، أو رؤية غير صحيحة، وليس هناك من ذنب إلا ويقابله رؤية غير صحيحة، لذلك في الدعاء النبوي: " اللهم أرنا الحق حقاً " لأن هناك من يرى الحق باطلاً، ولأن هناك من يرى الباطل حقاً، فهذا مرض من أمراض القلوب أن تتوهم شيئاً ليس واقعياً، أن تعطي الدنيا حجماً أكبر من حجمها، أن تسعى إليها بكل ما تملك ولو على حساب دينك، فهناك فساد في التصور، هناك خطأ في الرؤية وفساد في العقيدة.
من هذا الذي يسعى لمعرفة الحقيقة ويقتطع من وقته وقتاً بحضور مجالس العلم؟ من هذا الذي يقتضي حرصه على سلامة قلبه أن يسأل عن الحقيقة؟ أن يبحث؟ من هذا الذي يستجيب لحاجته العليا وهي طلب العلم؟
أيها الأخوة الكرام: هناك مرض آخر، المرض الأول أساسه شبهات، أوهام، عقائد زائغة، فساد في التصور، مرض خطير شفاؤه أن تطلب الحقيقة، أن تكون مع الحقيقة، فإذا وجدتها في كتاب الله وسنة رسوله التزمت بهما.

 

2 ـ الفساد في السلوك :

 أما المرض الثاني فأن تريد معصية، لو علمت الحقيقة إذا دعتك نفسك إلى معصية، أو مخالفة، أو تجاوز حد، أو تقصير في أداء واجب، أو التماس شهوة لا ترضي الله عز وجل، فهناك مرض آخر من أمراض القلوب.
 أيها الأخوة الكرام أقول لكم دائماً: الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، لا تجامل وتحابي نفسك، ابحث عن وضعك الحقيقي، أما إذا ظننت أنك على ما يرام ولم تكن كذلك فهناك مفاجأة بعد فوات الأوان.
 أيها الأخوة الكرام: الخطأ في التصور علاجه باليقين، وطلب العلم، ومعرفة حقيقة هذا القرآن، وحقيقة سنة النبي العدنان، والخطأ في الاتجاه نحو الشهوات علاجه بالصبر.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا ﴾

[ سورة آل عمران: 200 ]

 علاجه كما قال الله عز وجل:

﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾

[سورة النازعات: 40-41]

 هذان مرضان خطيران من أمراض القلب، خطأ في التصور، وخطأ في السلوك، الخطأ الأول علاجه في الحقيقة ومعرفتها، والخطأ الثاني علاجه الإرادة والصبر على طاعة الله.

 

3 ـ إساءة الظن بالله :

 أيها الأخوة الكرام: من هذه الأمراض يقول الله عز وجل:

﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ﴾

[سورة التوبة: 14-15]

 حينما يقوى الكافر على المؤمن، والمؤمن لضعف في توحيده وتصوره وإرادته يشعر أن الله تخلى عنه، فحالة اليأس والقنوط كما يعانيها معظم المسلمين اليوم هذا مرض من مرض القلوب، أن تسيء الظن بالله، وترى أن الله سبحانه وتعالى لم ينصر عباده المؤمنين، وأنه قوى أعداءه الكافرين، هذا أيضاً مرض من أمراض القلب، أحد أسبابه ضعف اليقين وأنك لا تقف على حقيقة معاني القرآن الكريم.

 

4 ـ الشعور بأن التشريع ناقص لا يلبي حاجات المجتمع

:

 

 أيها الأخوة الكرام: الإنسان حينما يجهل قضية يشعر بألم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ جَابِرٍ قَالَ: خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأْسِهِ ثُمَّ احْتَلَمَ فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ؟ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِرَ أَوْ يَعْصِبَ شَكَّ مُوسَى عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ))

[أبو داود عن جابر ]

 الذي لا يعرف الحكم الشرعي هذا حالة قلق وحيرة، أيعقل أن ينزل الله كتاباً وأن يرسل نبياً يبين كتابه، ثم نعاني من مشكلة خطيرة في مجتمعنا ولا نجد لها حلاً في الكتاب أو السنة؟ مستحيل !

﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

[سورة النساء: 59]

 أيعقل أن نعاقب على لا شيء؟ حينما نشعر أن هذا التشريع ناقص لا يلبي حاجات المجتمع المعاصر هذا مرض من أمراض القلوب، أن تشعر أن الله تخلى عن المؤمنين مرض، أن تشعر أن هذه الشريعة لا تغطي حاجات المجتمع الإسلامي مرض، أن يكون هناك فساد في التصور هذا مرض، أن يكون هناك رغبة إلى معصية مرض، هذه كلها أمراض، وذكرت لكم تسع آيات بينات تؤكد أن القلب يمرض، و أن مرضه خطير جداً، وأن مرض القلب قد يبدأ فعله الوبيل بعد الموت، ويشقي صاحبه إلى أبد الآبدين.

 

5 ـ خلو القلب من الحقائق كلياً :

 أيها الأخوة الكرام: شيء آخر: لو أن هناك جهلاً مطلقاً لكان هناك موت محقق للقلب.

﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾

[ سورة النحل : 21]

﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ ﴾

[ سورة فاطر: 22]

 إن كان هناك نقص في المعلومات هناك مرض، فالقلب يتردد بين الموت المطبق وبين المرض الوبيل، نقص المعلومات مرض، وخلو القلب من الحقائق كلياً موت محقق.
 أيها الأخوة الكرام: الصحيح قد يأتيه جرثوم، قوة مناعته كبيرة فيرده ويقضي عليه، لكن ضعيف المقاومة وضعيف المناعة أضعف الجراثيم يجعله مريضاً، يقعده في الفراش، كذلك مرض القلب، أي شيء يفتنه، أي شيء يصرفه عن الحق ويغريه بالمعصية، لأنه في الأصل مريض، البرد قد يصيب الصحيح فلا يتأثر به عنده مقاومة، ومن كان قلبه سليماً لا يتأثر بالمغريات، ولا بمظاهر القوة التي يراها عند الكفار، ولكن القلب المريض يضعفه أي شيء، فلذلك القلب المريض يزداد مرضاً.

﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً﴾

[ سورة البقرة : 10]

 لأنه مرض الأعراض الخفيفة التي لا تؤذي الصحيح تتلف المريض.

 

علاج أمراض القلب يكون بـ :

1 ـ قراءة القرآن :

 أيها الأخوة المشكلة أن قلوب المرضى ليست كقلوب الأصحاء صحيحة، وليست كقلوب الكفار ميتة، بينَ بين، هو مؤمن أن لهذا الكون إلهاً، وأن هناك يوماً آخر لكن لا يعمل له، لذلك قلب المريض ليس كقلب الصحيح من جهة، وليس كقلب الميت من جهة ثانية، هذه نماذج من أمراض القلوب ما علاجها؟ أول علاج القرآن، لأن الله بيّن لنا أن القرآن شفاء لما في الصدور، الرؤية غير الصحيحة يصححها القرآن، يذهب إلى بلاد الغرب فيرى الغنى والخصب والرفاه إلى درجة يعتب على الله لحال المسلمين، لو قرأ القرآن وقرأ قوله تعالى:

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 44]

 هذه الآية شفاء لما في القلوب، يرى قوة جبارة متعجرفة متغطرسة تقتل وتقصف وتفعل، يقرأ قوله تعالى:

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة الحج : 48]

 يشعر أن هذا من سنن الله في خلقه، أما القوى أحياناً فيمدها الله لتأخذ أبعادها الإجرامية.

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾

[ سورة الحج : 48]

 قد يرى تقلب الكفار في الدنيا وامتلاكهم لأزمتها فيتألم، يقرأ قوله تعالى:

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾

[سورة آل عمران : 196-197]

 أنت حينما تقرأ القرآن كل الأمراض الناتجة من سوء الرؤية، ومن ضعفها وفسادها مصححة في القرآن الكريم، أنت إذا قرأت القرآن مع تصور صحيح، من قبل خالق السموات والأرض، فالقرآن شفاء لما في الصدور، حينما ترى ظالماً يشتد في ظلمه ويملأ الأرض ظلماً وجوراً، تقرأ قوله تعالى:

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾

[سورة إبراهيم: 42]

 يشفى صدرك، أنت إذا قرأت القرآن تصح رؤيتك، وتصح عقيدتك، وتكون مع الحقيقة، ومن أدق التعريفات أن الحق ما وافق الوحيين الكتاب والسنة، والحق في مقاييس علوم الأرض ما طابق الواقع مع الدليل، فأنت حينما تعتقد اعتقاداً صحيحاً أساسه الكتاب و السنة، وترى الأمور رؤية علمية أساسها الواقع، تكون قد سلمت نفسك من مرض من أمراض القلوب الخطيرة.
 أيها الأخوة الكرام: القرآن أول شفاء ينبغي أن تقرأه، القلب الذي ليس فيه قرآن كالبيت الخرب، ينبغي أن تقرأه كل يوم، تستعيد توازنك، ينبغي أن تقرأ حصة يومية من كتاب الله، وأن تقرأها قراءة تمعن وتدبر لا تعنيك الكمية، ليعنك النوعية، أنت حينما تقرأ القرآن كأن الله يحدثك إذا أردت أن تحدث الله فادعه، وإن أردت أن يحدثك الله فاقرأ القرآن، كأن الله يبين لك حينما يقول لك :

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 ألا تكفي هذه الآية؟ والله الذي لا إله إلا هو هذه الآية تمتص كل متاعب الحياة، ‍ هناك من لا يعجبه بيته أو زوجته أو لا يرضى عن دخله ويعاني مشكلات.

﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة البقرة : 216]

 أول حل أن تقرأ القرآن كل يوم، حصة لابد منها، لا تنسى أن تأخذ طعام الفطور لأن جسمك بحاجة إلى الغذاء، ولا تنسى أن تقرأ القرآن كل يوم لأن نفسك بحاجة إلى القرآن، هو شفاء لما في الصدور هذه واحدة.

 

2 ـ الالتزام بما أمر الله و الانتهاء عما عنه نهى و زجر :

 الشيء الثاني: من أسباب شفاء القلب أن تكون مؤتمراً بما أمر، منتهياً عما نهى عنه وزجر، ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، أو الذي يطير في الهواء، هذه خرافات، الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يجدك حيث أمرك وأن يفتقدك حيث نهاك، أدق تعريف للولي في القرآن:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62-63]

 بعد أن تقرأ القرآن وتستوعب آيات القرآن وتتدبرها وتعمل بآيات القرآن لابد من أن تلتزم بمنهج الله في كتابه وفي سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، الطاعة وحدها مريحة، أن تقف عند حدود الله شيء مريح، تشعر أنك فائز، متفوق، أنك مع الله، ومنضبط، وعبد طائع، هذا دواء آخر من أدوية أمراض القلوب، أن تلتزم بما أمر وأن تنتهي عما نهى عنه وزجر.

 

3 ـ أن يكون للإنسان عمل صالح :

 أيها الأخوة: لاشك أن الاستقامة تعطيك راحة وسلامة وأمناً.

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[ سورة الأنعام : 81-82]

 لكنك إن أردت أن تتقرب إلى الله لا تكفيك الاستقامة، لابد من عمل صالح ماذا بذلت؟ ماذا أعطيت لهؤلاء المسلمين؟ ماذا قدمت لعباد الله الصالحين؟ ماذا قدمت لخلق الله أجمعين؟ ماذا قدمت لغير البشر؟ هل عالجت قطة؟ هل أطعمت جائعاً؟ هل سقيت حيواناً يعاني من العطش؟ لقد غفر الله لامرأة رأت كلباً يأكل الثرى من العطش، هل لك عمل صالح؟ هل حملت بعض هموم المسلمين؟ هل أنفقت بعض مالك ووقتك وجهدك الذي لا تملك إلا غيره أحياناً؟ هل أنفقت من علمك وربيت أولادك؟ لابد من حركة نحو الله.
 الإيمان الذي لا يترجم إلى حركة ليس إيماناً، الإيمان حركي لا يوجد إيمان سكوني، مؤمن ومستريح، مؤمن ومنسحب من المجتمع، مؤمن ولا يفعل شيئاً، هذا كلام فارغ، ما إن تستقر حقيقة الإيمان في قلب المؤمن حتى تعبر عن ذاتها بحركة نحو الخلق، اسأل نفسك كل يوم ماذا فعلت من الأعمال الصالحة؟ هل عنت مريضاً؟ هل نصحت إنساناً؟ هل آويت مسافراً؟ هل أطعمت جائعاً؟ هل رعيت يتيماً؟ هل دللت على الله؟ هل نقلت حقيقة للآخرين؟ هل وصلت رحمك؟ ماذا فعلت؟ العلاج الأول أن نقرأ القرآن كل يوم، والعلاج الثاني أن نحرص حرصاً لا حدود له على طاعتنا لله عز وجل، والعلاج الثالث أن يكون لك عمل صالح والعمل الصالح يرفعك.

﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ﴾

[ سورة الكهف: 110 ]

تزكية النفس أحد أكبر أهداف الإنسان في الأرض :

 والله أيها الأخوة: أن تشعر بسلامة قلبك، وأن تشعر بطهره، وأن تشعر بقربه من الله، وأن تشعر أن الله تجلى على هذا القلب السليم، هو أعظم مغنم في الدنيا، لذلك هذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾

[ سورة التوبة: 103 ]

 تزكية النفس أحد أكبر أهداف الإنسان في الأرض.

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾

[ سورة الأعلى: 14-15 ]

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾

[ سورة الشمس: 9-10]

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 ما الأمانة ؟ نفسك التي بين جنبيك أوكلك الله إليها، فقد أفلح من زكى هذه النفس وعرفها بربها، وحملها على طاعته، وصبغها بصبغة الحق، وقد خاب من أبقاها جاهلة، وقد خاب من سمح لها أن تعصي الله، ومن حرمها من فعل الخير.
 أيها الأخوة الكرام:

﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾

[ سورة الأعلى: 14]

﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ ﴾

[ سورة النور : 28]

﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً﴾

[ سورة النور : 83]

 آيات كثيرة تؤكد أن تزكية النفس هو الهدف الأول من وجود الإنسان في الأرض، الفلاح لا في جمع الدرهم والدينار، ولا في أن تكون في أعلى مكان في الأرض، الفلاح كل الفلاح والفوز والنجاح والعقل كله أن تتزكى نفسك، وتعرفها بربها، وتحملها على طاعته، وتصبغها بصبغة الله عز وجل، لكن هناك من يزكي نفسه وليست هي كذلك، الله عز وجل يقول:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾

[ سورة النساء : 49]

 لا تحاول أن تضع نفسك في حجم أكبر من حجمك، لا تحاول أن تظهر بأكبر مما أنت فيه، كن متواضعاً، أظهر العكس، كن مفتقراً إلى الله عز وجل، المؤمن يتقلب في اليوم الواحد أربعين حالاً، بينما المنافق يستقر أربعين عاماً على حال واحد وهو العجب بنفسه.

 

4ـ عدم الظلم :

 أيها الأخوة الكرام: الشيء الأول أن تقرأ القرآن، والثاني أن تستقيم على أمر الله، والثالث أن تعمل الصالحات كل بطاقته وبقدر إمكانياتك، الشيء الرابع ألا تظلم، أن تكون منصفاً، شئت أم أبيت أن تكون قاضياً آلاف المرات في الحياة، قد تكون قاضياً بين ابنيك، بين ابنك وابنتك، أو بين ابنتك وصهرك، بين شركائك، كن منصفاً أنصف الناس من نفسك.

﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا ﴾

[ سورة المائدة: 8]

 هؤلاء الذين تعادونهم هم الكفار، لا تحملنكم كراهية الكفار على ألا تعدلوا معهم، فما استقاموا له فاستقيموا له.

﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ ﴾

[ سورة الممتحنة: 8]

 وبهذا قامت السموات بالعدل، وهو من صفات المؤمنين، اقرأ القرآن والتزم منهج النبي عليه الصلاة والسلام، واعمل الصالحات وتحرى العدل في علاقاتك، إياك أن تتبع ازدواجية المقاييس، إنها تؤلمك أشدّ الألم من أعداء الله، ما من ألم أصاب المسلمين كازدواج المعايير والكيل بمكيالين، لا تفعل هذا أنت مع الآخرين، لا تغطي أخطاء من يلوذ بك وتكبر أخطاء من لا يلوذ بك، لا تعتم ولا تظهر، كن منصفاً.

(( ....وَأيْمُ اللَّهِ لَوْ أنَّ فاطمةَ بنْتَ محمدٍ سَرَقَت لقطعتُ يَدَهَا ))

[متفق عليه عن عائشة أم المؤمنين ]

 يا فاطمة بنت محمد، يا عباس عم رسول الله أنقذا نفسيكما من النار، أنا لا أغني عنكما من الله شيئاً، لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم.

((...من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 يغفر للشهيد كل ذنب إلا الدين لا يغفر، كان عليه الصلاة والسلام لا يصلي على صحابي عليه دين.

((حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا فَقَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا فَصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قِيلَ نَعَمْ قَالَ فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ فَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ فَقَالُوا صَلِّ عَلَيْهَا قَالَ هَلْ تَرَكَ شَيْئًا قَالُوا لَا قَالَ فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ قَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ قَالَ أَبُو قَتَادَةَ صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَعَلَيَّ دَيْنُهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ ))

[البخاري عن سلمة]

 لم يبترد جلد الشهيد بالتعهد بل بالأداء.
 أيها الأخوة: هذا هو الدين، لو كنا كذلك والله لأملينا إرادتنا على الطرف الآخر وهم راغمون، أين الإسلام؟ أين شخصية المسلم؟ لذلك حينما قلت في الخطبة السابقة: المهزوم أمام نفسه لا يستطيع أن يواجه نفسه لابد من أن ننتصر على أنفسنا، وعلى شهواتنا ومصالحنا ورغباتنا.
 أيها الأخوة الكرام: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

علامات سلامة القلب :

1 ـ أن تعيش المستقبل :

 أيها الأخوة الكرام: أضع بين أيديكم مؤشرات على سلامة القلب منها أن يرتحل الإنسان عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة.
 مثل من واقع المسلمين: لو أنك تريد أن تحج بيت الله الحرام، وليس هناك من سبيل إلى أخذ موافقة، لو أنك أخذت موافقة فجأة بثانية واحدة تنتقل إلى الديار المقدسة، أين أذهب إلى المدينة أم إلى مكة؟ أين أقيم؟ مع أي فوج ألتحق؟ ماذا سأفعل؟ كيف أقضي الديون التي عليّ؟ لأنك شعرت أنك مرتحل إلى بلاد الله المقدسة كل اهتماماتك وتصوراتك وخواطرك متعلقة هناك، من علامة سلامة القلب أن يرتحل المؤمن عن الدنيا حتى ينزل بالآخرة، ويحل فيها حتى يبقى كأنه من أهلها وأبنائها، جاء إلى هذه الدنيا غريباً يأخذ منها حاجته، ويعود إليها كما قال عليه الصلاة والسلام لعبد الله بن عمر: " كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وعد نفسك من أهل القبور"، هل تعيش الآخرة؟ هل تعيش الصراط والحوض والقبر أقرب؟ من منا لا يموت؟ هل تعيش أنك لابد من أن تترك الزوجة والأولاد والأهل والبيت وكل ما أنت فيه إلى حفرة صغيرة؟ هذا الذي يتوقع ما سيكون قبل أن يكون ينجو، ومن تعريفات العقل أن تصل إلى الشيء قبل أن تصل إليه، لو أننا عشنا الموت .

(( أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ يَعْنِي الْمَوْتَ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 مفرق الأحباب، مشتت الجماعات، عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب ما شئت فإنك مفارق، واعمل ما شئت فإنك مجزي به.
 علامات سلامة القلب أن تعيش المستقبل، وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا، فإن كان القلب غافلاً فهو في أشدّ أمراضه، وقد تكون الغفلة بالنسبة إلى القلب كالورم الخبيث بالنسبة إلى الجسم، هل تعيش القبر ومغادرة الدنيا وترك البيت والعمل والزوجة والأولاد؟ هل تعيش ما بعد الموت؟ هذه من علامات صحة القلب، أن تعيش المستقبل.

 

2 ـ أن تشعر أنه لا حياة لك ولا سرور إلا بالقرب من الله عز وجل :

 علامة ثانية من علامات صحة القلب أن تشعر أنه لا حياة لك ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا برضا الله عز وجل وقربه والأنس به، إليه يسكن القلب ويأوي، به يفرح، وعليه يتوكل، به يثق، وله يرجو، منه يخاف، ذكره قوته وغذاؤه ومحبته، والشوق إليه حياته ونعيمه ولذته وسروره، والالتفات إلى غيره والتعلق بسواه داؤه، والرجوع إليه دواؤه، هل أنت كذلك؟ متوكل واثق من الله، موقن أنه لا رافع ولا خافض، ولا معطي ولا مانع، ولا معز ولا مذل إلا الله، تائب، ذاكر، مشتاق، منيب، محب.
 أيها الأخوة: هذه علامة ثانية لذلك قال بعض العارفين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والتنعم بذكره وطاعته.
 قال بعض العارفين: إنه ليمر بي وقت أقول فيه: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب، هذه جنة القرب.
 في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، هل أنت سعيد بالله ومطمئن ومنيب إليه؟ هذه علامة ثانية من علامات سلامة القلب.
 والله ما طابت الدنيا إلا بمحبة الله وطاعته. يا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ لا يطيب الليل إلا بمناجاتك، ولا يطيب النهار إلا بخدمة عبادك، هذه من علامات صحة القلب.

3 ـ ألا يفتر عن ذكر ربه ولا يسأم من خدمة عباده :

 أيها الأخوة: حياة القلب في ذكر الحي الذي لا يموت، ومرضه في ذكر الذي يموت، اذكر الحي الذي لا يموت فقلبك حي، فإذا ذكرت الذي يموت فأنت ميت، اجعل لربك كل عزك يستقر فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت.
 أيها الأخوة الكرام: عند العارفين الفوت أشدّ عليهم من الموت، أن تفوتك صلاة وذكر وقراءة قرآن أشدّ عليك من الموت، لأن الموت انقطاع عن الخلق، والفوت انقطاع عن الحق، وشتان بين الانقطاعين، وقال بعض العلماء: من سُرّ بخدمة الله سرّت الأشياء كلها بخدمته، ومن قرت عينه بالله قرت عيون كل واحد بالنظر إليه، كنت أدعو وأقول: يا رب كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك.
 من علامات صحة القلب ألا يفتر عن ذكر ربه، ولا يسأم من خدمة عباده، ولا يأنس بغيره.
 أيها الأخوة: هذه كلها مؤشرات.

4 ـ الألم العظيم عند فوات ورد أو قرآن :

 من علامات صحة القلب أنه إذا فاتك ورد، أو تلاوة قرآن، أو ذكر، وجدت لفواته ألماً أعظم من تألم الحريص بفوات ماله وفقده.

5 ـ الاشتياق إلى خدمة عباد الله :

 من علامة صحة القلب أنه يشتاق إلى خدمة عباده، فاليوم الذي ليس فيه عمل صالح يوم جاف ومتصحر، وفيه انقباض.

6 ـ ذهاب الهم و الغم إذا دخل في الصلاة :

 من علامات صحة القلب أنه إذا دخل في الصلاة ذهب عنه همه وغمه.
 أرحنا بها يا بلال، كان إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، هذا من علامات صحة القلب، وأن يكون همه واحداً في الله، اجعل الهموم هماً واحداً يكفك الهموم كلها، همك الأول أن يرضى الله عنك، وأن تكون مطيعاً له، وأن تكون في خدمة عباده، هذا من علامات صحة القلب.

7 ـ أن يكون أشحّ بوقته أن يذهب ضائعاً من أشد الناس شحاً بماله :

 وأن يكون أشح بوقته أن يذهب ضائعاً من أشد الناس شحاً بماله، يمضي الناس ساعات وساعات في أعمال سخيفة، وفي متابعة مسلسلات لا تسمن ولا تغني من جوع، ويمضون ساعات في الغيبة والنميمة، وهؤلاء الصالحون منهم في المباحات، أن تكون صحيحاً بوقتك أن يذهب ضائعاً، هذا الوقت هو أنت، كل دقيقة هي أنت، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه هذه من علامات صحة القلب.

9 ـ تصحيح العمل لعل فيه رياء أو نفاقاً :

 لا أن تعمل ولكن أن تصحح العمل لعل في العمل رياء أو نفاقاً.

((عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ابن ماجة عن ثوبان]

 همّ المؤمن تصحيح العمل لا العمل نفسه، إخلاصه في العمل، نقاء العمل من كل شائبة، هذه من علامات تصحيح القلب، هذه بالجملة.

 

التعريف بالقلب السليم :

 أيها الأخوة: من كان همه كله في الله، وحبه كله لله، وقصده لله، وبدنه لله، وأعماله لله، ونومه ويقظته لله، وحديثه وأفكاره تحوم حول مرضاة الله، والخلوة مع الله، من كان هكذا فهو في قلب سليم، وأختم هذه الخطبة بتعريف العلماء للقلب السليم حينما قال الله عز وجل:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[سورة الشعراء : 88-89]

 القلب السليم هو القلب الذي سلم من شهوة لا ترضي الله، وسلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، وسلم من تحكيم غير شرع الله، وسلم من عبادة غير الله، الهدف الأول لكل مؤمن أن يكون قلبه سليما لقوله تعالى:

﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾

[سورة الشعراء : 88-89]

 وأذكركم في نهاية المطاف بقول سيدنا عمر رضي الله عنه: تعاهد قلبك،
 تجد المسلم حاقداً ومتكبراً ومستعلياً، يحابي نفسك، يتخذ مقاييس مزدوجة ويحتال ويكذب.... هذا الذي أخّر المسلمين، لو كنا كما أراد الله لكنا في حال غير هذا الحال.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اللهم بفضل رحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وأذلّ الشرك والمشركين، اللهم انصرنا على أعدائك أعداء الدين، يا رب العالمين، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018