الخطبة : 0829 - علاقة المؤمن بالرؤى والأحلام . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0829 - علاقة المؤمن بالرؤى والأحلام .


2002-03-22

الخطبة الاولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشـهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر ، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

انحراف المسلمين عن سنة نبيهم يعرضهم للمحن و المصائب :

 أيها الأخوة المؤمنون، ذكرت لكم في الخطبة السابقة أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بحدّ ذاتها وحدها منهج كامل، وما انحرف المسلمون ودفعوا ثمن انحرافهم إلا بسبب بعدهم عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحينما قال الله عز وجل:

﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 ليس في اللغة العربية صيغة للنفي أشدّ من هذه الصيغة، سماها علماء اللغة نفي الشأن، أي مستحيل وألف ألف ألف مستحيل أن يعذب المسلمون وهم يطبقون سنة رسول الله :

﴿ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 أي سنتك مطبقة في حياتهم، وكلما انحرف المسلمون عن سنة نبيهم ذاقوا من المحن والمصائب ما لا قِبل لهم به.
 أيها الأخوة الكرام، حينما تعاني الأمة أنواعاً شتى من المآسي والنكبات تتنوع طرائق مواجهة هذه المحن، قال تعالى:

﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾

[ سورة البقرة: 148 ]

الهروب من الواقع المؤلم إلى الأحلام صورة من الهزيمة النفسية :

 هنـالك من يواجه هذه المحن مواجهة مرضية اسمها اللامبالاة، وهناك من يواجه هذه المحن والمصائب بانكبابه على الملذات، على الطعام والشراب أو على الجنس، وهناك من يواجه هذه المحن بأوهام، بأحلام، بحالات من الغيبوبة عن الوعي، هذا موضوع الخطبة اليوم، فريق من الناس وجد ملاذه في تتبع الرؤى والأحلام وتعبيرها بطريقة حالمة، ثم يستسلم لخدر هذه الأحلام ويترقب تعبيرها.
 أيها الأخوة الكرام، إن شدة المعاناة والضعف، وثقل الهزيمة، وخور العزائم، وغلبة اليأس، آلام محرقة، تبعث في النفوس التي تعانيها التعلق بالأماني الكواذب، والهروب من الواقع المأزوم، إلى أطياف الأحلام، حالة مرضية، قلت لكم: هناك من يدخل في حالة اللامبالاة، وينكب على الملذات، هناك من يواجه هذه المحن لا بمنهج الله عز وجل، ولكن بأوهام من الرؤى والأحلام.
 بالمناسبة أيها الأخوة البطولة أن تعتقد أن هذه المصائب التي تحل بالمسلمين ليست قهراً من عدو من بني البشر، إنما هي تسليط من خالق البشر، والفرق كبير، إذا فهمتها غلبة لعدو قاهر متمكن تقع في اليأس، تستسلم، تستخزي، فهمتها تسليطاً من خالق البشر لعلة فينا، الكرة إذاً عندي، إذاً أبحث عن الحل، أصطلح مع الله، أتوب إلى الله، أراجع أوراقي، أرتب أوراق بيتي، أدقق في دخلي، في إنفاقي، في خروج بناتي وزوجتي، حينما أرى ذلك تسليطاً فالحل عندي، أما إن رأيته قهراً مما يناسب الشعور بالقهر أن تستسلم، وأن تستخزي، نحن والحمد لله في بلدنا الطيب لا زلنا بخير، ولكن من لم يهتم بأمر المسلمين فيمن حولنا فليس منهم، من لم يحمل همّ المسلمين فليس منهم.
 أيها الأخوة، هؤلاء الفريق من البشر يواجهون المحن بأوهام، وهذه الأوهام تدغدغ عواطفهم، ويرتاحون لها، ويجترون دلالاتها، ويقعدون عن العمل، هذه في الحقيقة أكبر مصيبة، من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة فالمصيبة في نفسه أكبر، هذا الهروب من الواقع المؤلم إلى الأحلام هو صورة أخرى من الهزيمة النفسية، وشاهد آخر من شواهد غيبة الوعي، أكبر مصيبة يتحملها الإنسان أن يكون غافلاً عن الله، أن يكون غافلاً عن الوعي الصحيح.
 أيها الأخوة الكرام، هذا الأسلوب في مواجهة المحن بالأحلام والرؤى أيضاً نوع من الهزيمة النفسية، وأنا دائماً أقول هذه العبارة: إن الحقيقة المرة أهون من الوهم المريح.

الأحلام والرؤى تقودنا إلى الشعوذة و الخرافات :

 أيها الأخوة الكرام، هذه الأحلام والرؤى تقودنا إلى الشعوذة، إلى الخرافات، وإلى نبوءات كاذبة، لا تقوم إلا فيمن هان عليه أن يعيش بغير عقل، أرأيتم إلى هؤلاء الصحابة الكرام الذين أمَّر عليهم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم صحابياً أنصارياً ذا دعابة، هكذا ورد في صحيح البخاري ومسلم، هذا الأمير قال: أضرموا ناراً. فأضرموها، قال: اقتحموها، ألست أميركم؟ أليست طاعتي من طاعة رسول الله؟ تردد أصحاب رسول الله في اقتحامها تنفيذاً لأمر أميرهم، أو في تحكيم عقولهم الواضحة في أنهم إنما آمنوا بالله فراراً من النار، فكيف يقتحمونها؟! فلما عرض الأمر على النبي صلى الله عليه وسلم قال: والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في معروف. فلذلك لا تقوم هذه الأوهام إلا على من هانت عليه نفسه، وهان عليه أن يعيش بغير عقل يزعه عن الشطط، وهان عليه أن يغفل عن مقاصد الشريعة، وهان عليه أن يعيش تبعاً وذيلاً لكل ناعق.
 أيها الأخوة الكرام، الذي يعيش عالم الأحلام الموهوم فيؤثره على الواقع المشهود، لجدير أن يقول ما لا يفعل، وأن يفعل ما لا يقتضيه عقل صريح، ولا يقتضيه شرع صحيح، لأنه يريد أن يحقق أحلامه ويرضى بها، ويجعل من وساوس منامه - وإن أسخط الرحمن، وأجلب على نفسه وعلى غيره المفاسد والفتن- منهجاً في حياته، لذلك يصبح هذا الإنسان الذي يعيش الأحلام والرؤى وتعبيرها غير الصحيح، تكون هاجسه ودافعه إلى سلوك معين، مثل هذا الإنسان ضلّ سواء السبيل.

موقفان من مواقف النبي يبينان أنه لا يبنى على الرؤيا حكم شرعي ولا موقف سلوكي :

 أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن ننتفع من الماضي، وينبغي أن ننتفع من الدروس والعبر التي نستنبطها من سيرة سيد البشر، سوف آتيكم بموقفين من مواقف النبي صلى الله عليه وسلم.
 كان عليه الصلاة والسلام قبل النبوة لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، هو سيد الخلق، لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وأما بعد النبوة فرؤياه صلى الله عليه وسلم وحي يوحى، وهو المعصوم من تلاعب الشيطان، والذي تنام عينه ولا ينام قلبه، ومع هذا كله إليكم شاهد من سيرته، وهذا أربطه بمطلع الخطبة السابقة أن سيرته صلى الله عليه وسلم منهج كامل، أما الشاهد فهو: لما حشدت قريش قواتها، وخرجت في غزوة أحد لتثأر لقتلاها في بدر، استشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ لأن الله عز وجل أمره فقال:

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 مشاورة أصحابه منهج، وأمر إلهي، وكل أمر إلهي يقتضي الوجوب، استشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه، أيخرج إليهم أم يمكث في المدينة؟ وأخبرهم أنه رأى رؤيا، وما رؤياه إلا من الوحي، رؤيا النبي وحي؟

﴿قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾

[سورة الصافات: 102]

 رأى رؤيا ملخصها قال: رأيت بقراً تنحر، ورأيت في ذباب سيفي ثلماً، ورأيت أني قد أدخلت يدي في درع حصينة، فتأول عليه الصلاة والسلام البقر بأصحابه يقتلون، وتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته، وتأول الدرع بالمدينة. استشارهم وعرض عليهم رؤياه، ورؤياه وحي، فكان رأيه ألا يخرجوا من المدينة وأن يتحصنوا بها، فإن دخلها المشركون قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة، والنساء من فوق البيوت، فبادر جماعة من فضلاء الصحابة ممن فاته الخروج يوم بدر، وأشاروا عليه بالخروج، وألحوا عليه في ذلك، وقال بعض الأنصار: والله ما دُخِلَتْ علينا في الجاهلية - أي المدينة - أفَتُدْخَل علينا في الإسلام؟ وأبى أكثرهم إلا الخروج، عرض عليهم رأيه، وعرض عليهم رؤياه، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أن أكثرهم يريد الخروج قال عليه الصلاة والسلام: فشأنكم إذاً - إذاً نخرج - ثم نهض ودخل بيته، ولبس لأمته - أي درعه- وخرج عليهم، قالوا: أكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخروج، يا رسول الله إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل، فقال عليه الصلاة والسلام - وهو يعلمنا الآن ألا نتردد، التردد مرض، التردد آفة كبيرة -: لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه، وخرج أصحاب النبي إلى أحد، ماذا فعل النبي؟ اعتمد المشورة ثباتاً منه على المنهج الذي ارتضاه له ربه، ترك العمل بإيحاءات رؤياه تلك ودلالاتها، ولم تثنه رؤياه عن الخروج للقتال، ولم يغر بها، ترك رؤياه ونفذ مشورة أصحابه، إذاً ما شأن الرؤيا في حياة المؤمن؟ بشارة أو إنذار، لا يمكن أن يبنى على الرؤيا حكم شرعي، ولا موقف سلوكي، ولا فعل أو ترك فعل، بشارة أو إنذار ليس غير .
 أيها الأخوة الكرام، إنما دفع النبي للخروج مشورة أصحابه، لما استشارهم، ومشايعة منه لرغبته في الخروج، وترك الرؤيا تدور مدار الإنذار والتبشير، إن الثبات الذي لم تصرفه الرؤيا عن انتهاج المنهج الصحيح والانقياد له، هو الثبات الذي أثنى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثنى القرآن فقال:

﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾

[ سورة إبراهيم : 27]

 القول الثابت: القرآن، المنهج الثابت، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هذا شاهد أول، ممن الرؤيا؟ من سيد الخلق، هي نوع من الوحي، نوع من الأمر، ومع ذلك أخذ الأمر القرآني في قوله تعالى:

﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 وترك الرؤيا التي هي بمثابة وحي غير متلو.
 أيها الأخوة الكرام: أما الشاهد الثاني فهي أنه عليه الصلاة والسلام أُري في المنام وهو في المدينة أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة، وطاف أصحابه واعتمروا، وحلق بعضهم وقصَّر بعضهم الآخر، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه ففرحوا بها فرحاً عظيماً، فهي تلك الرؤيا التي عناها الله بقوله:

﴿ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ﴾

[ سورة الفتح : 27]

 ثم إنه عليه الصلاة والسلام خرج بأصحابه عام الحديبية إلى مكة يريد العمرة، وما كان أصحابه يشكون لحظة واحدة أنهم سيعتمرون عامهم، تصديقاً لرؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما وقع من أمر الصلح مع المشركين في الحديبية ما وقع، وما اقتضاه ذلك الصلح من أن يرجع المسلمون عامهم من غير عمرة على أن يعودوا من قابل، ثقل ذلك على المسلمين كثيراً، وعز عليهم أن يرجعوا إلى المدينة من غير أن يطوفوا بالبيت الحرام، حتى ذهب عمر-وتعلمون من عمر- يراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قال له: أو لست يا رسول الله تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ الإتفاق خلاف الرؤيا‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! ألم تحدثنا ذلك؟ فقال عليه الصلاة والسلام: بلى، هل أخبرتك أنك تأتيه العام؟ قال: لا. قال: فإنك آتيه ومطوف به. ونجد أيضاً في هذا الشاهد أنه رؤياه صلى الله عليه وسلم لم تكن لتصرفه عن منهجه الذي ارتضاه لنفسه، أراد أن يربي عليه أصحابه وأمته، من ذلك حسن النظر في العواقب، وتقدير المصالح، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم المصلحة في الصلح رضي به، وانقاد له غير آبه بشيء من الرؤيا التي رآها، ولم تكن الرؤيا همه، ولم تكن غاية يسعى لتحقيقها، ولم تكن أفعاله خاضعة لدلالتها ومقتضاها، وإنما ترك تأويل رؤياه يأتي تباعاً من الطريق الذي نهجه والتزم سلوكه، وهكذا أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا في حدودها ومكانها اللائق بها، فهي عنده مبشرة لا موجهة، تبشر ولا توجه، لا يمكن أن يبنى على الرؤيا موقف، ولا حكم شرعي، بل إن الفقهاء يقولون: من رأى رسول الله يأمره بخلاف منهج الله ترد الرؤيا ويثبت الشرع، ديننا دين منهج قويم، دين منهج شرعي، دين نص صحيح، وليس دين كرامات ولا منامات، الكرامات بشارة بينك وبين الله، يمنع أن تذكرها، يمنع أن تتحدى بها، المعجزات أمر الأنبياء أن يتحدوا بها قومهم، لأنها برهان على أنهم رسله، أما الولي فكرامته فيما بينه وبين الله، إشعار داخلي، ممنوع أن تلقى على الملأ، ممنوع أن يتاجر بها، ممنوع أن تكون سبباً لموقف، أو لحكم شرعي.
 أيها الأخوة الكرام، والله الذي لا إله إلا هو أنا أتكلم من فراغ، سمعت مئات المنامات والرؤى، وكأنها مثبطة للعزائم، وكأنها مدغدغة للأحلام، وكأنها نشوة وموهومة يعيشها الإنسان ويجترها، الواقع هو الذي ينبغي أن نتعامل معه.

 

عدم اتخاذ الرؤيا منهجاً للعمل :

 أيها الأخوة الكرام: شيء دقيق أحبه أن يكون بين أيديكم، رؤيا النبي عليه الصلاة والسلام جزء من الوحي فكيف برؤيا غيره؟ أنا أتحدث عمّن؟ عن سيد الخلق، حبيب الحق، المعصوم الذي لا يخطئ، عن رؤياه التي هي وحي يوحى، ومع ذلك أخذ بالمنهج الثابت ولم يأخذ برؤياه التي رآها هو، فكيف برؤيا غيره الآن؟ الآن دخلنا إلى رؤيا غيره، التي ربما كانت أضغاث أحلام، وربما كانت تحديث الشيطان، غير النبي ربما تكون رؤياه أضغاث أحلام أو تحديث شيطان، فإذا كان من الخطأ في المنهج اتخاذ الرؤى هادياً ودليلاً، يترسم المرء به طريقه، ويتبصر به الحق، فإن من الخطأ كذلك أن نسارع بتصديق كل ما يحكى لنا من الرؤى، هذه طرفة: دخل أحدهم على رجل له مركز القرار، قال له: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يسلم عليك، ويأمرك أن يكون لي عندك عمل في وزارتك. فكان هذا الوزير ذكياً، قال له: أنت متى رأيت الرؤيا؟ قال له: في الساعة الثانية عشرة ليلاً. قال له: إني رأيته في الساعة الرابعة يقول لي: هذا كذاب لا تصدقه. معنى ذلك أن هذه القضية ليس لها ضابط، كل إنسان قد يدعي رؤيا لا أصل لها.
 نحن تحدثنا عن رؤيا النبي إذاً الموقف الأول ينبغي أن نأخذ بالقول الثابت، وهو القرآن، وينبغي أن نأخذ بسنة النبي عليه الصلاة والسلام المبينة لأحكام القرآن، هذا الموقف الأول، الموقف الثاني أنا لست مكلفاً أن أصدق أية رؤيا، إلا ما ورد بها نص صريح في القرآن، الموقف الثاني لا ينبغي أن أصدق أية رؤيا، أنا ملزم بتصديق الرؤيا التي وردت في القرآن أو التي وردت في سنة النبي العدنان، وما سوى ذلك أصدق أو لا أصدق على مزاجي، إذاً من الخطأ أن نسارع في تصديق الرؤيا، لذلك أصبح اشتغال الناس بالرؤى والأحلام وتأويلها أكثر من اشتغالهم بالعمل الذي ينبغي أن يواجهوا به الواقع الأليم، ففي صحيح البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ ))

[البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ]

 وعن أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ قَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ ))

[البخاري عَنْ أَبِي هريرة ]

 لهذين الحديثين إن شاء الله موقع آخر في خطبة أخرى، سياق الخطبة اليوم ألا تتخذ الرؤيا منهجاً للعمل.

 

الرؤيا من الرحمن أو النفس أو الشيطان :

 أيها الأخوة الكرام، قد نرتاب كثيراً في أن تكون كل المرويات من أحلام الناس اليوم من الرؤى الصالحة المبشرة، قد تكون أحلاماً، قد تكون حديثاً للشيطان، قد تكون أضغاث أحلام، فثمة أمور أيها الأخوة تدفعنا للتريث كثيراً، وتصرفنا عن تصديق كل ما يروى من الأحلام، وبما يحاك من تأويلها، الأمر الأول أن يكون المرء الذي نسبت إليه تلك الرؤيا كاذباً، هذا أول احتمال، أن تكون هذه الرؤيا كاذبة، ليس هناك من دليل على تصديقها، فقد يتحلم المرء بحلم لم يره، يتحلم، يدعي، يكذب، بحلم لم يره، هذا احتمال وارد، والوعيد في ذلك شديد ففيما يرويه الإمام البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ...))

[البخاري عَنْ ابن عباس]

 كلف تعجيزاً، وكلف شيئاً مستحيلاً كما قال شيئاً مستحيلاً:

((مَنْ تَحَلَّمَ بِحُلْمٍ لَمْ يَرَهُ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يَفْعَلَ...))

[البخاري عَنْ ابن عباس]

 ثم إننا إن فرضنا صحة الرؤيا وأن صاحبها صادق، فثمة أمر آخر يرد عليها، هو كون ذلك الحلم من قبيل حديث النفس، الإنسان له حاجات قد لا تتحقق في عالم الواقع، تتحقق في عقله الباطن في الليل، فما حرم منه في النهار يراه في الليل، والدليل من نام في حالة عطش ماذا يرى في الليل؟ يرى أن يشرب الماء البارد، أنه أمام شلال، هذه كلها أحلام نابعة من حاجته إلى الماء، إن لم تكن هذه الرؤيا رؤيا من الله فهي من حديث النفس، أو من حديث الشيطان .
 أيها الأخوة الكرام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا وَرُؤْيَا الْمُسْلِمِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ وَالرُّؤْيَا ثَلَاثٌ فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ - لم يقل منهج عمل- وَالرُّؤْيَا مِنْ تَحْزِينِ الشَّيْطَانِ وَالرُّؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ، فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيَتْفُلْ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ قَالَ: وَأُحِبُّ الْقَيْدَ فِي النَّوْمِ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ قَالَ وَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ))

[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 إما من الرحمن، وإما من حديث النفس، وإما من تحزين الشيطان.

 

التريث في تصديق الرؤيا لأنها قد تكون صحيحة لكن صاحبها أخطأ في التعبير عنها :

 لو أننا سلمنا أن هذه الرؤيا من حديث النفس فثمة وارد يمنعنا من أن تستخفنا هذه الرؤيا، فنسارع إلى تصديقها، واستظهار الغيب لها، وهذا الوارد هو احتمال خطأ المعبر، الرؤيا صحيحة، ليست من حديث النفس وليست من حديث الشيطان، رؤيا من الرحمن، من أنبأك أن هذا التأويل صحيح؟ تأويل اجتهادي، والاجتهاد يخطئ ويصيب، والدليل عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ:

((رَأَى رَجُلٌ رُؤْيَا فَجَاءَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي رَأَيْتُ.... قَالَ أَبُو بَكْرٍ ائْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَعْبُرُهَا لَهُ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ: أَمَّا الظُّلَّةُ فَالْإِسْلَامُ، وَأَمَّا الْعَسَلُ وَالسَّمْنُ فَحَلَاوَةُ الْقُرْآنِ فَبَيْنَ مُسْتَكْثِرٍ وَبَيْنَ مُسْتَقِلٍّ وَبَيْنَ ذَلِكَ وَأَمَّا السَّبَبُ فَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ تَعْلُو فَيُعْلِيكَ اللَّهُ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِكَ رَجُلٌ عَلَى مِنْهَاجِكَ فَيَعْلُو وَيُعْلِيهِ اللَّهُ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِكُمَا رَجُلٌ يَأْخُذُ بِأَخْذِكُمَا فَيَعْلُو فَيُعْلِيهِ اللَّهُ، ثُمَّ يَكُونُ مِنْ بَعْدِكُمْ رَجُلٌ يُقْطَعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو فَيُعْلِيهِ اللَّهُ، قَالَ: أَصَبْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ أَصَبْتَ وَأَخْطَأْتَ، قَالَ: أَقْسَمْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَتُخْبِرَنِّي فَقَالَ لَا تُقْسِمْ...))

[ أحمد عَنْ ابن عباس]

 من هو؟ الصديق !! الصديق أخطأ في تعبير رؤيا، لو سلمنا أنها صحيحة مئة في المئة، قد يكون التعبير مخطئاً، الإمام مالك رأى في المنام ملك الموت، قال له: يا ملك الموت، كم بقي لي من عمري؟ أشار إليه بأصابعه الخمسة فاستيقظ واشتد قلقه، خمس سنوات أم خمسة أشهر أم خمسة أيام أم خمس ساعات أم خمس دقائق؟ ذهب إلى الإمام ابن سيرين فيما تروي القصص، قال: يا إمام رأيت كذا وكذا، أخبرني، قال: إن ملك الموت يقول لك: إن هذا السؤال من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله، هو فهمها فهماً مغلوطاً، وهو الإمام مالك، جاء التأويل كما كان.
 أيها الأخوة الكرام قد تكون الرؤيا من حديث النفس، قد تكون من حديث الشيطان، قد تكون رؤيا لكن صاحبها أخطأ في تعبيرها، ولا يمكن أن يبنى موقف ولا حكم شرعي على الرؤيا.

 

التعلق بالقوانين و السنن الثابتة :

 أيها الأخوة الكرام هناك سنن أروي لكم بعضها:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: 11 ]

 ولا مليون رؤيا تغير هذه الآية، آلاف الرؤى، رايات ورايات، ونار تخرج من هنا وهنا، وأحاديث ضعيفة تدغدغ عواطف الناس ويرتاحون لها، معنى هذا أن النصر قريب، هم لا يعملون شيئا:

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾

[ سورة الرعد: 11 ]

 ولا مليون رؤيا تغير هذا القانون:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾

[ سورة محمد : 7]

 فإن لم ننصره ولا مليون رؤيا تغير هذه الحقيقة:

﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾

[ سورة محمد :38]

 أيها الأخوة الكرام، كن منهجياً، كن متبعاً لمنهج الله في كتابه وسنته، تعلق بالقوانين، بالسنن الثابتة، تعلق بأشياء صرح بها القرآن، وبيّنها النبي العدنان، ودعك من الخرافات، والترهات والأقاويل، والرؤى، والأحلام، فإنها إن كانت صحيحة فهي مبشرة وليست موجهة، إن كانت صحيحة فهي بشارة أو إنذار، فيما بينك وبينها فقط، نحن معنا منهج من الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

على كلّ إنسان أن يؤدي الذي عليه ليأخذ من الله الذي له :

 أيها الأخوة الكرام، إن في التكرار فائدة، ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، فأي حل آخر إذا كان أرضياً فالطريق مسدود، ما نزل بلاء إلا بذنب ولا يرفع إلا بتوبة، وأنت كأحد من آحاد المسلمين، قد لا تستطيع إقناع المسلمين أن يصطلحوا مع الله، يمكنك أن تصطلح أنت مع الله، إن فعلت ذلك أديت الذي عليك، وبقي من الله الذي لك، قد لا تستطيع إقناع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربهم أن يصطلحوا مع الله، وأن يتوبوا إليه، وأن يطبقوا منهجه، هذا فوق طاقتك، وفوق طاقة أكبر الدعاة في الأرض، لكن الذي في إمكانك أن تصطلح أنت مع الله، وأن تراجع نفسك، وأن ترتب أوراق بيتك، وأن تقيم الإسلام في بيتك وفي عملك، أديت الذي عليك، وبقي من الله الذي هو لك .

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك، ومن طاعتك ما تبلغنا بها جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، ومتعنا اللهم بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يخافك ولا يرحمنا، مولانا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك، اللهم ما رزقتنا مما نحب فاجعله عوناً لنا فيما تحب، وما زويت عنا فيما نحب فاجعله فراغاً لنا فيما تحب، اللهم أهلك أعداءك أعداء الدين، اللهم انصر المسلمين في كل مكان، اللهم انصرهم على أعدائهم وعلى أعدائك يا رب العالمين، اللهم اجعل تدمير أعدائك في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، وردنا إليك رداً جميلاً، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018