الخطبة : 0809 - من صفات الربانيين 1 - تعريف العلماء الربانيين ، العلم والعمل والإخلاص - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0809 - من صفات الربانيين 1 - تعريف العلماء الربانيين ، العلم والعمل والإخلاص


2001-10-19

الخطبة الأولى:

 

 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، و أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

 

الإعراض عن الله :


 أيها الأخوة الكرام، من الثابت أن معالجة أصل المرض أفضل ألف مرة من معالجة أعراضه، وإذا كان المسلمون في أواخر أزمانهم يعانون من مشكلات لا تعد ولا تحصى، فإن هذه المشكلات على كثرتها ليست إلا أعراضاً لمرضٍ واحد، إنما هو الإعراض عن الله، فماذا في القرآن الكريم كعلاج لمرض الإعراض عن الله؟ قال تعالى:

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 79 ]

 أنبياء الله جميعاً، رسله جميعاً، يأمرون الناس أن يكونوا ربانيين، وهذا موضوع الخطبة، ما معنى أن نكون ربانيين؟ إذا كنا ربانيين عالجنا أصل المرض، فأعراض مرض الإعراض لا تعد ولا تحصى، وكلما عالجنا عرضاً ظهرت أعراض أخرى، وقد نمضي حياتنا كلها في معالجة أعراض الإعراض، وهذه الأعراض لا تنتهي، ولكن البطولة أن نصل إلى أصل الداء، فنعالجه، فينبغي أن نكون ربانيين.

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾

[ سورة آل عمران: 79 ـ 80 ]

الجهل أكبر مصيبة على الإطلاق :

 يا أيها الأخوة الأحباب، لا أشك أن أكبر مصيبة على الإطلاق هي الجهل، الجهل أكبر مصائبنا، الجهل بحقائق الدين، الجهل بعلَّة وجودنا، الجهل بحقيقة العبادة، الجهل بغاية وجودنا، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، وهناك من يدعو ويقول: " اللهم إنا نعوذ بك من الجهل والوهم، اللهم انقلنا من ظلمات الجهل والوهم، إلى أنوار المعرفة والعلم" ولكن هذا الجاهل الذي يعلم أنه جاهل أمره سهل جداً، يتعلم، وقد قال الإمام علي كرم الله وجهه: " قِوام الدين والدنيا أربعة رجال؛ عالم مستعمل علمه، وجاهل لا يستنكف أن يتعلم، وغني لا يبخل بماله، وفقير لا يبيع آخرته بدنياه، فإذا ضيع العالم علمه استنكف الجاهل أن يتعلم، وإذا بخل الغني بماله باع الفقير آخرته بدنيا غيره "، مع أن الجهل أعدى أعداء الإنسان، مع أن الجاهل يفعل بنفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، مع أن الجهل وراء كل خروج عن منهج الله، وأن كل خروج عن منهج الله وراء كل مصيبة تصيب الإنسان في الدنيا، هذا الجهل البسيط أهون من الجهل المركب، أهون ممن يتوهم أنه يعلم، وهو لا يعلم، أهون ممن يعتقد اعتقادات خاطئة وهو يظن أنه على حق.

﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ﴾

[ سورة الكهف: 103 ]

 الأخسرين اسم تفضيل.

﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾

[ سورة الكهف: 104 ]

 أخطر نموذج في الحياة نصفُ العالِم، لا هو جاهل فيتعلم، ولا هو عالم فينتفع من علمه، هذا الذي يظن نفسه أنه عالم وهو جاهل، معلوماته ليست من الوحيين، مما قرأ، أو مما سمع، ونحن لا نعتقد الصحة المطلقة إلا في الوحيين، وما سوى ذلك فالناس يخطئون، ويصيبون، وإن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم، العلم غير المؤسَّس على هدى أو كتاب هو جهل مركب.

 

أزمة أهل النار أزمة علم :

 

 أيها الأخوة الكرام، هناك مَن يفهم قوله تعالى:

﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾

[ سورة الجاثية: 23 ]

 هو على علم، باختصاصات كثيرة، وكنت أقول دائماً: ما كل ذكي بعاقل، قد تتفوق في اختصاص معين، وقد تبرز فيه، وقد تحقق نجاحاً كبيراً، هذا نوع من الحرفة التي ترتزق منها، ولكن العلم الحقيقي هو أن تعلم الوحيين؛ الكتاب والسنة، أن تعلم ماذا أنزل الله، لماذا خلقك الله؟ لماذا جاء بك إلى الدنيا؟ ماذا ينبغي أن تفعل؟ ما هي علة وجودك؟ ما هي غاية وجودك؟ ما هو المنهج التفصيلي الذي جاءت به السنة؟
 أيها الأخوة الكرام، الجاهل قد يتعلم، لكن الذي يرى نفسه عالماً قد يكون من الصعب أن يتقبل من غيره، تعلموا قبل أن ترأسوا، فإن ترأستم فلن تتعلموا، والذي يمنع العلم شيئان؛ الكبر والاستحياء، المستحي لا يتعلم، والمتكبر لا يتعلم، وأزمة أهل النار كما أقول دائماً أزمة علم.

﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ ﴾

[ سورة الملك: 10 ]

 وما من إصلاح، وما من تطوير، وما من ترقية، وما من نمو إلا أساسه العلم، فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.

 

العلم الحقيقي المنجي و المسعِد هو التعرف إلى كتاب الله :

 أيها الأخوة، نحن مع الآية التي فيها محور هذه الخطبة:

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ ﴾

[ سورة آل عمران: 79 ]

 هؤلاء الربانيون المنسوبون إلى الرب، ألاَ يقول العامة: فلان شهواني، فلان شيطاني، فلان رحماني، كلمة رباني تعني أنه منسوب إلى الرب في عقيدته، في قِيَمِه، وفي أحواله، في أشواقه، في إخلاصه، وفي شؤون حياته كلها، يقول الله عز وجل:

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة آل عمران: 79 ]

 قراءة الجمهور:

﴿ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة آل عمران: 79 ]

 ما قال: بما كنتم تعلّمون فحسب، بل بما كنتم تَعْلَمون الكتاب، فالعلم الحقيقي المنجي، والعلم الحقيقي المسعِد هو أن تتعرف إلى كتاب الله، لأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنه وحي السماء، لأنه تعليمات الصانع، لأنه دستور البشر، لأنه حبل الله المتين، لأنه النور المبين، لأنه توجيهات العليم الخبير:

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾

[ سورة الإسراء: 9 ]

 أيها الأخوة الكرام:

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾

[ سورة طه: 123 ]

﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

[ سورة البقرة: 38 ]

 هذا الوهم الذي وقع فيه عامة الناس، يمكن أن تنال اختصاصاً في الفيزياء فأنت عالم، عالم في الفيزياء، على العين والرأس، ولكن قد تكون أُمِّياً في الدين، كما أن عالم الدين إذا رأى تخطيط قلب لم يفقه فيه شيئاً، نقول: هذا العالم في الدين أميٌ في قراءة تخطيط القلب، فهذا الوهم الكبير أن كل إنسان نال شهادة عليا، أو نال اختصاصاً، أو أحرز دكتوراه يرى نفسه أنه هو العالم، وأنه يقَيِّم كل الناس، وكل الآراء، وكل المقالات، وكل شيءٍ يقرؤه يرفضه، أو يقبله على مزاجه، لأنه عالم، فاته أنه أميٌ في الدين، العلم الحقيقي أن تتعرف إلى تعليمات الصانع، التي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، العلم الحقيقي أن تتعرف إلى علم لا يمكن أن يكون خطأ، الصحة المطلقة هي القرآن الكريم، وما صح من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم.

 

اقتباس الربانيين عقائدهم من الكتاب و السنة :

 أيها الأخوة الكرام، أول صفات هذا الرباني... قال:

﴿ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة آل عمران: 79 ]

 أو تَعْلَمون الكتاب... قراءة الجمهور تَعْلمون الكتاب، والقراءة التي نقرأ بها تُعلِّمون الكتاب، على كل العلم مقيَّد بالكتاب، قد تبلغ أعلى درجة في علوم الدنيا، لكنك إن لم تفهم كلام الله فأنت لست بعالم، العلم الذي أراده الله، العلم الذي أمرك الله به، العلم الذي أمرك الله أن تستزيد منه.

﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً ﴾

[ سورة طه: 114 ]

 هو علم الكتاب والسنة، بل إن بعض العلماء الإجلاء يقولون: حيث ما وردت كلمة العلم في الكتاب والسنة فإنما تعني العلم بالله، وما أكثر الدرجات العلمية الآن، وما أعلى مراتبها، وما أكثر ما توحي لأصحابها بالاستغناء عن أي علم آخر، توحي لأصحابها بالكبر، حتى إن بعضهم وصف الجامعات التي يتعلم فيها الطلاب شؤون الدنيا ولا يتقنونها بأنها مدرسة يدخلها الطالب جاهلاً متواضعاً، يخرج منها جاهلاً متكبراً.
 أيها الأخوة الأحباب، أقول لكم من أعماق قلبي، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله وكفى به جهلاً أن يعصيه، لمجرد أن ترى إنساناً لا يصلي فهو جاهل ورب الكعبة، ولو حمل أعلى شهادة في الدنيا، لمجرد أن ترى إنساناً ينافق، أو يكذب، أو يأخذ ما ليس له، أو يتعدى على ما لا ينبغي فهو جاهل وربِّ الكعبة، كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، وكفى به جهلاً أن يعصيه، الرباني هو الذي يعلم الكتاب، بل حينما قال الله عز وجل:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 43 ]

 مَن هم أهل الذكر؟ هم أهل القرآن، إن القرآن الكريم بشكل أو بآخر تعليمات الصانع، وتعليمات الصانع هي التعليمات الوحيدة التي ينبغي أن نأخذ بها، كونوا ربانيين، اجعلوا عقائدكم مقتبسة من الكتاب والسنة، اجعلوا أحوالكم منطبقة على ما في الكتاب من وصف المؤمنين، اجعلوا قيمكم قيم القرآن، اجعلوا أنماط حياتكم أنماط القرآن، اجعلوا أهدافكم أهداف المؤمنين في القرآن، اجعلوا حذركم مما حذر الله به المؤمنين في القرآن، كن ربانيًّا، كن منتسباً إلى الرب في عقيدتك، وفي إحساسك، وفي شعورك، وفي حركاتك، وفي سكناتك، وفي زواجك، وفي تطليق زوجتك، وفي كسب مالك، وفي إنفاق مالك، ينبغي أن تكون ربانياً، منتسباً إلى الرب، الربانيون أيها الأخوة أي المنتسبون إلى الرب، لكن بعض العلماء استدرك بأنّ الرباني لا يوصف به من كان مبتدئًا بالعلم، هذا طالب علم، لكن الراسخ في العلم، المتعمق في العلم، المتبحر في الإقبال على الله، في الإخلاص له، الذي باع نفسه في سبيل الله، الذي بذل الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ابتغاء مرضاة الله، هذا هو الرباني، كأن الرباني مرتبة ينبغي أن تكون هدفًا، لا يظن أن كل إنسان طلب العلم هو رباني، الرباني غاية كبرى، أي في نهاية المطاف أنت رباني، لا يسمى طالب العلم المبتدئ، لا يسمى الذي حضر أول مجلس علم رباني، الرباني هو الراسخ في العلم، الراسخ في العقيدة، الراسخ في السلوك.

 

تعريف العلماء للربانيين :

 أيها الأخوة الكرام، مِن تعريف العلماء للربانيين هم حكماء علماء حلماء، هم فقهاء أهل عبادة وتقوى، هذه عموميات لو دخلنا في الخصوصيات، من هو الرباني؟ الرباني الذي هو على علم، أي علم؟

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة آل عمران: 79 ]

 أو بما كنتم تَعْلَمون الكتاب .
 أيها الأخوة: ألم يقل الله عز وجل:

﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾

[ سورة المجادلة: 11 ]

 إذاً ما هي الدرجات العلا؟ أن تكون عالماً، ألم يقل الله عز وجل يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:

﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

[ سورة النساء: 113 ]

 لِمَ لمْ يقل لقارون: وأعطاك ما لم تحلم به وكان فضل اله عليك عظيما؟ لِمَ لمْ يقل لفرعون: مكنك في الأرض وكان فضل الله عليك عظيماً؟ بل قال للنبي عليه الصلاة والسلام: وكان فضل الله عليك عظيماً، فكأن أكبر فضل تناله أن تكون عالماً، أن تكون عالمًا بما في هذا الوحي العظيم، وبما في سنة النبي الكريم:

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة آل عمران: 79 ]

 ألم يقل الله عز وجل:

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ ﴾

[ سورة آل عمران: 18 ]

 شهد الله وشهد أولو العلم أن الله قائم بالقسط، ألم يقل الله عز وجل:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

[ سورة محمد: 19 ]

 أيها الأخوة الكرام :

أخ العلم حيّ خالد بعـد موتـه  وأوصاله تحت التراب رميـــــم
وذو الجهل ماش على الثــرى  يظن من الأحياء وهو عديـم
***
ليس من مات فاستراح بميت  إنما الميت ميت الأحيــــــاء
***

 يا بني مات خزان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة وأسماؤهم في القلوب موجودة .

وفي الجهل قبل الموت موت لأهله  فأجسامهم قبل القبور قبـــور
وإن امرءاً لم يحيا بالعلــــــــــــــــم ميت  فليس له حتى النشور نشور
***

رتبة العلم أعلى الرتب :

 أيها الأخوة، ذكرت لكم من قبل أنني سألت طلابي يوم كنت في الثانوية: ائتوني باسم تاجر عاش في عام 1863، ولِمَن يعرف مئة درجة، فلم يستطع واحد منهم أن يجيب عن هذا السؤال، فقلت: وأنا معكم لا أستطيع، لكن مَن منا لا يذكر عمر بن الخطاب والإمام الشافعي وصلاح الدين الأيوبي؟ هؤلاء الذين عرفوا الله فمكن الله لهم أعمالاً طيبة تهز الجبال، هؤلاء أسماؤهم على كل لسان.
 أيها الأخوة الكرام، لا تنسوا أن رتبة العلم أعلى الرتب، ما يُلقى في خطبة الجمعة هذا هو الحد الأدنَى الأدنى، الحد الذي يزيل عنك الجهل، لكن طلب العلم يحتاج إلى جهد آخر، ما يلقى في خطب الجمعة كالبضاعة التي يضعها التجار في صالات العرض، من أجل أن تغريك لتدخل المحلَّ، وأن تتعمق، وأن تسأل عن حقيقة العلم، لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فرق كبير بين العالم والجاهل، لَعالِم واحد أشدّ على الشيطان من ألف عابد.
 أيها الأخوة الكرام، قال بعضهم: يا رُبَّ حيٍّ مكان القبر مسكنه، ورُبَّ ميت على الأقدام منتصب. إن الذي لا يعلم لماذا خلقه الله، ولماذا جاء إلى الدنيا، ولا يعلم عن منهج الله شيئاً، ولا عن الجنة شيئاً، ولا عن النار شيئاً، شهد الله أنه ميت يمشي.
 أيها الأخوة الكرام، أغلب المسلمين يحبون لأبنائهم العلوم العصرية، ولا يدخلونهم المعاهد الشرعية إلا إذا جاؤوا بعلامات لا تؤهِّلهم إلى أي فرع في الجامعة، والمسلمون زاهدون في العلم الشرعي، المسلمون زاهدون أشدّ الزهد في علم يمتعهم، وينفعهم، ويسعدهم، كل علم ممتع لكن ما كلُّ علمٍ ممتع نافع، هناك علم ممتع نافع، لكن ما كل علم ممتع ونافع مسعد، لكنّ العلم الشرعي علمٌ ممتعٌ ونافع ومُسعِدٌ في الدنيا والآخرة معًا.
 أيها الأخوة الكرام، كلمة قرأتها ألقيها على مسامعكم، وقف رجل يوماً على المنبر فتكلم، فقام إليه أحد الحضور، وسأله سؤالاً، فقال: لا أدري، وقد قالوا: نصف العلم لا أدري، فالعالِم الحقُّ إذَا لم يكن يعلم فجوابُه: لا أدري، وهذا الذي يعلم كل شيء هو حقًّا لا يعلم شيئًا، جاء وفد إلى الإمام مالك بن أنس من أطراف الدنيا، من المغرب، ومشى شهرين، فلما وصلوا إليه عرضوا عليه ثلاثين سؤالاً، فأجاب عن سبعة عشر سؤالاً، فلما سألوه: أين جواب بقية الأسئلة؟ فقال: لا أعلم، قالوا الإمام مالك لا يعلم! قال: قولوا لمن بعثكم: الإمام مالك لا يعلم، فهذا الذي يدَّعي كل العلم لم يعلم شيئاً، فهذا الخطيب قام يومًا يخطب، فقام إليه أحد الحضور، وسأله سؤالاً، فقال: لا أدري، قيل له: أتصعد المنبر وأنت لا تدري؟ قال: إنما علوت بقدر علمي، ولو علوت بقدر جهلي لبلغتُ عنان السماء، قد يكون الإنسان غاية في الجهل، وهو في أعلى عليين عند الناس، قيم الناس ينبغي أن تكون تحت أقدامنا، الناس يعظمون أهل المال، يعظمون أهل السلطان، يعظمون الأقوياء، يعظمون الأغنياء لكن العلم الحقيقي هو الذي ينجي من النار.
 أيها الأخوة الأحباب، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كان إذا رأى رجلاً سأل عنه، فإن كان صاحب علمٍ وعملٍ تركه، وإنْ كان عالِمًا فحسب عاتبه الشافعي عتاباً مراً، وقال له: لا جزاك الله خيراً، لا عن نفسك، ولا عن الإسلام، ضيعت نفسك، وضيَّعتَ الإسلام، الجهل شائع بين الناس، أنت لو عرفت الله لقمتَ بواجبات هذا الدين العظيم، ولانتفعت، ونفعت خلقًا كثيراً.

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾

[ سورة النحل: 120 ]

 وحده، هكذا تأتي وتذهب ولا يدري بك أحد؟ هكذا تأتي وتذهب وهمُّك أن تسكن بيتًا وأن ترتدي ثوباً وأن تأكل طعاماً؟ واللهِ الذي لا إله إلا هو إن هذه هموم معظم الناس في أن يأكل، ويشرب، ويستمتع بالحياة، بل إن الشاعر الذي دخل السجن في عهد عمر بسببِ بيتٍ مِن الشِّعرِ، قال عنه علماء الأدب النقاد: إنه أهجا بيت قالته العرب وهو الآن شعار كل إنسان.

دع المكارم لا ترحل لبغيتــها  واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
***

 فهذا الذي يفعل كما هو حالُ معظم المسلمين إن سلمتْ له دنياه فهو لا يهتم لشيء آخر.

 

الكتاب هو العلم الذي يسعد الإنسان إلى أبد الآبدين :


 أيها الأخوة الأحباب، كان الإمام الشافعي يعجب أشد العجب من عالِمٍ لم يعلِّم الناسَ فقد ضيع نفسه، وضيَّع الناسَ.
 أيها الأخوة، وإن كانت هذه الكلمة ربما لا تروق للبعض فإني أقولها، حتى الكلاب المُعَلَّمَة فضَّلَها الله عز وجل، قال:

﴿مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾

[ سورة المائدة: 4 ]

 حتى الكلب المعَلَّم له مكانة في القرآن، كلب معلَّم، وإنسان جاهل.

﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾

[ سورة الإسراء: 44 ]

 كثير مِن الناس غافلون، فالنملة أودع الله فيها جهازَ مصٍّ، وجهاز ضخٍّ، فإن رأت النملةُ أختَها جائعة أعطتها بجهاز الضخ عصارة هضمها، هذا الذي يمص ولا يضخ أبداً ليس من بني البشر، لا يعطي شيئاً، يأخذ كل شيء، مجدُه في الأخذ لا في العطاء، إن أردت أن تعرف ما إذا كنت مِن أهل الدنيا أم من أهل الآخرة فما الذي يسعدك؟ أن تأخذ أم تعطي؟

﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ ﴾

[ سورة آل عمران: 79 ]

 أو تَعلمون الكتاب، فأول صفة للرباني أنه يعلم، يعلم ماذا؟ الفيزياء النووية؟ لا، الكيمياء العضوية؟ لا، يعلم مثلاً اختصاصًا كيْ نرتزقَ به جميعاً، علوم الأرض مهما تفوقت لا تزيد عن حرفة نرتزق بها، لكن العلم الذي يسعدك إلى أبد الآبدين إنه الكتاب، إنه كلام خالق الكون.
إذاً أيها الأخوة، المقصود بالعلم العلم الشرعي المنبثق من الوحي؛ الكتاب والسنة، فالعلم الصحيح إما آية محكمة، أو حديث صحيح، أو إجماع قائم، ورحم الله القائلَ:

العلم قال الله قال رســـــــــــــــــوله  قال الصحابة ليس بالتمويـــــه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة  بين الرسول و بين قول فقيه
***

تعريف العلم الدنيوي و العلم الشرعي :


 أيها الأخوة الكرام، أقول تعريف العلم الدنيوي المقولة المطابقة للواقع، عليها دليل، لكن تعريف العلم الشرعي: المقولة المطابقة للوحيين بدليل، قَال سَعْدُ بْنُ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ:

(( يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْبِئِينِي عَنْ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: أَلَسْتَ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قُلْتُ: بَلَى، قَالَتْ: فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ الْقُرْآنَ))

[ مسلم عن سعد بن هشام]

 إنّ النبي صلى الله عليه وسلم علمنا بأخلاقه، وقراءة سيرة النبي فرض عين، لأن الله أمرنا أن نقتدي به، أمرنا أن يكون النبي قدوة لنا وأسوة، كيف يكون قدوة إنْ لم نعرف سيرته؟ النبي علمنا بلسانه، وعلمنا بأفعاله، وعلمنا بإقراره، وعلمنا بصفاته، أقواله سنة، وأفعاله سنة، وصفاته سنة، وإقراره سنة، والنبي في مجمل سنته شرحٌ لكتاب الله، إذاً الكتاب هو الوحي المنزل على النبي الكريم، والسنة هي الوحي غير المتلو الشارحة للكتاب الكريم، شيئان ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً كتاب الله وسنة رسوله.

 

صفات العالم الرباني :


 أيها الأخوة الكرام، بالمناسبة المقلد لا يسمى عالماً، ولو حدثك بالحق الصرف، لا يسمى عالماً، لأنه لو قَبِلَ اللهُ منا التقليد لكانت كل الفرق الضالة ناجية عند الله، لأن حجتهم: هكذا سمعنا، من قال لنا صدَّقناه، لا يمكن أن يكون التقليد علماً، ولو نطقت بالحق، لأن الله عز وجل يقول " فاعلم أنه لا إله إلا الله " ولم يقلْ: فقل، بل قال سبحانه: فاعلمْ.
 أيها الأخوة، هذه الصفة الأولى، والصفة الثانية أن تعمل بما علمت، والصفة الثالثة في العالم الرباني الإخلاص:

(( إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى...))

[متفق عليه عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ]

 وعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ...))

[متفق عليه عن ابن عباسِ]

 دققوا في هذه الآية:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا ﴾

[ سورة هود: 15 ]

 أي بِنِيَّته وقَصْدِه.

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ ﴾

[ سورة هود: 15 ]

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾

[ سورة الإسراء: 18 ]

 أي بنيته وقصده.

﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً ﴾

[ سورة الإسراء: 18 ]

العلم ميراث الأنبياء :

 ما عُبِد الله بشيء أفضل من العلم، لأنه أساس البناء، ولا بناء من دون أساس، يقول أحد العلماء: لا أعلم بعد النبوة أفضل من العلم، لأن العلم هو ميراث النبي، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهماً، ولكن ورثوا هذا العلم، جاء أبو هريرة رضي الله عنه إلى أهل السوق، وهم يبيعون، ويشترون، أي يشتري بعضهم من بعض، فقال: أنتم هاهنا، وميراث النبي صلى الله عليه وسلم يقسم في المسجد، فتركوا بضائعهم، وذهبوا يتراكضون إلى المسجد، فدخلوا وما وجدوا إلا حلقة في التفسير، وأخرى في الحديث، فرجعوا، وقالوا: يا أبا هريرة، غفر الله لك، ما رأينا شيئاً، قال: أو ذهبتم؟ قالوا: نعم، قال: فماذا رأيتم؟ قالوا: رأينا قوماً يعلّمون القرآن، وقوماً يعلمون التفسير، وقوماً يعلمون الحديث، فقال: وهل ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا هذا؟ ماذا ترك النبي؟ ما ترك أجهزة، ولا ترك أبنية، ولا ترك أموالاً طائلةً، بل ترك هذا العلم، وقال بعض العلماء: كنت عند مالك وقد نشر كتبه يقرأ، ويعلِّم، ويبيِّن، فأذّن المؤذن، فذهبتُ أجمع هذه الكتب من أجل أن يذهب إلى الصلاة، فقال الإمام مالك: على رسلك، ترفق، ليس الذي تقوم إليه- أي التنفل قبل الفريضة- بأفضلَ مما تقوم عنه إذا صحت النية.
 أيها الأخوة الكرام، لا بد أن يشعر طالب العلم وهو يتناول العلم أنه يتعبد الله، ويتقرب إليه بالتعرف على حُكمه بالمسائل، والتعرف إليه جلّ وعلا بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، والتعرف إلى أنبيائه بمعرفتهم، ومعرفة حقوقهم، وما أشبه ذلك، هذا هو العالم الرباني، الذي يعلم، ويعمل، ويخلص، وهذا علاج لأصل مشكلات المسلمين، المسلمون يؤدون الصلوات الخمس والعبادات الشعائرية، ولكنهم في معظم شؤون حياتهم ليسوا ربانيين، بل هم شهوانيُّون، ليسوا ربانيين، بل غربيُّون، ليسوا ربانيين، هم يؤثرون مصالحهم على مبادئهم، يؤثرون حاجاتهم على قيمهم، هذه المشكلة، حينما تعجب أشد العجب لماذا يقع المسلمون بما هم فيه، فإنّ تقصيرهم في تأدية ما عليهم، وإن بُعدَهم عن مرتبة الربانية التي هي علاج كل مؤمن أوقعَهم في أعراض مرضِ الإعراض التي لا تعدُّ ولا تحصى، ولا سبيل إلى علاجها إلا بمعالجة أصلها، وأصلها الإعراض عن الله، والرباني هو المقبل على الله، المقبل على معرفة الله، المقبل على العمل بما علم، المقبل إخلاصاً لله عز وجل، هذا الموضوع أيها الأخوة يحتاج إلى وقت لا بأس به، إن شاء الله أتابعه في خطب قادمة، فإنّ للربانيين صفات عشرًا، تحدّثنا عن ثلاثٍ منها، العلم والعمل والإخلاص.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، و زنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

* * *

الخطبة الثانية :

 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

آيات عن إهلاك الله عز وجل الأقوام السابقة الطاغية :

 أيها الأخوة الكرام، أخ كريم لفت نظري البارحة إلى أن الله عز وجل حينما ذكَرَ مقالةَ عادٍ الأولى:

﴿ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

 فأيُّ قوم آخرين أهلكهم الله عز وجل ذَكَرَهم؟ وأيّ قوم آخرين كانوا أشد منهم قوة أهلكهم وذكَرهم؟ سأتلو على مسامعكم هذه الآيات، وهذه واحدة:

﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾

[ سورة التوبة: 69 ]

 أهلكهم الله كما أهلك قوماً كانوا أشد منهم قوة.
 وقال في قارون، وهي الآية الثانية:

﴿قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾

[ سورة القصص: 78 ]

 وآية ثالثة..

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾

[ سورة الروم: 9 ]

 وآية رابعة...

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾

[ سورة فاطر: 44 ]

 وآية خامسة..

﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآَثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (21)﴾

[ سورة غافر: 21 ]

 وآية سادسة...

﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ * وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ * فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشاً وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ ﴾

[ سورة الزخرف: 6 ـ 8 ]

 وآية سابعة...

﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ ﴾

[ سورة محمد: 13 ]

 وآية ثامنة...

﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ ﴾

[ سورة ق: 36 ]

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

 استكبروا في الأرض ظلماً وعدواناً.

﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

 والحقُّ أنّه ليس في أمم الأرض مَن هو أشد منهم قوة، فماذا قال الله عز وجل؟ قال سبحانه:

﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

 لم يقل الله لهم: لقد أهلك الله من الأقوام مَن هو أشد منهم قوة، بل قال:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

 فعاد الأولى كانت أشد الأمم قوةً قاطبةً، فحينما أراد الله أن ينبِّهَهم قال:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

 وحينما قال الله عز وجل:

﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى ﴾

[ سورة النجم: 50 ]

 فكأن في الآية معنًى دقيقًا، أنَّ هناك عادًا الثانية.

 

طرائف عن أطول برجين في العالم :

 أيها الأخوة الكرام، من طرائف ما قرأت عن هذين البرجين اللذين تهدما في الحادي عشر من أيلول أنهما افتتحا عام 1970 م، وقد مضى على إنشائهما ثلاثون سنة تقريبًا، وهذان البرجان يزنان أكثر من مليون ونصف طن، وأكثر من مئتي ألف إنسان يزورهما كل يوم، وكان المبنى يقوم على مساحة تزيد عن خمسة عشر مليون قدم وربع، وزن أجهزة التكييف الإجمالي فيهما خمسون طنًا، كانا أطول برجين في العالم إلى أمد قصير، الخطوط الكهربائية التي تخدم اثني عشر طابقاً تزيد عن عشرين ألف كيلومتر، فيهما خمسة وسبعون ألف خط هاتف، تحتاج إلى اثنين وثلاثين ألف كيلومتر من الأسلاك.
 أيها الأخوة الكرام، هذا البناء يكلف مِنَ الكهرباء كل يوم ثلاثة ملايين دولار، أرباحه السنوية مئة وعشرة آلاف مليون دولار، العاملون يستهلكون سبعة وثمانين طنًا من الأطعمة كل يوم، التدفئة تحتاج إلى ثلاثمئة و عشرين ألف كيلومتر من الأنابيب في هذين البرجين، اشتغل في هذا البناء عشرة آلاف عامل، لقي منهم ستون حتفهم في حوادث مختلفة، إحصاءات كثيرة جداً عن هذين البرجين، إذاً مَن أشدّ منا قوة؟ قال الله تعالى :

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾

[ سورة فصلت: 15 ]

 وهذه موعظة ما بعدها موعظة.

 

الدعاء :

 اللَّهُمَّ اهْدِنا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وعَافِيا فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلّنا فِيمَن تَوَلَّيْتَ، وبَارِكْ لِي فِيما أَعْطَيْتَ، وَقِنَا واصرف عنا شَرَّ ما قَضَيْتَ، فإنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلا يَعِزّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنا وَتَعالَيْتَ، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك، اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنّا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا، واجعل الحياة لنا زادًا من كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر، مولانا رب العالمين، اللهم اكفِنا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن معصيتك، وبفضلك عمن سواك، اللهم لا تؤمِنّا مكرك، ولا تهتك عنا سترك، ولا تنسِنا ذكرك، يا رب العالمين، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ومن الخوف إلا منك، ومن الذل إلا لك، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء، مولانا رب العالمين، اللهم صن وجوهنا باليسار، ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، بيدك وحدك خزائن الأرض والسماء، اللهم كما أقررت أهل أعين الدنيا بدنياهم، فأقررْ أعيننا من رضوانك يا رب العالمين، اللهم أعلِ كلمة الحق والدين، وانصر الإسلام وأعز المسلمين، انصر إخوتنا في كل مكان، اللهم دمر أعداء المسلمين، اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين خيراً فوفقه لكل خير، ومن أراد بهم غير ذلك فخذه أخذ عزيز مقتدر، واجعله عبرة لمن يعتبر، اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم، واجعل الدائرة تدور عليهم، يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة أمر المسلمين لما تحب وترضى، اللهم اسقِنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقِنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، اللهم اسقنا الغيث، ولا تجعلنا من القانطين، ولا تأخذنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين، اللهم وفق ولاة أمور المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، اجمع كلمتهم على الحق والهدى يا رب العالمين، وصلَّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلّم، إنك على ما تشاء قدير وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018