الدرس : 1 - سورة الملك - تفسير الآيات 1-2 ، قدرة الله المطلقة. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الدرس : 1 - سورة الملك - تفسير الآيات 1-2 ، قدرة الله المطلقة.


1997-03-07

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعُنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أحاديث تبين لنا فضل سورة الملك :

 أيها الأخوة الكرام؛ مع الدرس الأول من سورة المُلك.. بسم الله الرحمن الرحيم:

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[سورة الملك:1]

 قال عليه الصلاة والسلام منوِّهاً إلى فضل هذه السورة:

((وَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ أُمَّتِي : تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْك))

[المستدرك على الصحيحين عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]

 و قال أيضاً:

((سورة الملك من قرأها في ليلةٍ فقد أكثر وأطيب))

[الطبراني وابن مردويه بسند جيد عن ابن مسعود]

 وقال أيضاً:

((من قرأها كل ليلةٍ لم يضرَّه الفتَّان أي الشيطان))

[ الترمذي عن ابن عباس]

الله تعالى خيره كثير وعطاؤه بلا حدود :

 كلمة تبارك تعني تعاظم خيره، فربنا عزَّ وجل يبيِّن لنا أن خيره عظيم، وقدرته لا حدود لها، وأنه خلقنا ليُسعدنا، وخلقنا لجنةٍ عرضُها السموات والأرض.
 الكون في الأصل مبنيٌ على إسعاد الإنسان، مبنيٌ على العطاء، فلذلك كانت تبارك تعني أن الله سبحانه وتعالى خيره كثير، وعطاؤه بلا حدود، وهو العاطي الذي لا يُسأل، وإذا أعطى الإنسان أدهشه، وما طالبك إلا بطاعته في عمرٍ محدود في هذه الدنيا، و لك مقابل ذلك جنةٌ عَرْضُها السموات والأرض إلى أبد الآبدين، وطاعته متوافقةٌ مع فطرتك وطبيعتك، وهي طاعة مستطاعة:

﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾

[سورة البقرة: 286]

 و طاعته مُسْعِدَة، و تحفظ الإنسان من كل سوء، وهي ميسرة له ضمن استطاعته، وهي السبب في عطاءٍ أبدي إلى يوم القيامة.

 

الله عز وجل ملك كلّ شيء :

 لذلك قال تعالى:

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

[سورة الملك:1]

 أراد أن يبين هنا شيئاً آخر.. وهو أن المُلك بيد الله، وهذه كلمةٌ لها ما وراءها.
 فإذا كان الملك بيد الله فلا تخشَ أحداً إلا الله، و لا ترجُ غيره، ولا تتضعضع لسواه، و لا تبذل ماء وجهك أمام إنسانٍ ضعيفٍ مثلك..

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

[سورة الملك:1]

 فهو ملِك كل شيء، من أدَقِّ الأشياء إلى أكبرها، و من أقربها إلى أبعدها، ومن أخطرها إلى أَجَلِّها، فكل شيءٍ بيده خلقاً وتصرُّفاً ومصيراً، فهو الذي خلق..

﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾

[سورة الزمر:62]

﴿ لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾

[سورة الأعراف:54]

﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾

[سورة الكهف : 26]

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ* إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

[سورة هود: 55-56]

 ما من دابَّةٍ مهما بدت لك عاتيةً قوية إلا هو آخذ بناصيتها.

 

التوحيد شيء و الإيمان بالله خالقاً شيء آخر :

 أيها الأخوة الكرام؛ لو تعلمنا حقيقة التوحيد لكنا في حالٍ أخرى غير هذه الحال، فالتوحيد شيء وأن تؤمن بالله خالقاً شيء آخر، فالإيمان بالله خالقاً هو حدٌ مشتركٌ بين كل الخلائق إلا قلة قليلة جداً عاندت الحق، وجَحَدَت ما هو واضحٌ كالشمس، ويوم القيامة تقول:

﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾

[سورة الأنعام:23]

 يقول الله عزَّ وجل:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾

[سورة الأنعام:24]

 فإيمانك بالله خالقاً شيء، و إيمانك به فعَّالاً و أن الأمر كله راجعٌ إليه شيءٌ آخر...

﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾

[سورة هود:123]

 فأنت حينما تتأكَّد أن الأمر بيده وحده لا تتجه إلى سواه، ولا ترجو سواه، ولا تخاف من سواه، ولا تَعْقِدُ الأمل على غيره، ولا تتكل إلا عليه، ولا تَسعد إلا بقربه.

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

 متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا، من أدق الأشياء حركة الإنسان، فهل أحدنا يملك حركته؟ فإذا تجمدت نقطة دمٍ صغيرة مثلاً في أحد أوعية الدماغ فَقَدَ الإنسان الحركة، فالحركة بيد من؟ بيد الله عزَّ وجل، وحينما يفقد الإنسان حركته يتمنَّى موته أقرب الناس إليه، ويعبِّر الناس عن هذا بأدعية كثيرة مثل: خفف الله عنا.
و حينما يفقد الإنسان بصره أو سمعه، أو عندما يختل عقله، يتوسط له أقرب الناس إليه – أولاده- ليضعوه في مستشفى المجانين.
 فأنت الآن عقلك في رأسك، و ترى بعينيك، و تسمع بأذنك، و تنطق بلسانك، كل هذه الأشياء أنت لا تملكها لكن الله يملكها، لكنك إن غضضت عينك عن محارم الله، أو إن بكت عينك من خشية الله، فإنك ترجو الله سبحانه وتعالى ألا يصيبك بها.
 فعين بكت من خشية الله، وعينٌ غضت عن محارم الله، و لسانٌ نطق بذكر الله، وأذنٌ ما استمعت إلا إلى كتاب الله، و رجلٌ لم تمشِ إلا لقضاء حاجة الناس و لخدمة الخلق، و يدٌ لم تستعمل إلا في العطاء، فهذه الحواس وتلك الأجهزة والأعضاء إذا وظِّفت في طاعة الله عز َّوجل فنرجو من الله عزَّ وجل أن يحفظها للمؤمن طيلة حياته، وهذا معنى دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:

((وَمَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا مَا أَحْيَيْتَنَا وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا))

[الترمذي عن ابن عمر]

الله عز وجل بيده كل شيء و هو على كل شيء قدير :

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

 نعمة الأهل والأولاد والبيت، أهلك الذين هم في البيت بيد من؟ بيد الله عزَّ وجل، إما أن يسلَس لك قيادهم وإما أن يستعصي عليك ذلك،

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

 أولادك إما أن يكونوا قُرَّة عين، وإما أن يكونوا أحد أكبر مصائب الدنيا، فمن علامات آخر الزمان أن يكون الولد غيظاً لأبويه، والمطر قيظاً، ويفيض اللئام فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً.
 فهذا البيت الذي تسكنه بيد من؟ بيد الله عزَّ وجل، والدليل على ذلك أن خمس درجات من زلزال يقلب المدينة رأساً على عقب، فتتهدم الأبنية ويبدؤون بالبحث عن الضحايا، وهذا كله يحدث في ثوانٍ.

﴿ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً﴾

[سورة النمل: 61 ]

 الله جلَّ جلاله هو الذي جعلها مستقرة ولو شاء لزلزلها فجعل عاليها سافلها.

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾

[سورة الأنعام:65]

 الصواعق، البراكين، القذائف.

﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾

[سورة الأنعام:65]

 الزلازل، الألغام..

﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾

[سورة الأنعام:65]

 لأن الإنسان إذا بطشَ بطش جباراً.

﴿ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾

[سورة الشعراء:130]

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[سورة الملك:1]

الملك والملكوت :

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

 تبارك أي تعاظم خيره. الملك والملكوت، بيده الملك أي بيده كل شيء.
 إلا أن بعض العلماء قال: إن الملك شيء والمَلكوت شيءٌ آخر.

﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

[سورة يس:83]

 وهنا:

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

 فالملك للأشياء المادية، والملكوت للأشياء النفسية. فربنا سبحانه وتعالى تنزَّه عن كل ما لا يليق به في معاملة النفوس، وعظم خيره وعظمت قدرته في تدبير الأجسام.

 

معاني تبارك :

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

 معاني تبارك؛ تبارك أي تعاظم خيره.
 وقال بعض العلماء، وهو الإمام الحسن: تبارك أي تقدَّس، والتقديس هو التنزيه، والتنزيه هو التسبيح.. فسَبَّحَ الله أي نزَّهه عن كل ما لا يليق به، ومَجَّده وخضع له.
 و بعض علماء التفسير حمل معنى تبارك على التسبيح لقول الله عزَّ و جل:

﴿ فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾

[سورة يس:83]

 وبعضهم قال: تبارك أي دام، فهو الأوَّل بلا بداية، والآخر بلا نهاية، و هو الأول ولا أول قبله، وهو الآخر ولا آخر بعده.

 

تجليات الملك في الكون :

﴿ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

 تجليات الملك في الكون؛ فالمُلك تشمل الكون كله، فهو الذي بيده السموات والأرض، و قد ذكرت لكم من قبل أن مركبةً أُرسلت إلى المُشْتَري قبل سبعة أعوام بالتحديد، وصلت إلى المشتري قبل عامٍ وقد بقيت تمخر عُباب الفضاء ست سنوات بأعلى سرعةٍ وصلها الإنسان.. وهي أربعون ألف ميل في الساعة.. وعلى هذه المركبة مرصدٌ عملاق وهو قُرْبَ المشتري، هذا المرصد رصد أبعد مجرةٍ اكتشفت حتى الآن.. تبعد ثلاثمئة ألف بليون سنة ضوئية، وإن أقرب نجمٍ ملتهبٍ إلى الأرض يبعُد عنا أربع سنوات ضوئية، والضوء يقطع في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر، فكم يقطع في الدقيقة؟ وكم يقطع في الساعة؟ وكم يقطع في اليوم؟ وكم يقطع في العام؟ وكم يقطع في أربعة أعوام؟ بإمكان كل منكم في البيت اليوم أن يمسك آلةً حاسبة وأن يضرب ثلاثمئة ألف بستين، ثم بستين، ثم بأربع وعشرين ثم بثلاثمئة وخمسة وستين ثم بأربع، عندها سيعرف كم يبعد عنا هذا النجم الملتهب الذي هو أقرب نجمٍ على الإطلاق إلى الأرض، و تصوَّر أن لهذا النجم طريقاً معبَّدة، وقد ركبت سيَّارةً، واتجهت إليه بسرعة مئة، ثم قَسِّم هذا الرقم الذي حصلت عليه على مئة، الجواب هو كم ساعة تحتاج إلى أن تصل إليه، ثم قسم على أربع وعشرين، فستعرف كم يوم يتطلب الوصول إليه، ثم قسم على ثلاثمئة وخمسة وستين، فستجد الرقم قريباً من خمسين مليون عام، أي إن أردت أن تصل إلى هذا الكوكب بمركبةٍ أرضية تحتاج إلى خمسين مليون عام، و بعده عنا أربع سنوات ضوئية، و هذه المجرة الحديثة التي تبعد عنا ثلاثمئة ألف بليون، والبليون ألف مليون، وثلاثمئة ألف بليون أي ثلاثمئة ألف ألفِ مليون.. أي ثلاثمئة و أمامها اثنا عشر صفراً.. فكم بعد هذا النجم؟ قال تعالى:

﴿ فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ*وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾

[سورة الواقعة : 75-76]

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

 فهو يملك هذه المجرة، وكل مجرَّة، وأقرب دراسة فلكية تقول: إن هناك من يقدِّر أن في الكون قريباً من مليون مليون مجرة، وأن في كل مجرةٍ قريباً من مليون مليونِ نجم، وأن بعض نجوم برج العَقرب و اسمه قلب العقرب يتَّسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما، وهناك نجوم حجمها يزيد عن حجم شمسنا بمليون ضعف، وشمسنا تتسع لمليون وثلاثمئة ألف أرض، أي أن شمسنا تكبر أرضنا بمليون وثلاثمئة ألف مرة، وبينهما مسافة قدرها مئة وستة وخمسين مليون كيلو متر، ونجم قلب العقرب في برج العقرب يتسع للشمس والأرض مع المسافة بينهما..
 أهذا الإله يُعصى؟! أهذا الإله لا يرجى عطاؤه؟! لا تُرجى جنَّته؟! لا تُخشى ناره؟!
 أتؤْثر عليه زوجةً تطيعها وتعصيه؟ تؤثر عليه شريكاً تطيعه وتعصيه؟ تؤثر عليه دراهم معدودات تبيع دينك من أجلها؟ تؤثر عليها دنيا محدودة سريعاً ما تنقضي؟
 تؤثر دنياك على آخرتك؟ و ربنا عزَّ وجل يقول:

﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

[سورة الزمر:67]

الله عز وجل بيده الملك كله من أدق الأشياء إلى أكبرها :

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

 بيده الملك كله، من أدق الأشياء إلى أكبر الأشياء. من أكبر الأشياء إلى أدق الأشياء؛ الحُوَين مثلاً لا يُرى بالعين، يخرج من الإنسان في اللقاء خمسمئة مليون حوَين، كل حُوَين يتوضع على نواته - و الحُوَين هو خلية لها غلاف و هيولى و نواة - على النواة هناك ما يزيد عن مليون من الأوامر والمعلومات المبرمجة،، وحديث العالم كله اليوم عن هذه الهندسة الوراثية والنسخة المُطابقة –الاستنساخ- وعن هذا الذي لا يُرى بالعين و الذي يسهم في تشكيل الإنسان، وفي تكوين خصائصه، وشكله، ودمه، وأعضائه، وأجهزته، واستعداداته، وقدراته.
 فإن ذهبت إلى الكِبَرْ فالكون لا ينتهي فهو لا حدود له، وإن ذهبت إلى الصِغَرْ فشيء لا يُصدَّق.

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

 ملك كل شيء، من أدق ذرةٍ إلى أكبر مجرة والنظام واحد، فنظام الذرَّات يشبه نظام المجرَّات، والذرات عالمٌ قائمٌ بذاته قال تعالى:

﴿ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

[سورة يس:40]

 كل ذرةٍ فيها كهارب تسبح حول النواة بنظامٍ مدهش وبسرعاتٍ خيالية.

﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾

[سورة فاطر: 28 ]

 وفي أنفسكم أفلا تبصرون؟ عظيمات السمع؛ إن أصغر عظام الجسم البشري عُظيمات السمع، وهي ثلاث عُظيمات مربوطة بغشاء الطبل، ما مهمَّتها؟ مهمتها تكبير الصوت عشرون ضعفاً، فالإنسان يتلقَّى موجات صوتية من صيوان أذنه، تدخل هذه الموجات عبر قناة الأذن إلى غشاء الطبل، و غشاء الطبل مربوط بهذه العُظَيمات، هذه العُظيمات تكبِّر الصوت عشرين ضعفاً، لها مهمةً ثانية أيضاً، فلو جاء صوتٌ يمكن أن يخرق غشاء الطبل هذه العُظيمات تخفِّضه، تكبِّر وتخَفِّض، ونحن لا يوجد عندنا أجهزة كهربائية تكبِّر وتخفِّض في آن واحد، وهذه العظيمات تُكَبِّر الصوت الضعيف، وتُضْعِف الصوت القوي، حفاظاً على سلامة الإنسان، الأذن وحدها آيةٌ من آيات الله، حتى الآن لا أحد يعلم كيف يفرِّق الإنسان بين النَغَم والضَجيج، فالنغم ممتع أما الضجيج فهو مزعج، و كلاهما أصوات.
 العين؛ قال: هذا الدمع الذي يسيل هو مادة مطهِّرة و مُذيبة و مغذِّية و زلقة، وهو ينطلق من غدد بمقدار يحتاج معه إلى قناة تصريف، و هي قناة الدمع، قناة الدمع تنقلب في الأنف إلى أداة ترطيب، وللأنف سطوح متداخلة، يمُرُّ الهواء عَبرها، فكل الأجسام الغريبة تتوضَّع على هذه السطوح اللزجة المرطبة بقناة الدمع، والحديث عن العين يطول، الحديث عن شبكية العين يطول أيضاً، يوجد مئة وثلاثون عصية ومخروط في شبكية العين، قسمٌ من هذه المخاريط من أجل اللون الأخضر، وقسمٌ للون الأزرق، وقسمٌ للون الأحمر، وقد تتداخل هذه الألوان وتُرْسَل إشارة إلى الدماغ، فهذا الضوء إذا وقع على هذه المخاريط والعصيَّات يجري تفاعلاً على هذه المخاريط والعصيات، و من هذه التفاعل ينشأ تيَّار كهربائي يُرسل إلى الدماغ لقراءة الصور، و الحديث عن العين يطول، كما الحديث عن الأذن و الأنف يطول أيضاً، فربنا سبحانه وتعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، أما الآن فهم يريدون أن يغيِّروا خلق الله، وسوف يدفعون ثمن هذا التغيير باهظاً، وأغلب الظن أن العقل البشري حينما يبتعد عن وَحي السماء فإنه يدمِّر نفسه، وما تعانيه البشرية اليوم من أمراضٍ لا دواء لها كالإيدز إنما هو من تفككٍ للأسرة، و انهيار الأخلاق، ومن شيوع المخدِّرات، و انتشار الجريمة، هذه هي حركة العقل من دون وَحْي السماء و منهج الله عزَّ وجل..

﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾

[سورة القصص: ٥٠]

السعادة بذكر الله و اتباع منهجه :

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

 أي يُعِزُّ من يشاء، ويذلُّ من يشاء، فما من إنسان على وجه الأرض - فيما أعلم، وهذا هو الحق - أعزَّه الله كرسول الله، ويذل من يشاء.. يحيي ويميت، يغني ويفقر، يعطي ويمنع، وهذا معنى

﴿ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

 فأنت تريد الحياة، تريد العِز، تريد الغِنى، تريد الأمن والطمأنينة، و هذا بيد الله.

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

[سورة الملك:1]

 لا تبحث عن سعادةٍ بعيداً عن منهج الله، لن تصل إليها، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

[سورة الرعد: 28 ]

 أي أنها لا تطمئن إلا بذكر الله حصراً.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 فلمجرد أن ترى إنساناً معرضاً عن ذكر الله و تتوهَّم أنت أنه سعيدٌ فأنت في هذه الحالة تكذِّب هذه الآية:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

الله تعالى يُعِزُّ من اتبعه ويذلّ من عارضه :

 وقال بعض العلماء:

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾

 أي مُلك النبوة، فالله هو الذي أعطى النبوة لهذا النبي العظيم، والله سبحانه وتعالى يُعِزُّ من اتبعه، ويذل من عارضه، وهذا هو الدين أمامكم، فأنت تقرأ في صلاة الفجر في دعاء القنوت: سبحانك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ، فأعداء الله في الأَذَلِّين..

﴿ كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

[سورة المجادلة:21]

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾

[سورة إبراهيم:42]

 فربنا عزَّ وجل هو العزيز...

اجعل لربِّك كل عزك يستقر ويثبت  فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *

 أيها الأخوة الكرام؛ كل شيء يُمَلَّك بيد الله، بدءاً من أدق خليةٍ في جسمك إلى أكبر خلية، فمن يملك ضَبْط نمو الخلايا؟ الله جلَّ جلاله، و قد اكتشفوا في الهندسة الوراثية أن هناك جينةً - إن صح التعبير- مسؤولةٌ عن السرطان في الإنسان، تُجَمَّد أو تُفَعَّل، فكل إنسان عنده إمكانية هذا المرض من دون استثناء، فإما أن تُعقل وإما أن تُطلق، و بيد من هي؟ بيد الله عزَّ وجل، حتى الآن ليس هناك دواءٌ لهذا المرض، و الحديث عن المورِّثات يطول، كما أن الحديث عن الهندسة الوراثية أطول، لكن الذي يبدو للعلماء أن هذه الأوامر - التي هي بيد الله- مسؤولة عن هذه الموضوع، فمن يطلقها من عقالها؟ و من يحجزها؟ الله جلَّ جلاله..

 

الموت مصير كل حيّ :

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾

[سورة الملك: 2 ]

 فهو الذي خلق الموت، فنحن نحيا لنموت، ونموت لنحيا، نحيا في الدنيا، والموت مصير كل إنسان، كل مخلوقٍ يموت ولا يبقى إلا ذو العزة والجبروت..

فالليل مهما طال فلا بدَّ من طلوع الفجر  والعمر مهما طال فلا بدَّ من نزول القبر
***
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلةٍ حدباء محمول
فإذا حملت إلى القبور جنـــــــــازةً  فاعلم بأنك بعـــــــــدها محمول
***

 من هو العاقل؟ العاقل هو الذي يُعِدُّ لهذه الساعة عدتها، فلابدَّ لك من يومٍ تخرج فيه من بيتك ولا تعود إليه إطلاقاً، تخرج لكن ليس على قدميك ولكنك ستخرج محمولاً، ولا أحد مستثنى من هذا الحكم أبداً، فهذه الساعة التي لا ريب فيها ولا بدَّ منها، من يعد لها؟ أَعِدُّوا لهذه الساعة العمل الصالح، و طاعة الله، و الإكثار من ذكر الله.

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾

 نحيا لنموت، ونموت لنحيا حياةً أبدية، هذا هو المعنى الأول.

 

الحكمة من تقديم الله عز وجل الموت على الحياة :

 لماذا قدم الله عز وجل الموت على الحياة؟
 قال بعض العلماء: ربنا جلَّ جلاله قدم الموت على الحياة، لأن الموت من أوضح مظاهر القهر، فسبحان من قهر عباده بالموت، فالإنسان يكبر ويكبر، و لكن لابدَّ من ساعةٍ يغادر فيها الدنيا، لأن مظهر القهر في الموت أَشَد، الإنسان يُقْهَرُ بالموت، والموت من نعم الله الكبرى، و الموت أحياناً يكون ستراً للإنسان ونعمةً له، لكن دعاء النبي كان:

((اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي))

[البخاري عن أنس بن مالك]

 فالإنسان يفوِّض أمره إلى الله، لكن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ))

[ الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ]

 فقد أثنى النبي على إنسانٍ عاش حياةً مديدةً بعملٍ صالحٍ كبير، فأول معنى أنه قدَّم الموت على الحياة لأن في الموت قهراً للإنسان، فالحياة لا يوجد فيها قهر، فإذا ولد طفل فليس هناك قهر، بل إنه يكون قد أقبل على الدنيا، أما في الموت فيخسر الإنسان الذي جَمَّعه في عمرٍ مديد في ثانيةٍ واحدة، ثم لا يملك بعدها شيئاً، ولا حتى سِنَّه الذي صنع من الذهب، ولا قطعة من أثاث بيته، ولا مقتنياته، كلها تؤخذ منه، يقال لك: الحي أفضل، ثم يذهب إلى القبر بلا شيء، و يترك ماله وراءه.
 وقد قدَّم الموت على الحياة لأن الإنسان إذا عاش فمامه خيارات كثيرة، أما حينما يموت:

(( فو الذي نفس محمد بيده ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النار ))

[الجامع الصغير عَنْ حَمْزَةَ بْنِ حُمْرَانَ]

 صار لديه خيار صعب، إما نجاةٌ وإما هلاك، هذا المعنى الثاني.
 المعنى الثالث: قال عليه الصلاة والسلام:

((إن الله تعالى أذل بني آدم بالموت، وجعل الدنيا دار حياةٍ ثم دار موت، وجعل الآخرة دار جزاءٍ ثم دار بقاء))

[ابن حاتم عن قتادة]

 حياة وموت، جزاء وبقاء، لذلك ورد أن:

((اعمل لدنياك بقدر بقائك فيها، واعمل لآخرتك بقدر مقامك فيها، واتقِ النار بقدر صبرك عليها، واعمل لله بقدر حاجتك إليه))

 

تعريف الموت :

 ماهو الموت؟؟
 أيها الأخوة الكرام؛ الموت ليس عدماً مُطلقاً وليس عدماً نسبياً لكنه انفصال الجسم عن النفس وعن الروح، و الإنسان جسمه وعاءٌ له، و نفسٌه هي ذاته، وفيه قوةٌ محرِّكة هي الروح، فالنفس تذوق الموت؛ أي تخلع عنها هذا الوعاء الذي كانت بداخله، فالموت ليس عدماً لكنه انتقال من حالٍ إلى حال، والدليل هو الشهيد المضرج بدمائه ماذا يقول الله عنه؟

﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 169]

 فحينما انتهت معركة بَدر وانتصر فيها النبي وأصحابه الكرام على كفار قريش، خاطب النبي الكريم القَتلى واحداً واحداً بأسمائهم فقال:

((يا أبا جهل بن هشام، ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة -وسمى رؤوسهم-: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا؟ قال عمر: يا رسول الله، تخاطب قومًا قد جَيفوا؟ فقال: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكن لا يستطيعون أن يجيبوا))

[ صحيح عن أنس ]

 فالموت ليس نهاية الحياة، الموت بداية الحياة الأبدية، والدليل قول الله عزَّ وجل

﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي* فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ* وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾

[سورة الفجر:24-26]

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾

 نحيا لنموت ونموت لنحيا، الحياة الدنيا تنتهي بالموت، والحياة الآخرة تنتهي بالأبد، بالبقاء، الدنيا دار عمل، والآخرة دار جزاء، الدنيا دار تكليف والآخرة دار تشريف، الدنيا محدودة والآخرة طليقة، وما أخذت الدنيا من الآخرة إلا كما يأخذ المخيط إذا غمس في مياه البحر، وإن المؤمن حينما يموت ينطلق من ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة كما ينطلق الجنين من ضيق الرحم إلى سعة الدنيا.

 

الامتحان و الابتلاء علة وجودنا في الدنيا :

 هو

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ ﴾

 ليمتحنكم، إن عِلَّة وجودنا في الأرض الامتحان والابتلاء، والدليل:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

[سورة المؤمنون:30]

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[سورة العنكبوت:2]

 كل شيءٍ تنطوي عليه نفسك سوف ينقلب إلى عمل، و سوف يُجَسَّد ويظهر، فالكريم يظهر كرمه، واللئيم يظهر لُؤمه، والبخيل يظهر بخله، والسخي يظهر سخاؤه، والمستقيم تبدو استقامته، والمنحرف يظهر انحرافه، والصادق يظهر صدقه، والكاذب يظهر كذبه.
 أيها الأخوة الكرام؛ الحياة تُظْهِر ما في الناس، وفي هذا ابتلاء..

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

[سورة المؤمنون:30]

﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾

[سورة العنكبوت:2]

 العمل الصالح سرّ وجودك، والناس معادن؛ هناك استنباط رائع جداً، وهو أن الإنسان خُلِقَ للعمل الصالح، لأن العمل الصالح ثمن الجنة، لذلك الإنسان حينما يموت لا يندم إلا على شيءٍ واحد تقصيره في العمل الصالح:

﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[سورة المؤمنون:99-100]

 والنقطة الدقيقة هي أن سرُّ وجودك وعِلَّته أن تعمل عملاً صالحاً يصلح للعرض على الله كي يكون سبباً لدخولك الجنة:

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[سورة الملك:2]

 الإنسان يبدو معدنه.. فيوجد لدينا ذهب عياره أربعة وعشرون، وذهب واحد وعشرون، و ثمانية عشر، و ستة عشر، و أحد عشر، وهناك نحاس مغطَّى بالذهب، و نحاس مُلَمَّع، كما أن هناك معدناً خسيساً، والناس معادن.. لقد رأيت جوهرة في متحف قيل: إن ثمنها مئة وأربعون مليون دولار.. أكبر جوهرة في العالم وهي موجودة في استنبول.. والجوهرة أساسها فحم، فلو أتيت بقطعة فحمٍ مماثلة وازنت بينهما، لوجدت أن كليهما من أصلٍ فَحْمِيِّ، لكن هذه جوهرة وهذه فحمة، والناس كذلك، فهناك إنسان كالجوهرة بأخلاقه، وعدله، وإنصافه، وورعه، ورحمته، وحبِّه للخير، فهو مصدر عطاء، و مصدر أمن للناس، وهناك إنسان يعيش كالطحالب على أنقاض الناس، يبني غناه على إفقارهم، و يبني حياته على موتهم، فالناس معادن..

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[سورة الملك:2]

 فهناك إنسان يتزوَّج فيزداد قرباً من الله، وهناك إنسان يتزوج فيفسق، هناك إنسان يسافر فيتفلت، وإنسان يسافر فيزداد قرباً من الله، كما قال الإمام الشافعي: " السفر يزيد التقي تقىً والفاجر فجوراً ". هناك إنسان يغتني فيتفلَّت، وإنسان يغتني فيزداد عملاً صالحاً، هناك إنسان يفقر فيكفر، و إنسان آخر يفقر فيصبر، فأنت مُمْتَحن كل دقيقة، ممتحن فيما أعطاك وفيما حرمك، فالذي أعطيته أنت ممتحن به، و مادة امتحانك مع الله، فإن أُعطيت الغنى أنت ممتحنٌ بالغنى، قدَّر الله أن تكون فقيراً، أنت ممتحنٌ بالفقر، أُعطيت وسامةً ممتحن بالوسامة، لم تعط الوسامة، ممتحن بعدم الوسامة، أعطيت طلاقة لسانٍ ممتحن بطلاقة اللسان، لم تعط هذه الطلاقة أنت ممتحن بعملك، فإذا كان هناك إنسان غير طليق اللسان لكن عمله طيب فقد نجح.

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ﴾

[سورة الملك:2]

 أعطيت زوجةً تمتحن بها، هل تضبطها؟ هل تأخذ بيدها إلى الله أم تطلق لها العنان ما دامت ترضيك؟ أنت ممتحن بالأولاد، ممتحن في كل ثانية، في كل حركة وسكنة.

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[سورة الملك:2]

 فالآية دقيقة جداً، لذلك كان النبي كما قلت في أول الدرس يتمنى عليه الصلاة والسلام أن تكون تبارك الذي بيده الملك في قلب كل مؤمن.

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[سورة الملك:2]

 أنت ممتَحن..

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾

 أنت مراقَب.

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾

[سورة الفجر:14]

﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾

[سورة النساء:1]

 لينظر كيف تعملون؟ كيف تعامل زوجتك؟ كيف تعامل والديك؟ كيف تعامل أولادك؟ كيف تعامل إنساناً جاهلاً جاء لعندك يستنصحك وأنت موثوق عنده؟ أتنصحه أم تغُشُّه؟ أتنصح له أم تبتز ماله؟ من يعرف ذلك؟ الله وحده يعرف ذلك، أنت ممتحن في كل حركة، في كل سكنة، في كل عطاء، في كل منع، في كل صلة، في كل قطيعة، في كل غضب، في كل رضا، أنت ممتحن.

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[سورة الملك:2]

 فمثلاً إذا طرق بابك إنسان صاحب حاجة في وقت غير مناسب، أتطرده أم تشتمه أم تُلَبِّي حاجته وترى أن الله ساقه إليك؟ أنت ممتحن فهل تعطيه أم تمنعه؟ وَطِّن نفسك على أنك ممتحن في كل لحظة، في كل ثانية، في كل ظرف، في كل مكان، في كل زمان، وإذا مشت أمامك امرأة متفلتة فأنت ممتحن بها أتملأ عينيك منها أم تغض بصرك عن محارم الله لتذوق حلاوةً إلى يوم تلقاه؟ فالحياة الدنيا خضرةٌ نضرة، والفتن يقظى، وأنت ممتحنٌ فيها، فهنيئاً لمن نجح بالامتحان، هنيئاً لمن وصل إلى الله من خلال طاعته..

﴿ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾

[سورة الملك:2]

 ولعل الله سبحانه وتعالى يتيح لي في درسٍ قادم أن أتابع الحديث في هذه الآية.

 

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018