رياض الصالحين - الدرس : 090 - باب كرامات الأولياء - ماذا عن قانون السببية والحكمة منه؟ وكيف يتعامل المسلم مع هذه الأسباب؟ وما الفرق بين المعجزة والكرامة؟ وكيف ينبغي أن يتعامل المسلم المستقيم مع الكرامة؟ - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

رياض الصالحين - الدرس : 090 - باب كرامات الأولياء - ماذا عن قانون السببية والحكمة منه؟ وكيف يتعامل المسلم مع هذه الأسباب؟ وما الفرق بين المعجزة والكرامة؟ وكيف ينبغي أن يتعامل المسلم المستقيم مع الكرامة؟


1999-09-05

 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

ما الحكمة الربانية من خضوع الكون لقانون السببية:

 أيها الأخوة الكرام, لا زلنا في كتاب رياض الصالحين, من كلام سيد المرسلين, عليه أتم الصلاة والتسليم، ولا زلنا في أبوابه التي جمعت بين الآيات الكريمة والأحاديث الصحيحة ، والباب اليوم: باب كرامات الأولياء .
 هذا الموضوع كثر الجدال حوله، فمن منكر لكل كرامة، ومن مبالغٍ للكرامات إلى درجة غير معقولة، والحق كما تعلمون وسط بين طرفين، ولا بد لهذا الموضوع من مقدمة في العقيدة .
 يا أيها الأخوة, شاءت حكمة الله: أن يجعل أحد أكبر النواميس في خلقه، أن لكل شيء سبباً, قال تعالى:

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً * إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾

[سورة الكهف الآية: 83-85]

 شاءت حكمة الله البالغة: أن يجعل لكل شيء سبباً، وشاءت حكمته أيضاً: أن يركب في عقولنا جهازاً، هو العقل، وإن شئت سمه الفكر، لا يقبل شيئاً إلا بالسبب، فالعقل أو الفكر أحد أكبر مبادئه السببية، والكون منظم، ومبرمج على السببية، من أجل ماذا؟ من أجل أن تعرف الله .
 تقول: هذه التفاحة من أين؟ من الشجرة، والشجرة من البذرة، والبذرة من الشجرة، يقودك التفكير إلى المسبب الأول، طريقة لطيفة هادئة مترفقة كي تعرف الله عز وجل, ولكن مع تكرار تلازم السبب مع النتيجة, تنشأ مشكلة وهي:
 أن الإنسان لضعف إيمانه, يتوهم أن هذا السبب خلق النتيجة، فلذلك من حكمة الله عز وجل: أنه من حين إلى آخر, إن أراد أن يلفتنا إليه، وأن ينبهنا إلى وجوده، وأن يعلمنا أن الأمر كله بيده، قد يكون السبب، ولا تأتي النتيجة .
 فقد تجد شابين في مقتبل حياتهما بتمام صحتهما، ومع ذلك لا ينجبان، هذه حالة، قد يكون السبب ولا نتيجة، وقد تأتي النتيجة بلا سبب؛ سيدنا عيسى بلا أب، بلا سبب، من أجل ماذا؟ من أجل أن تنفي, توهم أن السبب خالق النتيجة .

 

كيف ينظر المجتمع المؤمن والمجتمع الغربي إلى الأسباب ؟ :

 أيها الأخوة, يكاد العالم ينقسم قسمين: مؤمن، وغير مؤمن، فالعالم غير مؤمن يؤلِّه السبب، وينسى الله، أو يستغني به عن الله، وهذا حال الغربيين، والعالم المؤمن الكامل يأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، ويتوكل على الله, وكأنها ليست بشيء، هذا أكمل شيء .
 أيها الأخوة, بل إن الإنسان إذا مشى على طريق؛ على يمينه وادٍ سحيق، وعلى يساره واد سحيق، فإذا أخذ بالأسباب، واعتمد عليها وقع في الشرك، وإن لم يأخذ بها وقع في المعصية، وإن أخذ بها وكأنها كل شيء، وتوكل على الله، وكأنها ليست بشيء, كان كامل الإيمان، وهذا فعل النبي العدنان، أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، وتوكل على الله وكأنها ليست بشيء .

نقطة هامة :

 أيها الأخوة, وهذا الدرس نحتاجه دائماً، أردت أن تسافر، أجريت مراجعة لسيارتك مراجعة كاملة، المؤمن يفحص المحرك، يفحص المكابح، يفحص الزيت، يفحص كل شيء، ويغلق كل الاحتمالات، ثم يقول: يا رب توكلت عليك، أنت الحافظ، أنت الموفق، أنت المقتدر ، أنت الحافظ يا رب, الكافر يجري مراجعة, يقول لك: لا يحدث معي شيء، والمؤمن المقصر يقول لك: سمِّ الله، وامشِ، ولا تخف .
 فالذي اعتمد على الأسباب أشرك، والذي لم يأخذ بها, عصى بكل شيء، في مركبتك ، في تجارتك، في معالجة أولادك، في اختيار زوجتك، في اختيار حرفتك .

((المؤمن كيس فطن حذر))

 المؤمن يأخذ بالأسباب، وكأنه إنسان لا يعرف الله، ويتوكل على الله، وكأنه لم يأخذ بالأسباب، هذا الحال الدقيق .

 

ما سبق ذكره :

 أيها الأخوة, خلق الله عز وجل الكون على نظام السببية، وأودع في الإنسان عقلاً، أو سمِّه فكراً، هذا خلاف لفظي فقط، وجعل أحد مبادئ هذا الفكر: مبدأ السببية، يعني الفكر البشري لا يفهم شيئاً بلا سبب، مستحيل، ولئلا يتوهم الإنسان أن السبب خالق النتيجة، يلغي ربنا من حين لآخر الأسباب أو يعطّلها، ألغاها فكانت النتائج بلا أسباب، وعطلها فكانت الأسباب ولا نتائج، هذه مقدمة .
 بل إن عظمة الله عز وجل, أنه إذا أراد أن يتدخل مباشرة مع إنسان وفق سبب، إن أراد أن يكرم إنسانًا وفق سبب، وإن أراد أن يهلك إنسانًا وفق سبب، ليس هناك هلاك بلا سبب. يرتكب الإنسان حماقة كبيرة جداً تودي بحياته .

((إذا أراد ربك إنفاذ أمر, أخذ من كل ذي لبٍّ لبَّه))

 فربنا خالق الأسباب، والملهم، ومن حين لآخر, يلغيها أو يعطلها, لئلا يتوهم المتوهمون, أن السبب خالق النتيجة، الكلام واضح .

 

دور المعجزة :

 يأتي إنسان يقول: أنا رسول الله، معه منهج دقيق، افعل ولا تفعل، فالناس الذين ألفوا الشهوات، والتفلت، والانسياق وراء الرغبات، والميول والأهواء، هذا المنهج لا يعجبهم، كيف يتخلصون من هذا الإحراج؟ يدعون أن هذا الإنسان كاذب، ليس رسول الله، كيف يشهد الله للناس أن هذا الإنسان رسول الله؟ يجري على يديه خرقاً لنواميس الكون، لا يستطيعها إلا خالق الكون، ليس في الأرض إنسان, بإمكانه أن يحول البحر إلى طريق يابس، إلا الله, قال تعالى:

﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾

[سورة الشعراء الآية: 61-62]

 ضرب البحر, فإذا هو طريق يابس، أن يتحول البحر إلى جبل، أو إلى طريق بين جبلين, هذا لا يمكن أن يفعله إلا الله، فهذا الذي تم على يده, إذاً: هو رسول الله، إذاً: شهادة الله للناس, أن هذا الإنسان رسوله, هي المعجزات، سيدنا إبراهيم ألقوه في النار فلم يحترق, قال تعالى:

﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾

[سورة الأنبياء الآية: 69]

 سيدنا عيسى أحيا الميت، فحينما تخرق الأسباب، أو حينما تخرق نواميس الكون, من أجل أن يشهد الله لهذا الإنسان, أنه رسول الله, هذه يسميها علماء التوحيد: معجزة .
 المعجزة: أي أن البشر مهما اجتمعوا, يعجزون عن تحقيقها منفردين ومجتمعين .
 الأنبياء جاؤوا بالمعجزات، النبي عليه الصلاة والسلام انتقل من البيت الحرام إلى بيت المقدس في وقت قصير, وعاد إلى فراشه، ولا يزال دافئاً، ثم عرج به إلى السماء, حتى بلغ سدرة المنتهى، هذه معجزة، لذلك قال الله:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾

[سورة الإسراء الآية: 1]

 سبحان: يعني: يا أيها الإنسان, لا تعجب هذا على غير النظام العام .

دور الكرامة :

 أيها الأخوة, ولكن المؤمن حينما يخطب ود الله، يتعرف إليه، ويحبه, ويقدم له كل شيء, قال تعالى:

﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة الأنعام الآية: 162]

 حينما يحب الله، وحينما يحب عباده، وحينما يتقرب إليه ببذل سخي، وعطاء جلي، كيف يعلم الله هذا المؤمن أن الله يحبه؟ لا يوجد وحي، الوحي للأنبياء فقط .

((يا محمد -حين نزول وحي- قل لأبي بكر: إن الله راضٍ عنه، فهل هو راضٍ عن الله؟))

 الله عز وجل, عن طريق الوحي, أخبر النبي أنه راضٍ عن أبي بكر، عن طريق الوحي, أخبر الله نبيه, أن هؤلاء العشرة من أهل الجنة، العشرة المبشرون بالجنة، بعد انقطاع الوحي, كيف يعلم الله المؤمن الصادق المخلص, إلى أنه يحبه؟.
 هنا يأتي موضوع الكرامات، الكرامات خرق العادات، لأن النبي معصوم، سمح له أن يتحدى الناس بهذه المعجزة، أما الوليّ فغير معصوم، غير مسموح له, أن يعلن هذه الكرامة .
 فقال بعض العارفين:

((الولي الصادق يستحي بكرامته, كما تستحي المرأة بدم حيضها))

 ثمة قواعد عامة، فإذا طرح الكرامات في كل الدروس, يصبح الدين خرافات، يجب أن تعلم الدين كمنهج، يجب أن تعلمه قوانين، يجب أن تعلمه كأساليب علمية، أما الكرامات فهذه بينك وبين الله، يعني: أن الله عز وجل يعلمك أنه يحبك .

 

مثال للتوضيح بمفهوم الكرامة :

 أيها الأخوة, من عادتي: أنني أحجم عن ذكر الكرامات في الدروس، لأنها عند بعض ضعاف المؤمنين, تخلق بلبلة، البلابل جمع بلبلة، فطرح الكرامات يخلق في المستمعين بلبلةً .
 سأوضح هذا بمثل بسيط: لو أن شاباً بالشهادة الثانوية، وله أب عطوف كريم، أصيب بمرض عضال في أثناء العام الدراسي، فهذا الابن الشاب, من شدة محبته لأبيه، ووفائه له، وبره به, ترك هذه الدراسة، واعتنى بأبيه، من مستشفى إلى مستشفى، من طبيب إلى طبيب, من دواء إلى دواء، يسهر إلى جنبه، وقد مضى على هذه العناية المشددة أربعة أشهر، بقي للفحص شهر واحد، عافى الله أباه, فعكف على الكتب, 800 صفحة، قرأ من هذا الكتاب أوله ، قرأ من هذا آخره، يقرأ بشكل عشوائي .
 أليس الله قادرًا, أن يلهم هذا الطالب, أن يقرأ في المكان الذي يأتي منه السؤال؟ قادر ، قرأ من أماكن متعددة، فإذا بالأسئلة تأتي من هذه الأماكن بإلهام من الله، الله يعرف الأسئلة؟ طبعاً يعرفها، يلهم هذا الطالب أن يقرأ من أول الكتاب، من آخر الكتاب، فنجح بتفوق، كأن الله عز وجل, أشعر هذا الطالب, أنني أقدّر برَّك بأبيك، وأنني وفقتك .
 هذه القصة بربكم, يمكن أن تروى للطلاب, لم يقرأ أحد شيئًا، يقول لك: غداً بآخر الامتحان, يستلهم الله بفتح الكتاب لا على التعيين، تأتي الأسئلة، لا أحد نجح، لأنهم كلهم كذابون.
 هذه خص بها إنسانًا؛ إخلاصه شديد، ومحبته شديدة، ووفائه شديد، فالله خصه بكرامة، هذه الكرامة ليست للنشر، وليست للمتاجرة .

ماذا تستنتج من هذه القصص؟ :

 أقسم لي أخ ابن بار بأبيه، والأب توفي، وبيده حرفة نادرة جداً، الشام كلها فيها مكتبان أو ثلاثة، لها إجراءات معقدة بالغة في التعقيد، توفي الأب، والابن بالصف العاشر، ولا دخل للأسرة إلا هذا العمل، والأسرار كلها مع الأب، جاءت معاملة معقدة جداً، فهذا الابن بالصف العاشر, لا يستطيع أن يسأل المكاتب المنافسة, فيسقط من أعينهم، ولا أن يسأل الجهات المسؤولة، لا تعطيه معلومات، قال لي: والله رأيت والدي في المنام, فذكر لي مراحل إنجاز هذه المعاملة بالتفاصيل المذهلة، من شدة اهتمامي حفظتها، ثاني يوم سجلتها رأساً، وسرت بالمعاملة، فنجحت، هذه كرامة .
 أقسم لي أخ كريم ثان, قال لي: والله في المنام بناء في حي، الطابق الثالث، الشقة اليمنى، أن اطرقْ هذا الباب، واطلب ابنتهم، هذا في المنام، والذي فعله حصل، وكانت زوجته في هذا العنوان بالذات، هذا ممكن .
 سمعت عن رجل بطرابلس، رجل صالح جداً، يسكن بيتًا مستأجرًا، مالك البيت تمكن أن يخرجه من البيت، وصار في الطريق، فالله عز وجل أرى أحد أكبر أغنياء طرابلس رسول الله, قال له: اذهب واشتر لفلان بيتاً، هذا الغني قال له: اخترْ أفخر بيت لأشتريه لك، النبي أمره .
 هناك آلاف القصص، لكن المشكلة أنا رويتها, وتورطت، ينبغي ألا تروى، هذه الكرامات بينك وبين الله، مسموح للأنبياء أن يتحدوا بمعجزاتهم، لأنهم معصومون، وغير مسموح للمؤمنين, أن يتحدثوا عن كراماتهم، لأنهم غير معصومين، فإذا تحدثوا عن كراماتهم ، واكتشف أحد من الناس خطأ من أخطائهم كذبهم .

لا تتجاوز هذا المكان :

 هنا سأقف قليلاً، أقول لك: أيها الأخ الكريم, مستحيل وألف ألف مستحيل, أن تخطب ود الله عز وجل، وألاّ ترى معاملة استثنائية، الظروف صعبة جداً، توفق وحدك، شخص مخيف، كتلة شر، يمتلئ قلبه عطفاً عليك، لا تعرف السبب، قضية معقدة جداً, تنجو منها بأعجوبة، مرض عضال لا ينجو منه أحد، تشفى ببساطة، هذه كرامة شفاء من مرض عضال ، والقصص لا تعد ولا تحصى .
 هناك أمراض بينها وبين الموت دقائق، الله عز وجل تفضل وشفى صاحبها شفاءً تاماً ، فقر مدقع, يفتح الله عليك باب الخيرات, متعفف أشد أنواع التعفف، تأتيك زوجة طاهرة، والحديث طويل .
 أنا أطمئن أخواننا، مستحيل وألف ألف مستحيل, أن تخطب ود الله عز وجل, بإخلاص شديد، وألا ترى من الله معاملة استثنائية، ليست خاضعة لقوانين البشر .

هذه كرامة :

 أيها الأخوة, بالمناسبة: من حركة الحياة تنشأ قوانين، لكن لما يضحي الإنسان بمصالحه, من أجل أن يرضي الله عز وجل, عندئذٍ يخضعه الله لقوانين ليست معروفة عند الناس، أنا أسميها قوانين العناية الإلهية المباشرة .
 رجل بذل لمسجد مليون ليرة، هو مصدِّر كبير، وكل سنة يصدر، إحدى هذه السنوات ، قال لي: البضاعة مكدسة في المستودعات، وجاء طلب يغطي كل هذه البضاعة، قال لي: شعرت بانقباض لا يوصف، ما صدّر، في هذه السنة فرضت ضرائب على المصدرين, بما يساوي 1500 مليون، الله نجاه من هذه الضريبة بضيق الصدر، ما صدّر، ودفع مليون ليرة لمسجد، نجاه الله من هذه الضريبة، هذه كرامة .

يجب أن تعلم :

 أيها الأخوة, يجب أن تعلموا: أن أعظم كرامة على الإطلاق، وهذه الكرامة لا تحتاج إلى خرق نواميس الكون, إنها كرامة العلم، أعظم كرامة، فإذا الله تفضل عليك وعلمك .
 دخلت على أحد الدعاة في الشام، له غرفة جميلة, كلها كتب، في صدر الغرفة آية بخط رائع، من كبار الخطاطين، والله قرأتها اقشعر جلدي, قال تعالى:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

[سورة النساء الآية: 113]

 هذا أعظم عطاء أعطاه للنبي عليه الصلاة والسلام:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾

[سورة النساء الآية: 113]

احفظ هذه الكلمة :

 أيها الأخوة, حينما يخلص الإنسان لله عز وجل، وحينما يستقيم على أمر الله، وَاللَّهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ, يرى معاملة, العقل لا يصدقها، في أحلك الظروف، في أشد الأزمات، في أصعب المحن, لك معاملة خاصة، احفظ هذه الكلمة .
 إذا كنت على ما يريد الله عز وجل ورسوله, لك معاملة خاصة، لك معاملة خاصة صارخة، لكن يرجى ألا تتاجر بها بين الناس، أنت لستَ معصومًا .
 أنا حدثت معي مشكلة، وجد الناس فيك خطأ، فقاموا وربطوا الخطأ بهذه الرواية، هي ليست سحبة، لكن لما وجدوا خطأ منك, فسروها سحبة، أدخلت الناس بمتاهة، وأحرجتهم، وأربكتهم .

 

ما وراء هذه القصص :

 أنا مرة كنت بلقاء مع أحد العلماء في مصر، واللقاء مسجل، وانقلب إلى موضوع، إلى مقالة، فبعد ما انتهينا، وأنهينا المسجلة, وقفت لأمشي، قام وذكر لي عن عالم بالشام توفي, يرحمه الله, له كرامات، ذكر بعض الكرامات, يصعب على العقل صدقها، قلت له: ممكن أن تسمح لي، ما صدقتها، قال لي: لك حق، أنا لا أتعامل مع الكرامات، ولا مع المنامات، أنا أتعامل مع المناهج والنصوص .
 قال: مرة رجل, رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام, قال له: اذهب إلى المكان الفلاني، واحفر، ففيه كنز، فخذه، هكذا قرأت في كتاب العز بن عبد السلام، هذا الإنسان ذهب إلى المكان الفلاني، وحفر, فوجد الكنز، النبي قال له بالمنام: خذه، ولا تدفع زكاته، جاء واستشار العز بن عبد السلام، قال له: خذه، وادفع زكاته، لأن فتوى النبي حينما كان حياً أصدق من فتواه بعد أن مات، الأولى صدقت معك، لكن الثانية لم تصدق .
 لو رأى واحد رسول الله عليه الصلاة والسلام، وقال له كلامًا خلاف السنة, يرفض المنام، وتثبت السنة، نحن ديننا دين منهج، دين حقائق, دين نصوص ثابتة، نحن ليس عندنا دين زئبقي .
 كثير من الناس يقول لك: هذا الحديث, أنا أرى رسول الله, هو يخبرني صحيح أم غلط، والله طريقة جديدة، فجاء واحد, فأعطاه حديثًا صحيحًا، غاب يومين، ما الذي حدث معك ؟ قال له: والله رأيت رسول الله في المنام، وقال لي: هذا حديث صحيح، قال له: بارك الله هو صحيح، أعطاه حديثًا موضوعًا، فهذا ذكي، فتحه فرآه موضوعًا، فسأله، قال له: والله أنا رأيت النبي الكريم, هذا الحديث ما قلته، قال له: والله صدقت معك أيضاً، صحيح هذا، هو عمل له فخًّا، الثالثة أعطاه حديثًا ضعيفًا، ماذا جرى معك؟ قال له: والله رأيت النبي، وقال: هذا ضعيف، قال له: هذه كذبة، ليس عنده الضعيف .
 أنا أتمنى ألاّ ترووا كرامة بين الناس، لا تصدق واحدًا مستقيمًا، لا تصدق واحدًا يحب الله, ما له كرامات واضحة، لكن بينك وبينه .
 في عالَم المصارف, هناك شيك مسطر، هذا لا يقبضه إلا صاحبه، هذا لا يجيّر، أبداً، هذا لك فقط، فالكرامات لك وحدك، أما أن تدع شيئًا, فإن الله يبعث لك مئة ضعف عوضاً عنه.

محور هذه القصة :

 لما قام الحسن البصري بمهمة التبيين، بأمانة التبيين، بعهد الحجاج، والحجاج بلغه انتقاد الحسن البصري قال:

((والله يا جبناء, -يخاطب من حوله-, لأروينكم من دمه، -أمر بقتله، وقتل الإنسان عند الحجاج أهون من قتل ذبابة، أمرٌ سهل-, فجاء بالسياف، مد النطع، جاؤوا به لقطع رأسه .
دخل الحسن البصري, فرأى السياف، -كل شيء جاهز لقتله-, فحرّك شفتيه بكلام لم يفهمه أحد، فإذا بالحجاج يقف له، ويقول له: أهلاً بأبي سعيد، أنت سيد العلماء، وما زال يدنيه حتى أجلسه على سريره، وسأله، وضيفه، وعطره، وودعه، فصعق الحاجب والسياف، لحق به الحاجب، قال له: يا أبا سعيد, لقد جيء بك لغير ما فعل بك، فماذا قلت بربك؟ قال: يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي, اجعل نقمته علي برداً وسلاماً, كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم))

 هذه أليست كرامة هي؟.
 هذه القصة يوجد منها مليون، بكل عصر، وبكل يوم، وبكل مصر .

((إذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك))

 خذها قاعدة .
 إذا صار مع الرجل شيء غير معقول، استثنائي جداً، وشخص يحبه حباً جما يفرح له، لكن لا تقل لغير شخص يقول لك: هذه سحبة، يقلبها إلى كذب، مستحيل وألف مستحيل، وألف ألف مستحيل أن تخطب وده، وما يعاملك معاملة خاصة، لا بد من كل واحد من أخواننا الكرام الحاضرين, أن يكون عنده عشرات، بل مئات من الكرامات .

 

من هذه الكرامات أيضاً :

 أخ لا يملك من حطام الدنيا شيئًا، بقدرة قادر، بشيء لا يصدق، بيت في أرقى أحياء دمشق، ومركبة، ومعمل، القصة طويلة، وغير معقولة، لا تضبط على القوانين العامة، أما على القوانين الاستثنائية فتضبط، إذا تدخل الله فلا مشكلة أبداً، العبرة أن تكون مخلصًا، وصادقًا، ومستقيمًا، والباقي كله عليه، بكل شؤون حياتك .
 أخ من أخواننا, جاء إلى الشام, طمعاً بهذه المجالس، يوزع مما يأكله الصغار على المحلات، دخله ألفَا ليرةٍ بالشهر، له صديق، فجأةً فَقَدَ عمله، جاء، ولجأ إليه، قال له: والله أنا لي ألف ليرة خذ نصفهم، وضعها إلى جانبه, في أثناء توزيع الشوكولا والسكاكر، قال له: المبلغ مناصفة، أنا عوض ما أوقف السيارة، وأنزل، وأوصل العلبة للبائع, أوصلها أنت، وأنا أبقى في السيارة، وخذ نصف الأجرة، قال لي: بقيت بهذا العمل سنة، على ألفين بالشهر، قصة قديمة، لما نزل معي أول شهر, ربحنا 16 ألف، طبعاً: الله ألهمهم عملاً، قال لي: جلبنا حبات مسكة كرات، ووضعناها بقطرميز، وقال الكريم: خذ، أول شهر 16 ألف، قال له: هذه 8، هذه ليست كرامة، هناك مليون كرامة بهذا الجامع بالذات .

لا تخف من هذه الخطوة :

 أخ لحق بي في الحميدية، قال لي: عرضوا علي شيئًا محرمًا، قال لي: ما معي مصروف المعمل، ما معي أجور العمال، بوضع لا يحتمل، جاءه عرض، حسب ستة, سبعة ملايين، قال لي: ما قولك؟ قلت له: والله إذا كان الدخان عندك حرام فهي حرام، أقوله بملء فمي, قال تعالى:

﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾

[سورة الأعراف الآية: 157]

 فإذا كنت تعتقد كما أعتقد: أن الدخان حارم، هي الأركيلة حرام أيضاً، قال لي: والله دخلي صفر يا أستاذ، عندي أجور العمال، قلت له: أنا أنقل لك الفتوى، وأنت حر، هذا الإنسان صادق، رفض، جاءه عرض بعد شهر, أنساه ذلك العرض بالحلال .

((ما ترك عبد شيئًا لله, إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

 الشيء الذي يبغض الله, اركله بقدمك ولا تخف، الله يعلم كم ضحيت، الشيء الذي يغضب الله اركله بقدمك، والله عز وجل لا يمكن أن تدع شيئاً خوفاً منه, إلا ويعوضك خيراً منه .
 احفظ هذه المقولة:

((ما ترك عبد شيئًا لله, إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))

أخشى ما أخشاه, لكن هذا واقع :

 أيها الأخوة, لكن أنا أخاف أن أتورط، وأقول لكم: كم كرامة سمعناها من أخواننا؟ فيصير درسنا كرامات، أنا أنتقد درس الكرامات، لكن هذا الواقع، إذا كنت مستقيما ومخلصًا, فلك عند الله كرامة؛ إن كان بصحتك، وإن كان برزقك، وإن كان بمكانتك، وإن كان بعملك، وإن كان بوظيفتك، شيء لا يوصف، لكن ما تيسر لنا أن نقرأ لا الأحاديث ولا الآيات، إن شاء الله في درس قادم نتابع هذا الموضوع, إن شاء الله .

أسئلة السائلين :

 سؤال أول:
 هناك أشخاص لا يوجد فيهم دين، تظهر على أيديهم بعض الخوارق، هذه اسمها ضلالات .
 عندنا معجزات, وكرامات, وضلالات، أهل البغي, والعدوان, والكفر, والفجور، من أجل إضلال الناس؛ إما عن طريق مساعدة الجن، أو عند طريق تدريبات فائقة في المهارة، أو أبواب مساعدة الجن، يبدو فيها خرق للعادات، هذه ضلالات .
 فإذا كان الواحد غير مستقيم, فلا تلتفت إلى خرقه للعادات إطلاقاً، إذا كان غير مستقيم، خرق العادات يتم للأنبياء كمعجزات، وللأولياء ككرامات، ولأعداء الله كضلالات، والضلالات؛ إما مهارة فائقة، أو استعانة بالجن، والاستعانة بالجن ليست مشروعة، بل إنها للإضلال حتماً .
 سؤال ثان:
 قال: هناك في بعض العلماء, في بعض المساجد, يصلون على النبي ووالديه، النبي ما ذكر هذا، نتبع النبي كما علمنا أن نصلي عليه .
 سؤال ثالث:
 قال: أنا شاب, اشتريت بيانو كهربائي منذ زمن، والآن: أريد أن أبيعه، فهل يجوز أن أنتفع بماله؟ .
 هذه قضية خلافية بين العلماء، عنده عود يجوز أن يبعه؟ أكثرهم قال: لا يجوز، وبعضهم قال: يجوز، لكن حجته ضعيفة كثير، العود ليس خشبًا, ألا ينتفع بهذا الخشب؟ ما فيه يحرقه، ويتدفأ عليه، من يشتري عودًا بـ 8000 ليرة، ويتدفأ به ليلة واحدة، هات لي إنسانًا يشتري عودًا بـ 8000، فإذا كان الشيء محرمًا فبيعه محرم، هذا الرأي الأقوى عند الأحناف يجوز، على أساس هو مادة ينتفع بها .

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018