الخطبة : 0810 - من صفات الربانيين 2 - الربانييون هم أهل الآخرة - الغدة النخامية . - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0810 - من صفات الربانيين 2 - الربانييون هم أهل الآخرة - الغدة النخامية .


2001-10-26

الخطبة الأولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا برُبوبيَّته، وإرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر، ما اتَّصَلَت عين بنظر، أو سمعت أذنٌ بِخَبر، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللّهمّ لا علم لنا إلا ما علّمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علّمتنا، وزدْنا علمًا، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

تتمة صفات الرّباني :

1 ـ التحلي بخلق يتناسب مع علمه :

 أيها الأخوة الكرام، بدأت في الجمعة المنصرمة الحديث عن معنى قوله تعالى:

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

[سورة آل عمران : 79]

 فالله جل جلاله يأمرنا أن نكون ربّانيّين، أي منتسبون إلى الربّ، في كل شؤوننا، في كل حركاتنا وسكناتنا، في كل ما نعتقده، في كل ما نقوله، في كل ما نحبه، و ذكرت في الخطبة السابقة أن من صفات الربَّانيِّ العلم، وأن من صفات الربَّانيِّ العمل، وأن من صفات الربانيِّ الإخلاص، ووعدت أن أتابع هذا الموضوع في خطبتين قادمتين إن شاء الله تعالى.
 أيها الأخوة الكرام، ومن صفات الربَّانيِّ أن يتحلّى بخلق يتناسب مع علمه، فكان عليه الصلاة والسلام يتسم بالسمت و الوقار غير المتكلف، تكلف الوقار مرفوض عند معظم الناس، كان عليه الصلاة والسلام يتسم بالسمت و الوقار من دون تكلف، فهو قدوة لنا ـ و الشيء الذي أؤكده دائماً أن معرفة سيرة النبي فرض عين على كل مسلم، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾

[سورة الأحزاب : 21]

 كيف يكون النبي أسوة حسنة إن لم نعرف دقائق حياته و تفاصيل سيرته؟ فكان عليه الصلاة و السلام له من الهيبة والوقار في نفوس أصحابه الشيء العظيم، حتى إنه سها يوماً من الأيام في صلاته كما جاء في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:

((صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا قَالَ: فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ إِلَى خَشَبَةٍ مَعْرُوضَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَاتَّكَأَ عَلَيْهَا كَأَنَّه غَضْبَانُ وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى الْيُسْرَى وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَوَضَعَ خَدَّهُ الْأَيْمَنَ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ الْيُسْرَى وَخَرَجَتْ السَّرَعَانُ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالُوا قَصُرَتْ الصَّلَاةُ وَفِي الْقَوْمِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَهَابَا أَنْ يُكَلِّمَاهُ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ فِي يَدَيْهِ طُولٌ يُقَالُ لَهُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَسِيتَ أَمْ قَصُرَتْ الصَّلَاةُ قَالَ لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تُقْصَرْ فَقَالَ أَكَمَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ فَقَالُوا نَعَمْ فَتَقَدَّمَ فَصَلَّى مَا تَرَكَ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ثُمَّ كَبَّرَ وَسَجَدَ مِثْلَ سُجُودِهِ أَوْ أَطْوَلَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَكَبَّرَ ثُمَّ سَلَّمَ))

[متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]

 هذا الذي يوصف بأنه ربَّانيّ هو مع الناس، لكن يترفع عن سقطاتهم، هو في برج عاجيٍّ أخلاقي، لا في برج عاجي فكري، فهو يتسم بالسمت و الوقار من دون تكلف.

 

2 ـ يخالق الناس بخلق حسن :

 أيها الأخوة الكرام، ومن صفات الرباني أنه يخالق الناس بالحسنى، أي من خالط الناس و صبر على أذاهم خير ممن لم يخالطهم و لم يصبر على أذاهم، كيف يتعلم الناس من هذا الرباني الآداب؟ كيف يتعلم الناس من هذا الرباني العلم؟ كيف يتعلم الناس مِن هذا الرباني الحكمة؟ لا بد أن يكون معهم، فهذا الذي يترفع كلياً عن أن يلتقي بالناس، و عن أن يخالطهم فقدْ خالف منهج النبي عليه الصلاة والسلام، بل إن الأنبياء العظام وهم قمم البشر كانوا يمشون في الأسواق، ويخالطون الناس ليقفوا على مشكلاتهم.

قواعد مخالطة الناس :

 أيها الأخوة الكرام، مخالطة الناس ينبغي أن تكون وفق قواعد، أقول هذا الكلام لكل أخ مؤمن صادق، إن خالطت أناساً، واستطاعوا أن يجرُّوك إلى ما هم فيه فابتعد عنهم، عندئذ تكون العزلة خيراً من المخالطة، أما إن خالطتهم، واستطعت أن تؤثر فيهم، و أن تأخذ بيدهم إلى الله، وأن تغير من سلوكهم، وأن تصحح من معتقداتهم، فينبغي حينئذٍ أن تخالطهم، كأنني بهذا أشبِّه هذا القانون بلعبة شدّ الحبل، إن أمكنك أن تشدّهم إليك فخالطهم، وإن كنت أضعفَ من أن تشدهم إليك فاعتزلهم، فبين العزلة والمخالطة ميزان دقيق جداً.
 أيها الأخوة الكرام، هناك من إذا خالطته كان كالغذاء، وهناك من إذا خالطته كان كالدواء، وهناك من إذا خالطته كان كالداء، وهناك من إذا خالطته كان كالداء العضال، ضيع عليك دينك و دنياك.
 فيا أيها الأخوة، يقول الله عز وجل:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾

[ سورة التوبة: 119]

 فالبيئة لها أثر كبير، الخلطة لها أثر كبير، مَن أصحابك؟ مع من تسهر؟ مع من تتنزّه؟ مع من تلتقي؟ مع من تنبسط؟ مع من تحب؟ هؤلاء الأصحاب لهم خطر كبير في تغيير سلوكك و اتجاهك، فينبغي أن تخالط من كان لك كالغذاء، و قد تخالط من كان لك كالدواء، أمّا أن تخالط من ضيّع عليك بعض دينك فهذه مخالطة محرمة، أمّا أن تخالط من ضيع عليك دنياك و أخراك فهذه مخالطة مدمّرة.

 

الولي من آمن بالله و اتقى أن يعصيه :

 أيها الأخوة الكرام، العالم الربّانيّ و كل واحد منكم ينبغي أن يكون ربّانيًّا، ليس في هذا الدين العظيم طبقة اسمها رجال الدين، إن الله جل جلاله حينما عرّف أولياء الله فقال:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾

[ سورة يونس : 62-63]

 فكل مؤمن آمن بالله الإيمان الحق، واتّقى أن يعصيه فهو عند الله وليٌّ، و كل واحد منكم و أنا معكم ينبغي أن يكون وليًّا لله، و كل واحد منكم و أنا معكم ينبغي أن يكون ربّانيًّا، الخير يجب أن يعمّ الناس جميعاً، و كل واحد منكم و أنا معكم ينبغي أن يكون داعية إلى الله، في حدود ما يعلم، و في حدود من يعرف، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ))

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

 هذه السكونية في حياة المؤمنين سكونية مدمرة، لا يفعل شيئاً، لا يتحرك، لا يتكلم، لا ينبس ببنت شفة، لكنه مسلم، و يصلي، فماذا قدّمت؟ استقامتك عادت عليك بالراحة، أرحت نفسك من مصائب لا تُعدُّ ولا تُحصى، و لكن ماذا قدمت لله؟ لو أن الله أوقفك بين يديه، وقال لك: عبدي ماذا فعلت من أجلي؟ ماذا تركت؟ استعجلت الراحة لنفسك، غضضت بصرك، فكان الوفاق الزوجي، ضبطت لسانك، فكنت محمود السيرة عند الناس، مستحيل بعد أن تفعل ما تفعل وألا تأخذ الذي لك، فأنت تدخل مع إنسان في متاهة وخصومة، أنت حينما تستقيم تعجّلت الراحة لقلبك، و لكن حينما تعمل عملاً صالحاً، حينما تبذل فقد عملتَ لنفسك فقط، اسأل أحدهم يقول لك: أنا لا أكذب، لا أغتاب، لا أظلم، كل الاستقامة مبدوءة بلا، أو بما، لأنها ترك، لكن آن الأوان أن نقول: ماذا فعلت؟ هل حملت هموم المسلمين؟ ماذا قدّمت لآخرتك؟ ماذا قدمت بين يدي الله يوم القيامة؟ فلقد عُمرت عمراً مديداً، قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِير﴾

[سورة فاطر : 37]

تعريف النذير :

 قال القرطبي: النذير هو القرآن الكريم، و النذير هو كلام النبي عليه الصلاة و السلام، و النذير هو سن الأربعين، ومن دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، و النذير سن الستين، والنذير الشيب، وجاء في بعض الآثار: أنْ عبدي كبرت سنك، وانحنى ظهرك، وضعف بصرك، و شاب شعرك فاستح مني، فأنا أستحيي منك .

إلى متى أنت باللذات مشغولُ  وأنت عن كل ما قدّمت مسؤولُ
***

 قال تعالى:

﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِير﴾

[ سورة فاطر : 37]

 ثم إن المصائب هي النذير، ثم إن موت الأقارب هو النذير، ثم إن الأحداث التي تجري الآن في كل بقاع الأرض نوع من النذير، أنتم أيها المسلمون محسوبون على الله، و معظم المسلمين ليسوا كما يريد الله عز وجل، فإما أن تصحوا، وإما أن تلتفتوا، وإما أن تلتزموا، وإما أن تستقيموا، وإلا فهناك شدة لا يعلمها إلا الله.

 

حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

 أيها الأخوة الكرام، هذا الانسحاب من الحياة، هذا الانسحاب من العمل، هذه القوقعة، هذه ليست من صفات الرباني، الرباني يتحرك، يلقي كلمة، يتكلم بالمعروف، ينهى عن المنكر، يساعد، يواسي، يؤدب أولاده، لا بد من حركة.
 وأنا أقول دائما أيها الأخوة: ما إن تستقر حقيقة الإيمان في نفس المؤمن حتى تعبِّر عن ذاتها بحركة نحو الخلق، مؤمن لا يتحرك أبداً، لا يؤمن إلا بمصالحه، لا يفعل شيئاً إلا بأجر، أين العمل الصالح؟ أين قوله تعالى:

﴿وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

[سورة فاطر : 10]

 أين قوله تعالى:

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

[سورة الأحقاف : 19]

 أين المقولة: حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .
 ماذا تفعل بقوله تعالى حين يأتيك ملَك الموت واللهُ سبحانه وتعالى يقول:

﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ﴾

[ سورة المؤمنون : 99 -100]

 مرة ثانية أيها الأخوة أقول: حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، وإنما هذا الذي يلتفت إلى شؤونه الخاصة، إلى بيته فقط، إلى أسرته فقط، ولا يفكر في خدمة أحد، ولا في تقديم شيء مادي أو معنوي، فهذا سكوني، ولن يكون الرباني سكونياً، افعل جهد المقِل، أنت عند الله معذور، يا رب هذا جهدي، هذا الذي أملكه، اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك.

 

3 ـ العمل و الحركة :

 أيها الأخوة الكرام، من نتائج هذه السلبية وهذا التقوقع وهذا الانسحاب من الحياة أن الساحة أصبحت فارغة للطرف الآخر، يلقِّنون مبادئهم وعقائدهم و قيمهم و انحرافاتهم، العبرة ألاّ تخلو الساحةُ من حق يقال، ألاّ تخلو الساحة من عمل صالح يُعمل، أمّا أن ننسحب، وندع الساحة للطرف الآخر، عندئذ تضيق دوائر الحق، و تعلو عليها دوائر الباطل، عندئذ تقول فلا يسمع قولُك، إذا تُرك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر عندئذ لا يستجاب الدعاء، فصفات الرباني أيها الأخوة، أنه يتحرك، أنه يعمل، أنه يحمل همّ المسلمين، أنه يسهم بشكل أو بآخر.
 وهذا المثل الرائع، وهو قصة رمزية؛ سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة و السلام حينما أُلقي في النار، كما تروي القصص جاءته ضفدعٌ تملأ فمها بالماء، وتحاول إطفاء الحريق، وأن حيواناً آخر نفخ في الحريق، لعله يزيده اشتعالاً، فلا الأوّل استطاع أنْ يطفئ الحريق، ولا الثاني استطاع أن يزيد من تأجُّجِ النار، لكن كل واحد أخذ موقفاً، ولك موقف، لو لم تفلح في إصلاح المجتمع لكنّك أَدّيت الذي عليك، وبقي الذي لك عند الله.

4 ـ اعتزازه بالعلم :

 أيها الأخوة الكرام، الصفة الرابعة في هذه الخطبة من صفات الرباني أنه يعتزّ بهذا العلم.

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

[ سورة آل عمران : 79]

 ألا ترى أن الله عز وجل حينما قال:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء : 113]

 ألا تهزك هذه الآية؟ ما هو الفضل العظيم؟ أن يعلمك ما لم تكن تعلم، أي أن العلم و الحكمة من لوازم الربانيّ، قال تعالى:

﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾

[ سورة يوسف : 22 ]

 أيها الأخوة، مَن أوتي القرآن فظن أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقر ما عظّمه الله عز وجل، مقاييس القرآن لا علاقة لها بمقاييس الدنيا، مقاييس الدنيا بين الناس الغافلين، الناس يعظمون الأغنياء، يعظمون الأقوياء، الناس يعظمون مَن تُحَلُّ عندهم مصالحهم، و لو كانوا على الباطل، و لكن مقياس القرآن مقياسان لا ثالث لهما، قيمتان لا ثالثة لهما؛ قيمة العلم، و قيمة العمل.

﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾

[سورة الأحقاف : 19]

 و قيمة العلم:

﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾

[سورة الزمر : 9 ]

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾

[سورة المجادلة : 11]

 هذا العالم الجليل الذي قال: ماذا يصنع أعدائي بي؟ إنْ أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، و إن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ هذا العالم الجليل الذي قال: " في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة "، قال تعالى:

﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾

[سورة الرحمن : 46 ]

 أنت حينما تستقيم على أمر الله، و تنعقد لك صلة مع الله فأنت في جنة، هذه الجنة تنبع من الداخل، تنعكس طمأنينة، تنعكس سكينة، تنعكس حكمة، تنعكس حالاً طيبةً مع الله عز وجل.
 أحد العلماء أيها الأخوة قيل له: " افعل كذا مع السلطان، فقال: مساكين، أنتم في واد، و نحن في واد "، أي العلماء الربانيون كانوا من المكانة حيث إن بعض الملوك في العصور السابقة كان يقول: " واللهِ ما استقر ملكي حتى مات العز بن عبد السلام" قيل لأحدهم: بِم نلت هذه المكانة؟ فقال: باستغنائي عن دنيا الناس و حاجتهم إلى علمي.

 

الربانيون هم أهل الآخرة :

 قال تعالى:

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

[ سورة آل عمران : 79]

 أي منسوبون إلى الرب، الربانيون هم أهل الآخرة، قد يملكون الدنيا بمال أو غيره، و لكن هذه الدنيا عندهم لا قيمة لها إطلاقاً، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ))

[الترمذي عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

 و لأن الإنسان يخسرها في ثانية واحدة، لمجرد أن يقف قلبه خسر كل دنياه، والذي جمعه في عمر مديد يخسره في ثانية واحدة، قال الإمام الشافعي:

و من يذق الدنيا فإني طعمتها  و سيق إلينا عَذْبُها و عذابُها
فما هـي إلا جيفة مستحيلــــــــة  عليهــــــا كلاب همُّهُن اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سِلمًا لأهلها  و إن تجتذبها نازعتك كلابُـــها
***

 عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ:

((يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّوكَ))

[ابن ماجه عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ]

لا تسألنّ بَنَي آدم حاجـــــــةً  وسل الذي أبوابـــــُه لا تُحجَـب
الله يغضب إنْ تركت سؤاله  وبَنِي آدم حينما يُسأل يغضب
***

 أيها الأخوة الكرام:

و لو أنّ أهل العلم صانوه لصانهم  ولو عظّموه في النفوس لعُظِّموا
***

5 ـ نفسه عزيزة :

 هذا الرباني نفسه عزيزة:

(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))

[كنز العمال، عن ابن مسعود]

 صفة الرباني أنه عزيز النفس، ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير، فعَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ قَالَ يَتَعَرَّضُ مِنْ الْبَلَاءِ لِمَا لَا يُطِيقُ))

[ الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ]

6 ـ الحكمة :

 أيها الأخوة الكرام، ومن صفات الرباني الحكمة، قال تعالى:

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

[سورة آل عمران : 79]

 ابن عباس كما روى البخاري في صحيحه شرحاً لقوله تعالى:

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

[سورة آل عمران : 79]

 أي حكماء فقهاء .
 أيها الأخوة، من حكمة الرباني أنه لا يضع الحكمة في غير موضعها، لا يمنعها أهلها، و لا يعطيها لمن لا يعرفها، و قد قال تعالى:

﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ﴾

[ سورة الأعلى : 9 ]

 لذلك ليس من حكمة الرباني أن يلقي على العامة أموراً لا تعنيهم إطلاقاً، هناك من يلقي دقائق خصومة علمية بين اتجاهين على منبر، هذا الإنسان لا تعنيه هذه التفاصيل، و لا دقائق هذه الخصومة، لكن تعنيه الأمور الواضحة الجلية، التي تعرفه بالله عز وجل، الحكمة ضالة المؤمن، وقد قال الحكيم العليم:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[ سورة البقرة : 269 ]

 ثم إنك إذا حدّثت الناس بما لا يفهمون زلزلتهم، و أفسدت عليهم دينهم، وَقَالَ عَلِيٌّ:

((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ))

[البخاري عن علي ]

 حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ هكذا نُسب إلى الإمام علي كرم الله وجهه:

((حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ؟؟))

[البخاري عن علي ]

 أيها الأخوة الكرام، الحكمة لا تُكتسب، ولكنها تُعطى، بدليل قوله تعالى:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[ سورة البقرة : 269 ]

 لذلك من ثمار إيمانك أن الله يلهمك الحكمة، أنت بالحكمة تسعد ولو فقدت كل شيء، ومن دون الحكمة تشقى ولو ملكت كل شيء، أنت بالحكمة تقلب العدو صديقاً، وبالحمق تقلب الصديق عدواً، أنت بالحكمة تسعد بأية زوجة، ومِن دون حكمة تشقى بأعلى زوجة .

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[ سورة البقرة : 269 ]

 قد تكون قوياً و لست حكيماً، فقوتك تدمرك، و قد تكون غنياً ولست حكيمًا فمالك يهلكك، وقد تكون وسيماً ولست حكيماً، فوسامتك ترديك، و قد تكون ذكياً و لست حكيماً فذكاؤك يشقيك، لذلك هذه الآية تكتب عليها مجلدات:

﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾

[ سورة البقرة : 269 ]

7 ـ التواضع :

 أيها الأخوة الكرام، ومن صفات الرباني أنه يتواضع، يعرف قدر نفسه، لا ينتصر لنفسه، لا يؤذي غيره بقول أو فعل، لا يرد الحق إذا عرفه، و لا يشتغل بالناس.
 أيها الأخوة، الخصومة و اللجاج و المشاحنة ليست من صفات الرباني، فهو يصمت في موطن الصمت، و يتكلم بكلام فصل، أحد الأدباء وصف صديقه، قال: لي صديق كان من أعظم الناس في عيني، و كان رأس ما عظّمه في عيني صغر الدنيا في عينيه، فكان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً عن سلطان الجهل، فلا يتكلم بما لا يعلم، ولا يماري فيما علم، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا تكلم بزَّ القائلين، و كان يُرى ضعيفاً مستضعفاً، فإذا جدّ الجدّ فهو الليث عادياً، وكان لا يتكلم، ولا يدلي بحجة إلا إذا رأى قاضياً فهماً، و شهوداً عدولاً "، ألا ينبغي أن يُرى إيمانك في سلوكك؟ في سمتك الحسن؟ في تواضعك؟ في فهمك العميق؟ في نطقك السليم؟ في رؤيتك الواضحة؟ لعلك إذا ظننت أن أحداً يصلي ويصوم ملك الحكمة، قال له: " أتعرفه؟ فقال: نعم، قال: هل خالطته؟ قال: لا، قال: هل عاملته بالدرهم و الدينار؟ قال: لا، قال: هل سافرت معه؟ قال: لا، قال: أنت لا تعرفه .

8 ـ يتعلم و يعلم دائماً :

 أيها الأخوة، ومن صفات الرباني أنه يتعلم و يعلم دائماً.

﴿بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ ﴾

[سورة آل عمران : 79]

 العلم ليس له سقف، فقد تكون في مجلس متعلماً، و في مجلس ملقياً على الناس العلم، ومهما بلغت من علو المكانة فأنت مفتقر إلى العلم، لذلك قالوا:" تعلّموا قبل أن ترأسوا، فإن ترأستم فلن تعلموا "، المؤمن الصادق يطلب العلم من المهد إلى اللحد.
 كان الإمام أحمد يركض و نعلاه في يديه، في أحد شوارع بغداد، فقال له أحدهم: يا أبا عبد الله، إلى متى تركض؟ قال: إلى الموت، و قال بعضهم:" أنا مع المحبرة إلى المقبرة "، طلب العلم ينبغي أن يكون مستمراً، وفي قوله تعالى:

﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴾

[ سورة الحجر : 99]

 اليقين هو الموت، أي الرباني لا يستعلي بعلمه، يتعلم حتى من الصغير، يتعلم من أي إنسان، علامة أنك رباني أن تكون متواضعًا في علمك، متواضعًا في تعلمك، أما هذا الذي يستنكف أن يستمع إلى شريط، أو أن يقرأ كتاباً، فهو مستغنٍ عن كل الناس، فهذا ليس ربانياً.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه، و عمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني .

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

صفات الرباني مقياس لكل مسلم :

 أيها الأخوة، قبل أن أنتقل إلى الموضوع الثاني، هذه الصفات ما دورها في الحياة؟ الرباني يطلب العلم، والرباني يعمل به، والرباني يخلص في طلبه و العمل به، والرباني يتمتع بحكمة، يخالط الناس، يصبر على أذاهم، الرباني يتحرك لخدمة المسلمين.
 أيها الأخوة، هذه الصفات بشكل دقيق هي مقياس لنا، و هذه الصفات بشكل أدق هي هدف لنا جميعاً، كل صفةٍ قس بها نفسك، أين أنت منها؟ و كل صفة هدف جزئي من أهداف حياتك، فأنت حينما تتعلم ما صفات هذا الإنسان الرباني وقد أمر الله أن تكون ربّانياً، هذه الصفات مقاييس تقيس بها نفسك، و أهداف تسعى إليها.

الغدة النخامية :


 الموضوع العلمي ، أيها الأخوة الكرام، حينما قال الله عز وجل:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات : 21]

 مَن يصدِّق أنّ في جسم الإنسان غدة سماها العلماء ملكة الغدد، لأنها مسيطرة على كل الغدد، من يصدّق أن هذه الغدة وزنها نصف غرام، و أنها مرتبطة بالجسم بمئة و خمسين ألف عصب، أجلْ هذه الغدة التي وزنها نصف غرام مرتبطة بالجسم بمئة وخمسين ألف عصب، وأن هذه الغدة التي وزنها نصف غرام تفرز تسعة أنواع من الهرمونات، كل هرمون لو تعطل إفرازه لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، أحد هذه الهرمونات هرمون النمو، هذا الهرمون مؤلف من مئة وثمانية وتسعين حمضًا أمينيًا، و في كتاب ألّفه أحد العلماء سمّاه ( الله يتجلى في عصر العلم )، هذا الكتاب يؤكِّد أن ذرات الكون بأكمله لا تكفي لصنع ذرة حمض أميني صدفة، هذا الهرمون مؤلف من مئة و ثمانية و تسعين حمضًا أمينيًا، هذا الهرمون ينبغي أن يكون في كل لتر من الدم عشرة ميكروغرام منه، فإن قلّت هذه النسبة أصيب الإنسان بالتقزم، وإن ارتفعت أصيب بالتعملق، و كلاهما مرضان كبيران، فمن وجود عشرة ميكروغرام في كل لتر دم ينمو الإنسان نموًّا طبيعيا، و هذا الهرمون تفرزه الغدة النخامية.
 هرمون آخر تفرزه هذه الغدة النخامية و يتجه هذا الإفراز إلى الكظر، و قد ذكرت لكم كثيراً أن الإنسان إذا رأى شيئاً مخيفاً ينطبع هذا الشيء على شبكية العين إحساساً، ثم ينتقل إلى الدماغ إدراكاً، بحسب المفهومات التي كسبها الإنسان من تجاربه و دراساته، فحينما يدرك الدماغ - وهو مَلِك الجهاز العصبي - أن هناك خطراً كبيراً، هذا الدماغ يعطي أمراً أو التماساً إلى الغدة النخامية أن تواجه هذا الخطر، الغدة النخامية تعطي أمراً إلى الكظرين، وهما غدتان فوق الكليتين، الكظر مكلف بوضع خطة تفصيلية لمواجهة الخطر، أول هرمون يفرزه الكظر يتجه إلى القلب، فيرفع من نبضات قلبه، فالخائف لو قسنا نبضه لوجدناه فوق المئة و العشرين، فوق المئة و الخمسين، الهرمون الثاني يتجه من الكظر إلى الرئتين ليزداد وجبيهما، كي يتناسب وجيب الرئتين مع ضربات القلب، والهرمون الثالث يتجه إلى الأوعية المحيطية، الخائف يرتفع نبضه، وهو يلهث، و الخائف تجده مصفر اللون، وهذا الهرمون أمر الأوعية المحيطية أن تضيق لمعتها من أجل توفير الدم إلى العضلات، فالخائف تراه مصفراً، ثم إن الهرمون الرابع يتجه من الكظر إلى الكبد، ليطرح كمية سكر إضافية، لو فحصت دم الخائف لوجدتَ نسب السكر أعلى من معدلها الطبيعي، هرمون خامس يتجه من الكظر إلى الكبد ليطرح هرمون التجلط، لئلا يسيل دم الإنسان من ضربة واحدة، كل هذا يتم في ثوان، بأمر موحد من الغدة النخامية:

﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾

[ سورة الذاريات : 21]

 ثم إن هناك هرمون الجنس، لولا هذا الهرمون الذي تفرزه الغدة النخامية لما اتضحت المعالم الأساسية و الثانوية للذكر والأنثى.
 حدثني أخ يعمل في التجارة الخارجية، ذهب إلى ألمانيا، في أحد المعامل له مديرة مبيعات، يعرفها كثيراً، من زيارات سابقة، قال لي: وجدتها في شكل رجل، شعرٌ في وجهها، و خشونة في صوتها، فسألتها: ما الذي حدث؟ قالت: هناك هرمون تفرزه الغدة النخامية كفّ عن الإفراز، أنا أدفع نصف دخلي ثمنًا لدواء كي أثبت على هذه الحالة، مَن منا يعلم أن هذه الغدة التي وزنها نصف غرام تفرز هذه الهرمونات، هناك هرمون يلوِّن الجلد، تفرزه الغدة النخامية، الذي يحدد لون الجلد من أبيض، إلى أسمر، إلى أسود، وهناك هرمون توازن السوائل، لو تعطل هذا الهرمون لكانت حياة الإنسان تنَقُّلاً بين الصنبور ودورة المياه، وقد يشرب برميل ماء في اليوم، لكن هذا الهرمون تفرزه غدة توازن السوائل، كل هذه الوظائف التسع، وكل هذه التعقيدات، وكل هذه المعادلات تصدر من غدة هي ملكة الغدد، اسمها الغدة النخامية، وزنها نصف غرام، مربوطة بالجسم بمئة وخمسين ألف عصب .

﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

[سورة لقمان : 11]

 أنت حينما تستيقظ صباحا تتحرك، تأكل وتشرب، وترى وتسمع، تبصر، تمشي، وتطرح ما في المثانة من بول، أنت بهذا الوضع في معجزة، لأن كل الأجهزة تعمل بنظام، وبنسبٍ كلها دقيقة وطبيعية، فأيّ خلل يصيب هذه الأجهزة، أو أيّ خلل يصيب هذه الغدد الصماء تكون له انعكاسات وخيمة على الجسم، لذلك هذه الغدد الصماء من أعقد الاختصاصات الطبية الآن.

 

ضرورة التفكر في حياة كل إنسان :

 أيها الأخوة الكرام، التفكر في خلق السموات والأرض، وفي خلق الإنسان ضروري، وذو فائدة إيمانية كبيرة، قال الله عز وجل:

﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾

[ سورة فصلت : 53 ]

 هذا أوسعُ بابٍ تدخل منه على الله، وأقصر طريق إليه، لأنه يضعك وجهاً لوجه أمام عظمة الله عز وجل، وحينما تعرف الآمر ثم تعرف الأمر تتفانى في طاعة الآمر، و حينما تعرف الأمر و لا تعرف الآمر تتفنن في التفلت من أمره.

 

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن تولّيت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا و تعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك و نتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا و لا تحرمنا، أكرمنا و لا تهنّا، آثرنا و لا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اللهم إنا نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، اللهم كما أقررت أعين أهل الدنيا بدنياهم فأقرر أعيننا من رضوانك، اللهم صُن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، و نُبتلى بحمد من أعطى و ذم مَن منع، وأنت من فوقهم وليّ العطاء، و بيدك وحدك خزائن الأرض و السماء، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم بفضلك و رحمتك أعلِ كلمة الحق و الدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، اللهم خذ بيد ولاتهم إلى ما تحب و ترضى، اللهم من أراد بالإسلام و المسلمين خيراً فوفِّقه لكل خير، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر، واجعله عبرة لمن يعتبر، اللهم اجعل تدميره في تدبيره، واجعل الدائرة تدور عليهم يا رب العالمين، اللهم أرنا قدرتك في هزيمة الكفار و المنافقين، يا رب العالمين.
 عباد الله، إن الله يأمر بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي، يعظكم لعلكم تذكرون.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018