الخطبة : 0813 - أثر الإيمان في نزول الرحمة - صلاة الاستسقاء . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0813 - أثر الإيمان في نزول الرحمة - صلاة الاستسقاء .


2001-11-16

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وارنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

العاقل من يرجع أي مشكلة إلى أسبابها الحقيقية :

 أيها الأخوة المؤمنون، مِن حكم الله عز وجل أن هذا الكون الذي هو من خلق الله جعله وفق أسباب، فمن هذه الأسباب ما هو مادي، ومن هذه الأسباب ما هو غير مادي، والإنسان أودعَ الله فيه عقلاً، وجعل الله مبادئ العقل تقوم على السببية، وعلى الغائية، وعلى عدم التناقض، فإذا أراد أن يحل مشكلة عقلية ينبغي ـ أقول ينبغي ـ أن يرجعها إلى أسبابها الحقيقية، فإذا عدل في السبب جاء التعديل في النتيجة، هذه بديهة من بديهيات العلم، هذا المرض سببه هذا التلوث، فإذا أزلنا التلوّث انزاح المرض، هذا الخلل سببه هذا فإذا أزلنا هذا زال الخلل، الشيء الذي ينبغي أن يكون واضحاً لكل الأخوة الكرام أن هذا الجفاف الذي نعانيه، مِن نقص الأمطار، والمطر سبب الرزق، ما تفسيره أولاً؟ ليست البطولة أن تقول: هناك جفاف، الجفاف واقع، والجفاف لا ينكره إنسان، ولا يختلف فيه اثنان، ولكن البطولة أن تعزو الجفاف لا إلى تبدل خطوط المطر في الأرض، ولا إلى التصحر، وقد تكون هذه أسباب مباشرة، ولكن مسبب الأسباب لماذا ساق لنا هذا الجفاف؟ هنا المشكلة.

الحكمة من تثبيت الله لأشياء و تحريك أشياء أخرى :

 أيها الأخوة الكرام، مِن حِكَم الله عز وجل أنه ثبت في خلقه أشياء، وهي أشياء كثيرة جداً، وحرك أشياء، فمثلاً ما منا واحد يصاب بالقلق أطلعت الشمس، أم لم تطلع، فالشمس تشرق بنظام دقيق، مضى على هذا النظام ملايين السنين ولملايين السنيين القادمة تشرق بالدقيقة يوم 13/9/ فرضاً تشرق في الساعة الخامسة وأربع وعشرين دقيقة، هذا النظام لا يتبدل ولا يتغير، بل إن أضخم ساعة وأدق ساعة في الأرض إنما تضبط على سير نجمٍ من النجوم، فلحكمة بالغة بالغة ثبت الله حركة الأفلاك تثبيتاً دقيقاً، وثبت خصائص الأشياء، الذهب ذهب، والفضة فضة، والحديد حديد، والنحاس نحاس، وثبّت أنواع البذور، وخصائص البذور إن زرعت قمحاً فالناتج قمح، شعير شعير، فثبت البذور، وثبت المعادن، وتثبت أشباه المعادن، وثبت حركة الأفلاك، كل هذا التثبيت لاستقرار النظام في الأرض، كي يرتاح الإنسان، فإنسان مثلاً أنشأ بناء، وكلَّفه مئات الملايين، فالحديد إذا بُدِّلتْ خصائصُه انهار البناء، فالحديد له خصائص ثابتة، وكل شيءٍ خلقه الله أعطاه خصائص، وهذه الخصائص ثابتة لا تتبدل، ولا تتغير، تعزيزاً للنظام، ومن تعزيز النظام يستقر الإنسان، ولكن لحكمة بالغة بالغة حرك شيئين فقط، حرك الرزق... وحرك الصحة...
 أما الصحة، فكان من الممكن أن يلغى المرض في حياة البشر، لذلك قامت فرنسا بتفجيرٍ نوويٍّ في صحراء الجزائر يوم كانت تحكم الجزائر، وبعد انتهاء التفجير النووي وجدوا عقربًا يمشي على أرض التفجير كما قرأت من مصدر علمي موثوق، فالعلماء عكفوا على دراسة بنية جسم العقرب ربع قرن فتوصلوا إلى أشياء لا تصدق، يتحمل الإشعاع النووي ثلاثمئة ضعف عن الإنسان، يمكن أن يعيش بلا هواء يومين، بلا طعام سنوات، ليس فيه دم ولكن فيه سائل أصفر، لا أذكر تفاصيل هذا الموضوع الآن، لكن ذكرته ارتجالاً، ولقد كان ممكنًا أن يُخلَق الإنسان بطريقة لا يعتريه مرض إطلاقاً، ولكن شاءت حكمة الله أن يمرض الإنسان، فصحته متبدلة، وشاءت حكمة الله أن يتبدل رزقه، الذي ثبته من أجل استقرار النظام، والذي حركه من أجل تأديب الإنسان، فكأن الله سبحانه وتعالى يؤدبنا تارة بصحتنا، وتارة بأرزاقنا، هذا الكلام أيها الأخوة مدعم بالنصوص الصحيحة، قال تعالى:

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة الشورى: 27 ]

 أي لا يمكن، بل مستحيل وألف ألف مستحيل أن يكون هذا التقنين الذي نراه تقنين عجزٍ، الدليل أنه في الجزائر في اثنتي عشرة ساعة نزل من الأمطار ما ينزل في دمشق على مدى العام، نزل مئتان و عشرة ميلمترات في اثنتي عشرة ساعة والحصيلة قريبًا من ألف إنسان ميت، وبيوت هدمت، والأضرار لا تعد ولا تحصى، فالله عز وجل على كل شيء قدير، الماء الذي ننتظره في العام يمكن أن يأتينا في ساعات، لا يمكن أن يكون تقنين الله تقنين عجز، ولكن تقنين الله تقنين تأديب، قال تعالى:

﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ﴾

[ سورة الشورى: 27 ]

تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز :

 كل النظريات التي تتحدث عن تصحر الأرض، وعن انعدام المطر، وعن الجفاف، وعن استهلاك الناس للماء، هذا كله كلام لا يقف على قدمين، كلام الشرك، كلام الكفر، قرأت بحثاً في مجلة علمية رصينة، أنه اكتشف سحابة في الفضاء الخارجي يمكن أن تملأ محيطات الأرض ستين مرة في يوم واحد بالماء العذب، بل إن من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام أن كمية التهطال في الأرض ثابتة، قال عليه الصلاة والسلام:

((مَا عَامٌ بِأَمْطَرَ مِنْ عَامٍ ))

[ البيهقي عن ابن مسعود ]

 بعد أن قيست نسب الأمطار في العالم وجمعت تبين أن هذه النسب ثابتة، ولكنها تنتقل من مكان وتنصرف عن مكان، تأديباً لهؤلاء، وامتحاناً لهؤلاء.

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾

[ سورة الأنبياء: 35 ]

 يجب أن نعرف أسباب الجفاف الحقيقي، إنه التأديب الإلهي، يقول الله عز وجل، وهذه الآية، واللهِ أيها الأخوة لو تمثلناها لحلت كل مشكلاتنا.

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾

[سورة النساء: 147 ]

 أي مستحيل وألف ألف مستحيل أن يساق العذاب جزافاً، بلا حكمة، بلا هدف.

﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

[سورة النساء: 147]

 ثم إنه مستحيل أن تأتي مصيبة جزافاً.

﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾

[ سورة الشورى: 30 ]

 هذا كلام خالق الأكوان بين أيدينا، هذا كلام الله عز وجل، هذا هو التوضيح من قبل الخالق.

 

أحاديث تعد من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام :

 أيها الأخوة، من الأحاديث التي تعد من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام حديثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:

((أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ، وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ))

[ ابن ماجه والبيهقي والبزار عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 بينك وبين نفسك، دقق في هذه الخمسة أشياء هل وقعنا فيها جميعاً؟ إلا من رحم ربك:

(( يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ))

[ ابن ماجه والبيهقي والبزار عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 ألا ترى المنكر على قارعة الطريق؟ ألا ترى الناس لا يستحيون؟ ألا ترى مظاهر ينبغي أن تكون في غرف مغلقة بين الزوجين تحدث في الطرقات عيانًا وفي الأماكن العامة وفي الحدائق وكأن هذه العولمة نقلت إلينا كل ألوان الفساد؟ وحينما يقول بعضهم: إن الأرض أصبحت قرية صغيرة، أنا أزيد فأقول: بل أصبحت بيتاً، وأزيد فأقول: غرفة، ليس هذا مدحاً لأهل الأرض، فهذا الذي يحصل من التواصل الإعلامي يشبه الخلاط الكبير، فكل ما في الأرض من انحراف وانحلال وبٌعْدٍ عن الله عُمِّمَ على الأرض كلها، مهمة المسلم اليوم كبيرة جداً، أن يحصن نفسه، دائماً وأبداً حدائق الحيوان التقليدية فيها الوحوش مقيدة في أقفاص والزوار طلقاء، إلا أن حدائق الحيوان الإفريقية الآية فيها معكوسة، فالوحوش طليقة، والزوار إنْ لم يدخلوا إلى سيارات مصفحة يُؤكلون، ويُنهشون، ويُفترَسون، ونحن نرى اليوم العلاقة بالفساد تشبه حدائق الحيوان الإفريقية، الفساد منتشر في كل مكان أينما نظرت، وحيثما رأيت، وفي أي مكان سرت، وأي مجلة طالعت، وأي كتاب قرأت، وأي جريدة تصفَّحتَ، وأي شاشة شاهدت، تجد المرأة في أبهى زينة، تجدها حيث لا ينبغي أن تكون إلاّ لزوجها فحسْب، فإذا هي للناس عامة، هذا الفساد العريض صرف الناس عن الله، بل دفعهم إلى الشهوة الحرام، هذا واقع، وهذا نوع من الغزو الثقافي، ما من سلاح يحارب به الإنسان أشد فتكًا به من المرأة، فالغرب حارَبَنا بالمرأة، وحينما حارَبَنا بالصواريخ ناضلْنا، وكافَحْنا، وحرزنا استقلالنا، أما حينما حاربنا بالمرأة عبر هذه القنوات، وعبر هذه المحطات اتجه الناس لا إلى الله عز وجل ولكن إلى الشهوة الحرام، فانهار المسلمون.

 

وسائل تأديب الله عز وجل الناس :

((.... لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ...))

[ ابن ماجه والبيهقي، والبزار عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 هذا الوباء الطاعون، بل الإيدز:

(( ...وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ الَّذِينَ مَضَوْا ...))

[ ابن ماجه والبيهقي، والبزار عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 وكأن الله يؤدب الناس بهذه الأمراض.

﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾

[ سورة الروم: 41]

 دققوا ...

﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا﴾

 لماذا ؟.

﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

 كان من الممكن ألا يذيقهم بعض الذي عملوا، لكن:

﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

[ سورة الروم: 41]

((....وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا ...))

[ ابن ماجه والبيهقي، والبزار عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 يمكن أن يزوج ابنه في حفل بأحد الفنادق الكبرى ويدفع عشرات الملايين ولا يؤدي زكاة ماله.

((...وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ...))

[ ابن ماجه والبيهقي والبزار عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 أساليب الغش يحار في أمرها الشيطان، غش مبنيٌ على الإضرار بالناس، وهذا الغش يفعله رواد المساجد أحياناً، ممن يلتزمون المسجد، ممن يحضرون خطبة الجمعة، وترويج بضاعتهم بأساليب الغرب الماجنة، وهو ملتزم بالمسجد، وصاحب معمل ملتزم، ولا تروج بضاعته إلا بإعلان ساقط، أو بإعلان فاضح.

((...وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ ...))

[ ابن ماجه والبيهقي، والبزار عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

 دققوا.

(( ...وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ...))

 الأموال كلها عند أعدائنا، وقد جمدها كلها، هذه الأموال كان من الممكن أن تنفع المسلمين، لكنها وضعت عنده في حرز حريز، فلما استُفِزَّ جمد هذه الأموال، وحرم منها المسلمين:

((..وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ ..))

 ألا تقرؤون؟ ألا تسمعون؟ بأس المسلمين بينهم، يدفع المسلمون ليحارب المسلمين، والطرف الآخر يتفرج، دمه ثمين.
 أيها الأخوة الكرام، قال تعالى:

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾

[ سورة السجدة: 21 ]

 وهذا عذاب أدنى، الجفاف عذاب أدنى، والحرب الأهلية عذاب أدنى وانتشار الأوبئة والأمراض عذاب أدنى، والزلازل عذاب أدنى والبراكين عذاب أدنى.

﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾

[ سورة الأنعام: 65 ]

تطبيق سنة النبي وقاية من العذاب :

 أيها الأخوة الكرام، ما الحل؟ من السهولة بمكان أن تصف الداء، ولكن البطولة أن تصف الدواء، فإذا وصفت الدواء أديت الذي عليك، وبقي على المستمع أن يفعل ما سمع، الحل... الله عز وجل يقول:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 مَن أنت؟ أنت رسول الله؟ لا، انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى، بل سنتك المطهرة ما دامت مطبقة في بيوتنا، في متاجرنا، في عياداتنا، في مكاتبنا، في معاملنا، في نشاطاتنا، ما دامت سنة النبي مطبقة فنحن في مأمنٍ من عذاب الله، وزوالُ الكون أهْونُ على الله من ألاّ تحقق هذه الآية:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 لو سألت عالمًا باللغة عن أشد صيغة من صيغ النفي لقال: هذه الصيغة، هذا نفي الشأن، فقد تقول لسارق: أسرقت هذه الحاجة؟ فيقول لك: لا، نفى الحدث، أمّا إذَا قلتَ لإنسان راقٍ جداً: أفعلت هذا؟ فيقول لك: ما كان لي أن أفعل، مستحيل أن أفعل هذا، مستحيل أن أرضاه، مستحيل أن أتصوره، مستحيل أن يصدر مني، مستحيل أن أقره، مستحيل أن أبارك صاحبه، هذا نفي الشأن من أشد أنواع النفي، عَدَّ علماء اللغة اثنتي عشرة حالة تفهم من نفي الشأن:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 هذا المنهج القويم سنة سيد المرسلين، إذا طبقناها في بيوتنا، في أعمالنا، وفي حركاتنا، وسكناتنا، وحِلِّنا، وترحالنا، وفي أفراحنا، وفي أتراحنا:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 وهذا الجفاف عذاب، ونقص المطر عذاب شديد، والمستقبل إن استمر على ما هو عليه فالأمرُ خطير جداً، كأس الماء التي نشربها مهددون بها الآن، فضلاً عن السقيا بشكل عامٍّ.

من أطاع الله و استغفره عاش في بحبوحتين :

 أيها الأخوة الكرام، قال عز وجل:

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً ﴾

[ سورة نوح: 10 ]

 وقبل ذلك..

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

 في حالتين تجد بحبوحةً للمؤمن، إما أن يكون طائعاً لله، أو أن يستغفر إذا زلت قدمه، أنت في الحالتين في بحبوحة، في الحالتين يوجد رخاء، في الحالتين يوجد رحمة، في الحالتين يوجد عناية..

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾

[ سورة الأنفال: 33 ]

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[ سورة نوح: 10 ـ 12 ]

 والله مرة سمعت من صاحب معمل بضاعته من البضائع الثانوية جداً، عنده معمل تطريز أقمشة، سمعته يقول لزميله: هذا العام بِعْنَا بكميات فلكية، سأله الآخر ما السبب؟ قال له كانت الأمطار غزيرة في الحسكة، أنا انتبهت لقوله: يبيع قماشًا مطرزاً بكميات فلكية، لأن الأمطار كانت غزيرة في الحسكة، المطر أساس الرزق:

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[ سورة نوح: 10 ـ 12 ]

ما من أمة أقيم فيها شرع الله إلا أكرمها الله :

 أيها الأخوة الكرام، آية ثانية: نحن مع القرآن، مع كلام الواحد الديان.

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

[ سورة الجن: 16 ـ 17 ]

 قد تجد بلادًا جنة بسبب وفرةِ الأمطار، غابات، ومروجًا خضراء، محاصيل وفيرة، أسعارًا رخيصة...

﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾

[ سورة هود: 84 ]

 فسرها علماء التفسير وفرة المواد ورخص الأسعار.

﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾

[ سورة هود: 3 ]

 آية نقيس أنفسنا عليها ولو لم تكن لنا في ظاهرها..

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾

[ سورة المائدة: 66 ]

 هذا كلام مَن؟ أهو كلام شخص؟ كلام إنسان سيقول لك: لم أستطع أن أنفِّذ لك؟ كلام خالق البشر:

﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾

[ سورة المائدة: 66 ]

﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾

[ سورة هود: 3 ]

﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾

[ سورة الجن: 16 ـ 17 ]

 أيها الأخوة الكرام، لكن هذه القاعدة، والأمر دقيق جداً، لا ينبغي أن نفهمها على مستوى فرد، هذه القواعد لا تفهم إلا على مستوى الأمة، لأنه إذا كثر الخبث ابتلى اللهُ الناسَ ببعض المصائب، هذه القواعد على مستوى الأمة بأكملها، لذلك ما من أمة أقيم فيها شرع الله واتجهت اتجاهاً حقيقيًّا إليه، عبادة، واستقامة، وعملاً صالحاً، واستغفاراً إلا وأكرمها الله.

 

سنة الله في خلقه :

 وقد يقول قائل: ما بال هؤلاء الأقوام الذين ينعمون بأمطارٍ تفوق حدّ الخيال بلادهم خضراء؟ غاباتهم كثيرة؟ خيراتهم وفيرة؟ هذه حالة خاصة وردت في القرآن الكريم... إنها استدراج.

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾

[ سورة الأنعام: 44 ]

 كلام خالق الأكوان..

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾

[ سورة الأنعام: 44 ]

 أيها الأخوة الكرام، لكن سنة الله في خلقه تستنبط من هذه الآية الدقيقة، قال تعالى:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾

[ سورة الأعراف: 94 ]

 هناك معنى ضمني، أي: كذبوه..

﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾

[ سورة الأعراف: 94 ]

 طبعاً لو أنهم صدقوه لما كانت هذه الآية..

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾

[ سورة الأعراف: 94 ]

 أي فكذبوه...

﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾

[ سورة الأعراف: 94 ]

 فما تضرعوا...

﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾

[ سورة الأعراف:95 ]

 وما شكروا...

﴿حَتَّى عَفَوْا﴾

[ سورة الأعراف:95 ]

 وَقَالُوا: هذه بلادنا خضراء، نحن محظوظون، هذا جهدنا، هذه خبراتنا في إنزال المطر...

﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف:95 ]

مراحل تأديب الله عز وجل للإنسان :

 من أدق معاني هذه الآية كما فسرها علماء التفسير أن الله سبحانه وتعالى يبدأ عباده بالدعوة البيانية..

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾

[ سورة الأنفال: 34 ]

 إذا دعاك الله من خلال خطبة، من خلال كتاب، شريط، درس علم، صديق، واعظ، مرشد، عالم، إذا دعاك الله إليه، إلى الصلح معه، إلى التوبة إليه، إلى الالتزام بمنهجه، إذا دعاك الله هذه الدعوة البيانية، أكمل شيء في هذه الدعوة أن تستجيب له، فأنت من أرقى الناس، والإنسان يستجيب بالبيان، ذكرت لكم مثلاً أنه لو ذهبنا إلى مدينة حمص في أيام الشتاء الشديدة البرد، ورأينا لوحة في دوما تشير إلى أنّ الطريق مغلق في النبك بسبب تراكم الثلوج، فمَن يتابِع؟ مستحيل، لو أن دابة تمشي أين تقف؟ تقف عند الثلج، ما الذي يحكم الإنسان العاقل؟ البيان، ما الذي يحكم البهيمة؟ الواقع، الإنسان إذا عطل عقله يحكمه الواقع، أما إذا أعمل عقله فيحكمه البيان، فمن الذي يقلع عن التدخين بعد أن يصاب بالسرطان؟ من عطل عقله، من الذي يدع التدخين وهو صحيح معافى؟ من أحكم عقله، وهداه البيان إلى أخطار التدخين.
 أيها الأخوة الكرام، إذاً أول شيء أن الله سبحانه وتعالى يبين وعليك أن تستجيب، فإن لم تستجِب دخلت في معالجة أصعب، دقق في كلام الأطباء أحياناً، هذه الحالة خفيفة تحتاج إلى حمية وإلى متابعة أدوية، فإن لم تَحْتَمِ، ولم تأخذ الدواء المقرر احتجتَ إلى عملية، والعملية قد تنجح، وربما لا تنجح، فأول حالة دعوة بيانية عليك أن تستجيب، فإنْ لم تستجب دخلت في مرحلة أصعب " أخذنا أهلها بالبأساء والضراء " هموم، مقلقات، خوف، مرض، فقر، ضغط، فقد حرية، نزاع داخلي، بأس بين المسلمين، هذه كلها علاجات إلهية، فلم يتأثر، مَن لم يعتبر بمصيبة غيرِه فمصيبته في نفسِه أكبرُ . الحل الأخير:

﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾

[ سورة الأعراف:95 ]

 إذًا أوّلاً: دعوة بيانية، ينبغي أن تستجيب، ثم تأديب تربوي ينبغي أن تتوب، ثم إكرام استدراجي ينبغي أن تشكر، فإن لم تفعل قُصِم الإنسان، وهذه سنة الله في خلقه.
 أيها الأخوة الكرام، هذا موضوع دقيق، على كلِّ واحدٍ منا أن يقيم الإسلام في بيته، وفي عمله، كاستنباط من هذا الموضوع، فإذا أديت ما عليك فيما بينك وبين الله تولاّك الله بالرعاية والعناية...

﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة الزمر: 61 ]

 أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله..

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

صلاة الاستسقاء :

 أيها الأخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام سن لنا صلاة الاستسقاء، وقد قال تعالى:

﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾

[ سورة نوح: 10 ـ 12 ]

 وفيما رواه أنس رضي الله عنه أن الناس قد قحطوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم... وقبل أنْ أذكر الذي جرى أقول: واللهِ أيها الأخوة، واللهِ عندي يقين أن الناس إذا تضرعوا جميعاً إلى الله، جميعاً؛ كبارهم وصغارهم، إذا تضرعوا إلى الله فالمطر وشيك، والهطول بكميات مذهلة، ولكن الناس يستكبرون.
 إنّ الناس قد قحطوا في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدخل رجل من باب المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، قال يا رسول الله: هلكت المواشي، وخشينا الهلاك على أنفسنا، فادعُ الله أن يسقينا، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه فقال: " اللهم اسقِنا غيثاً مغيثاً هنيئاً مريئاً غدقاً مغدقاً عاجلاً" قال الراوي: وما كان في السماء قزعة - أي سحابة- فارتفعت السحب من هنا ومن هنا، حتى صارت ركامًا، ثم أمطرت سبعًا، من الجمعة إلى الجمعة، هذه سُنّة النبي، ثم دخل ذلك الرجل في الأسبوع التالي، والنبي عليه الصلاة والسلام يخطب، والسماء تسكب، قال: يا رسول الله: تهدّم البنيان، وانقطعت السبل، فادعُ الله أن يمسكه، فاتبسم النبي عليه الصلاة والسلام لملالة ابن آدم، إن جاءه خير وفير شكا، وإن انصرف عنه الخير شكا، قال: واللهِ ما نرى في السماء خضراء، ثم رفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والضراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر، فانجابت السماء عن المدينة حتى صارت حولها كالإكليل.
 أيها الأخوة الكرام، هذه صلاة الاستسقاء ينبغي أن تقام، هذه صلاة الاستسقاء لابدّ منها، واللهُ عز وجل وضعنا في مشكلة، وفتح لنا الباب، بابَ الافتقار إليه، الباب أن نعبده، الباب أن نتضرّع إليه ونقرّ بأنه هو الرزاق، ذو القوة المتين، وبالمناسبة عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنْ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَال:َ هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُم؟ْ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ:

((قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ))

[ متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ]

 وهذه الأيام مَن قال: مُطِرنا بمنخفض متمركز فوق قبرص، متجه إلينا بسرعة كذا، وهو يرى أن هذه الحركة لا علاقة لله بها، فهذا كافر:

((قَالَ: أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ ))

[ متفق عليه عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ]

 الأمطار إذا هطلت ينبغي أن نشكر الله، أن نسجد سجود الشكر لله عز وجل، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يسقينا من رحمته وفضله إنه على ما يشاء قدير.

 

الدعاء :

 اللَّهُمَّ اهْدِنا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وعَافِنا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلّنا فِيمَن تَوَلَّيْتَ، وبَارِكْ لنا فِيما أَعْطَيْتَ، وقِنا واصرف عنا شَرَّ ما قَضَيْتَ، فإنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، سبحانك إنه لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزّ مَنْ عَادَيْتَ ، وهذا دعاء النبي في الاستسقاء: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم، اللهم أنت لا إله إلا أنت تفعل ما تريد، اللهم لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم إنك أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك، فقد دعوناك كما أمرتنا، فأجبنا كما وعدتنا، أنزل علينا الغيث من السماء واجعل ما أنزلت علينا قوة لنا وبلاغاً إلى حين، اللهم اسقِنا غيثاً مغيثاً، هنيئاً، مريئاً، مريعاً، غدقاً، مجللاً، سحاً، عاماً، طبقاً، دائماً، نافعاً غير ضار، عاجلاً غير آجل، اللهم اسقِنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إن بالبلاد والعباد والخلق من اللأواء والضنك ما لا نشكوه إلا إليك، اللهم أنبت لنا الزرع، وأدر لنا الضرع، واسقِنا من بركات السماء، وأنبت لنا من بركات الأرض، اللهم نستغفرك إنك كنت غفاراً، فأرسل السماء علينا مدراراً، اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والجبال والضراب وبطون الأودية ومنابت الشجر، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، كما يجري في بعض البلاد، اللهم سقيا رحمة لا سقيا عذاب، ولا بلاء، ولا هدم، ولا غرق، اللهم ارفع عنا الجهل، والجوع، والعري، واكشف عنا من البلاء ما لا يكشفه غيرك، اللهم بفضلك ورحمتك أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام، وأعز المسلمين، انصر المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، في شمالها وجنوبها، أنصرهم على أعدائك أعداء الدين، أعداء الحق، أعداء الخير، انصرهم نصراً مؤزراً يا رب العالمين، اللهم اجعل كيد أعدائهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم، يا رب العالمين، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، اللهم وفقهم واجمع كلمتهم على الحق والخير والهدى، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018