الخطبة : 0723 - ذكرى الإسراء والمعراج - أهمية الألياف في الغذاء و مضار نزعها. - موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية
٠1خطب الجمعة
بسـم اللـه الرحمـن الرحيـم

الخطبة : 0723 - ذكرى الإسراء والمعراج - أهمية الألياف في الغذاء و مضار نزعها.


1999-11-05

الخطبة الأولى:
 الحمد لله نحمده، ونستعين به ونسترشده، ونعوذُ به من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشدَاً. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته وإرغاماً لمن جحد به وكفر. وأشهد أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلَّم، رسول الله سيِّد الخلق والبشر ما اتصلت عينٌ بنظرٍ أو سمعت أذنٌ بخبر. اللهمَّ صل وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريَّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ذكرى الإسراء و المعراج :

 أيها الأخوة المؤمنون... مرَّت قبل يومَين ذكرى الإسراء والمعراج، والإسراءُ والمعراج - بشكلٍ مختصر - هو مسحٌ لجراح الماضي، وتثبيتٌ لقلب النبي صلى الله عليه وسلَّم، وتَطْمينٌ على مستقبل الدعوة، وتعويضٌ عن جفوةِ الأرض بحفاوة السماء. وعن قسوة عالَم الناس بتكريم الملأِ الأعلى .
 أيها الأخوة المؤمنون... لقد رأى النبي صلى الله عليه وسلَّم في الإسراء والمعراج أن الله معه بالرعاية والعِناية، وأنه كرَّمه تكريماً فريداً من نوعه، وعرَّفه بأنَّه سيِّدُ ولد آدم، وسيدُ الأنبياء والمرسلين، لقد رأى مَلَكوتَ السموات والأرض، لقد رأى ملكوت الأرض والسموات وما تؤول إليه الخلائق بعد الممات، لقد رأى من آيات ربِّه الكُبرى.
 يا أيها الأخوة الكرام... تعدُّ معجزة الإسراء والمعراج من أضخم أحداث الدعوة الإسلاميَّة، حيث سبقتها البِعْثَة وجاءَت من بعدها الهجرة، أما نحن فماذا يُعلِّمنا الإسراء والمعراج؟ أحداث الإسراء والمعراج لا تخفى على كل مسلم، ولكن هذا الحدث الضخم الذي امتنَّ الله به على نبيِّه، هو له تكريم، ولكن ما علاقتنا به كمسلمين ؟.
 أيها الأخوة الكرام... لأنه أُنْزِل قرآنٌ يُتْلى إلى يوم القيامة فيه الإسراء والمعراج، فلابدَّ لنا من استنباطاتٍ دقيقة تُعيننا على بلوغِ الهدف الذي خُلِقْنا من أجله.

 

الدروس التي علّمنا إياها الإسراء و المعراج :

1 ـ الدنيا دار التواء لا دار استواء :

 أيها الأخوة الكرام... يعلِّمنا الإسراء والمعراج أن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، لقد مـرَّ النبي عليه الصلاة والسلام -ـ وهو قمة البشريَّة - بمضائِقَ صعبةٍ جداً، لأن الدنيا دار ابتلاء ودار التواء لا دار استواء، التكريم في الآخرة..

((إن أشد الناس بلاءً الأنبياء ـ وأنا أشدُّهم بلاءً ـ ثم الأمثل فالأمثل ))

[الحاكم عن سعد بن أبي وقاص ]

 ليست الحياة الدنيا للاسترخاء، ولا للنَعيم، ولا للمُتَع، ولا للمباهج، إنها للعمل الصالح، فجعل الله جلَّ جلاله حياة سيد الأنبياء، وسيّد الرسل، وسيد الخلق وحبيب الحق، جعل حياته مفعمةً بالمتاعب والامتحانات والابتلاءات، فالدنيا داء التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله داء بلْوى، وجعل الآخرة دار عُقْبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي.

 

2 ـ للمحن و المصائب حكم جليلة تسوقنا إلى باب الله :

 إن الإسراء والمعراج أيها الأخوة يعلِّمنا أن للمحن والمصائب حكماً جليلة، منها: أنها تسوقُ أصحابها إلى باب الله تعالى، وتُلْبِسُهُم رداء العبوديَّة، وتلجئهم إلى طلب العون من الله. الحزن خلاَّق، أحياناً تفعل المصيبة في نفس المؤمن من السمو والرقي، والقفزة النوعيَّة في معرفة الله ومحبته ما لا يفعله الرخاء، المحنُ والعَقبات لها حكمٌ جليلة، إنها تسوقُ الإنسانَ إلى باب الله، تُلْبسه رداء العبودية من الله، تُلْجِئُه إلى طلب العون من الله، أي أنها تقيم بينها وبين الله علاقةً و صلةً بسبب هذه الشدَّة التي ساقها الله لهذا الإنسان.. " أوحى ربكَ إلى الدنيا أن تشدَّدي وتكدَّري وتمرمري على أوليائي حتى يحبوا لقائي"..
أيها الأخوة الكرام... يُعَلِّمُنُا الإسراء والمعراج أنه لا ينبغي أن تصدَّنا المَحَن والعقبات عن متابعة السير في استقامةٍ وثبات، ضعاف النفوس يقفون أمام أيّة عقبة، يقفون ويسقطون، ولكن أصحاب الهمم العَلِيَّة العقبات لا تزيدهم إلا إصراراً، ولا تزيدهم إلا إقبالاً، ولا تزيدهم إلا تمسُّكاً.. الدرس الأول: الدنيا دار ابتلاء. والدرس الثاني: هذه المصائب والمحن لها حكمٌ جليلة تسوقنا إلى باب الله عزَّ وجل.

3 ـ متابعة السير إلى الله :

 والدرس الثالث: ينبغي أن نَمْلِكَ القوة على متابعة السير إلى الله ولو قامت أمامنا العقبات، ولو قامت أمامنا المِصَدَّات، ولو جذبتنا الصوارف، ولو عُومِلنا معاملةً قد لا تليق بالإنسان..

(( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه ))

[ السيرة النبوية ]

 أيها الأخوة الكرام... إن الإسراء والمعراج يعلِّمنا أنه مادام الله هو الآمر فلا شكَّ أنه الضامن والحافظ والناصر، قد تتلقَّى أمراً من إنسان لا يضمَنُ لك النتائج، ولكنَّ الله عزَّ وجل حينما يأْمُرُك يضمن لك النتائج، مادام الله هو الآمر فهو الضامن والحافظ والناصر.

 

4 ـ لولا الجهاد والصبر ما عُبِدَ الله في الأرض ولا انتشر الإسلام في الخافِقَيْن :

 أيها الأخوة الكرام... يعلَّمنا الإسراء والمعراج أنه لولا الجهاد والصبر ما عُبِدَ الله في الأرض، ولا انتشر الإسلام في الخافِقَيْن.
 يعلِّمنا الإسراء والمعراج أن النتائج الباهرة لها ثمنٌ باهظ، أن تنعم في هذه البلاء بأداء شعائر الله لأن أصحاب رسول الله وصلوا إلى هذه البلاد على الجِمَال، ودفعوا الغالي والرخيص، والنفسَ والنَفيس من أجل نشر الإسلام في هذه البلاد، فلولا الجهاد والصبر ما عُبِدَ الله في الأرض، ولا انتشر الإسلام في الخافقين. الإسراء والمعراج يعلِّمنا أن اليُسْرَ مع العُسر، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكَرْب.

5 ـ إذا ضاقت الأمور واشتدَّت المِحن لابدَّ من فرجٍ قريب يجعل هذه الشدَّة ذِكْرَاً :

 متى كان الإسراء والمعراج ؟ كان بعد الطائف. وإذا كان للدعوة الإسلاميَّة خطٌ بياني ؛ فهذا الخَط وصل إلى الحضيض، إلى النهاية الصغرى في الطائف، حينما مشى النبي على قدميه ما يزيد عن ثمانين كيلو متراً، ليدعو أهل الطائف إلى الإسلام، لينقذهم من الظلمات إلى النور، فكان ردُّهم أنَّهم سخروا منه وكذَّبوه، وأَغْرَوْا صبيانهم أن يؤذوه، فما كان من النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن رفع يديه إلى السماء وقال:

(( إن لم تكن ساخطاً عليّ فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أضاءت له السموات والأرض، وأشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تحل عليّ غضبك، أو تنزل عليّ سخطك، ولك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك ))

[ الجامع الصغير عن عبد الله بن جعفر ]

 هذه المحنة الشديد التي قد لا تُحْتَمَل، سيد الخلق وحبيب الحق يُكَذَّب، ويُسْخَر ـ يُسْخَر منه ومن دعوته ـ ويُؤذى وهو سيد الخلق، جاءه جبريل قال: " يا محمد لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين ". قال:

(( اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمونَ ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن مسعود ]

 لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده ، بعد الطائف جاء الإسراء والمعراج، بعد الطائف علم النبي أنه سيد الخلق، وأنه سيد الأنبياء والمرسلين، وأنه..

﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى ﴾

[ سورة النجم : 8-10]

 وأنه..

﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى ﴾

[ سورة النجم: 17-18]

 هذا التكريم الذي ما بعده تكريم، هذا المقام الذي ما بعده مقام، هذا القُرب الذي ما بعده قُرْب جاء بعد مِحْنَة الطائف.
 لذلك ؛ كلَّما اشتدَّت المحن أَبْشِر بعطاءٍ كبير، كلَّما ضاقت لابدَّ من أن تَنْفَرِج، لأن الله يسوق الشدائد ويهيِّئ لك المكارم، فالإسراء والمعراج جاء بعد الطائف، وهذا درسٌ لكل مؤمن، إذا ضاقت الأمور، واشتدَّت المِحن، وأُغْلِقَت الأبواب، وسُدَّت السُبُل، اعلم علم اليقين - إن كنت مخلصاً، وإن كنت ملتزماَ أمر الله - أنه لابدَّ من فرجٍ قريب يجعل هذه الشدَّة ذِكْرَاً.

 

6 ـ إكرام النبي بالعروج إلى السماء و إكرام أمته بالصلاة :

 لكن يا أيها الأخوة الكرام إن من أجلِّ دروس الإسراء والمعراج أن الله كرَّم نبيَّه صلى الله عليه وسلم بالعروج إليه، لينال بهذا العُروج أعلى الدرجات، وكرَّم أمَّته بأن فرض عليهم الصلوات. فالصلاة فيما ورد في الأثر أنها: " معراج المؤمن ". النبيُّ عرج إلى السماء، والمؤمن يعرج إلى الله عزَّ وجل من خلال صلاته، إذا كان عروج النبي إلى السماء جسماً وروحاً، فإن عروج المؤمن إلى الله يتمُّ في صلاته، فالصلاة معراج المؤمن، الصلاة فُرِضَت و هي من أجلِّ القُربات في أعلى مستويات القُرب، فُرِضَت والنبي صلى الله عليه وسلَّم كان..

﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾

[ سورة النجم : 9]

 أيها الأخوة الكرام... لقد فُرِضَت الصلاة وحياً مُباشِراً، والنبي عليه الصلاة والسلام في سِدرة المُنْتَهى، وفي جنة المأْوى، حيث..

﴿دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى ﴾

[ سورة النجم :8-9]

 لقد فُرِضَت الصلاة لأنها عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هَدَم الدين.

 

رقي الإنسان بالصلاة من عالَم الأوهام إلى عالَم الحقائق :

 أيها الأخوة الكرام... الصلاة التي هي أجلُّ القُرُبات، وسيِّدة العبادات، ومعراج المؤمن إلى رب المؤمن الأرض والسموات، الصلاة ترقى بالإنسان من عالَم الأوهام إلى عالَم الحقائق، من عالَم المادَّة إلى عالَم القِيَم، من التمرُّغ في وحول الشهوات إلى التقلُّب في جنات القُرُبات، من سفاسف الأمور إلى معاليها، من مدافعة التدني إلى متابعة الترقي، إنها ترقى بالمصلي من حالٍ إلى حال، ومن منزلةٍ إلى منزلةٍ، ومن مقامٍ إلى مقام.
 أيها الأخوة الكرام... الإنسان في أصل طبعه فيه ضَعْفٌ لصالِحه، قال تعالى:

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً ﴾

[ سورة المعارج : 19]

 شديد الخوف..

﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾

[ سورة المعارج :20-22]

 المُصَلِّي مستثنى من هذا الضعف الخَلْقِيّ، هذا الضعف الخلقي أوجده الله في شخصية الإنسان من أجل أن يلجأ إلى الله، فإذا لجأ إليه واتصل به انتصر على ضعفه الخَلْقِيّ..

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ ﴾

[ سورة المعارج :19-35]

 ماذا تُعَلِّمنا هذه الآية ؟ مناقشةٌ علميةٌ دقيقة، كلَّما أضيفت صفةٌ ضاقَ الشمول، فلو قلت: إنسان. لشمَلَت هذه الكلمة ستة آلاف مليون إنسان، فإذا قلت: إنسان مسلم. أضفت كلمة واحدة ضاقت الدائرة من ستة آلاف مليون إلى مليار ومئتي مليون، فإذا قلت: إنسان مسلم عربي. ضاقت هذه الدائرة من مليار ومئتي مليون إلى أربعمئة مليون، فإذا قلت: إنسان مسلم عربي مثقَّف. لعلَّها ضاقت إلى مليون، فإذا قلت: إنسان مسلم عربي مثقَّف طبيب. لعلَّها ضاقت إلى خمسمئة ألف، فإذا وصفت الطبيب بأنه طبيب قلب. لعلَّها ضاقت إلى مئة ألف، فإذا أضفت صفةً زائدة ؛ لعلَّها تضيق وتضيق حتى تشمل عدد الأصابع.
 ماذا تُعَلِّمنا هذه القاعدة ؟ أن الصفة قَيْد، فكلَّما أضيفت الصفات ضاقت الدائرة، فكل إنسان يصلي، و..

(( ليس كل مصلٍّ يصلي إنما أتقبَّل الصلاة ممن تواضع لعظمتي... ))

[كنز العمال عن حارثة بن وهبة ]

﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ﴾

[ سورة المعارج :19-22]

 هذه الكلمة تشمل كل من يُصَلِّي، قال:

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ ﴾

[ سورة المعارج :23]

 جاءت صفة، فضاقت الدائرة..

﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾

[ سورة المعارج :24-29]

 تضيق وتضيق إلى أن تُغَطِّي هذه الآية قلَّةً قليلةً من الذين يتَّصلون بالله حقَّ الصلة.
 فيا أيها الأخوة الكرام... كما قلت قبل قليل:

(( ليس كل مصل يصلي، إنما أتقبل صلاة ممن تواضع لعظمتي، وكف شهواته عن محارمي، ولم يصر على معصيتي، وأطعم الجائع، وكسا العريان، ورحم المصاب، وآوى الغريب كل ذلك لي، وعزتي وجلالي إن نور وجهه لأضوأ عندي من نور الشمس، على أن أجعل الجهالة له حلماً، والظُلمة له نوراً، يدعوني فألبيه، ويسألني فأعطيه، ويقسم علي فأبره، أكلأه بقربي، وأستحفظه ملائكتي، مثله عندي كمثل الفردوس لا يتسنّى ثمرها ولا يتغير حالها))

[ أخرجه الديلمي عن حارثة بن وهب ]

7 ـ تفضَّل الله علينا بأن جعل لكل شيءٍ سبباً :

 أيها الأخوة الكرام... يعلمنا الإسراء والمعراج شيئاً آخر هو أن الله عزَّ وجل تفضَّل علينا بأن جعل لكل شيءٍ سبباً، وهذا نظام السببيَّة له ما يُقابله في عقل الإنسان، فعقلُ الإنسان مُبَرْمَجٌ وفق نظام السببيَّة، والكون مخلوقٌ ومصمَّمٌ وَفْقَ نظام السببيَّة، فهذا النظام يقودنا برفقٍ ولطفٍ إلى الله عزَّ وجل. كل شيءٍ له سبب، من هو المسبِّب الأول؟ إنه الله.
 لكنَّ الإنسان قد يتوهَّم أن السبب هو الذي يخْلُق النتيجة، فإذا توهَّم ذلك وقع في الشرك، لأن التوحيد أن ترى أن الله هو مسبِّب الأسباب، وأن الأسباب وحدها لا تفعل شيئاً إلا أن يأذن الله لها أن تفعل. فنظام السببيَّة الذي صمَّمت عليه عقولنا، ونظام السببيَّة الذي صمِّم به الخَلْق، هذا النظام سببٌ في هدايتنا إلى الله مسبِّب الأسباب.
 لو أن الشيء بلا سبب لا تعرف أن لهذا الكون خالقاً، فمن أجل أن تعرف أن لهذا الكون خالقاً، لابدَّ أن يكون لكل شيءٍ سببٌ، لكن هذا السبب عند علماء التوحيد يرافِق النتيجة وليسَ خالقاً لها، والدليل على ذلك أن الله أحياناً يُعَطِّل هذه الأسباب، وأحياناً يُلْغيها، تكون موجودة فيعطِّلها، أو ليست موجودة فتأتي النتائج بلا أسباب، وهذه هي المعجزات.
 للمعجزات وظيفةٌ في العقيدة خطيرة، إنها تُعَلِّمُنا أن السبب لا يكفي لخلق النتيجة، لابدَّ من فِعْلِ الله في خلق النتيجة، والدليل: لا يمكن أن تنتقل من بلدٍ إلى بلد إلا وفق أنظمة الأرض، أما أن ينتقل النبي من مكة المكرَّمة إلى بيت المقدس، ويعرُج إلى السموات العُلا ويعود، والفِرَاش لا يزال ساخناً، هذه معجزة، والمعجزة لا تأخذ بقوانين الأرض، من هنا قال الله سبحانه وتعالى:

﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾

[ سورة الإسراء: 1]

 معنى " سبحان " أن هذا الحدَث لا يفسَّر وفْق قوانين الأرض، بل إن قوانين الأرض معطَّلة في هذا الحدث الجليل.

 

8 ـ السبب وحده غير كافٍ لخلق النتيجة :

 أيها الأخوة الكرام... أَجَلُّ درسٍ في العقيدة في الإسراء والمعراج أن السبب وحده غير كافٍ لخلق النتيجة، أما الذي يخلُق النتيجة فهو الله عزَّ وجل، فالمؤمن إذاً في ضَوْءِ هذه الحقيقة يأخذ بالأسباب تأدُّباً مع الله وكأنها كل شيء، لكنه يعتقد اعتقاداً جازماً أن الأسباب وحدها لا تفعل شيئاً، لابدَّ من توفيق الله، ولابدَّ من فعل الله كَي تحدث النتائج، لذلك يأخذ بها امتثالاً ويعتمد على الله توحيداً، يأخذ بها وكأنها كل شيء، ويعتمد على الله وكأنها ليست بشيء، هذا درسٌ بليغ في التوحيد ينبغي أن نَعْلَمُه. الله عزَّ وجل يخلق السبب ويعطِّله، أو يخلق النَتيجة بلا سبب كي لا نتوهَّم أن السبب خالق النتيجة.

تلخيص لما سبق :

 في الإسراء والمعراج دروسٌ كثيرة منها: درسٌ في التوحيد، ومنها درسٌ في أن الصلاة عماد الدين، ومنها أن هذه المِحَن والشدائد تسوق المؤمن إلى باب الله عزَّ وجل، ومنها أن هذه الدنيا دار ابتلاء لا دار استواء. معالِم كثيرة، وحكمٌ جليلة، واستنباطاتٌ خطيرة نأَخُذها من الإسراء والمعراج، ليست العبرة أن نردِّد تفاصيل هذا الحَدَث، فقد ردَّدها الخطباء على مرِّ العصور والدهور، ولكن العبرة الآن أن نستنبط منها، ماذا يعلِّمنا الإسراء والمعراج ؟ يعلمنا أن نعتقد أن هذه الدنيا دار عمل وليست دار جزاء، تُعَلِّمُنا هذه المعجزة أن الدنيا فيها محنٌ وعقبات، فيها ابتلاءات، فيها شدائد ؛ وهذه تدفع الإنسان إلى باب الله عزَّ وجل.
 ـ قال: " مالكِ يا بنيَّة ؟ " ـ قالت: حُمَّى لعنها الله. ـ قال: لا تلعنيها فو الذي نفس محمدٍ بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب. وقد ورد في الأحاديث الصحيحة الكثيرة: أن المصائب في الدنيا تكفيرٌ لذنوب المؤمن، تطهِّر، وترقى بالإنسان.
 فيا أيها الأخوة الكرام إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق مرَّ بمضائِقَ صعبةٍ جداً، وكانت هذه المضائِق الصعبة سبباً لبلوغه أعلى مقام، فلمَ للمؤمن يضجَر أحياناً من بعض الشدائد ؟ إن هذه الشدائد ثمنٌ باهظ لعطاءٍ كبير، لا تنسوا أن الإسراء والمعراج أتى بعد الطائف، فكان درس الطائف درسَ صَبْر، وكان الإسراء والمعراج درس شُكر، ففي الطائف صبر، فكان ردُّ الحضرة الإلهيَّة في الإسراء والمعراج أنه كرَّم النبي أعلى تكريم، ورفعه إلى مرتبة سيِّد الأنبياء والمرسلين.
 أيها الأخوة المؤمنين... الدروس البليغة التي عاشها الأنبياء هي دروسٌ ينبغي أن تكون مصغَّرةً للمؤمنين، درسٌ لكلِّ مؤمن، وهكذا في كل أحداث الدعوة الإسلامية، أحداث الدعوة الإسلاميَّة لم تحدُث عفو الخاطِر، ولم تحدث صدفةً، إنما حدثت بشكلٍ مركزٍ مركَّز مركز من قِبَلِ الله عزَّ وجل كي تكون درساً عملياً لنا .
 أيها الأخوة الكرام... حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزَن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطَّانا إلى غيرنا وسيتخطَّى غيرنا إلينا فلنتخذ حذرنا، الكيِّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجزُ من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني.

* * *

الخطبة الثانية :
 أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مرض نقص الألياف :

 أيها الأخوة الكرام... هناك مُنْعَطَفاتٌ خطيرة في تاريخ العلوم الغذائية، من هذه المنعطفات؛ اكتشاف الجراثيم، وأنها سببٌ لهذه الأمراض الفتَّاكة، ومن هذه المنعطفات منعطفٌ خطير اسمه: " مرض العصر " هو مرض نقص الألياف، طبيعة هذا العصر الحديث تقدِّم غذاءً مصفَّى، فالسكَّر أبيض ناعم، والدقيق أبيض ناصع ليس فيه شوائب، والفواكه نشرَب عصيرها، وكل شيءٍ نُزِعَ منه لبُّه - إن صحَّ التعبير - نُزِعت أليافه، وقُدِّم شراباً سائغاً، هذا منعطف خطير في هذا العصر.
 ما كان أحدٌ يظن قبل عشر سنوات تقريباً أن لهذه الألياف التي هي قِوام الفواكه والخُضراوات، وأن هذه القشور التي تُحيط بحبَّة القمح، هذه الألياف التي هي في بعض المواد السكريَّة، ننزعها ونعدُّها من الأشياء التي لا قيمة لها، ولا جدوى منها، ونشربُ عصير الفاكهة صافياً، ونأكل الخبز أبيض ناصعاً، ونستعمل السكر النَقِيّ، إن هذا الغذاء المُصَفَّى الذي هو من بِدَع العصر الحديث وراء كثيرٍ من الأمراض ـ الغذاء المصفَّى، الدقيق الأبيض، والسكر الأبيض، والعصير الرائِق.
 أيها الأخوة... العلماء كانوا يظنون أن هذه الألياف هي عنصرٌ زائدٌ عن الحاجة، وأن دورها في الهضم يتميَّز بالسَلْبِيَّة، لذلك عرَّفوها بقدر ما وسِعهم الإدراك، فقالوا: " إنها جزءٌ من الطعام يعبُر القناة الهضميَّة من دون أن يُهْضَم ". بل وجدوها عبئاً على جهاز الهضم، لذلك عمدوا إلى تنقية الطعام منها، فقدَّموا لنا ما يسمى بالأطعمة النقيَّة. أيْ أنَّ هذا الذي نأكله خلاف التصميم الإلهي. كل شيء ننزع أليافه، وننزع تفله، وننزع شوائبه، وننزع قشره، ونأكله صافياً نقياً.

مضار نزع الألياف من الغذاء :

 أيها الأخوة أرجو أن تدققوا... إن أول أخطار هذا الغذاء النقي هو الإمِساك، لأن حجم هذه الألياف فقط يسهِّل عملية الأمعاء، إن حركة الأمعاء ـ تتحرَّك كي تهضم الطعام ـ تحتاج إلى كتلةٍ من الألياف تثير جدران الأمعاء، فلو اختفت هذه الألياف، وبقي الطعام كله سائلاً، وخالياً من هذه الألياف المُفيدة، فإن حالة الإمساك التي هي من أول أخطار هذا الطعام النَقي، والإمساك وراء خمسين مرض.
 شيءٌ آخر: إن هذه الألياف - المواد السيللوزية - تعمل على امتصاص الماء والاحتفاظ به كي يصبح الهضم سهلاً ليناً، فكأنما هي مُلَيِّنات، لذلك يتم الهضم مع الألياف بيسرٍ وسهولة، فإذا نُزِعَتْ أصبح الهضم صعباً.
 الشيء الثالث أيها الأخوة: إن هذه الألياف تعمل على امتصاص مادة الكولسترول، وامتصاص الدهنيات، فإن هذه المواد الدهنيَّة لها متاعبٌ خطيرة في مستقبل الحياة، إنها تترسَّب على جُدُر الشرايين، وتضيق لمعتها، ويتعب القلب، ويصاب بالذبحة القلبيَّة، كل هذا من وراء ترسُّب الدهنيات على جُدُر الشرايين، وهذه المواد السيللوزية تمتص الدهنيات والكولسترول.
 أيها الأخوة... هذه الحقيقة يجب أن تعيدنا إلى ما صمَّمه الله عزَّ وجل ؛ أن نأكل الفاكهة كما خلقها الله، أن نأكل الخضراوات كما أوجدها الله عزَّ وجل. فهذه صحةٌ ما بعدها صحة، التصميم الإلهي مطلقٌ في كماله، وأيُّ تعديلٍ فهذا التعديل نحو الأسوأ حَتْمَاً، فمن منَّا ينتبه إلى أن هذه الألياف لها دورٌ خطير مع أنها لا تُهْضَم ؟ إن قشر القمح فيه ما يزيد عن ستة فيتامينات وثمانِية معادن، هذه نخسرها حينما نأكل الخبز أبيض ناصعاً.
 أيها الأخوة الكرام... لابدَّ من أن ندرك أن بعض الأمراض العامة سببها خطأ في برمجة الغذاء في هذا العصر، يقول الله عزَّ وجل:

﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾

[ سورة الشعراء : 78-80]

 أي أن المرض عُزي في هذه الآية إلى الإنسان من سوء تصرُّفه، ومن سوء اختياره، ومن عدم تقَّيده بأصل التصميم الإلهي.

 

الدعاء :

 أيها الأخوة الكرام إني داعٍ فأمِّنوا. اللهمَّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنَّا شرَّ ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يُقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعزُّ من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولك الحمد على ما قضيت، نستغفرك ونتوب إليك.
 اللهمَّ هب لنا عملاً صالحاً يقرِّبنا إليك، اللهمَّ أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر، مولانا رب العالمين. اللهمَّ بفضلك ورحمتك أعل كلمة الدين، وانصر الإسلام وأعزَّ المسلمين. اللهمَّ اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانتين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تعاملنا بفعل المسيئين يا رب العالمين.
 اللهمَّ وفِّق ولاة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لما تحب وترضى، اللهمَّ وَحِّد كلمتهم، واجمع بينهم، واجمعهم على الحق والهدى يا رب العالمين، إنك على ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير.

موقع موسوعة النابلسي للعلوم الإسلامية - © جميع الحقوق محفوظة لموقع النابلسي 2018