الخطبة : 0781 - فضل الأيام العشر من ذي الحجه - الأضحية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0781 - فضل الأيام العشر من ذي الحجه - الأضحية .


2001-03-02

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا، و سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإكراماً بمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

العبادة علة وجود الإنسان على وجه الأرض :

 أيها الأخوة الكرام: نحن في أفضل أيام من أيام العام، في الأيام العشرة من ذي الحجة، وهذا ينقلنا إلى موضوع العبادات، وكلكم يعلم علم اليقين أن علّة وجودنا على وجه الأرض عبادة الله عز وجل، لقول الله عز وجل:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

 والعبادة أيها الأخوة ذات مفهوم شموليّ، لكن بعض المسلمين لسوء فهم منهم أو لتقصير، ضغطوا العبادة فجعلوها تعني العبادات الشعائرية فقط، مع أن منهج الله عز وجل ينطوي على عشرات الألوف من البنود، لذلك يمكن أن نقسّم العبادات إلى قسمين: عبادات شعائرية ومنها الحج والصيام والصلاة، وعبادات تعاملية وهي الأصلُ ذلك إن الإنسان إذا لم تصح عباداته التعاملية لا تقبل عباداته الشعائرية.

﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ ﴾

[ سورة العنكبوت: 45 ]

 فإن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر ما حقق من الصلاة غاية.

 

الإسلام مجموعة قيَمٍ لا بد من التمسك بها :

 شيء آخر: لو أن إنساناً ترك الطعام والشراب ولم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه، ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، لو أن إنساناً أدّى زكاة ماله ولم يرتدع عن معاصي الله عز وجل، قال تعالى:

﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 53 ]

 والذي يحجّ سمعة أو سياحة أو منفعة ويغيب عنه أن الحج من أكبر العبادات ينادى: أن لا لبيك ولا سعديك، وحجك مردود عليك !

(( دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ ))

[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن عبد الله بن عمر]

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فُلانَةَ يُذْكَرُ مِنْ كَثْرَةِ صَلاتِهَا وَصِيَامِهَا وَصَدَقَتِهَا غَيْرَ أَنَّهَا تُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ قَالَ: هِيَ فِي النَّارِ.... ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أصحابه عن المفلس قالوا:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ، فَقَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة]

 هذه آيات وأحاديث صحيحة، في مجملها تؤكد أنه لابد من أن تلتزم العباداتِ التعاملية، كما أنه لا بد من أن تلتزم العبادات الشعائرية، فهذا الصحابي الجليل سيدنا جعفر حينما سُئل عن الإسلام قال: "كنا قومٍ أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف نسبه وعفافه وصدقه وأمانته، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء".
 مضمون الإسلام أخلاقي، الإسلام مجموعة قيَمٍ لا بد من التمسك بها، إن صحّت العبادات التعاملية قُبِلت العبادات الشعائرية، كيف أن المسلمين اليوم فصلوا بين العبادات، فالعبادات الشعائرية يؤدونها بالتمام والكمال، أما في حياتهم الخاصة، في بيوتهم، وأسواقهم، ونشاطهم، وحلّهم و ترحالهم وأفراحهم وحزنهم فمتفلتون من منهج الله.

 

العبادات الشعائرية لا تقبل إلا إذا بُنيَت على عبادات تعاملية صحيحة :

 مرة ثانية أيها الأخوة:

(( من المفلس؟ النبي الكريم سأل أصحابه قالوا يا رسول الله .الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ))

[ مسلم عن أبي هريرة ]

 ما قولكم بقول النبي في الحديث الصحيح:

(( عَنْ ثَوْبَانَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنَ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ابن ماجة عن ثوبان]

 هذه مشكلة المشاكل، مشكلة المسلمين، الذين يعدّون مليار ومئتي مليون وليس لهم وزن، وليس أمرهم بيدهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل.
 أيها الأخوة الكرام: العبادات الشعائرية منها الصلاة والصيام والحج، لا تقبل إلا إذا بُنيَت على عبادات تعاملية صحيحة، لذلك قال النبي الكريم:

(( وَلا يُغْلَبُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ ))

[ أحمد عن ابن عباس ]

 اثنا عشر ألفاً لن يغلبوا في الأرض إذا صحت عبادتهم التعاملية وعباداتهم الشعائرية، أما إذا اكتفى المسلمون بالعبادات الشعائرية فهذه لا تكلف كثيراً، فقد يكون الحج سياحة، وقد يكون الصيام صحة، وقد تكون الصلاة رياضة، هذه العبادات الشعائرية إن اكتفينا بها لا نكون قد حققنا الهدف من وجودنا، لماذا كان الواحد من أصحاب رسول الله كألف؟ ولماذا المليون ممن لن يتبع سنّة النبي في آخر الزمان كأُف؟ عباداتهم الشعائرية قائمة، مساجدهم كبيرة وعامرة، مؤلفاتهم كثيرة، مؤتمراتهم رائعة، نشاطاتهم المادية في أعلى مستوى، ولكن ليس هناك التزام.
سيدنا عمر رضي الله عنه تسلّم القضاء سنتين، فلم يرفع إليه أحد قضية، لأنهم عرفوا الله، عرفوا ما لهم، وعرفوا ما عليهم.

 

ارتباط العبادة الشعائرية بالعبادة التعاملية ارتباطاً وثيقاً :

 فيا أيها الأخوة: أريد أن أؤكد في هذا الخطاب أن العبادة الشعائرية مرتبطة بالعبادة التعاملية ارتباطاً وثيقاً.

((عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مَا خَطَبَنَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا قَالَ: لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ، وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ ))

[ أحمد عن أنس بن مالك]

(( عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إِلَى خَيْبَرَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَهُودِ خَيْبَرَ قَالَ فَجَمَعُوا لَهُ حَلْيًا مِنْ حَلْيِ نِسَائِهِمْ فَقَالُوا لَهُ هَذَا لَكَ وَخَفِّفْ عَنَّا وَتَجَاوَزْ فِي الْقَسْمِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ وَاللَّهِ إِنَّكُمْ لَمِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيَّ وَمَا ذَاكَ بِحَامِلِي عَلَى أَنْ أَحِيفَ عَلَيْكُمْ فَأَمَّا مَا عَرَضْتُمْ مِنَ الرَّشْوَةِ فَإِنَّهَا سُحْتٌ وَإِنَّا لا نَأْكُلُهَا فَقَالُوا بِهَذَا قَامَتِ السَّماَوَاتُ وَالأَرْضُ ))

[موطأ مالك عن سليمان بن يسار]

 لا يمكن أن نقهر أعداءنا، ولا يمكن أن ننتصر عليهم إلا بتطبيق منهج الله عز وجل، لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[ سورة الروم: 47]

الدّين منهج كامل علينا إزالة ما علق به مما ليس منه :

 أيها الأخوة الكرام: لا بد من تجديد لفهم الدين، الدين عظيم، لكن تراكمت عليه أشياء وأشياء ليست منه، وإذا قلت التجديد أقصد به حصراً أن نزيل عن الدين ما علق به مما ليس منه، النموذج الشائع عند المسلمين يصلي ويزكي ويحج بيت الله الحرام، لكن كل علاقاته المالية والاجتماعية ليست إسلامية، هذه المشكلة، لا بد من أن نضع أيدينا على الجرح.
 يا أيها الأخوة: تعلمون علم اليقين أن الصلاة شحنة روحية، شحنة تكفيك إلى صلاة قادمة، وأن خطبة الجمعة شحنة أكبر تكفيك إلى جمعة قادمة، وأن الصيام شحنة أكبر تكفيك إلى العام القادم، أما شحنة الحج فهي شحنة العمر فينبغي أن تستمر نتائج الحج طوال العمر، ومع ذلك:

((عن خباب بن الأرت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله يقول: إن عبدا أصححت له جسمه، وأوسعت له في الرزق، يأتي عليه خمس حجج لم يأت إليّ فيهن لمحروم))

[الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام جلال الدين السيوطي عن خباب بن الأرت]

 أيها الأخوة الكرام: مرة ثانية بشكل مختصر، الإنسان أحياناً يحب التفاصيل، يحب الإسهاب، وأحياناً يحب أن تضغط الحقائق في كلمات معدودة، كيف أن في التجارة لا بد من آلاف النشاطات؛ كشراء المستودعات، وتأمين مندوبي مبيعات، وجمع الديون، ومراسلة الشركات، فلو عددت نشاطات التجارة لوجدتها تزيد عن ألف نشاط، كل هذا إن لم يكن هناك ربح لا قيمة له إطلاقاً، أمهد بهذا المثل لحقيقة خطيرة: التجارة من دون تفاصيل تعني الربح، فإن لم تربح فلست تاجراً، الآن الدين بعباداته التعاملية وعباداته الشعائرية، ونشاطاته ومظاهره، ومساجده ومؤلفاته، إن لم يكن هناك اتصال بالله فلا يعني شيئاً، فالصلاة من أجل الاتصال بالله، والصيام من أجل الاتصال بالله، والزكاة من أجل الاتصال بالله، والحج من أجل الاتصال بالله، وكل العبادات التعاملية من أجل أن تحافظ على هذا الاتصال، ولعل هذا معنى الحديث الصحيح:

((رأس الحكمة مخافة اللّه))

[مختصر تفسير ابن كثير اختصار الصابوني]

 تخافه، تخاف عقابه، وتخاف الجفوة التي قد تكون بينك وبينه، وتخاف أن تنقطع هذه الصلة، وتخاف أن تحجب عنه، كلما خفت على المودة التي بينك وبينه، وكلما خفت على الاتصال الذي بينك وبينه أن ينقطع، وعلى المودة التي بينك وبينه أن تزول، فأنت في وضع صحي جيد، ورأس الحكمة مخافة الله.
لو أردنا أن نتعمق لماذا تغض بصرك عن محارم الله؟ لماذا تمتنع عن أكل المال الحرام؟ إذا كنت فقيهاً من أجل ألا تنقطع صلتك بالله، أنت حريص عليها، حريص على دوامها، حريص على تنميتها، حريص على أن تكون في مركز قريب من الله عز وجل.
 يا أيها الأخوة الكرام: نحن عقّدنا الدين كثيراً، فالدين كالهواء ينبغي أن يستنشقه كل إنسان، ينبغي أن نبسطه ونطبقه، وأن نجعله منهجاً كاملاً، نأخذه كله، نحن حينما قسّمناه وأخذنا منه ما يعجبنا، وتركنا ما لا يعجبنا، لسنا ملتزمين ولا نحقق الهدف المرجو منه.
 لديك قطع من مركبة، فهذه ليست مركبة، ولا تنقلك لأي مكان، لا بد من أن تجمع كل الشروط؛ المحرك مع المقاعد مع المقود والوقود، آلاف الأجهزة والقطع والوسائل التي تحتاجها المركبة من أجل أن تسير، وهكذا الدين.

 

العلم سبب النجاة و الفلاح و دخول الجنة :

 أيها الأخوة الكرام: لعل الأزمة الكبيرة التي يعاني منها المسلمون هي أزمة المعرفة، لأن أهل النار ماذا يقولون؟

﴿ وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10]

 أزمة علم فقط، ذلك أن الإنسان يحب وجوده، يحب سلامة وجوده، يحب كمال وجوده، يحب استمرار وجوده، هذه فطرة في أي إنسان كائن من كان، إذا علمت علم اليقين أن وجودك وكمال وجودك واستمرار وجودك منوط بطاعة ربك، أقبلت على الطاعة، فالعلم سبب النجاة، والعلم سبب الفلاح، والعلم سبب دخول الجنة، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.

 

عرفة يوم المغفرة و العتق من النار و الصلح مع الله :

 أيها الأخوة الكرام: عود إلى موضوع الخطبة الأساسي:

((عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الأيام أيام العشر - أي عشر ذي الحجة - قيل: وما مثلهن في سبيل الله؟ قال: ولا مثلهن في سبيل الله إلا رجل عفر وجهه بالتراب، وما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله تبارك وتعالى إلى سماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا عبادي جاؤوني شعثا غبرا ضاحين، جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي ويستعيذون من عذابي ولم يروه، فلم ير يوما أكثر عتقا وعتيقة من النار منه))

[الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام جلال الدين السيوطي]

 ماذا في يوم عرفة؟ هناك شيء دقيق ففي يوم عرفة تنزع الأقنعة المزيفة، المال قناع، المرتبة الاجتماعية قناع، اللقب العلمي قناع، والزوجة والأولاد قناع، والمركز الاجتماعي قناع، هذه كلها أقنعة مزيفة تحجبك عن الحقيقة، ينبغي أن تذهب إلى هناك، وأن تلبس شيئاً بسيطاً يشبه الكفن، وأن تبتعد عن كل مظاهر الدنيا، وأن تكون واحداً من مجموع قال تعالى:

﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

[سورة الأنعام: 94]

 كأنه لا بد من رحلة أخيرة، يحشر الناس يوم القيامة فرادى، وكأن الحج بشكل أو بآخر الرحلة قبل الأخيرة كمناورة للرحلة الأخيرة، ألا تجري بعض القطعات العسكرية مناورات تهيئة للحرب الحقيقية؟ كذلك هي رحلة قبل الأخيرة كي نصلح عملنا في الرحلة الأخيرة.
 أيها الأخوة الكرام:

(( عن أنس بن مالك قال "وقف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب فقال: يا بلال أنصت لي الناس. فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فنصت الناس فقال: يا معاشر الناس أتاني جبريل آنفا فأقرأني من ربي السلام وقال: إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات، وأهل المشعر، وضمن عنهم التبعات. فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله هذا لنا خاصة؟ قال: هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة. فقال عمر بن الخطاب: كثر خير الله وطاب))

[الدر المنثور في التفسير بالمأثور للإمام جلال الدين السيوطي]

 لذلك العلماء قالوا: من وقف في عرفات ولم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له، أنت في عرفات يوم اللقاء الأكبر، أعظم أيام حياتك على الإطلاق، يوم المغفرة، يوم العتق من النار، يوم الصلح مع الله، يوم السعادة، يوم تحقيق الذات، يوم نيل المراد.
أيها الأخوة الكرام: وروى الإمام مسلم في صحيحه:

(( قَالَتْ عَائِشَةُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ فَيَقُولُ مَا أَرَادَ هَؤُلاءِ ))

[مسلم عن عائشة]

 هذا الذي ترك بيته وركب عشرات ألوف الأميال لماذا جاء إلى عرفات؟ ليتحدث حديث الدنيا مع أصدقائه؟ ليلعب النرد؟ ليغتاب في عرفات؟ أم جاء للقاء مع خالق الأرض والسموات؟
 يا أيها الأخوة الكرام: الحج عرفة، وعرفة الحج الأكبر، يوم الحج الأكبر يوم عرفة.

(( مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلا أَدْحَرُ وَلا أَحْقَرُ وَلا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ قِيلَ وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلائِكَةَ ))

[موطأ مالك عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَرِيزٍ]

التفرغ التام للحج لأنه عبادة متميزة :

 أيها الأخوة الكرام: ماذا في يوم عرفة؟ قد يقول قائل: الله في كل مكان فلماذا الذهاب إلى يوم عرفة؟ الجواب: الحج أيها الأخوة عبادة متميزة، لا بد من تفرغ تام، إذاً لا بد من أن تؤدى في بيت الله الحرام، لا بد من ترك الأهل والخلّان، لا بد من مغادرة الأوطان، لابد من دفع الأموال، لابد من تحمل مشاق السفر، أراد الله أن تدفع ثمن اللقاء، هو في كل مكان، لكن أراد الله أن تدفع ثمن هذا اللقاء، طالبٌ لو أن له أباً أستاذاً في الرياضيات، أعطاه درساً بلا مقابل قد ينتبه وقد لا ينتبه، أما لو أنه عمل في الصيف وجمّع مبلغاً متواضعاً، واضطر إلى عدد من الدروس في الرياضيات، ودفع قيمة الدرس مبلغاً كبيراً، إنه يصغي لكل كلمة يقولها المدرس، ولا يقبل أن يضيع الدرس في حديث غير الرياضيات لماذا؟ لأنه دفع الثمن، فلقد أراد الله منك أن تدفع ثمناً لهذا اللقاء كي تكون مهتماً به، دفع ألوفاً مؤلفة وعطّل عمله وترك أهله وترك مكانته ونزع كل الأقنعة من أجل ماذا؟ من أجل اتصال مكثّف بالله، من أجل صلح مع الله، من أجل مغفرة.

التوحيد نهاية العلم :

 أيها الأخوة الكرام: روى الإمام أحمد والترمذي:

((خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ))

[الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ]

 كلمة التوحيد لا إله إلا الله، لا إله إلا الله حصني من دخلها أمِنَ من عذابي، أفضل كلمة تقولها واعياً لمضمونها، مطبقاً لحقيقتها: لا إله إلا الله. لا معبود بحق إلا الله، ولا معطٍ بحق إلا الله، ولا مانع إلا الله، ولامعزّ إلا الله، ولا مذل إلا الله، ولا رافع إلا الله، ولا خافض إلا الله، الله هو كل شيء، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والتوحيد نهاية العلم، نهاية العلم أن توحد الله، لكن هذه الكلمة نقولها كل يوم مئات المرات، أما حينما نخاف غير الله ونرضي مخلوقاً ونسخط خالقاً فما قلناها، لابد من عودة إلى مضامين هذه الكلمات العميقة، لابد من وقفة متأنية حول مضامينها، يقول الله عز وجل:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾

[ سورة الكهف:46]

 بعضهم قال: الباقيات الأعمال الصالحة، وبعضهم قال: إنها سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إذا سبّحته وحمّدته ووحّدته وكبّرته فقد سعدت بقربه.

 

ما يفعله الحاج بعد مغادرة عرفات :

 أيها الأخوة الكرام: ماذا يفعل الحاج بعد مغادرة عرفات؟ بعد رمي جمرة العقبة يقطع التلبية، ويبدأ بالتكبير، ونحن مكلّفون في هذه الأيام العشرة أن نكبّر، أيضاً كلمة الله أكبر فُرّغت من مضمونها، لو وقفنا عند مضمونها لارتعدت فرائصنا، الله أكبر، إن أطعت مخلوقاً وعصيت خالقاً، ما قلتها ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة، إن غششت المسلمين، ورأيت أن هذا الربح المحرّم أكبر عندك من الله ما قلتها ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة، كفانا شكليّات أيها الأخوة.
 إن قلت: الله أكبر، أي أن طاعته عندك أكبر من كل شيء، ورضاه عندك أكبر من كل شيء، هكذا الله أكبر، كم مسلم يقول: الله أكبر في العيد؟ ولماذا تخلّى الله عنا؟ أو هكذا يبدو لنا؟ لأننا ما قلناها حقيقة.
 أيها الأخوة: لا بد من أن نعود إلى جوهر الدين، نقول: الله أكبر إن كان هناك شيء من حطام الدنيا أكبر عندك من الله، فأنت ما قلتها حقيقة ولو رددتها بلسانك ألف مرة.عرفات :

 

الدّعاء سلاح المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام: في قضية الدعاء ذكرت هذا كثيراً، لكن قصص الأنبياء مناهج لنا، سيدنا يونس وهو في بطن الحوت ماذا قال؟

﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾

[سورة الأنبياء: 87-88]

 وانتهت القصة، وجاء التعقيب الإلهي، فجعلها قانوناً:

﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الأنبياء: 88]

 وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ الدعاء سلاح المؤمن، أنت بالدعاء أقوى مخلوق على وجه الأرض، لأن الله معك، وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ أبلغ شيء في عرفة الدعاء، وإن لم يتح لنا أن نحجّ في هذا العام، نحن ندعو هنا ندعو الله عز وجل، إذا كان ثلث الليل الأخير نزل ربكم إلى السماء الدنيا يقول:

((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ فَذَكَرَ مَعْنَاهُ، وَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا وَقَالَ فِيهِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ))

[ أحمد عن أبي هريرة]

 من هو أعجز الناس على الإطلاق؟ من عَجَزَ أن يدعو الله.

 

التكبير :

 أيها الأخوة الكرام: قضية التكبير.

((عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة قام إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال:..... إنك قد أتيت قومك بأمر عظيم... فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها، قال: فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "قل يا أبا الوليد أسمع"، قال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك))

[مختصر تفسير ابن كثير اختصار الصابوني]

 هذه كلمة الله أكبر :

(( قال النبي: والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أدع هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

[ السيرة النبوية ]

 هذا معنى الله أكبر، امرأة طلبت من زوجها شيئاً من حطام الدنيا فقال: كان لي أصحاب سبقوني إلى الله، وما أحب أن أنحرف عن طريقهم، ولو كانت لي الدنيا وما فيها- وقد خشي أن تذّل عليه بجمالها وهو سلاح النساء- فقال لها: تعلمين أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلّت إحداهن على الأرض لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بك من أجلهن أحرى وأولى من أن أضحي بهن من أجلك، هذا الصحابي قال: الله أكبر، والنبي عليه الصلاة والسلام عندما قال:

(( ...والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني ....))

[ السيرة النبوية ]

 قال: الله أكبر حقيقة.
 أيها الأخوة الكرام: هذا الراعي الذي قال له ابن عمر: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال له: ليست لي، قال: خذ ثمنها، قال له: والله إني لفي أشد الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها أكلها الذئب لصدقني، فإني عنده صادق أمين، ولكن أين الله؟ هذا البدوي الراعي البسيط وضع يده على جوهر الدين، وقد تجد إنسانًا ملأ دماغه بآلاف المعلومات وهو ليس مستقيماً على أمر الله، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه .
 أيها الأخوة الكرام: حقيقة عرفات أن نعرف الله وندعوه، إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.
 حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبكم، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الأضحية :

 أيها الأخوة الكرام: الأضحية شعيرة من شعائر المسلمين في عيد الأضحى المبارك، مشروعيتها أن الإمام أحمد وابن ماجة رويا عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

(( مَنْ كَانَ لَهُ سَعَةٌ وَلَمْ يُضَحِّ فَلا يَقْرَبَنَّ مُصَلانَا ))

[ابن ماجة عن أبي هريرة]

 وقد استنبط أبو حنيفة رحمه الله تعالى من هذا الحديث أنها واجبة فمثل هذا الوعيد لا يلحق بترك غير الواجب، وقال غير الأحناف: إنها سنّة مؤكدة ولهم أدلتهم، هي واجبة مرة في كل عام على المسلم الحر البالغ العاقل المقيم الموسر، ومن حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

((مَا عَمِلَ ابْنُ آدَمَ يَوْمَ النَّحْرِ عَمَلا أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ هِرَاقَةِ دَمٍ، وَإِنَّهُ لَيَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِقُرُونِهَا وَأَظْلافِهَا وَأَشْعَارِهَا وَإِنَّ الدَّمَ لَيَقَعُ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِمَكَانٍ قَبْلَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَطِيبُوا بِهَا نَفْسًا))

[ابن ماجة عن عائشة]

 ومن حديث أنس رضي الله عنه قال:

((ضَحَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ فَرَأَيْتُهُ وَاضِعًا قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهِمَا يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ فَذَبَحَهُمَا بِيَدِهِ ))

[البخاري عن أنس]

حكمتها و شروط وجوبها :

 حكمتها: أن المسلم الموسر يعبر بها عن شكره لله تعالى على نعمه المتعددة؛ منها نعمة الهدى، ومنها نعمة البقاء على قيد الحياة من عام إلى عام :

((أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ خَيْرُ النَّاسِ قَالَ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ ))

[الترمذي عن عبد الله بن بسر]

 ومنها نعمة السلامة والصحة، ومنها نعمة التوسعة في الرزق، وهي تكفير لما وقع من الذنوب، وتوسعة على أسرة المضحي وأقربائه وأصدقائه وجيرانه وفقراء المسلمين.
 من شروط وجوبها: اليسار، فالموسر هو مالك نصاب الزكاة، زائداً عن حاجته الأساسية، أو هو الذي لا يحتاج ثمن الأضحية أيام العيد فقط، أو هو الذي لا يحتاج ثمن الأضحية خلال العام كله، على اختلاف المذاهب في تحديد معنى الموسر، وينبغي على الحيوان المضحى به أن يكون سليماً من العيوب الفاحشة التي تؤدي إلى نقص في لحم الذبيحة، أو تضر بآكلها، فلا يجوز أن يضحى بالدّابة البيّن مرضها، ولا العوراء، ولا العجفاء، ولا العرجاء، و لا الجرباء، ويستحب في الأضحية أثمنها وأحسنها، وكان صلى الله عليه وسلم يضحي بالكبش الأبيض الأقرن، ووقت نحر الأضحية بعد صلاة عيد الأضحى وحتى قبيل غروب شمس اليوم الثالث من أيام العيد، على أن أفضَل الأوقات هو اليوم الأول ما بعد صلاة عيد الأضحى وحتى قبل زوال الشمس، يُكره تنزيهاً الذبح ليلاً، ولا تصح الأضحية إلا من النعم من الإبل والبقر والغنم، ومن الضأن والمعز، بشرط أن يتم الضأن ستة أشهر، وأن تتم المعز سنة كاملة عند بعض الأئمة، ويجزئ المسلم أن يضحي بشاة عنه وعن أهل بيته المقيمين معه، والذين ينفق عليهم، وهم جميعاً مشتركون في الأجر.

 

مندوبات الأضحية :

 من مندوبات الأضحية: أن يتوجه المضحي نحو القبلة، وأن يباشر الذبح بنفسه إن قدر عليه، وأن يقول: بسم الله، والله أكبر، اللهم هذا منك وإليك، اللهم تقبل مني، ومن أهل بيتي، وله أن يأكل منها وأن يأكل غيره، وعندها يستحب أن يحضر أضحيته:

(( يا فاطمة قومي فاشهدي أضحيتك فإنه يغفر لك في أول قطرة من دمها.....))

[الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي]

 ويستحب أن يوزعها أثلاثاً، فيأكل هو وأهل بيته الثلث، ويهدي لأقربائه وجيرانه الثلث، ويتصدق بالثلث الأخير على الفقراء والمسلمين، لقوله تعالى:

﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾

[سورة الحج: 36]

الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام: إني داع بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، اللهم اجعل في أبصارنا نوراً، وفي أسماعنا نوراً، وفي قلوبنا نوراً، اللهم اشرح لنا صدورنا، ويسر لنا أمورنا، اللهم إنا نعوذ بك من وساوس الصدر، وشتات الأمر، وشرّ فتنة القبر، وشرّ ما يلج في الليل، وشرّ ما يلج في النهار، وشرّ ما تهب به الرياح، وشرّ بوائق الدهر، اللهم لك الحمد كالذي نقول، وخيراً مما نقول، اللهم لك صلاتنا ونسكنا ومحيانا ومماتنا، وإليك مآبنا، ولك ربي تراثنا، اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر ووسوسة الصدر، وشتات الأمر، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات، اللهم أصلح لنا ديننا، الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، والموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم اكتب الصحة والسلامة للحجاج والمسافرين، والمقيمين والمرابطين، في برك وبحرك لأمة محمد أجمعين، اللهم ارزقهم حجاً مبروراً، وسعياً مشكوراً، و ذنباً مغفوراً، وارزقنا في العام القادم حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً، يا أرحم الراحمين، اللهم بفضلك ورحمتك أعل كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، وخذ بيد ولاتهم إلى ما تحب وترضى، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018