الخطبة : 0811 - الانصاف. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0811 - الانصاف.


2001-11-02

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا برُبوبيَّته، وإرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر، ما اتَّصَلَت عين بنظر، أو سمعت أذنٌ بِخَبر، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ لا علم لنا إلا ما علّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدْنا علمًا، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

علامات الجاهلية الثانية في آخر الزمان :

 أيها الأخوة المؤمنون، موضوع الخطبة يحتاج إلى مقدمتين قصيرتين؛ المقدمة الأولى أن الله عز وجل حينما قال:

﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾

[سورة الأحزاب : 33]

 أشار إلى جاهلية ثانية ستأتي في آخر الزمان، وأن هذه الجاهلية جاهلية جهلاء، في هذه الجاهلية يُكَذَّب الصادق، و يُصَدَّق الكاذب، يُؤتمَن الخائن، و يُخَوَّن الأمين، يضام الآمرون بالمعروف و الناهون عن المنكر، يوسَّد الأمر لغير أهله، يكون المطر قيظاً، و الولد غيظاً، ويفيض اللئام فيضاً، و يغيض الكرام غيضاً، وأنتم تسمعون كل يوم كيف أن المجرم يُعطى وسام شرف، و كيف أن المعتدَى عليه يتهم اتهامات لا نهاية لها، وكيف أن الحقائق تُزوَّر، وكيف أن الدجل يروج، نحن في آخر الزمان، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ ))

[ مسلم عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ]

 يقتل الأبرياء كل يوم بلا سبب، وبلا ذنب اقترفوه، تهدّم البيوت، يقتل الأطفال، تضرب المستشفيات، هذا كله ترونه و تسمعونه، نحن في جاهلية جهلاء، عصمنا الله و إياكم من الزلل.

 

كل ما وقع في عهد النبي مقصود لذاته :

 المقدمة الثانية أن كل الذي وقع في عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم مقصود لذاته، أي ما من حدث كان في عهد النبي، وقد وقف منه النبي موقفاً معيناً إلا كان هذا الحدث مقصوداً لذاته، كان توطئة للتشريع، كان مناسبة ليقف النبي الموقف الكامل.

الإنصاف :


 أيها الأخوة الكرام، موضوع الخطبة اليوم الإنصاف، الإنصاف يقابل الجحود، يقابل أن نكيل بمكيالين، يقابل أن يكون الحق هو كلام القوي، وأن الباطل كلام الضعيف، هذا الكلام يقابل كما قال عليه الصلاة و السلام:

((لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، قَالَ: ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يَمْلَؤُهَا قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَعُدْوَانـًا ))

[أحمد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 وهذا يكون في آخر الزمان، وكل شيء يحتاجه الناس، ويعطونه من الإنصاف.
 والإنصاف في اللغة أيها الأخوة القسط والعدل، يقولون: أنصف ينصف، و أنصفه من نفسه، وانتصفت أنا منه، و تناصف القوم، أي أنصف بعضهم بعضاً، وأنصفت إنصافاً، أي عاملت بالعدل و القسط، والعدل من أسماء الله الحسنى، قال تعالى:

﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾

[ سورة يونس : 4]

 تكلم ما شئت، اعمل ما شئت، فلا بد من وقفة تحاسب فيها عن كل حركة و سكنة، وعلى كل كلمة، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

((حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))

[الترمذي عن عائشة ]

 وفي رواية أبي داود:

((لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ قَالَتْ وَحَكَيْتُ لَهُ إِنْسَانًا فَقَالَ مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إِنْسَانًا وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا ))

[أبو داود عن عائشة رضي اللّه عنها ]

 في آخر الزمان ما من شيء يحتاجه الناس إلا من الإنصاف.

 

تعريفات الإنصاف :

 أيها الأخوة الكرام، من تعريفات الإنصاف أن تعطي غيرك من الحق مثل الذي تحب أن تأخذ منه لو كنت مكانه، الإنصاف بالأقوال و الأفعال، وفي الرضا والغضب، مع من نحب، ومع من نكره، وقد ينطلق الإنصاف من البيت، البنت تعامل معاملة غير ما تعامل زوجة الابن، هذا ليس من الإنصاف في شيء، حينما تكيل بمكيالين، حينما تقيس بمقياسين، حينما تنحاز إلى جهة انحيازًا نسبياً، أو مصلحياً فأنت لست منصفاً، والإنصاف من صفات المؤمن.
 أولاً أيها الأخوة، كيف ينصف الإنسان الناس إن لم ينصف نفسه من نفسه؟ قد تكون قوياً، و كلمتك هي النافذة، والأمر بيدك، فلا تعترف بالخطأ، بل تتهم به غيرك، هذا ليس من الإنصاف في شيء، قد لا تقبل عذر المعتذر، و العذر قوي، هذا ليس من الإنصاف في شيء، قد تبرز المساوئ و تغفل الحسنات، هذا ليس من الإنصاف في شيء، قد تؤوِّل الكلام على غير ما قصده قائله، هذا ليس من الإنصاف في شيء، أن تسلط الأضواء على شيء، وأن تعتّم على شيء آخر، هذا ليس من الإنصاف في شيء، كيف تلقى الله عز وجل الذي هو من أسماه العدل وأنت غير منصف؟

مستويات الإنصاف و أنواعه :

 أيها الأخوة الكرام، الإنصاف له مستويات كثيرة، أعلى هذه المستويات أن ينصف المرء خالقه عز وجل، فلا يرى ربه إلا محسناً، لا يرى أفعاله إلا حكيمة، لا يرى نفسه إلا مقصراً، لا يرى ما يفعله الله في عباده في كل قارات الأرض إلا محض حكمة وعدل وعلم.
 أيها الأخوة الكرام، ومن أنواع الإنصاف أن تنصف النبي عليه الصلاة و السلام، أن تعتقد عصمته، وأن تعتقد أنه المثل الأعلى، وأن تعتقد أنه حقق الهدف من خلق الإنسان، وأن تعتقد أن كل أقواله، و كل أفعاله، وكل إقراراته هي محض كمال، وأنه هو الأصل في كل مقياس، ومن الإنصاف أن تنصف أصحابه الكرام، وألاّ تطعن فيهم، ومن الإنصاف أن تنصف عباد الله، أن تؤدي ما عليك، وأن تأخذ الذي لك، لا أن تقصر في الذي عليك، و لا أن تأخذ ما ليس لك، أنت إذًا لم تنصف مَن حولك، و لو دخلنا في باب الإنصاف، وهذا موضوع طويل جداً، هذا الذي جاء إلى عيادتك ليعَالَج عندك، ينبغي أن تنصفه، أن تعطيه حقه، أن تعطيه حجم المشكلة دون زيادة، ودون تقصير، هذا الموكِّل الذي جاء ليوكِّلك ينبغي أن تنصفه، أن تطلعه على الحقيقة، هذا الطالب الذي جاء ليتعلم منك ينبغي أن تعطيه الحقيقة، و لو كانت مرة، هذا المشتري جاء ليشتري من دكانك ينبغي أن تنصفه، لو دخلنا في الإنصاف لوجدنا معظم المسلمين وهم يؤدون عباداتهم و صلواتهم و صيامهم وحجهم، ومع ذلك تجد خللاً في معاملاتهم، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((لَيَأْتِيَنَّ عَلَى الْقَاضِي الْعَدْلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ سَاعَةٌ يَتَمَنَّى أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ بَيْنَ اثْنَيْنِ فِي تَمْرَةٍ قَطُّ ))

[ أحمد عن عائشة]

 أيها الأخوة الكرام، قصة وقعت في عهد رسول الله، لا تعرف البشرية لها شبيهاً، تشهد هذه القصة وحدها أن هذا القرآن وأن هذا الدين لا بد أن يكون من عند الله، لأن البشر مهما ارتفع تصورهم، و مهما صفت أرواحهم، ومهما استقامت طبائعهم لا يمكنهم أن يرتفعوا بأنفسهم إلى هذا المستوى الذي تشير إليه هذه الآيات، إلا بوحي من الله، هذا المستوى الذي يرسم خطًّا على الأفق لم تصعد إليه البشرية إلا في ظل منهج الله عز وجل، بل لا تملك الصعود إلى هذا المستوى إلا في ظل هذا المنهج.

 

الإسلام دين عدل يقف إلى جانب كل مظلوم :

 أيها الأخوة الكرام، النبي عليه الصلاة و السلام عاصر اليهود في المدينة، اليهود هم اليهود، من قديم الزمان و إلى آخر الأيام، يطلقون سهامهم المسمومة التي تحويها جعبتهم اللئيمة على الإسلام و المسلمين، و سورة البقرة و آل عمران فيها تفصيلات طويلة عن فعل اليهود، وعن كيدهم، و عن حقدهم، و عن عدوانهم.
 أيها الأخوة الكرام، كان اليهود ينشرون الأكاذيب، ويؤلِّبون المشركين، و يشجعون المنافقين، و يرسمون لهم الطريق، يطلقون الإشاعات، و يضللون العقول، ويطعنون في القيادة النبوية، و يشكِّكون في الوحي والرسالة، و يحاولون تفسيخ المجتمع المسلم من الداخل، اليهود كانوا يؤلبون خصوم رسول الله عليه ليهاجموه من الخارج، و الإسلام ناشئ في المدينة، ورواسب الجاهلية ما يزال لها أثر في النفوس.
 أيها الأخوة الكرام، وشائج القربى بين بعض المسلمين وبعض المشركين و المنافقين واليهود كانت موجودة، اليهود أنفسهم أيها الأخوة يمثلون خطراً حقيقياً على تماسك الصف المسلم و تناسقه، في هذا الوقت الحرج، في هذا الخطر الشديد كانت هذه الآيات تتنزل على النبي صلى الله عليه و سلم، و على الجماعة المسلمة لتنصف رجلاً يهودياً اتهم ظلماً بالسرقة.
 أيها الأخوة الكرام، وإنّ هذه الآيات لتدين الذين تآمروا على اتهامه، وهم بيت من الأنصار، في المدينة، والأنصار كما تعلمون هم يومئذ عدة رسول الله صلى الله عليه و سلم، وجنده في مقاومة هذا الكيد الناصب.
 أيها الأخوة الكرام، ما هذه القصة؟ القصة رويت من عدة مصادر في سبب نزول آية سأتلوها بعد قليل، نفر من الأنصار منهم قتادة بن النعمان وعمه رفاعة غزوا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في بعض غزواته، فسرقت درع لأحدهم، و هي درع رفاعة، فحامت الشبهة حول رجل من الأنصار من أهل بيت يقال لهم بنو أبيرق، فأتى صاحب الدرع رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال له: يا رسول الله إن طعمة بن أبيرق سرق درعي- و في رواية: إن بشير بن أبيرق - وفي هذه الرواية إشارة إلى أن بشيراً كان منافقاً، يقول الشعر في ذمِّ الصحابة، و ينسبه لبعض العرب، فلما رأى السارق ذلك و أنه كاد يفتضح عمد إلى الدرع فوضعها في كيس من الطحين، وأودعه عند رجل يهودي اسمه زيد بن السمين، و قال لنفر من عشيرته: إني وضعت الدرع و ألقيتها في بيت فلان، و ستوجد عنده، فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقولوا له كلاماً يبعد عني هذه التهمة، قالوا: يا رسول الله إن صاحبنا بريء، وإن الذي سرق الدرع فلان، وقد أُحطنا بذلك علماً، فاعذر صاحبنا على رؤوس الناس، وجادل عنه، فإنه إن لم يعصمه الله بك يهلك، و لما عرف النبي صلى الله عليه و سلم وهو بشر، لا يعلم إلا أن يعلمه الله عز وجل، وعلم أن الدرع وجدت في بيت اليهودي، كاد أن يبرئ الأبيرق، بل إن النبي عليه الصلاة و السلام استدعى قتادة، و قال له: ترمي فلاناً بالسرقة و هو من أهل بيت يذكر منهم إسلام و صلاح، ترميهم بالسرقة على غير ثبت ولا بينة؟ فقال قتادة: رجعت من عند رسول الله، وودت أني خرجت من بعض مالي، و لم أكلم رسول الله في هذا.
 أيها الأخوة، ما هذه الآيات التي أنزلت وهي قرآن يتلى إلى يوم القيامة لتبرِّئ رجلاً من قوم يكيدون كل ساعة لرسول الله، الآيات:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً ﴾

[ سورة النساء : 105]

 أي: لا تدافع عنهم يا محمد:

﴿وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾

[ سورة النساء : 105]

 لأنك هممت أن تدافع عنهم:

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً * يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً * هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً ﴾

[ سورة النساء : 106 -109 ]

﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ﴾

[ سورة النساء : 110-112 ]

 عن معرفة الحقيقة:

﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[سورة النساء : 113 ]

 هذا هو الإسلام أيها الأخوة، هذا هو الدين، الدين عدل، عبد الله بن رواحة أرسله النبي عليه الصلاة والسلام ليقيِّم تمر خيبر، أراد اليهود أن يغروه ببعض حلي نسائهم، كي يبتعد عن الإنصاف في التقدير، فقال هذا الصحابي: واللهِ جئتكم من عند أحب الخلق إليّ، من عند رسول الله، و لأنتم عندي أبغض من القردة و الخنازير واللهِ جئتكم من عند أحب الخلق إليّ، من عند رسول الله، و لأنتم عندي أبغض من القردة و الخنازير، ومع ذلك لن أحيف عليكم، ومع ذلك لن أحيف عليكم، فقال اليهود: بهذا قامت السموات والأرض، وبهذا غلبتمونا.

 

على الإنسان معاملة الناس جميعاً وفق مبادئ العدل حتى يستحق نصر الله :

 واللهِ أيها الأخوة الكافر العادل أقرب إلى الله من المسلم الظالم، وإن الله ينصر الدولة العادلة الكافرة على الدولة المسلمة الظالمة، و الدنيا تستقيم بالكفر والعدل، ولا تستقيم بالإيمان و الظلم، أنصف الناس من نفسك، أنصف زوجك، أنصف أولادك، أنصف موظفيك، لا تستغل قوتك لتأخذ ما ليس لك، لا ترم بريئاً بتهمة هو بريء منها، لا تفعل شيئاً لا يرضي الله، تأكد أن كل عباداتك الشعائرية عندئذٍ واللهِ لا قيمة لها عند الله، ألم يقل النبي عليه الصلاة و السلام يسأل أصحابه:

((أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ قَالُوا الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ فَقَالَ إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))

[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

 هذا هو المفلس، إن فلانة تذكر أنها تكثر من صلاتها وصيامها وصدقاتها، غير أنها تؤذي جيرانها بلسانها، قال: هي في النار، الإنصاف، الإنصاف، العدل، العدل، لا تقل: أنا لست قاضياً، أنت قاض شئت أم أبيت، أنت قاض كل ساعة، بين أولادك، بين إخوانك، بين زوجة ابنك و بين ابنتك، أنت قاض، حينما تدلي برأي فأنت قاض، حينما تبتسم لجهة وتتجهم لجهة فأنت قاض، عدل ساعة يعدل عند الله عبادةَ ثمانين عاماً، الله هو العدل، ولن ينصرنا الله عز وجل إلا إذا عدلنا:

﴿فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾

[ سورة فصلت : 34 ]

 في إعطاء الحقوق:

﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾

[ سورة المائدة : 8]

 لا تقل: هذا عدوٌّ ينبغي أن آخذ ماله، لا تقل: هذا ليس من جماعتنا، هذا ليس من بلدتنا، هذا ليس من أسرتنا، يجب أن تعامل الناس جميعاً وفق مبادئ العدل حتى نستحق نصر الله عز وجل.

 

من أنصف عدوه تشبع بروح العدل :

 أيها الأخوة الكرام، إن إنصاف المرء أخوه في النسب أو في الدين أمر معقول جداً، و تألفه الطباع السليمة، والفطر النقية، أما أن تنصف الطرف الآخر، أما أن تنصف عدواً، أما أن تبرئ ساحته مع أنه يخالفك في الدين، فهذا لا يستطيعه إلا من تربّى على مادة الإسلام، وتشبّع بروح العدل.
 واللهِ سمعت قصة جرت في جدة لا أشبع من روايتها، رجل من أهل مكة يقود مركبة فيما بين جدة ومكة، في طريق فرعي ظهرت سيارة شحن صغيرة، لما ظهرت خفف سرعته، فلما رآه واقفاً لا يتحرك عاد إلى سرعته القصوى، بعد أن انطلق بأعلى سرعة هجم صاحب هذه السيارة الصغيرة فارتطم بها، و مات ثلاثة أشخاص، الزوجة والدان، وفي أيام الحج الدية مئتا ألف ريال، فالثلاثة ستمئة ألف، المجموع عشرة ملايين ليرة، ترتبت على هذا السائق، فلما جاءه رجال الأمن ليحققوا قال صاحب المركبة الصغيرة: واللهِ الحقّ عليّ، بهذه الكلمة خسر عشرة ملايين ليرة، هذا هو الإنصاف، هل تنصف؟ هل تقول: هذا ليس لي، هذا لفلان، هل تنصف بالمعنويات كما تنصف في المادِّيات؟ والله هذا العمل لي سهم بسيط فيه، هناك من يوهم الناس أن كل هذه الأعمال العظيمة له، هو فعلها؟ لا، أنصف الناس من نفسك، قل: أنا لي دور لكن ليس لي كل الدور، هناك من عاونني، هناك من ساعدني، حينما تنصف الناس من نفسك تعلو في نظر الناس.
 أيها الأخوة الكرام، هذا هو العدل، و ابدأ بنفسك، دعك من الأمور الكبيرة، ابدأ بنفسك، كن منصفاً بين أولادك، فعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا فَقَالَ أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ قَالَ لَا قَالَ فَارْجِعْهُ ))

[البخاري عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]

 وفي رواية أحمد:

((قَالَ فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))

 ما بال معظم المسلمين لا يعاملون بناتهم كما يعاملون أبناءهم؟ لماذا يحصرون المال في الذكور فقط و قد خالفوا منهج الله عز وجل؟ وإن الرجل ليعبد الله ستين عاماً ثم يضارّ في الوصية فتجب له النار، لماذا ؟.

 

اقتران العدل بين المسلمين بنصر الله عز وجل :

 أيها الأخوة الكرام، الإنصَافَ الإنصافَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَبْنَاءِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ آبَائِهِمْ دِنْيَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[أبو داود عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ]

 قال عمر: " والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها يوم القيامة، لِم لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟"، وقال أيضًا لأحد عمّاله: "ما تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، قال: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك أيها الوالي، إن الله قد استخلفنا على خلقه لنسد جوعتهم، و نستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، إنْ وفّيْنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية "، ابتعدوا قدر ما تريدون عن الأمور الكبيرة، فيما بين المسلمين، فيما بين الأخوة في البيت الواحد، فيما بين الشريكين في المؤسسة الواحدة، فيما بين الأقرباء، هؤلاء الموظفون الذين عندك قد تحابي بعضهم و لا تحابي بعضهم الآخر، أنت لست عادلاً، لو أن هذه البنية التحتية كما يقولون صلحت لصلح كل شيء، أدِّ الذي عليك، و اطلب من الله الذي لك.
 أيها الأخوة الكرام عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((أَلَا مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهِدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ فَقَدْ أَخْفَرَ بِذِمَّةِ اللَّهِ فَلَا يُرَحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا ))

[ الترمذي عن أبي هريرة]

 لما فتح الفرنجة القدس ذبحوا سبعين ألفاً في ليلتين، فلما فتح صلاح الدين القدس جاءته امرأة من أهل القدس فقدت ابنها، فوقف و لم يجلس حتى أعادوا له ابنها، هذا هو العدل، و أنت كمسلم مقيد بالعدل، لا تقلد الطرف الآخر، أنت مقيد بمنهج، الإيمان قيد الفتك، و لا يفتك مؤمن، يجب أن يشيع العدل بين المسلمين، بين الأسر، بين الأولاد، في الميراث، في الوصية، في التوزيع، بين الموظفين، إن لم نكن عادلين لا نستحق أن يتنزل علينا نصر الله عز وجل.
 أيها الأخوة الكرام، قال الحافظ بن عبد البر: "المؤمن وإنْ أبغض في الله لا يحمله بغضه على ظلم مَن أبغضه"، سأل أحدهم عمر بن الخطاب عملاق الإسلام، قال: "أتحبني؟ قال: لا والله لا أحبك، قال: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله، قال: إذًا إنما يأسف على الحب النساء "، لا أحبك، و ينبغي أن تأخذ حقك، يقول الله عز وجل:

﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾

[ سورة النساء : 135]

 تروي القصص أن يهودياً جاء يشتكي على سيدنا عليّ أمام عمر بن الخطاب، وكان قاضيًا، قال: قم يا أبا الحسن، فقف بجانب الرجل، ليستويا، فلما حكم، تغير وجه سيدنا علي، قال عمر: يا أبا الحسن هل وجدتَ عليّ؟ قال: نعم، قال: ولِم، ماذا فعلت؟ قال: لِم قلت لي: يا أبا الحسن، ولم تقل لي: يا علي، فضلتني عليه بالكنية.

 

مبادئ الإنصاف :

1 ـ الانتباه إلى المقاصد :

 أيها الأخوة الكرام، هذه بعض المبادئ التي تعيننا على أن ننصف، المبدأ الأول أن ننتبه إلى المقاصد، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك]

 فهذا الأعرابي نطق بالكفر، و لكن ما كل مَن وقع في الكفر وقع عليه الكفر، ليس هذا مقصده، إذًا أنت حينما تعيش بين مؤمنين، و حينما ترى خطأ أو كلمة في غير محلها ابحث عن قصد قائلها، لعله ما أراد أن يسيء، اغفر له ذلك، فحينما تكون مع القصد و مع النية قد تسامح من حولك، أما حينما تكون قناصاً تأخذهم بكلمة ما أرادوا معناها، وما أرادوا أبعادها، فأنت لم تنصفهم، لأن نية العمل جزء منه.

 

2 ـ التحقق بالتثبت :

 شيء آخر، من عوامل الإنصاف أن تكون متحققاً متثبِّتاً، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾

[سورة الحجرات : 6 ]

 لأَنْ تخطئ في العفو أفضل ألف مرة مِن أن تخطئ في الاتهام، هل عندك الأدلة الكافية؟

﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾

[سورة الحجرات: 12]

 ليس هناك دليل، كيف تهدر كرامة أخيك؟ كيف تتهمه بسوء الائتمان و ليس عندك دليل؟ قال الحسن البصري: المؤمن وقّاف حتى يتبين .
 قال تعالى:

﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾

[ سورة النمل : 27]

 تحقق، تريّث، تأنّ، لأَنْ تخطئ في التريث أفضل ألف مرة من أن تخطئ في الاتهام، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِناً﴾

[سورة النساء : 94 ]

 توزيع التهم بسرعة و بكثافة و براحة، وأنت المنزَّه، وأنت المعصوم، وأنت الفهيم، والناس كلهم حولك يخطئون، هذا خطأ كبير.

 

3 ـ حمل الكلام على أحسن الوجوه :

 أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن تحمل الكلام على أحسن الوجوه، أي لو أن واحداً قال: وأنا لا أقره على ذلك أبداً، لله رجال إذا أرادوا أراد، هذا الكلام إن قصدت به أنّ هؤلاء الرجال لهم إرادة مستقلة عن إرادة الله فهذا شرك كبير، أما إن أردت أن تقول: لله رجال هم مستجابو الدعوة، هذا شيء آخر، لكن لا تدخل في مثل هذه العبارات التي تجلب مشكلاتٍ كثيرة، بل ينبغي إنْ سمعت من إنسان مثل هذه العبارة فلعله أراد أنهم مستجابو الدعاء، التمس له عذراً، نبهه، اجعل بينك و بينه نصيحة، هذه العبارة إذا قلتها توهم العامة أن لهؤلاء الرجال إرادة مستقلة عن إرادة الله، هذه لا تماثل، وَقَالَ عَلِيٌّ:

((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ))

[ البخاري عن علي ]

 هناك كلمات هي حق، و لكن إذا قيلت في وقت معين، و في مناسبة معينة، وفي ظرف معين أعطت معنى آخر لا يرضي الله عز وجل، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ:

((رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ وَيَقُولُ مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ مَالِهِ وَدَمِهِ وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا ))

[ ابن ماجه عن عبد الله بن عمر]

 هكذا، أحسِن الظن بإخوانك، التمس لهم الأعذار، احمل كلماتهم على مقاصد شريفة، وقد جاء في بعض أقوال الصحب الكرام: "ضع أمر أخيك على أحسنه، ما لم يأتك ما يغلبك، و لا تظنَّنَّ بكلمة خرجت من امرئ مسلم شراً، وأنت تجد لها في الخير محملاً "، حاول أن تبحث عن قصد شريف لهذه الكلمة.

 

4 ـ عدم نشر سيئات الإنسان و تجاهل حسناته :

 أيها الأخوة الكرام، من التوجيهات النبوية ألاّ تنشر سيئات إنسان و أن تتجاهل حسناته، كان عليه الصلاة والسلام يدعو و يقول:

((تعوذوا بالله من ثلاث فواقر: تعوذوا بالله من مجاورة جار السوء، إن رأى خيراً كتمه وإن رأى شراً أذاعه، وتعوذوا بالله من زوجة سوء، إن دخلت عليها لسنتك، وإن غبت عنها خانتك، وتعوذوا بالله من إمام سوء، إن أحسنت لم يقبل، وإن أسأت لم يغفر))

[ البيهقي عن أبي هريرة ]

 يا أيها الأخوة الكرام، ما من عمل مجمع على أنه خيانة عظمى كأن تكتب إلى الأعداء رسالة تخبرهم فيها عن أسرار أمة الإسلام، حاطب بن بلتعة، مِن أصحاب رسول الله، كتب إلى قريش رسالة قبل فتح مكة، قال لهم: إن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، جاء الوحي النبي عليه الصلاة و السلام فأخبره، فأرسل صحابيين، فأَتَيَا بكتاب من ضفيرة امرأة كانت في منتصف الطريق، ثم جاء بحاطب فقال: ما هذا يا حاطب وسيدنا عمر أمامه؟ فقال: يا رسول الله أتأذن لي أن أضرب عنق هذا المنافق؟ هذا عمل فيه خيانة عظمى، و في كل الأنظمة و المجتمعات صاحبه يُقتل، فقال النبي الكريم: " لا يا عمر، إنه شهد بدراً "، لم ينس النبي أنه كان مِن أهل بدر، قل لي يا حاطب لِمَ فعلت هذا؟ قال: واللهِ يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، لكني لستُ لصيقا في قريش، أردت بهذا الكتاب و أنا موقن بانتصارك أن يكون لي عندهم يد أحمي بها أهلي ومالي، فاغفر لي ذلك يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام: " إني صدقته فصدقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيرا "، ما هذا؟ هذه أخلاق النبوة، وأصبح حاطب من أقرب الصحابة إلى النبي الكريم، وقد كلفه مهمات كبيرة بعد هذا، لذلك لا تنس فضل الآخرين، إن تحدثت عن سيئاتهم فلا تنس فضلهم، إن تحدثت عن سلبياتهم فلا تنس إيجابياتهم.
 يأتي أحدهم من بلاد الغرب فيمدحهم، ويمدح بلادهم إلى درجة أن المستمعين لا يرون في الحياة مغنماً أعظم من أن يُسمح لهم بالسفر إلى هناك، ألم تر سيئاتهم؟ ألم تر إباحيتهم؟ ألم تر تفكك الأسرة عندهم؟ ألم تر شيوع المخدرات؟ ألم تر عقوق الأبناء؟ ألم تر ظلمهم لغير الشعوب؟ فلستَ منصفاً لو تحدثت عن ميزاتهم وأغفلت سيئاتهم.

 

الابتعاد عن المجادلة العقيمة :


 شيء آخر، إن أردت أن تنتقد ينبغي أن تنتقد موضوعاً لا شخصاً، كان عليه الصلاة و السلام يصعد المنبر و يقول: ما بال أقوام يفعلون كذا و كذا، ليس الشخص هو المعنيّ، المعنيّ الخطأ، فالنبي لا يسكت عن الخطأ، لكن ليس بالضرورة أن يفضح صاحبه، ما بال أقوام يفعلون كذا و كذا، ثم المجادَلَةُ العقيمة، والمجادلة العقيمة لا تليق بالمؤمن، قال عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللَّهِ الْأَلَدُّ الْخَصِمُ))

[البخاري عَنْ عَائِشَةَ]

 قال أحدُ العلماء الأفذاذ: "ما ناقشتُ عالماً إلا غلبته، ولا ناقشني جاهل إلا غلبني"، ابتعد عن المجادلة التي تفضي إلى العداوة، ابتعد عنها، يقول ابن عباس رضي الله عنهما: " لا تمار أخاك فإن المراء لا تُفهَم حكمته، و لا تُؤمَن غالته "، و قال مالك بن أنس: " المراء يعيي القلوب، و يورث الضغائن"

 

حمل كلام المخالف على ظاهره دون الخوض في نواياه :

 شيء آخر، ينبغي أن تحمل كلام المخالف لك على ظاهره، دون أنْ تخوض في نواياه، و قد علَّمنا النبي ذلك، عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ..

((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بَعْثًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَإِنَّهُمْ الْتَقَوْا فَكَانَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إِذَا شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ، وَإِنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ غَفْلَتَهُ قَالَ: وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَتَلَهُ فَجَاءَ الْبَشِيرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ فَأَخْبَرَهُ حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنَعَ فَدَعَاهُ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لِمَ قَتَلْتَهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ وَقَتَلَ فُلَانًا وَفُلَانًا وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَتَلْتَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَغْفِرْ لِي قَالَ وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ فَجَعَلَ لَا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))

[ مسلم عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ]

 اقبلها منه.

 

معاملة الناس بالعدل و الإحسان :

 شيء آخر أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة و السلام قبيل وفاته جمع أصحابه وقال: من كنت جلدت له ظهراً فهذا ظهري فَلْيَقْتَدْ منه، ومن كنت أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي، ولا يخشى الشحناء فإنها ليست من شأني و لا من طبيعتي، هل عندك القدرة إن كنت قوياً و قد ظلمت من هو دونك أن تقول له: تعال اقتدْ مني، خذ حظك مني، تروي الروايات أن النبي عليه الصلاة و السلام في غزوة بدر كان يسوي الصفوف، فرأى صحابياً اسمه سواد بن غزية بارزاً على نسق الصف، فدفعه بقِدح في بطنه، وقال: اسْتَوِ يا سواد، فيقول هذا الصحابي: أوجعتني يا رسول الله، فأقدني، أريد أن آخذ حقي، فكشف النبي عن بطنه وهو يقول: اسْتَقِدْ يا سواد، فيلتزم بطن النبي و يقبِّله، إلى هذا المستوى أوجعتني، أقدني يا رسول الله، هكذا علّمنا النبي عليه الصلاة و السلام.
 وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:

((جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ لَهُ أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلَّا قَضَيْتَنِي فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ وَقَالُوا وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ قَالَ إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلَّا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ فَقَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَقْرَضَتْهُ فَقَضَى الْأَعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ فَقَالَ أَوْفَيْتَ أَوْفَى اللَّهُ لَكَ فَقَالَ أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ إِنَّهُ لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ ))

[ ابن ماجه وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ]

 إنه لا قُدّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع.
 أيها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة و السلام:

((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ ))

[ البخاري عَنْ أَنَسٍ]

 وقد ورد في شرح هذا الحديث أن الأخوة هنا بأوسع معانيها، الأخ في الإنسانية، لذلك إن رأيت معاملة راقية جداً من بعض الدول لشعوبها لأنهم يقيمون مجدهم على أنقاض شعوب أخرى، هذه لا قيمة لها إطلاقاً، إنها نظرة عنصرية ضيقة، البطولة أن تكون إنسانياً، ألاّ تعامل أي إنسان في الأرض إلا بالعدل و الإحسان.

 

المعاملة في الإسلام :

 أحد أصحاب النبي لقي أبا ذر رضي الله عنه وعليه حلة، و على غلامه حلة مثله تماماً، فقال هذا الصحابي الجليل: إن النبي عليه الصلاة و السلام قال لي: " إنهم إخوانكم، خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، و يلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم "، هكذا يعامل الخادم، ألبسوهم مما تلبسون، أطعموهم مما تطعمون، لا تكلفوهم ما لا يطيقون، وإن كلفتموهم فأعينوهم، النهار لكم، والليل لهم، هذه معاملة الإسلام. و عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ :

((أَنَّ مَاعِزَ بْنَ مَالِكٍ الْأَسْلَمِيَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: إِنِّي قَدْ ظَلَمْتُ نَفْسِي وَزَنَيْتُ وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ تُطَهِّرَنِي، فَرَدَّهُ فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَاهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَرَدَّهُ الثَّانِيَةَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ أَتَعْلَمُونَ بِعَقْلِهِ بَأْسًا تُنْكِرُونَ مِنْهُ شَيْئًا؟ فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُهُ إِلَّا وَفِيَّ الْعَقْلِ مِنْ صَالِحِينَا فِيمَا نُرَى فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا بِعَقْلِهِ، فَلَمَّا كَانَ الرَّابِعَةَ حَفَرَ لَهُ حُفْرَةً ثُمَّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ قَالَ: فَجَاءَتْ الْغَامِدِيَّةُ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي وَإِنَّهُ رَدَّهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تَرُدُّنِي لَعَلَّكَ أَنْ تَرُدَّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى قَالَ: إِمَّا لَا فَاذْهَبِي حَتَّى تَلِدِي، فَلَمَّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ: هَذَا قَدْ وَلَدْتُهُ، قَالَ: اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتَّى تَفْطِمِيهِ فَلَمَّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ: هَذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ فَطَمْتُهُ وَقَدْ أَكَلَ الطَّعَامَ فَدَفَعَ الصَّبِيَّ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إِلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النَّاسَ فَرَجَمُوهَا فَيُقْبِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَتَنَضَّحَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِ خَالِدٍ فَسَبَّهَا فَسَمِعَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَّهُ إِيَّاهَا فَقَالَ: مَهْلًا يَا خَالِدُ فَو َالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ ))

[مسلم عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ]

 أنصِفْ هذه الزانية، ولا تسبَّها. وعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ:

((أَنَّ رَجُلًا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ اسْمُهُ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ يُلَقَّبُ حِمَارًا وَكَانَ يُضْحِكُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ جَلَدَهُ فِي الشَّرَابِ فَأُتِيَ بِهِ يَوْمًا فَأَمَرَ بِهِ فَجُلِدَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ الْعَنْهُ مَا أَكْثَرَ مَا يُؤْتَى بِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَلْعَنُوهُ فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ))

[البخاري عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

 ما هذا الإنصاف؟ هذا ما نفتقده الآن أيها الأخوة، يطعن بعضنا في بعض، نتهم بعضنا بعضاً، نسفِّه بعضنا بعضاً، لا يرحم بعضنا بعضاً، لا نرحم زوجاتنا، لا نرحم أولادنا، مثل هذه الأخلاق تستحق أن يتخلى الله عنا.

 

من جمع الإنصاف من نفسه و بذل السلام للعالم والإنفاق من الإقتار فقد جمع الإيمان :

 أيها الأخوة الكرام، ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان؛ الإنصاف من نفسه، و بذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار، وقد جاء في بعض الآثار:" ابن آدم ما أنصفتني، أخلقك و تعبد غيري، وأرزقك و تشكر سواي."
 أيها الأخوة الكرام، الإنصاف الإنصافَ، أنصف حيواناً، لا تذبحه أمام حيوان آخر، هلاّ حجبتها عن أختها، أتريد أن تميتها مرتين؟ أنصف حيوانًا مؤذياً اقتله بضربة واحدة، فلا تعذبه، و لو كان عقرباً، ولو كان أفعى لا تعذبها، أنصفها، اقتلها و قد سمح الله لك أن تقتلها دون أن تعذبها:

﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾

[سورة الأنعام : 81 -82 ]

ذكر محاسن الرجل أولاً ثم سلبياته :

 سُئِل الإمام الشافعي أيها الأخوة عن الإمام أحمد، فماذا قال؟ قال:" ما أعلم أحداً أورع، ولا أتقى، ولا أفقه، ولا أعلم من أحمد بن حنبل"، هل يقول الناسُ عن بعضهم بعضاً مثلَ هذا الكلام؟ أبداً، بل إنّ الرجلَ ليزكِّي نفسَه وحده، ومن سواه في ضلال مبين.
 وقال بعضهم: " ظلمٌ لأخيك أن تذكر منه أسوأ ما رأيت، و أن تكتم خيره"، سئل بعض علماء الحديث الكبار عن ترجمة أحدهم، فقال: " كان من أوعية العلم، ومما يضرب به المثل في قوة الحفظ، وهو حجة بالإجماع، وإنه مدلس "، متى قال: مدلس؟ بعد أن ذكر إيجابياته، و قال بعضهم: " مَن تلَبَّس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، واللهُ حكم عدل لطيف بعباده، لا يُسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعُلم تحريه للحق، واتسع علمه، و ظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه يغفر له زلله ".
 نقول: هذه بدعة، لكن هذه البدعة التي زلت قدمه بها لا يمكن أن تهدر كرامته كلها، لا نضلله ونطرحه و ننسى محاسنه، كما أننا لا نقتدي به، فرائع جداً أن تذكر للرجل ما له و ما عليه، أن تذكر إيجابياته، وأن تذكر سلبياته، أن تذكر سلبياته لئلا يُتبع فيها، لئلا يعتقد بها.
 أيها الأخوة الكرام، الإنصاف الإنصافَ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، فيا فوز المستغفرين، أستغفر الله.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018